الوالد والولد

رواية تمثيلية في أربعة فصول

الفصل الأول

المشهد الأول

(السيد «بارنت» – خادمة «جوليا»)
السيد (داخلًا) : هل عادت مولاتك؟
الخادمة (باشمئزاز وسخرية) : هل عوَّدَتْنا د في منتصف السابعة.
السيد (بضجر) : إن سيدتك حرة فيما تفعل فلا تعترضي … على أنني أستطيع في غيبتها أن أبدِّل ملابسي لأنني عرقت من شدة الحر.
الخادمة (مشفقة كاظمة غيظها) : أراك تتصبَّب عرقًا، ولا ريب في أنك كنت تجري حاملًا الصغير قتلًا للوقت في انتظار عودة السيدة للعشاء، أما أنا فقد تعلمت وتعودت؛ سأرجئ من الآن فصاعدًا إعداد المائدة لما بعد الساعة الثامنة، والأفضل أن ينتظر الجائع نضج الطعام … إن التأخير عن ميعاد الأكل بَطَر مذموم.
السيد (متصامًّا) : حسن حسن عاوني الصغير على غسيل كفيه لأنه كان يلعب بالرمل، أما أنا فسأبدل ثيابي كما قلت. أوصي الخادم بتنظيف راحتي الصغير جيدًا (يخرج).

المشهد الثاني

الخادمة (متحسرة) : لو كنت رجلًا ما سمحت لزوجتي أن تسحبني من أنفي كما تفعل بك السيدة زوجك … لكل إنسان طبع لا يفارقه (تخرج).

المشهد الثالث

السيد (لنفسه) : بدأت هذه الخادمة تكون خطرًا جديدًا في الدار، إن بغضها زوجتي ظاهر، وهي كذلك لا تخفي بغضها لبول ليموزان صديق الأسرة الوحيد وصديقي منذ الصبا، وإني أحبه لأنه نعم الوسيط بيني وبين زوجتي والمانع لصواعق غضبها، ولطالما رأيته يعنِّفها كلما رآها تشاجرني بلا سبب، بل هو الذي يخفف عني وطأة مصائب الحياة التي تدهم أرباب البيوت في كلِّ يوم … إن مربيتي جوليا قد خرجت عن حدِّها حتى إن زوجي أنذرتني بطردها إذا ساء أدبُها بعد الحادثة الأخيرة، ولكنها ترعى جانبها وتجاملها في معظم الأحيان لعلمها أنها قريبتي ولكن يلوح لي أن دوام هذه الحال محال، فما العمل؟ … أأطرد جوليا؟ … مستحيل … أأنصرها على زوجتي؟ … مستحيل أيضًا … بيد أن عيشي بين هاتين المرأتين أصبح أمرَّ على نفسي من أحد الحلَّين … أأستشير صديقي في حل هذه المعضلة … ولكن ربما يشير عليَّ بطردها حقدًا عليها وانتقامًا لكرامتها.

المشهد الرابع

(تدق الساعة السابعة، يحاول قراءة جريدة، ثم يدخل الولد وقد تنظف، فيأخذ في تدليله والولد يضحك فرحًا ويهز يديه ورجليه ويصرخ من السرور، والوالد يقبله بحرارة عدة مرات ويضمه إلى صدره.)

المشهد الخامس

الخادمة : الساعة السابعة يا سيدي.
السيد (ينظر إلى الساعة) : الساعة السابعة … هذا صحيح.
الخادمة : ها هي المائدة قد مُدَّت.
السيد : ألم تخبريني لدى حضوري أنك تعدينها الساعة الثامنة؟
الخادمة : الساعة الثامنة؟! أترضى أنت بذلك؟ … لو رضيت أنا، أتَقْبَل أن يمتلئ الصغير في الساعة الثامنة؟ ومتى ينام؟ أتريد به الأذى … إذا لم يكن لهذا الصغير غير أمه ساءت لا شك حاله … ما أغرب أطوار أمهات هذا الزمان! … إن أعمالها لا تشرفها … إنها …
السيد (بتهديد) : جوليا لا أبيح لك اغتياب سيدتك. اسمعي ولا تنسي هذا في المستقبل (تخرج الخادمة بوقاحة ويعود السيد لمداعبة الصغير).

المشهد السادس

السيد (لنفسه ناظرًا إلى الساعة) : ليت دقَّاتها تقف أو تعود امرأتي. لا أريد أن تتأخر كذلك لا أتطلع لعودتها خشية لسان هذه الخادمة، قد يحدث ما لم يكن في الحسبان من الشرِّ بيني وبين امرأتي إذا تأخرت ربع ساعة … ما أشدَّ بغضي للأصوات المرتفعة والشتائم المتطايرة! (يعود لمداعبة ابنه ويحكي له أقاصيص خرافية.)

المشهد السابع

(تدق الساعة الثامنة، تدخل جوليا.)

جوليا (بهدوء الشخص الذي ينوي الشر) : مولاي، إنني خدمت المغفور لها والدتك إلى آخر نسمة من حياتها، وتعهدتك بالتربية والعناية منذ ولادتك إلى الآن، فأستطيع أن أقول عن ذاتي إنني مخلصة لأسرتك.
السيد : هذا صحيح يا عزيزتي جوليا.
جوليا : وتعلم جيدًا أنني لم أفضِّل طول حياتي شيئًا على مصلحتكم، وتعلم أنني لم أخُن ولم أكذب ولم أستحق ملامًا، فقد وكلتم إليَّ تدبير هذه الدار.
السيد : كل هذا صحيح يا جوليا.
جوليا : والآن أقول يا سيدي إن دوام هذه الحال محال … سأفاتحك بشيء لم أفاتحك به حتى الساعة احتفاظًا بصداقتك وودك، فتركتك تمرح في نعيم الجهل، ولكن الأزمة اشتدت وأخذ الناس يضحكون منك، في سائر الحي. افعل ما بدا لك فهذا لا يمنع الناس من التحدث بالحقيقة، وينبغي لي أن أقول الحق وإن كانت نفسي تأبى النميمة والغيبة، ولكن اعلم أن امرأتك تتأخر في العودة إلى منزلها لأنها تفعل ما لا يليق بامرأة طاهرة.
السيد (باضطراب) : صه … لقد حرمت عليك منذ هنيهة …
الخادمة : كلا يا سيدي يجب عليَّ الآن أن أقول لك كل شيء … إن امرأتك منذ عهد طويل تخونك مع المسيو ليموزان، وقد رأيته بعيني أكثر من عشرين مرة يقبلها خلف الأبواب وفي أركان الغرف … وقد علمت أنه لم يعُقْهما عن الزواج إلَّا الفقر … تذكَّرْ كيف تمَّ زواجكما تدركْ حقيقة الأمر من بدايته.
السيد (ناهضًا وقد ازداد اضطرابه) : اصمتي … اصمتي وإلا …
جوليا : كلا، سأقول لك كل شيء، إن امرأتك اقترنت بك لثروتك وخانتك مع صديقك في أول يوم، وكان هذا الأمر متفقًا عليه بينهما. يكفي أن تتأمَّل قليلًا فتدرك كل شيء. إنها تزوجت منك بالرغم عنها ولم تكن تحبك؛ لذا سوَّدت عيشتك وكدرت صفو أيامك حتى انفطر قلبي عليك … أنا التي ربيتك صغيرًا ورأيت مذلَّتك وشقاءك كبيرًا.
السيد (يدنو منها ليضربها) : اصمتي … اصمتي (جوليا تتقهقر وتضطرب ولكن الولد يأخذ يصرخ ويبكي ويختفي وراء أبيه، فازداد اضطراب الرجل وأخذ يهجم على الخادمة ليضربها) واهًا لك أيتها الشقية! سيجن الصغير من سوء فعلك (يكاد يلمسها).
جوليا : تستطيع أن تضربني أنا التي ربيتك، ولكن هذا لا يصون زوجك ولا يعيد هذا الصغير إلى صلبك وهو لم يخرج منه (يُؤخَذ الرجل وتسقط يداه) … ستكفيك نظرة في وجه الصغير فتتعرف على أبيه فورًا … ويل للأعمى! أليست هذه صورة مصغرة من سحنة صديقك ورفيق صباك الموسيو ليموزان؟ … انظر إلى عينيه وجبينه … إن الأعمى الذي لا يبصر يتبيَّن شبه أبيه في وجهه (السيد يدنو منها ويقبص عليها ويهزها بشدة).
السيد : أيتها الأفعى السامة القاتلة! اخرجي من هنا وإلَّا قضيت عليك … اخرجي … اخرجي (تسقط المرأة على الأرض ثم تنهض).
جوليا : ما عليك إلا أن تخرج هذا المساء بعد العشاء ثم تعود مباشرة فترى بعينك ما لا تصدق روايته (تأخذ تجري وهو يقتفي أثرها حول الغرفة).
السيد : غادري هذا المنزل لساعتك.
جوليا : لست في حاجة لأمرك (تخرج).

المشهد الثامن

السيد (يعود محطمًا مكسور القلب حيث يجد ولده يبكي، فيصير كالمجنون من شدة غيظه واضطرابه فيقول لنفسه) : لقد تكلمت هذه المرأة بوضوح وقوة وإخلاص بحيث لا أستطيع أن أشك في نيتها، ولكنني أرتاب في صدق نظرها، فلعلها مخطئة وقد دفعها إخلاصها لي وبغضها لزوجتي إلى هذا الخطأ الشنيع (يهمل الصغير أثناء الاضطراب فيبكي الولد فيأخذه بين ذراعيه ويملأ وجهه بالقبل) … جورج ولدي! جورج عزيزي … جورج … ولكن ماذا قالت تلك العجوز المشئومة؟ قالت إنه ابن ليموزان … هذا مستحيل ولا أستطيع تصديق هذا القول، إنْ هي إلا وشاية حقيرة ينبتها الحقد في قلوب الأوفياء … (يداعب الولد فيكف عن البكاء) … ولكن إذا كان يشبه ليموزان حقيقة كما قالت (ينظر في وجه الصغير ويلمس أنفه وجبينه وأنف نفسه وجبين نفسه) تلك العجوز الشقية، إن الأعمى يرى الشبه بين الاثنين، إذن لا بدَّ من وجود شبه شديد … لعل في ملامح الاثنين ما يلفت الأنظار … إذن يا ربَّاه ماذا يكون هذا الشيء … ينبغي أن أتبينه في الصباح … إنني الآن لا أرى شيئًا لأنني مضطرب ولا أستطيع أن أتعرف على شيء، وينبغي أن أنتظر حتى الصباح، فإن كان الصغير يشبهني فقد نجونا معًا أنا وولدي، أنا وهذا الصغير … آه ها هي المرآة … كنت عميًّا عنها (يسرع إلى المرآة ويبقى واقفًا وولده على ذراعه ويُدنِي وجهه من وجه الصغير) نعم إن أنفه تشبه أنفي، قد يصح هذا ولكن ليس بالتأكيد … نظرته تشبه نظرتي … كلا … كلا … لأن عينيه زرقاوان يا ربَّاه! أكاد أُجَنُّ (يجري من أمام المرآة، يجلس على كرسي في طرف القاعة منهوك القوى يبكي ويبكي الصغير).
(ستار)

الفصل الثاني

المشهد الأول

(يدق جرس باب الدخول – السيد – الزوجة – ليموزان)
السيد : ها هي امرأتي قد عادت. ماذا أنا فاعل؟ سأفرُّ إلى غرفتي لأتدبر أمري (يخرج ثم يعود) … لا بدَّ من الشجاعة والثبات في هذا الموقف الرهيب مهما يكن الرجل جبانًا أو طائشًا في سواه. لا بدَّ لي من معرفة الحقيقة (يرتجف) ولكن لماذا أرتجف؟ (يدق الجرس بشدة) هذا أثر الخوف في نفسي. أأخشاها؟ كلا (يخرج ثم يعود وخلفه امرأته وصديقه).

المشهد الثاني

الزوجة : تؤدي الآن وظيفة فتح الباب! أين جوليا إذن؟ (يحاول أن يجاوب فلا يستطيع) … هل رماك الله بالبَكَم؟ أسألك أين جوليا؟
السيد (باضطراب وتلجلُج) : إنها … إنها خرجت.
الزوجة (ببداية غضب) : كيف خرجتْ وإلى أين ولماذا؟
السيد (يستعيد شهامته شيئًا فشيئًا) : إنها خرجت نهائيًّا ولن تعود … لقد طردتها.
الزوجة : أنت طردتها؟ طردت جوليا … إنك مجنون!
السيد : نعم طردتها لأنها أظهرت وقاحة وأساءت معاملة الصغير.
الزوجة : جوليا؟
السيد : نعم جوليا.
الزوجة : وكيف ظهرت وقاحتها؟
السيد : بشأنك.
الزوجة : بشأني؟
السيد : نعم لأن النار أحرقت الطهي ولمَّا تعودي.
الزوجة : فما قالت إذن؟
السيد : قالت إن من سوء حظ رجل مثلي أن يتزوج من امرأة مثلك، تخلف الميعاد وتزدري بنظافة الأسرة ولا تُعنَى بشئون ولدها الصغير وتسيئ إدارة منزلها، وهي عدا ذلك زوج سيئة السلوك.
الزوجة (تخلع قباءها بسرعة وغضب، وتلقي به على كرسيٍّ، وتقصد زوجها مدمدمة) : تقول … تقول إنني …
السيد (بهدوء) : أنا لا أقول شيئًا يا عزيزتي إنما أعيد على سمعك ما قالت جوليا كما طلبتِ، وأقول إنني طردتها لهذا.
الزوجة (بغيظ شديد مكظوم) : هل تعشَّيت؟
السيد : كلا لأنني كنت منتظرًا.
الزوجة (ترفع كتفيها بدون مبالاة واستهزاء) : من البلادة والغباوة أن تنتظر بعد منتصف الثامنة، وكان ينبغي لك أن تفهم أنه حدث عائق منعني عن العودة في الميعاد أو أنني كنت مشغولة، على أنني كنت أشتري أشياء لا غنى لي عنها من السوق الكبرى بشارع رين، ولدى عودتي لقيت ليموزان بعد الساعة السابعة في بولفار سان جيرمان، فطلبت إليه أن يصحبني إلى مطعم أتزود فيه بما يتيسر لعدم إمكاني دخول المطاعم بمفردي مهما بلغ بي الجوع، بما لا يُسمَّى عشاءً لأنني اقتصرت على الحساء وصدر دجاجة رغبة مني في سرعة العَوْد.
السيد : لقد أحسنتِ … إنني لا أوجِّه نحوك أقل لوم.
ليموزان (الذي كان صامتًا ومختفيًا تقريبًا وراء الزوجة يظهر بوجل ويمد يده إلى السيد) : كيف حالك؟ لعلك بخير.
السيد (يصافحه بفتور) : إنني بخير.
الزوجة (كمن تتذكر قولًا مضى) : لَوْم؟ لماذا تذكر اللَّوْم؟ … يظهر أنك سيِّئ النية.
السيد (معتذرًا) : كلا إنما أردت أن أقول إنني لم أنزعج لغيابك، ولم أعُدَّ هذا التأخير خطأً.
الزوجة (كمن يبحث عن سببٍ للشجار) : تأخير؟ مَن يسمعك يحسب أنَّا في الساعة الأولى من الصباح وأنني قضيت الليل في غير بيتي.
السيد : كلا ثم كلا يا عزيزتي، أقول تأخير لأنه ليس لديَّ كلمة أخرى أقولها لأن عودتك كانت منتظرة في منتصف السابعة، فعدت في منتصف التاسعة، وهذا يُسمَّى تأخُّر وليس له في اللغة اسم آخر، وقد علمت السبب ولم يَبْهتْنِي تفسيرُك، ولكنني لا أستطيع أن أستعمل كلمة أخرى سوى كلمة تأخُّر.
الزوجة : ولكنك تنطقها بحيث يظن السامع أنني قضيت الليل في غير بيتي. كلا … كلا … (تحاول دخول غرفتها ثم تقف) … مالي أرى هذا الصغير كئيبًا؟
السيد : قلت إن جوليا أساءت إليه قليلًا.
الزوجة : ماذا فعلت له هذه الفاجرة؟
السيد : لا شيء تقريبًا … إنها دفعته فوقع.
الزوجة : هذا عجيب جدًّا … جوليا تغتابني ثم تضرب ولدي وأنت زوجي ووالده تجد الأمر طبيعيًّا.
السيد : كلا … كيف ذلك؟! لقد طردتها.
الزوجة : حقًّا إنك طردتها … مرحى! مرحى! … كان يجب عليك أن تقتلها … كان ينبغي أن تستغيث برجال الشرطة.
السيد : لم أجد يا عزيزتي سببًا قويًّا يؤدي إلى هذه الشدة.
الزوجة : ستبقى طول حياتك كالخرقة البالية … كائن مسكين بدون إرادة عاجز يستحق الشفقة … بلا قوة ولا عزم … أظنها قلبت لك ظهر المِجَنِّ ولم تُبقِ لك كرامة وإلَّا ما استجمعت شجاعتك لطَرْدِها … كان بودي أن أكون هنا ولو لحظة لأشهد هذا المنظر (تسرع إلى ولدها وتحمله) … جورجي العزيز! ماذا حل بك يا قطي المحبب يا ملاكي … يا فرخي الصغير؟ ماذا جرى لك يا قطي في غيبتي؟
الولد : زوليا ضلبت بابا.
الزوجة (تلتفت إلى زوجها في دهشة أولًا ثم تصيبها نوبة ضحك كالجنون فتقهقه) : آه آه آه آه … جوليا ضر … ضر … ضربتك؟ ما أضحك هذا؟! ما أضحك هذا؟! … أسمعت يا ليموزان … جوليا ضربته … ضربت زوجي … ما أضحك هذا!
السيد (بتلجلُج) : كلا … هذا ليس صحيحًا إنما أنا ألقيت بها إلى الأرض … أنا ضربتها ولكن نظر الطفل أخطأ.
الزوجة (إلى ولدها) : أعد يا فرخي الصغير ما قلته … أصحيح جوليا ضربت بابا؟
الولد : نعم زوليا ضلبت بابا.
الزوجة : ولكن الطفل لم يتناول شيئًا … إنك لم تتعشَّ يا عزيزي.
الولد : لا يا أماه.
الزوجة (نحو زوجها بغضب شديد) : ما أشد جنونك! الساعة التاسعة ولمَّا يأكل الصغير؟!
السيد : كنا يا عزيزتي ننتظرك ولم أشأ أن أتعشَّى بدونك، وحيث إنك تعودتِ التأخير فكنت أنتظرك اللحظة بعد اللحظة.
هي (تضع قبعتها على كرسيٍّ) : حقًّا ليس محتملًا أن نعاشر أشخاصًا لا يفهمون ولا يفطنون ويعجزون عن أداء أبسط الأعمال … أكان الطفل يبقى بلا عشاء إلى نصف الليل لو أنني تأخرت حتى تلك الساعة؟ كأنك لم تفهم بعد الساعة السابعة أنه استجد ما يعوقني عن العَوْد في الميعاد (يبدو الغضب على وجه السيد، فيتداخل ليموزان ليمنع هبوب العاصفة).
ليموزان : أنت ظالمة يا عزيزتي … إن زوجك لم يكن يعلم أنك ستتأخرين إلى هذه الساعة لأنه لم يتعوَّد هذا منك … وكيف تنتظرين منه أن يقوم بكل شيء بمفرده بعد أن خرجت جوليا وهو غضبان منزعج؟
هي : ومع ذلك يجب عليه أن يقوم بمفرده بما أهمل من أعمال (تخرج وينهض ليموزان ويأخذ في مساعدة بارنت في رفع الأواني ويصلح المائدة ويجلس الطفل في مجلسه المعتاد، ويخرج بارنت لإحضار الخادمة الأخرى لتخدم على المائدة، فتعود بالطعام ويجلس بارنت بجوار ابنه وعليه علامات الحزن، ويبدأ بإطعام الصغير ويجتهد في أن يأكل ولكنه لا يستطيع. يأخذ في النظر إلى وجه ليموزان ووجه ابنه وكأنه يقارن بينهما، ثم يمتنع عن الأكل وتظهر عليه علامات التألُّم والانزعاج وكظْم الغيظ الشديد، ثم يظهر عليه كأنه في حلم ثم ينتبه فجأة، وتدخل الزوجة).
الزوجة (إلى ليموزان) : إنني جائعة وأنت يا ليموزان (تعود بروب دي شامبر).
ليموزان : وأنا أيضًا أظنني جائعًا (يجلسان ويبدأان الأكل بشهية وتظهر عليهما علامات السرور، ويراقبهما بارنت خفية وأخيرًا يبدو عليه أثَرُ مَن صحَّت عزيمته على شيء).
بارنت : يا عزيزتي حيث إنني طردت جوليا فينبغي لي أن أهتم بالبحث عن خادم تحلُّ محلَّها، وسأخرج حالًا لهذا الغرض لتباشِرَ الخادم الجديدة العمل من غداة غدٍ، وقد أعود متأخرًا.
هي : اذهب إلى حيث شئت، أما أنا فباقية وسيؤنسني ليموزان في غيبتك وسنبقى في انتظارك … (إلى الخادمة التي لا تزال أمام المائدة) اذهبي وأنيمي الصغير ثم عودي فارفعي أدوات المائدة ثم اذهبي إلى غرفتك.
بارنت (ناهضًا) : إلى اللقاء عما قليل (يخرج مُستنِدًا إلى الحائط كمن به دوار).

المشهد الثالث

(العشيق ليموزان – هنريت الزوجة)
ليموزان : الله الله! إنك إذن لمجنونة إلى هذا الحدِّ تتحرَّشين بالرجل؟
هي (مُلتفِتة إليه) : اعلم أنني أزدري فكرتك التي أدت بك أخيرًا إلى اعتبار زوجي شهيدًا أو فريسة نضحي بها على هيكل حبنا.
ليموزان (يجلس في فوتيل ويُعلِي رجلًا على أخرى بجوار المِدْفأة) : إنني لا أعتبره ضحية، ولكن يضحكني أن شخصين في مركزنا يزدريان بهذا الرجل في الصباح إلى المساء بغير ذنب جناه.
هي (تأخذ لفيفة من الطباق وتشعلها) : ولكننا لا نزدري به، بل إنه يهيج غضبي بغباوته وبلادته فأعامله بما يستحق.
ليموزان : ما أسخف خطتك! … على أنك كغيرك من النساء، هاك رجلًا طيبًا بليدًا شديد الثقة بنا لا يضايقنا في شيء، ولا يشك في حقيقتنا طرفة عين، وقد تركنا أحرارًا هادئي البال، وها أنت لا تدخرين وسعًا في تهييجه لتفسدي علينا حياتنا.
هي : أفٍّ لك من جبان كغيرك من الرجال تخشى هذا النذل!
ليموزان (ينهض بغضب) : لقد زدتِ الطين بِلَّة، أريد فقط أن أعلم ما فعل بك حتى تبغضيه إلى هذا الحد. هل أشقاك؟ هل ضربك؟ هل خانك؟ … من الشناعة أن تؤلمي هذا المسكين إلى هذه الدرجة، وأن تسيئي معاملته لمجرد كونه رجلًا طيبًا وأن تبغضيه لأنك …
هي (تدنو منه وتنظر إليه) : أأنت الذي تأخذ عليَّ خيانتي له؟ أنت! أنت! إنك إذن لذو نية سيئة وغدر عظيم.
ليموزان (بخجل) : لا أعيب عليك شيئًا ولا ألومك يا حبيبتي العزيزة، ولكن أطلب إليك أن تحسني معاملة زوجك، والأجدر بك أن تدركي هذا الأمر من تلقاء نفسك.
هي (تدنو منه كثيرًا) : إذن أنت لا تدرك يا أبله أنني أبغضه لكونه زوجي ولأنه اشتراني بماله … اعلم أن كل ما يقول ويفعل وكل خاطر يمر بنفسه يهيِّج أعصابي، واعلم أن غباوته التي تسميها طيبة تغيظني، وثقله الذي تسميه ثقة يقتلني … كل هذا لأنني تزوجت منه بدلًا منك … إنني أشعر على الرغم من بعده أنه بيننا وإن كان لا يضايقنا … إن عدم ارتيابه في علاقتنا التي يدركها أبلهُ الناس دليلٌ على أنه بلغ من الغباوة مبلغًا لا يحسن السكوت عليه … أريد أن يغار عليَّ كغيره من الأزواج وقد أتت عليَّ لحظات شعرت فيها برغبة شديدة في أن أصرخ في وجه «ألا ترى يا أكبر الحمير ويا أخس الرجال وأبلههم أنني أعشق بول؟!»
ليموزان (يضحك) : الأفضل لنا أن تصمتي ريثما تسنح لك فرصة لتنفيذ هذه الفكرة الطائشة، فإن في تنفيذها فورًا إقلاقًا لراحتنا.
هي : لا تخشى على راحتنا بفضل هذا المغفل. إننا من غفلته في طمأنينة. أف إنك لا تدرك مقدار غفلته في نظري، فلذا أراك عاكفًا على تدليله وتوقيره فتبش له وتصافحه بإخلاص وتسأل عن صحته باهتمام … ما أغرب أخلاق الرجال!
ليموزان : ينبغي لنا أن نعرف كيف نخفي ما في نفوسنا في بعض الأحيان.
هي : ليست المشكلة إخفاء ما في النفوس ولكنها مسألة عواطف، فأنتم أيها الرجال إذا خنتم رجلًا أحببتموه، أما نحن فخيانتنا تبدأ ببغضنا.
ليموزان : لست أدري لماذا أبغض الرجل الذي أتمتع بزوجته؟
هي : أنت لا تدرك، أنت لا تدرك؛ لأن الأمر يستدعي دقة النظر وهو ما ينقصكم جميعًا معشر الرجال … إن هذه أشياء يشعر بها الإنسان ولا يستطيع التعبير عنها … على أنه أولًا لا ينبغي … كلا! … إنك لن تفهم ما أقول … لا فائدة في الكلام … أنتم أيها الرجال دوننا بمراحل في دقة النظر (تبتسم ابتسامة لؤم وتضع يديها على كتفيه وتمد له شفتيها ليقبلهما، فينحني برأسه ليقبلها ويضمها إلى صدره بيديه، ويبقيان هكذا قليلًا).

المشهد الرابع

(يدخل بارنت من أحد الأبواب بدون حذاء، قبعته على رأسه معكوسة، شاحب الوجه، ويداه منقبضتان كمَن يريد أن يضرب بكلتا يديه، فينظر إليهما الواحد بعد الآخر، ثم يظهر كأنه مجنون وبدون أن ينطق بكلمة يهجم على ليموزان كالوحش الكاسر، ويأخذه بكلتا يديه ويضيِّق عليه في ركن من أركان الغرفة بقوة شديدة، فيفقد ليموزان توازنه، فيذهب برأسه تضرب في الحائط، فلما ترى المرأة أن زوجها سيقتل معشوقها حتمًا تلقي بنفسها على زوجها وتقبض على رقبته وتنشب أظفارها العشرة في عنقه وتضغط بكل قوتها حتى يخرج الدم من لحمه، وتأخذ تعض في كتفه كأنها تريد تمزيقه، فلما يشعر الرجل بالاختناق والضيق يترك ليموزان لينجو من زوجته، ثم يقبض على خصرها ويقذف بها بعيدًا فترتمي في آخر الغرفة، ثم يقف الاثنين لاهثين وقد بقي كلٌّ منهما في ركنه.)

هو : اخرجا من هنا فورًا … اخرجا فورًا.
هي (تدنو منه) : أفقدتَ إذن عقلك. ما الذي حلَّ بك؟ لمَ هذا الاعتداء الفظيع بغير داعٍ؟
هو (يدنو منها كأنه يريد قتلها) : ما أبشع وقاحتك! لقد سمعت كلَّ شيء أيتها الشقية … أيها الشقيان … اخرجا فورًا أنتما كلاكما وإلَّا قتلتكما.
هي : هيا بنا يا ليموزان إلى منزلك ما دام يطردني من بيته (ليموزان لا يتحرك كأنه مأخوذ رعبًا).
هو : اخرجا فورًا أيها الشقيان وإلا … (يبدو عليه الغضب من جديد فيتناول كرسيًّا ويأخذ يطوِّح به ليرمي به أحدهما).
هي : هيا بنا يا صاحبي أنت ترى أنه مجنون … هيا بنا (تنظر كمَن يحاول اختراع أمرٍ جديد للنكاية بزوجها وإغاظته) … لا أنتقل بدون ولدي.
هو : ولدك! ولدك! أتجرئين على أن تطلبي ولدك بعد … ما أشنع جسارتك! … أتجرئين … اخرجي من هنا أيتها الفاجرة … اخرجي (تعود إليه مبتسِمة تقريبًا كأنها انتقمت لنفسها وتقول له في وجهه).
هي : أريد ولدي وليس لك حق في حجزه عني لأنه ليس ولدك. أسمعتَ؟ إنه ليس ولدك … إنه ابن ليموزان!
هو (كمَن فقد رشده) : تكذبين … تكذبين أيتها الشقية.
هي : أيها المغفل الأحمق، إن كل الناس قاطبة تعلم ذلك ما عداك … أنا أقول لك ها هو والده ويكفي للأعمى أن ينظر فيتأكد … انظر إلى وجه الولد تعرف الوالد (يتقهقر بارنت حيال هذا القول ويأخذ يبحث كالأعمى عن شمعة ويخرج بها ثم يعود حاملًا على ذراعه الولد الصغير متدثِّرًا بالغطاء … الولد يبكي لأنه تيقظ فجأة فيلقي به بين ذراعي المرأة، ثم يدفع بها نحو الباب، فينتهز ليموزان فرصة غيابه فيخرج، فيغلق الباب خلفهما ويعود ويقع على الأرض في الغرفة).
(ستار)

الفصل الثالث

(في القهوة – بارنت – موريس)

المشهد الأول

زبون : جارسون.
جارسون : سيدي.
زبون : واحد أمير.
جارسون : فورًا يا سيدي (للبوفيه) واحد أمير.
صوت من الخارج : أيكودي … باري لي ماتان … لي جورنال (تُسمَع أصوات نفير سيارة وأجراس الترام ودفع عجلات المركبات. صوت يُسمَع قريبًا جدًّا ثم يدخل القهوة) أيكودي باري … لي ماتان.
زبون : لي ماتان (يحصل تبادُل بين الزبون وبائع الجرائد).
زبون آخر : لي جورنال (يحصل التبادُل ويخرج بائع الجرائد. يدخل زبون … ويجلس على مائدة).
الزبون : جارسون … هات واحد بيرة.
جارسون : لك ذلك يا سيدي … واحد بيرة (يدخل بارنت وقد تغيَّرت أحواله الظاهرية كثيرًا؛ انحنى قليلًا وابيضَّ شعره وهزل جسده واصفر وجهه، وصار قليل العناية بملابسه ولكنها لا تزال تدل على نعمته، وتبدو عليه علامات الرجل الذي يسكر والمعذَّب الذي صار لا يهتم بشيء مع شدة قلقه، ومعه شخص آخر في شكله وسنه تقريبًا).
بارنت (لسيدة جالسة بالقهوة) : طاب ليلك يا مدام جاكميه.
جاكميه : ليلتك سعيدة يا سيدي.
زبون : جارسون واحد بيرة.
جارسون : فورًا … واحد بيرة.
بارنت (للجارسون) : جوزيف … فيرموت هل وصلت الصحف؟
جوزيف : منذ هنيهة.
بارنت : على بالطان.
جوزيف (لبارنت) : فورًا يا سيدي.
زبون : جارسون هات طاسة قهوة.
جرسون : فورًا يا سيدي … واحد طاسة قهوة.
بارنت (للرجل الذي دخل معه واسمه موريس) : إنها مصادفة غريبة.
موريس : ربَّ مصادفة خير من ميعاد.
بارنت : لو لم أمعن النظر في وجهك وأتطفل عليك بالسؤال ما تعرفت عليك؛ فقد تغيرتَ كثيرًا!
موريس : وأنت تغيرت أيضًا … تصوَّر أننا لم نتقابل منذ أكثر من أربعين عامًا! على أنني لو تغيرت فلي العذر، فقد قضيت أكثر من عشرين عامًا في الحانات والفنادق، إنها حياة تبدِّل الشخص وتغير الأخلاق.
بارنت : وأنا أيضًا منذ عشرين سنة أعيش عيشة الحانات أصرف فيها ثلاثة أرباع حياتي، بل في هذه الحانة خاصة.
موريس : ولكن أين أسرتك وأهلك؟ ألم تتزوج؟ إنني أتذكر أنني قرأت في جريدة يومًا ما خبرَ زواجِك.
بارنت : نعم تزوجت وانفصلت عن امرأتي. وأنت ألم تتزوج؟
موريس : لم أتزوج، رأيت أبي مرة يضرب أمي بسوط؛ فتغيرت الدنيا في نظري من ذلك العهد، وكأن الدهر تبسَّم لي ثم عبس، وبعد قليل ماتت أمي فتركتُ أبي وتخليت عن سائر مشاغل الحياة، وأنا الآن أعيش بلا أسرة ولا عمل وأنفق مما تركه لي والداي … وأنت؟
بارنت : إنني تزوجت وأسست أسرة وولدتْ امرأتي ولدًا …
موريس : جارسون هات واحد بيرة.
بارنت (مستمرًّا في حديثه) : واكتشفت أن زوجتي خانتني مع أعز أصدقائي وقالت لي في وجهي إن الولد ليس من صلبي! فطردتها من منزلي … ما أبعد يومنا هذا عن ماضينا البعيد الجميل! أتذكر أيامنا في مدرسة لويز الرابع عشر في مونبليه؟
موريس : نسيت كل شيء حتى نفسي.
بارنت : إن المصائب كفيلة بأن تنسي الإنسان نفسه!
موريس : لقد اختارتك الأقدار فأنزلت بك كبرى المصائب … وماذا فعلت بامرأتك؟
بارنت : اتقيت الفضائح فوكلت أمر النزاع القائم بيني وبينها إلى وكيل أعمالي، وانفضَّ الخلاف على مرتب تتقاضاه كل سنة من مالي … لقد فرق بيننا الفساد ولكن القانون يجمعنا فهي حتى الساعة امرأتي وأنا زوجها!
موريس : وماذا فعلت بحياتك؟
بارنت : عشت في بداية الأمر منفردًا.
موريس : عدتَ إلى حياة العزوبة؟
بارنت : لم أعرف شيئًا أشد ألمًا على نفس الرجل الذي تعوَّد العيشة المنزلية الهادئة من عودته فجأة وبالرغم منه وبفعل امرأة خائنة، إلى حياة العزلة والانفراد … تصوَّر انتقالك من مائدة بيتك إلى مائدة المطعم وخروجك من قيود العائلة الجميلة إلى الحرية المطلقة المرذولة!
موريس : هو الخراب بعينه!
بارنت : الخراب كلمة تُقال وتسمع ولكنها لا تنقل إلى ذهن السامع معناها الحقيقي إلَّا إذا ذاق مرارتها … لقد خربتني تلك المرأة بعد عِشْرة خمس سنين وشاركها في ذلك صديقي الذي عاشرني منذ الصبا.
موريس : المرأة سبب كل شيء في الحياة.
بارنت : على أنني أقول لك شيئًا … إنني في المدة الأولى لم أشعر بآلام كثيرة؛ لأنني كنت كالمذبوح لا يشعر بالقتل إلا بعد أن يسيل دمه، ثم إن نظام المعيشة يُنسي المصائب، ولكن بعد أن نظمتُ الفوضى الجديدة بدأت أفكر في الطفل الذي ولدته امرأتي ونسبته في اللحظة الأخيرة لعاشقها، فكنت حينًا وأنا في منزلي يُخيَّل لي أنني أسمع الصغير ينادي بابا، فكان قلبي يخفق وأنهض وأفتح الباب وأنظر في السلم لعل الصغير يكون قد عاد متوهمًا إمكان عودته كما تعود بعض الطيور كالحمام، وأقول في نفسي لماذا يكون الطفل أضعف غريزة من الطيور؟
موريس : ما أصعب هذا على النفس! وما أصعب إدراك الحقيقة بعد هذا الوهم المؤلم! لقد ذقت في حياتي مرارة هذه الأوهام.
بارنت : لقد ملك حب الطفل على نفسي، فكنت أفكر فيه ساعات بل أيامًا وأسابيع، وقد مكنتني الوحدة والفراغ من تحليل حالتي النفسية، فإن شغفي بالصغير لم يكن حبًّا قلبيًّا وحسب، بل كان حبًّا بدنيًّا أيضًا … كنت أشعر بحاجة شديدة إلى تقبيله وضمه ومداعبته، وكنت إذا ذكرت تبادُلنا القبل الوالدية أشعر بحمى وأكاد ألمس بقوة الخيال شفتيه الصغيرتين، وأحس بلمس شعره الناعم يلمس خدي.
موريس : إن الحب واحد لا يتعدد.
بارنت : إن حب الوالد لولده أشد من حب الرجل للمرأة. أتعلم أنني وأنا أسير في الطريق كنت أتخيل أنه يسير بجانبي كما كان فيما مضى، فأنظر فإذا يدي خالية من كفه الصغيرة الناعمة، فتأخذني هزة البكاء فأنتحب وأشعر كأنني فقدت البصر، وأعود أدراجي إلى منزلي حيث أبكي حتى الصباح!
موريس : إن حياتك بعد هذه الكارثة عشرين عامًا معجزة … لشد ما يحتمل الإنسان من الهموم في حياته ولا يُقضَى عليه، وقد يكون هلاكه بأهون الأسباب!
بارنت : على أن سؤالًا واحدًا كان يعذبني ويمزق قلبي … هذا الطفل من صلبي أو من صلب صديقي الخائن … لم يكن هذا السؤال الجهنمي يخطر ببالي إلا إذا جن الظلام وأويت إلى غرفة النوم، وحينئذ كانت تلك المشكلة العظمى تتملكني، فتنفِّر النوم من عيني فأنهض كالمجنون وأبقى أسير الأرق والحيرة حتى الصباح.
موريس : كيف ترتاب في نسبة الولد لذلك الرجل بعد أن قالت لك امرأتك الخئون في وجهك إنه من صلبه.
بارنت : ارتبت وحق لي أن أرتاب؛ لأن تصريح المرأة في مثل هذه الحال لا قيمة له، فلعلها أرادت الانتقام مني على هذه الصورة الشنيعة، بل كثيرًا ما وصلت بالتفكير والتأمل إلى الاعتقاد بأنها كانت كاذبة.
موريس : ذلك الرجل وحده دون سواه هو الذي يعرف الحقيقة ويستطيع أن يقفك عليها.
بارنت : لقد خطر هذا الخاطر كثيرًا ببالي، وقد حاولت المرة بعد المرة أن أقنع نفسي أن أقصده وأتوسل إليه وأمنحه كل ما يطلب إذا هو صدقني.
موريس : وما الذي دعاك للعدول عن هذا المسعى؟
بارنت : نفسي حدثتني بأن العاشق لا بدَّ يكذب كما كذبت معشوقته، ألم يتحالفا ضدي؟ ألا يخشى أن أسترد ولدي إذا قال لي إنه من صلبي، فإذا استرددته سقطتْ النفقة التي تتقاضاها المرأة ويعيشان بها في رغد من العيش.
موريس : لعلك أخطأت بتسرعك. كان يجوز لك أن تخفي عواطفك وتصبر شهرًا أو شهرين لتتأكد من نسب الولد. يكفيك أن تراقب صديقك والصغير في خلوتهما، فإن الرجل إذا بقي منفردًا مع الطفل فقد ينتهز الفرصة ليقبله قبلة الوالد بشغف وحب وقوة؛ لأن قبلة الوالد لا تخفى على أحد، أما إذا كان يهمله أو يقبله بلا اكتراث فكنت تثق إذن بأنه من صلبك، وكنت تستطيع والحال هذه أن تطرد المرأة وتحتفظ بالصغير.
بارنت : لقد أعوزني الصبر عندما علمت بالحقيقة المؤلمة من لسان الخادم، إن الجلد الذي تقترحه عليَّ لا يأتي في وقت الشدة والهياج. على أنه قد خطر ببالي هذا الخاطر بعد الحادثة وقضيت ليالي بطولها في محاولة تذكُّر أحوال الرجل مع الطفل فلم أستطع تذكُّر شيء. كذلك المرأة لم تكن لها عناية بولدها وقد أقنعني إهمالها إيَّاه بأن الولد من صلبي؛ لأنه لو كان من صلب عشيقها لكان تعلُّقها به أشد وعنايتها بتربيته أعظم.
موريس : لقد تعلَّقتْ به في اللحظة الأخيرة ولم تغادر بيتك بدونه.
بارنت : قد يكون هذا من قبيل النكاية أو من قبيل النفع المادي؛ لأن الطفل سلاح في يديهما وقد حارباني به وانتصرا.
موريس : ولكن ألم تحاول قط استرداد الطفل؟
بارنت : لقد حاولت ذلك وصحت عزيمتي يومًا على ذلك، ولكنني لمَّا صممت نهائيًّا عدت فذكرت أن الخادم أخبرتني أن عشقها يرجع إلى بداية الزواج، وأن المرأة كانت تعشقه عشقًا يكاد يكون جنونًا، والمرأة إذا عشقت وهبت نفسها لعاشقها بكل قواها وأكثر ما يكون حمل المرأة من رجل تحبه. أما أنا فكان نصيبي منها في أوقات خلوتنا نصيب الرجل المكروه الذي تُنِيله المرأةُ مأربَه منها وهي نافرة متضرِّرة، ويندر أن تحمل المرأة من رجل تبغضه.
موريس : أهذا الذي دعاك للعدول عن استرداد الطفل؟
بارنت : أجل … قلت في نفسي إنني إذا استرددته فسوف أبقى دائمًا مرتابًا في أنه ابن الآخر ولن أطيق إذن تقبيله أو ضمه إلى صدري أو مداعبته، بل لن أطيق سماع صوته يناديني بابا، وكنت إذن أبقى طول حياتي معذَّبًا بهذا الشك المؤلم المزعج! ففضلت الوحدة على عِشْرة هذا الطفل الذي سيجعل حياتي جحيمًا دائمًا!
موريس : يا لك من ضحية! إن الإخلاص وحسن الظن بالناس والاستسلام للنساء يؤدي بالإنسان إلى …
بارنت (مكمِّلًا) : إلى جهنم … إن هذه الشكوك أطفأت نور قلبي وآذنت بحلول الظلام في نفسي وروحي، فكنت أفر من ذاتي كمن يفر من عدوٍّ مخيف، وأخيرًا تجسَّم هذا الظلام النفسي بحيث صرت أخاف الظلام الحقيقي، فإذا ما بدأ الشفق مؤذنًا بدنوِّ الليل تدثرتْ نفسي وقلبي برداء من الرعب والرهبة، وتولَّدت فيهما للخوف أفاعٍ لاذعة، وطغى الغمُّ عليَّ كأنه فيضان نهر حالك السواد، وامتدت إلى فؤادي براثن اليأس؛ فشعرت كأنني ميت بين الأحياء أو مجنون بين العقلاء، أتعلم مقدار هذه الآلام؟ إن أفكاري أصبحت كالوحوش التي تطارد إنسانًا مطمئنًا فيفر أمامها مهزومًا ثم لا يرى بدًّا من الاستسلام لها؛ فتنشب فيه أظفارها القاتلة وتنهش لحمه حتى تقضي عليه.
موريس : لعل عيشة العزوبة بعد الزواج هي التي أحدثت بك هذا.
بارنت : عيشة العزوبة في المحل الثاني والمنزل الذي كنا نقطنه في المحل الأول … المنزل ذلك المنزل الذي حلَّ به الخراب بعد العمران … ذلك المنزل الذي كنت أعود إليه فرحًا مستبشرًا فأجده مُضاءً آهِلًا بمَن كنت أعتقد أنهم أخلص الناس لي … حلَّت بي الكارثة فكنت أعود إليه فإذا هو في ظلام حالك مملوء بالأشباح المخيفة، فكنت أتحاشاه وأتحاشى ما يحيط به من الطرق الضئيلة الأنوار وألتجئ إلى الطرق الفسيحة المملوءة بالحركة والحياة والأضواء … هذا ما كنت أشعر به في أيامي الأولى … وكنت إذ ذاك ألجأ للحانات الحافلة بالناس كما يتهافت الفراش على السراج المضيء، فأنتحي ناحية وأطلب الكأس فأحسوها حسوًا بطيئًا خوفًا من فراغها ومرور الوقت ودنوِّ ساعة الانصراف والوحدة … وكلما قام أحد رواد الحانة فكأنه قطعة من نفسي تغادرني! وأكاد أتمسك به وأتشبث بثيابه وأتوسل إليه أن يبقى معي؛ لأنني أترقب برعب شديد تلك الساعة التي يقول لي فيها خادم الحانة آن لنا أن نغلق فتفضل يا سيدي بالانصراف.
موريس : أكنت تبقى إلى تلك الساعة؟
بارنت : نعم أبقى إلى الساعة التي ينصرف فيها آخر إنسان ويشرع الخدم في نقل الكراسي والمناضد وتغيير معالم المكان، وكنت أرى متألمًا صاحب القهوة وأمينة الصندوق يتناقشان الحساب، وطالما سمعت الخدم فيما بينهم يشيرون إليَّ من طرف خفي، ويقول أحدهم لأخيه هاك ضيفًا لا يدري أين يبيت.
موريس : وقاحة الخدم في تلك الأماكن لا تُطاق، على أنهم لا يعرفون مصائبنا.
بارنت : فإذا ما خرجت إلى الطريق المظلمة الباردة في الساعات الأولى من الصباح عاودتني وساوسي، وأخذت أفكر في الطفل وأسائل نفسي ذلك السؤال الأبدي الذي تعوَّده ذهني ولساني، بحيث أفكر فيه بغير مجهود عقلي وأنطق به بدون أن أحرك لساني «هل الطفل من صلبي أو من صلبه؟»
موريس : يا لنا من شِقَّين.
بارنت : إنني أشعر بأن الهمَّ يسلب حياتي شيئًا فشيئًا، تكاد الخمر التي أتجرعها عن غير رغبة، والهواء الفاسد الذي أستنشقه اضطرارًا يقتلانني.
موريس : وأين تتناول طعامك؟
بارنت : هنا في هذا المكان أفطر صباحًا وأتغدَّى ظهرًا وأشرب الخمر عصرًا وأتعشى ليلًا، وإنني أحمد الساعتين التاليتين للغداء، فإنني بفضل كأسين أتمكن من النوم، وناهيك بنوم النهار بعد الغداء في مكان عام مطروق، فإن عيني تغمض جالسًا كأنني حارس أختلس النعاس، ولا يتحاشى الخدم إزعاجي أكثر من عشرين مرة، وفي الساعة الرابعة يقدم لي أحدهم الجرائد التي قرأتها صباحًا فأعيد تلاوتها عصرًا من أول سطر في الصحيفة الأولى إلى آخر سطر في الصحيفة السادسة أو الثامنة.
موريس : كان يحسن بك أن تغيِّر نظام حياتك نوعًا.
بارنت : هذا ما حاولت، فقد تركت الدار تنعي مَن بناها، ولجأتُ إلى غرفة في فندق واخترت أقرب الطبقات إلى الطريق لأتمكن من سماع صوت الحركة والحياة فأطمئن وأشعر بالإيناس بقربي من الناس … ما أشد حسد الإنسان في شقوته للناس الذين يظنهم سعداء! … فإنني كلما مررت بغرف جيراني من قاطني الفندق ورأيت أحذيتهم بالأبواب أو سمعت أصواتهم وهم يتحادثون أو لمحت وجوههم لدى دخولهم أو خروجهم تخيَّلت أنهم سعداء وأنهم ينامون الليل الطويل ملْء جفونهم … ذلك الليل الذي تنتهزه الهموم لإشهار الحرب على الأشقياء أمثالي.
موريس : أتردد في سؤالك سؤالًا مؤلمًا … ألم ترَ طوال هذه العشرين سنة تلك التي نكبتك، أو ذلك الوغد الذي خان صداقتك، أو الصغير الذي حرمتك ذكراه، لذيذَ الرقاد؟
بارنت : نعم … منذ خمس عشرة سنة تقريبًا أي بعد الفاجعة بخمس سنين، كنت أسير غارقًا في بحار الهم والضجر ما بين كنيسة مادلين وشارع دورات، فإذا بي بامرأة لفتت نظري بمشيتها مستندة إلى رجل طويل القامة وبجانبها طفل نام، وكانوا يسيرون أمامي فقلت في نفسي أين رأيت هؤلاء الثلاثة؟ وأدركتهم لأتحقق منهم، وفي لمحة عين تعرفت على المرأة من إشارةٍ حرَّكت بها يدها، فقلت ها هي تسير إلى جانب معشوقها ومعهما الطفل، ثم خفق قلبي وكدت أقع مغشيًّا عليَّ، ولكنني لم أقف بل أردت أن أنظر إليهم وجهًا لوجه، فتبعتهم وكان مَن يراهم يتوهَّم أنهم أفراد أسرة شريفة آمنة وتلك الفاجرة ماسكة بذراع صاحبها تحادثه بحب وحنان، وتنظر إليه من حين لآخر فألمح تقاطيع وجهها وحركات شفتيها وابتسامتها وعطفها على معشوقها لدى نظرها إليه.
موريس : يا له من عذاب أليم! … والطفل؟
بارنت : الطفل هو الذي لفت نظري، وشغلني أكثر منهما كليهما … رأيته وقد نما وظهرت عليه قوة الفتوة فاعترتني دهشة، أصار الطفل الصغير فتًى طويل القامة يسير بجانب أمه كأنه رجل صغير … وقد وقفوا أمام حانوت يتبينون بضاعةً معروضة.
موريس : هل تغيَّروا كثيرًا؟
بارنت : الرجل شابَ وضعف وانحنى، والمرأة استعادت شبابها وزاد سمنها، أما الولد فلم أكن لأعرفه لو لم أره في صحبتهم، فقد تغيَّر تغيُّرًا تامًّا.
موريس : هل حادثتهم أو رأوك؟
بارنت : كلا كلا، ولكنني لما دنوت من الطفل شعرت بقوة عظيمة تدفعني إلى خطفه والفرار به … أجل الفرار به، فدنوت منه كثيرًا وتعمدت لمسه كمن يلمس شخصًا خطأ، فما شعر الولد بجسم أجنبي يلمسه حتى التفت ونظر إليَّ نافرًا غاضبًا، فلم أتمالك أن فررت من وجهه وكأن نظرة الصغير طعنة خنجر جرحت قلبي، فأخذت أعدو كأنني لص يقتفي أثري شرطٌّ أو صاحب المال المسلوب، وقد أصابني خوف شديد لئلا تكون المرأة أو الرجل رأياني وتعرفا عليَّ، وما زلت أعدو إلى أن بلغت هذه الحانة، فجلست وأنا ألهث من شدة التعب، وفي تلك الليلة شربت ثلاث كئوس من الأبسنت.
موريس : عجبًا … أنت تفر منهم؟ يفر الأمين من الخائن ويهرب الموتور من الجاني … كم في الحياة من المضحكات المبكيات؟
بارنت : لقد بقي هذا الأثر المؤلم المزعج عقيب هذا اللقاء في نفسي أربعة شهور، وكنت في كل ليلة من هذه الشهور الأربعة أتخيلهم الثلاثة سعداء هانئي البال … الوالد والوالدة والولد ينفقون عن سعة من مال الرجل الذي خانوه وخدعوه، ويعيشون آمنين في ظل القانون الذي طالما يُوقِع العقاب بالأبرياء … لقد محت هذه الصورة ما سبقها وذهبت كلُّ الشكوك القديمة المؤلمة، واستقر اليقين المر القاتل، فغاب عن ذهني الطفل الصغير الذي كنت مجنونًا بحبه وحلَّ محلَّه في ذاكرتي صبيٌّ نابتٌ نباتًا حسنًا كأنه أخوه الأكبر، وتأكدت أن حبي في قلب الصغير قد انطفأت شعلته وانقطعت كلُّ علاقة كانت تربطه بي، ولو أنه رآني وقالوا له هذا والدك إذن ما سعى إليَّ ولا مدَّ ذراعيه الصغيرين ولا فمه الذهبي، بل نفر مني وأنكرني … ألم يطعني بنظرة أحدَّ من طعنة الخنجر؟

المشهد الثاني

(يدخل عجوز يبيع الزيتون – بارنت – موريس)
بارنت : هاك الشاعر أوليفيه … عم مساءً يا هوميروس هذا الزمان!
العجوز : الزيتون الجميل … أتريد بنصف فرنك؟
زبون : أريد بصاديين على شرط أن تنشدني آخر قصيدة من شعرك.
العجوز : لا أنشد الشعر بأقل من نصف فرنك.
موريس : أتعرف هذا العجوز؟
بارنت : أراه من عشرين سنة … إنه من أعظم شعرائنا وقد نشر أكثر من عشرة دواوين من الشعر.
موريس : ولماذا يبيع الزيتون؟
بارنت : هذا مصدر رزقه الوحيد ولا أدري سرَّه، لعله مصاب مثلنا … موسيو أوليفيه.
أوليفيه : الزيتون الجميل، أتريد بنصف فرنك؟
بارنت : نعم وأنشدني شعرًا (أوليفيه يعطي الزيتون وينشد الشعر الآتي).١
أوليفيه (يتحرك) : الزيتون الجميل.
موريس : بعني أنا أيضًا.
أوليفيه : أتريد بنصف فرنك؟
موريس : وقصيدة (أوليفيه يعطي الزيتون وينشد.٢ تدخل عجوز تبيع أزهارًا).
زبون : أهلًا بالأم جوليا هل نبتت أزهار الربيع؟
العجوز : أزهار الربيع لا تنبت في الخريف إنما أبيع الزنبق والأقحوان.
بارنت : وهذه المسكينة جوليا إنها لا تعرفني.
موريس : مَن تكون تلك المسكينة؟
بارنت : خادمتي ومربيتي ومسببة مصائبي!
موريس : كيف لم تعرفك؟
بارنت : أنها تتردد على هذه القهوة منذ خمس سنين، وقد ضعف بصرها واضمحلت قواها؛ لأنها تزيد عن الستين، ولست أدري ماذا فعل الدهر بها بعد أن غادرت منزلي.
موريس : بأي عاطفة تشعر نحوها؟
بارنت : ببغض شديد يمازجه عرفان بالجميل … إنها سببت خراب بيتي ولكنها أنارت بصيرتي.
موريس : أتحب تلك التي سببت لك هذا الشقاء؟
بارنت : إنها لم تسبب شقائي، إن التي سببت شقائي هي تلك التي كانت امرأتي، ولكن هذه فتحت عيني. كيف كانت تكون حالي لو بقيت هذه العشرين عامًا محجوب النظر بغشاوة الخيانة والخديعة؟ أتحب أنني كنت أحمل عار الزوج المخدوع طول عمري وأربِّي في حجري ولدًا ليس من صلبي؟
موريس : أصبت.
بارنت : إنني أحسن إليها ولا أكشف لها عن حقيقة أمري لقد تغيَّرنا كلانا! وأنا أشد الاثنين تغييرًا.
موريس : أناديها … أيتها الأم جوليا.
جوليا : أزهار الخريف … الزنبق والأقحوان.
بارنت : عليَّ بزنبق وخذي هذا (يعطيها بارنت نقودًا صامتًا).
جوليا : بارك الله فيك يا سيدي … أزهار الخريف الزنبق والأقحوان … (يُفتَح باب القهوة).
بائع جرائد : جرائد المساء … لاباتري … لي سيكل … لي طان … لي ديبا … لاباتري
زبون : لاباتري.
آخر : لي ديبا.
آخر : لي طان (يوزع ويخرج).
موريس : إن هذه الحياة مؤلمة على النفس. ألا تود يومًا أن تخرج إلى ضواحي باريس؟ إن تغيير المناظر وتبديل الهواء يفيدك.
بارنت : إنني أشعر منذ عهد قريب بضعف شديد، وقد نصحوني أخيرًا بالانصراف يومًا إلى الخلاء.
موريس : جارسون … علينا بجدول بمواعيد القطارات لضواحي باريس.
جارسون : فورًا يا سيدي (يعود به).
بارنت : أي مكان تختار لي؟
موريس : غدًا الأحد نذهب معًا إلى سان جرمان.
بارنت : أعرفها فقد قصدتها حين خطبتي مع تلك الخائنة.
موريس : عد إليها فلا بأس بها، نركب قطار الساعة العاشرة فنصل قبيل الظهر.
بارنت : في وقت الغداء.
موريس : إذن إلى غد الساعة العاشرة إلا ربعًا بمحطة سان لازار.
بارنت : إلى الغد (تُسمَع أصوات … لابارتري … إكسلسيور).
(ستار)

الفصل الرابع

المشهد الأول

(بافيون هنري كاتر – سان جيرمان – بارنت – موريس)
موريس : إنك سعيد الحظ فإن الجو لا يصحو في هذا الفصل إلا نادرًا، لقد كنت في القطار صامتًا فلم أشأ إقلاقك.
بارنت : إنني أشعر بحزن شديد، وأكاد أندم على مغادرة باريس وترك الأماكن التي ألفتها.
موريس : ألم تعجب بالمناظر التي مررنا بها في القطار؟
بارنت : إنها متشابهة تتكرر ولا تتغير، وقد أتعبت نظري لأنني لم أتعوَّد رؤية الخلاء منذ عهد الشباب، وقد ظمأت وكثيرًا ما وددت لو أنني غادرت القطار وقصدت حانة أشرب فيها كأسًا ثم أعود إلى باريس.
موريس : تظمأ في سَفْرة لم تقتضِ أكثر من ساعة؟
بارنت : لقد بدت لي هذه السَّفْرة طويلة جدًّا، وهذا لأنني كنت ساكنًا والدنيا تتحرك، ولو أنني بقيت ساكنًا وما حولي ساكن لبقيت سنين بدون ملل أو ضجر!
موريس : ألم يرقك شيء قط؟
بارنت : راقني نهر السين، فكنت كلما مررت بجسر أُمعِن النظر في مائه الأخضر، وعند جسر شاتو أعجبت بالشباب الذين كانوا يتسابقون في القوارب، وقلت في نفسي هاك فتيانًا لم يملوا الحياة بعدُ.
موريس : انظر إلى الأفق من هذه الجهة، فهاك الوادي الفسيح وقد نشر صحيفته كأنه بحر عظيم وهو مملوء بالقرى الآهلة بالسكان وقد انسابت فيه الطرق البيضاء كأنها أنهار من الفضة، وها هي غابة سان جيرمان الشهيرة تحفُّ بالوادي، وبجوارها هضاب «سانوا وارجنتي».
بارنت : كل هذا جميل، ولكنني لا أشعر بجماله، إنما الذي يهيج نفسي ويؤثر في عواطفي هو منظر الشمس بأشعتها، فكأنني أراها للمرة الأولى في حياتي.
موريس : وذلك النسيم العليل المشبَّع بروائح الأزهار والخضرة، الذي يخترق الصدر فيملأ الجسم نشاطًا والنفس سرورًا … ألا يروقك؟
بارنت : إن هذه المناظر تؤلمني لأنها أيقظت نفسي الخامدة، فإنني أذكر تلك العشرين سنة التي قضيت أيامها ولياليها في الحانات والفنادق … تلك السنين المملة التي مضت كأنها شهر واحد لخلوِّها من كلِّ ما يملأ حياة الرجل، وكذلك مضت وكأنها مائة عام؛ لأنني كنت في كل صبح أنتظر الظهر وفي كل ظهر أستقدم الظلام، وفي كل ليل أتطلب النهار.
موريس : أنت الذي فضلت البقاء حيث كنت.
بارنت : كنت أستطيع أن أسافر كما يسافر الناس وأرحل إلى البلاد الأجنبية فأرى الشعوب الغريبة، وكنت أستطيع أن أقيم في باريس وأتعلق بأهداب الحياة كغيري فأتسلَّى بالصيد أو الفنون الجميلة أو العشق.
موريس : وما الذي يعوقك عن طَرْق إحدى هذه السُّبُل؟
بارنت : الآن؟ أتمزح يا بسكيه … لقد مرَّت الفرصة وفات الأوان ولم يبقَ لي من الحياة إلا تلك الكئوس التي أشربها مرغمًا؛ استجلابًا للنعاس والغفلة، ولن أزال كذلك حتى نهاية أجلي بلا أسرة ولا أصدقاء ولا أمل (يبكي) … لقد نشر الحزن لواءه على نفسي وها أنا أشعر بما لم أشعر به منذ عشرين عامًا.
موريس : هوِّن على نفسك … إنما أردت تخفيف آلامك.
بارنت : لقد أيقظت هذه المناظر في قلبي الخامد كلَّ الأفكار والأحلام والرغبات التي سكنت منذ مصيبتي الكبرى.
موريس : الأفضل لنا أن نبادر بطلب الطعام … جارسون.
جارسون : سيدي.
موريس : أعدَّ لنا غداءً من دجاج وسمك وشواء وبازلاء.
جاسون : أي نبيذ يشرب السيدان؟
بارنت : جراف.
جارسون : والجبن؟
بارنت : كمامبير.
جارسون : والفاكهة؟
بارنت : كريز وشليك … أملنا أن تسرع في خدمتنا.
جارسون : لك ذلك يا سيدي.

المشهد الثاني

(يحضر الأكل ويبدأان في تناول الطعام، وتبدأ الأماكن تمتلئ بالقادمين وتظهر حركة في المكان، يدخل ثلاثة أشخاص ويجلسون على مقربة منهم ويبدأ الخادم يقدم لهم طعامًا.)

صوت المرأة : جورج ابدأ بتقطيع الدجاجة.
جورج : لك ذلك يا أمي.
بارنت : ما هذا؟ ما أسمع؟
موريس : أي شيء؟
بارنت : هذان الصوتان … هذا صوت المرأة وذاك صوت الولد لقد ابيضَّ شعرها، وبلغت سن الكهولة، وتبدو عليها علامة الوقار وهاك الولد … لقد صار رجلًا ذا لحية وقبعة عالية ونظارة زجاجية.
موريس : أمتأكِّد منهم؟
بارنت : كيف تسألني هذا السؤال؟ أيجهل رجلٌ امرأةً كانت زوجته وولدًا نُسِب إليه خمس سنين؟ … إنهم لا شك سعداء وإلا ما تركوا باريس لتناول الغداء في تلك الأماكن التي لا تطرقها إلا الطبقات الراقية الغنية. إذن يعيش هؤلاء الثلاثة عيشة هنية راضية، عيشة الأسرة الآمنة في بيت مطمئن، حافل بكل ما يسعد المتحابين المتآلفين … لقد عاشوا طوال هذه المدة بفضلي، وينفقون عن سعة من مالي بعد أن خانوني وسلبوني وأضاعوني … لقد حكم هؤلاء الجناة عليَّ أنا البريء السليم النية المستسلم بكل صنوف الحزن والكدر، وأذاقوني مرارة الوحدة، وقضوا عليَّ أنْ أصرف عمري بين الطرق والحانات، وألبسوني ثوب الآلام النفسية والبدنية … لقد جعلوا مني — بعد أن كنت رئيس أسرة ورب دار — كائنًا لا نفع له، ضائعًا، ضالًّا في العالم الواسع إلى أن صرت شيخًا فانيًا لا أجد مسرَّة في شيء، وها أنا ذا في آخر أيامي لو طرقت كلَّ أبواب باريس لا أجد وجهًا واحدًا يبشُّ لي أو فمًا يبتسم لي أو صدرًا حنونًا ينشرح لرؤيتي، وهذه جناية هؤلاء الثلاثة … هذه المرأة الخئون وذلك الصديق الغادر الوغد وذلك الفتى الوقح الذي لا يدري مَن يكون أبوه، تعسًا لهم وسحقًا.
موريس : ولكن ما ذنب الولد؟
بارنت : إن حقدي على الولد يعادل حقدي عليهما … ألم يكن ابن ذلك الأثيم؟ أكان هذا الأثيم يحتفظ به ويحبه ويتولاه لو لم يكن ولده؟ ألم يكن ليسارع إلى التخلي عن المرأة وولدها لو لم يكن الصبي من صلبه؟ أيربي الرجل ابن عدوِّه … ها هم الثلاثة الجناة الذين سوَّدوا صفحة حياتي كل هذه السنين الطويلة.
موريس : هدِّئ روعك وكُلْ لقمةً تقوِّيك. اشرب كأسًا تسكن سورة غضبك.
بارنت : سأشرب فورًا. ألا يغيظك هذا السكون البادي عليهم، إن نفسي تحدثني بقتلهم. أألقي في وجوههم تلك القناني فتهشمها؟ ألا يكون هذا انتقامًا عادلًا؟
موريس : حذار أيها الرجل من فعلٍ كهذا. أي نفع لك لو قتلتهم أو جرحتهم؟
بارنت : أأتركهم يعيشون هكذا مَرِحِين في نعيم السعادة والهناء لا يقلقهم شيء، ولا يزعج خاطرهم أمرٌ ما … لن يكون هذا أبدًا.
موريس : ماذا تفعل بهم؟
بارنت : سأنتقم منهم لنفسي حالًا ما داموا في قبضة يدي.
موريس : لا فائدة لك من تنفيذ عزمك.
بارنت : لن تفر هذه الفرصة من يدي (يقدم جارسون).
جارسون : ماذا يطلب سيدي بعد ذلك؟
بارنت : لا شيء سوى كأس من الكونياك العتيق الجيد.
جارسون : لك ذلك يا سيدي (يعود بالقنينة. بارنت يسكب الشراب ويشرب ويستطرد قائلًا …)
بارنت : … الآن أعرف كيف أنتقم.
موريس : هيا بنا الآن.
بارنت : لا بدَّ من الانتقام … (تبدأ بعض الناس تنهض وكذلك الثلاثة يقصدون مكانًا ظاهرًا من المسرح) انظر إلى وجهها … لقد خلع عليها الفجور والكهولة ثوبًا من الوقار المصطنع … مَن يقول عن تلك المرأة المحترمة في الظاهر أنها في عداد المجرمات اللواتي يستحققن عقوبة الإعدام؟ … وهذا الأثيم ألا يحسبه مَن يراه سفيرًا عاد إلى وطنه بعد خدمته في البلاد الأجنبية؟ إنه يعطي لذاته بتلك اللحية الموزعة على عارضيه شأنًا ليس له، وهذا النغل الصغير الذي لا يعلم مَن يكون والده … انظر إلى قبعته كيف لبسها مائلة كأهل البدع؟ … وانظر إلى تلك اللفيفة الضخمة من طباق هافانا ألا يحسبه الرائي ابن أحد اللوردات؟
موريس : هدِّئ روعك.
بارنت : اتركني إذا كنت تخشى عاقبة انتقامي من أعدائي.
موريس : لن أتخلَّى عنك.
بارنت : إذن لا تخشى شيئًا. سأنتقم منهم بكلمتين (يتقدم نحوهم، ويحدث نفسه قائلًا) الإقدام أوْلَى من التردُّد، الإقدام، الإقدام … (يلقاهم وجهًا لوجه وهم يتحادثون) هذا أنا … هذا أنا … إنكم لم تكونوا تنتظرونني في هذا اليوم (ينظرون إليه بدهشة. بارنت مستطردًا) يقول مَن يراكم أنكم لم تتعرفوا علي … أتنكرونني … أمعنوا النظر في وجهي … أنا بارنت … أنا هنري بارنت … كنتم تحسبون أن علاقتي بكم قد انقضت … كلا … لقد أخطأتم … ها أنا قد عدت إليكم ويصح لنا أن نتفاهم الآن.
المرأة (مرعوبة تستر وجهها بين يديها) : ما هذا يا ربَّاه! (ينهض جورج ويحاول القبض على بارنت. وليموزان يرتعد).
بارنت : الآن نتفاهم. لقد سنحت الفرصة ولن تفر. لقد خدعتموني وسلبتموني وحكمتم عليَّ بالعذاب عشرين سنة، وحسبتم أنني لن أدرككم لأقتصَّ منكم! (يهجم جورج عليه ويقبض على كتفيه ويقول …)
جورج : ماذا تريد أيها المعتوه؟ سِرْ في سبيلك وإلَّا ضربتك ضربًا مبرحًا.
بارنت : ماذا أريد أنا المعتوه؟ أريد أن أقِفَك على حقيقة هذين الشخصين (جورج يهزه ويحاول ضربه) خلِّ سبيلي أيها الشقي، أنا أبوك … انظر إليهما ألا ترى هذين الشقيَّيْنِ قد تعرَّفا عليَّ؟ (جورج يتركه برعب ويعود إلى أمِّه.)
بارنت (للمرأة) : قولي له من أنا … قولي له إن اسمي هنري بارنت، وإنني أبوه ما دام اسمه جورج بارنت، وما دمتِ أنت امرأتي، وما دمتم تعيشون أنتم الثلاثة من العشرة آلاف فرنك التي تتقاضونها مرتبًا سنويًّا من مالي منذ طردتكم … لأنني فاجأتكِ مع هذا الشقي الأثيم عشيقك الوغد! … قولي له مَن كنت أنا … ألم تتزوجي بي طمعًا في مالي وخنتني من أول يوم في زواجنا … قولي له مَن أنت ومن أنا.
المرأة : بول … بول … دعه يكف عن هذا القول بمسمع ولدي.
ليموزان (ينهض بضعف) : اسكت … اسكت … ألا تفقه معنى ما تقول؟
بارنت : أفقه جيدًا، ولكن ليس هذا كل حديثي معكم. إن هناك أمرًا أريد الوقوف على حقيقته لأنه سبب حيرتي وعذابي منذ عشرين عامًا … (يلتفت إلى الشاب الذي استند إلى شجرة) اسمع أنت أيها الولد عندما تركتْ أمُّك بيتي لم تقنع بخيانتي، بل أرادت أن تقتلني بأسًا، وقد كنتَ أنت عزائي الوحيد، فحملتك فلما تمسَّكتُ بك أقسمت أنك لست من صلبي وأن أباك هو هذا الأثيم. ولست أدري منذ عشرين عامًا إن كانت كذبتْ أو صدقت … (يدنو منها ويرفع يدها التي تُخفي وجهها) واليوم آمرك أن تقولي لنا أينا والد هذا الولد هو أو أنا … زوجك أو عاشقك؟ تكلمي … (يهجم عليه ليموزان فيصده) … لقد تشجعت اليوم … أنت اليوم أشجع من اليوم الذي فررت فيه من وجهي خشية أن أقتلك. إذا كنتَ لا تريد أن تجيبَني هي فأجب أنت. أنت أعرف مني بالحقيقة وتعلم عنها ما تعلم هي … تكلَّم … أأنت والد هذا الولد … تكلَّم (يعود إلى المرأة) إذا كنتِ تأبَيْنَ القول عليَّ فقولي إذن لولدك … لقد صار رجلًا ويحق له أن يعرف والده، أما أنا فلم أستطع الوقوف على الحقيقة أبدًا أبدًا، لا أستطيع أن أقول لك شيئًا يا ولدي (يرفع ذراعيه) تكلمي … إنك إذن لا تعرفين … إنني أخاطر بكل شيء إذا عرفت … كيف تعرف أينا والدك وكانت امرأة للاثنين معًا! هل تعرف امرأة الرجلين أيهما والد ولدها؟ ولن تعلم أنت أيضًا شيئًا … اسألها فلن تجيبك. إنها لا تعرف ولا هو ولا أنا ولا أنت ولا أحد في الوجود، ولكن لك الخيار بيننا … لقد انتهى حديثي إذا أخبرتْك أمُّك بالحقيقة فتفضل بزيارتي في فندق القارات الخمس … هيَّا بنا يا صاحبي (يخرجان)
(ستار)

الفصل الخامس

المشهد الأول

(الوقت مساء – المكان بيت الوالدة هنريت – الوالد ليموزان بول)
الوالدة (للوالد) : كانت رياضتنا مشئومة! ليتنا لم نبارح دارنا. إن نفسي حدَّثتني بهذه الفاجعة وكنت مضطربة طول ليلة أمس … أنت الذي ألححت علينا بالذهاب إلى سان جيرمان … يا ليتنا لم نعمل برأيك.
الرجل : لم أكن أعلم … ولو علمت … على أنني منذ عشرين عامًا أشير عليك بكل صغير وجليل من شئوننا … ولم يقع لنا مثل الذي وقع اليوم.
الوالدة : ولكن اليوم كان ما خفْتُ أن يكون … لقد تمَّ خرابي على يديك … ها أنا فقدت ولدي إلى الأبد … لقد تركنا ولم يعد إلى المنزل … إنني لن أراه بعد اليوم (تبكي) لقد ذهبت متاعبي طول هذه السنين هباءً منثورًا.
الرجل : لا تبكي إنه حتمًا سيعود … إنك تتوهمين أفظع الأشياء ولن يقع إلا …
الوالدة : لقد خرب عشي ولن يعود إلى حاله … لقد كنتَ سببًا في خراب عشي مرتين … المرة الأولى …
الرجل : هنريت! … هل وصلنا إلى تلك اللحظة التي يلوم فيها أحدنا رفيقه؟ تعقَّلي. هدِّئي روعك وتعقلي. إنني لم أسبب لك خرابًا ولا ضررًا. إنني على العكس كنت مِعْوانًا لك وسندًا.
المرأة : إنني لا ألومك ولكن ماذا أقول لك؟ ألا ترى حالتي أين كان ذلك الرجل المشئوم مختبئًا هذه السنين كلها؟ أرأيته اليوم؟ لقد شاخ وأشرف على الموت ضعفًا وذهولًا.
الرجل : لولا ما سببت فَعْلتُه من الحزن والضرر لأشفقتُ عليه.
المرأة (هنريت) : أنت تشفق على بارنت؟ أنت … بعد الذي فعل؟
الرجل (بول) : كان ينبغي لنا أن نصالحه، طالما أشرت عليك بذلك أثناء هذه المدة.
هنريت : أكنت تود أن أعود إلى منزله وأعيش معه عيشة الزوجة؟ … إذن أنت تبغضني وكنت تريد التخلُّص مني بهذه الوسيلة.
بول : كلا يا عزيزتي الصلح شيء والعيشة الزوجية شيء آخر. الصلح والمقابلة من حين لآخر ومشاهدة الطفل وتودُّده إليه …
هنريت : كيف كنت تريد أن يرى الطفل ويتودد إليه ثم يتركنا نعيش عيشتنا؟ ألم يكن الولد ليسألنا في الرابعة عشرة من عمره لماذا لا يعيش مع والده.
بول : كنا نخلق له سببًا، كان ذلك أولى من علمه بالأمر فجأة في سنِّه هذه وعلى هذه الصورة الشنيعة.
هنريت : يوافق أو لا يوافق إنما كانت القصة تنمو مع الصغير فيتعوَّدها فيصدقها ويصعب نزعها من فكره. طالما طلبت إليك أن أفاتح جورج في تاريخ أبيه لأبغِّضَه فيه، فكنتَ تأبى عليَّ ذلك، وكنت تحتِّم أن يشبَّ حاسبًا نفسه يتيمًا.
بول : تاريخ أبيه بدون أن يراه يُنادَى اسمه ويَسمَع الذم فيه ولا يتطلع يومًا لرؤيته كان هذا مستحيلًا.
هنريت : ولكن هذا الحديث لن ينسيني ولدي. أين هو الآن الساعة العاشرة … مضى أكثر من ثماني ساعات ولم أره. أين هو الآن، أفي قاع السين أم على لوح من ألواح المورج. أتحت العجلات مُبدَّد الأوصال مُمزَّق الأشلاء، أم في الطريق هائمًا على وجهه لا يدري أين يقضي ليلته السوداء (تبكي).
بول : خفِّفي عنك. إنك واهمة. إن نفسك تحدثك بأشنع وأفظع ما يتخيَّله ذهنك المنهوك … سيعود إلينا مطمئنًا.
الوالدة : حتى في هذا المصاب تنصحني بالصبر والاستسلام؟ ألا تعلم أنني بفقده فقدت كلَّ عزيز بل فقدت النصير. ألم يكن بجانبي رجلًا فأمسيت وحيدةً، كنت أنتظر شيخوخة هادئة سعيدة في ظل ولدي فها أنا أرى مستقبلًا مظلمًا في كنف الوحدة والأسى (تبكي).
بول : وأنا؟ هل فقدتِ أملك في؟ ألستُ رجلك؟
هنريت : إنك لا تقلُّ عني شيخوخة وضعفًا.
بول : لقد ذهب شبابي بين يديك، وكنت أعزِّي النفس برضاك وحبك، وها أنا أرى أنني لم أكن شيئًا، وأن ولدك كان كلَّ شيء.
هنريت : تغار من الصغير؟ لعلك تحمد الأقدار على ما وقع. لعلك دبَّرت ما وقع. إنك عدوٌّ لدود لي ولولدي. يا ليتني فقدتُك دونه.
بول : هنريت! عزيزتي هنريت ما أشد تسرُّعك! ما أكثر تشاؤمك!
هنريت : بول … بول أنَّى لي ولد مثله، لقد مضى عمري وفات أوان الثمر (يُسمَع صوت) … ها هو! انظر في الدَّرَج … إن كان محمولًا فلا تخبرني … إن كانوا يحملون جثته (تبكي) فأنا بائعة نفسي لن تطيب لي الحياة بعد اليوم.
بول (ينظر في الدَّرَج ويعود) : كلا يا عزيزتي هذه جان عائدة من أجازتها.
هنريت : لقد نسيتها … اصرفها. لِتقضين الليل حيث كانت. لا أريد أن يرى أحد حزني. أريد أن أكون في البيت بمفردي (يخرج ثم يعود).
بول : صرفتها … ولكن من يقوم بتدبير المنزل؟
هنريت : أي منزل؟ هل لنا منزل بعد ولدي؟ لمن كنا نعيش ونجد؟ لمن كنا نعد المائدة؟ (تدق الساعة العاشرة ونصف) … بول … بول دعني أذهب للبحث عن ولدي … لا أستطيع الصبر بعد هذه الساعة.
بول : تبحثين عنه في باريس وفي الليل؟ … هنريت ماذا جرى؟ هل فقدت عقلك؟ أين تذهبين؟
هنريت : إلى أقسام البوليس ومستشفيات الإسعاف وإلى المورج … وأنشر إعلانات في صحف الصباح، خاصة في البيتي باريزيان لأن جورج يقرؤه كل صباح (تبكي).
بول : إذا كان الأمر كذلك إذن أخرجُ أنا … سأقوم بكل هذا … اطمئني.
هنريت : ويل للشجيِّ من الخليِّ.

المشهد الثاني

(بول يخرج. تأخذ هنريت في العويل وترى صورة ولدها المعلقة فتأخذ في إنزالها وتقبلها وتضمها إلى صدرها وتبكي. تخرج من الصالون ومعها الصورة.)

المشهد الثالث

(الولد جورج – الوالدة هنريت – الوالد ليموزان بول)

(يدخل جورج ببطء شديد بواسطة مفتاح معه … لابسًا الحداد وقد تغيَّرت سحنته وشحب وجهُه … الصالون خالٍ ينظر إلى صورة بول المعلقة بالصالون وإلى وجهه في المرآة ثم يجلس في ركن كئيبًا قاتمًا، يضطرب تارة ويسكن طورًا. تدخل أمه وبيدها الصورة ثم تبصر به فتبهت أولًا ثم ترتمي عليه.)

هنريت : جورج ولدي! جورج أنت هنا؟ أنت حيٌّ؟ هل عدت إليَّ؟ أأراك حقًّا أم أنا في حلم؟
جورج (ينهض ويبعدها عنه) : مكانك … إن جورج لم يعد ولن يعود.
هنريت : ولدي! لماذا تدفعني عنك هكذا؟ ماذا تقول؟ ماذا جرى لك؟
جورج : جورج ولدك لن يعود، لقد ودَّعتيه هذا الصباح في غابة سان جيرمان، أما أنا فشخص آخر أجنبيٌّ عنك وعن منزلك، لا علاقة بيني وبينك.
هنريت : هل صدقت؟
جورج : حسبك ما جرى. لا تنطقي بكلمة واحدة. لا تعيدي حرفًا مما وقع. لا تحاولي تبديل لفظ واحد مما سمعت اليوم من ذلك …
هنريت : ولدي … لقد كنتَ نموذج الأولاد حبًّا لي وعطفًا عليَّ … (تبكي) كنت حلم حياتي كلها … كنت مثال الطاعة.
جورج : لقد كنت أعمى، أما اليوم فقد زالت الغشاوة التي كانت تحجب النور عن بصيرتي.
هنريت : إن ذلك الرجل …
جورج : لا تذكريه بسوء.
هنريت : قم يا ولدي ونم … الرقاد كفيل بأن يزيل أثر الانفعال.
جورج : النوم! النوم! لن أعرفه بعد اليوم لقد كنت أنام قرير العين، قد كنت أحسب نفسي كسائر الناس، أما اليوم فلست أعرف مَن أنا. وكيف ينام مَن لا يعرف نفسه؟!
هنريت : أنت ولدي … ولدي العزيز جورج.
جورج : إن نسبي إليك لا يكفي … إنما الإنسان بالآباء يا أمَّاه … فمن أبي؟
هنريت (متلعثمة) : أبوك … أبوك هو …
جورج : هو مَن أحمل اسمه أو ذاك الذي عرَّفتِه عمًّا لي منذ نعومة أظفاري؟
هنريت : تبًّا لهذا الرجل، فقد هدم سعادتنا بوساوسه!
جورج : تريدين الظلام وتبغضين النور، قد يكون ما فعله وقاله مضرًّا بك ولكنه نفعني.
هنريت : أي نفع تعني؟ لقد كان بيتنا هادئًا مطمئنًا وعيشتنا سعيدة راضية، كنا أسرة متَّحدة متآلفة، وها نحن ثلاثة أفراد متنافرون متباغضون!
جورج : بئس الاطمئنان والتآلف المبني على الكذب والفساد!
هنريت : تعسًا له!
جورج : تعسًا للسعادة الكاذبة وسحقًا للبيت القائم على الخديعة والغدر. أكنت ترضين أن أعيش أعمى أصم مفقود الشرف؟
هنريت : إنك ولدي وولد …
جورج : وولد مَن؟ لا أب لي … إذا كنت ابن أبي الذي أحمل اسمه فلماذا افترقتما؟ وإذا كنت ابن ذلك … ذلك الرجل الذي كنت أدعوه عمي، فلماذا لا أحمل اسمه؟
هنريت : كنت أتحين الفرصة لأبوح لك بكل شيء.
جورج : ولم تحن تلك الفرصة حتى حدث ما حدث؟ أنت تستسهلين السكوت وكأنك لا تدركين نتيجته، مهما يبلغ الرجل في الحياة من المجد والشرف والمكانة الاجتماعية بجده، فإنه يبقى زريًّا محتقَرًا في نظر الناس إذا لم يكن له والد يُعرَف باسمه … العاشق والمعشوقة يتمتعان بلذة الحب ولا يجعلان شأنًا لثمرة سعادتهم الوقتية، وثمرة سعادتهم ولد شقيٌّ مثلي!
هنريت : ولدي! ليتني متُّ قبل هذا.
جورج : حياتك وموتك سيَّان، ولكن أريد الوقوف على الحقيقة. إنك استبحتِ خداعي وذكرت لي أن الرجل الذي أحمل اسمه مات من زمن طويل، وعودتِني أن أدعوَ الآخر عمًّا لي، وقد قضيت فتوتي وصباي في الغفلة. كان الناس حتمًا يعلمون سري وأنا وحدي أجهله … أيَّة جناية جنيتُ فاستحققت بها هذا العقاب؟
هنريت : إن ما وقع اليوم فاجع ولن يعود.
جورج : أريد الوقوف على نصيب حديثِ اليوم من الحقيقة.
هنريت : إنه كان يهذي ويخرف.
جورج : ألم تكوني امرأته؟
هنريت (بتردُّد) : أين بول؟ … لقد أبطأ … إنه خرج للبحث عنك.
جورج : غيبته أفضل لنا جميعًا. هل أعْوَزَك النطق بدون حضوره؟ هل كنت امرأة شرعية لذلك الرجل الذي لقينا؟
هنريت : نعم … نعم … منذ عشرين عامًا.
جورج : ولماذا تعيشين في غير بيته؟
هنريت : لقد افترقنا باختيارنا.
جورج : لماذا؟
هنريت : لأنه لم يشأ أن يعاشرني بالمعروف.
جورج : هل اتهمكما حقًّا بما سمعت؟
هنريت : نعم لقد افترى عليَّ هذا الإفك.
جورج : إذن كنتِ شريفة طاهرة؟
هنريت (بخجل) : أجل … كنت …
جورج : ولكن لماذا قضيت هذه السنين مع شريكك في التهمة، إذا كنت طاهرة الذيل؟
هنريت : إنه العناد.
جورج : وهل يقتضي العناد أن تتبذل المرأة وتسيء إلى شرفها وشرف ولدها؟
هنريت : كنت شابة ولم أحسب لما أقدمت عليه حسابًا.
جورج : وهل اقتضى العناد أن أشبَّ على اعتبار صاحب هذه الصورة عمًّا لي وهو كما تعلمين؟
هنريت (بعد سكوت طويل) : لأنه في الحقيقة والدك!
جورج : إذن لم تكوني طاهرة الذيل؟
هنريت : ولدي … اسكت … أرجوك اسكت!
جورج : أنا إذن ثمرة هذه العلاقة الآثمة!
هنريت : اعفُ عني يا ولدي واقتلني.
جورج : إنك تستحقين القتل، ولكنني لا أستطيع أن أكون قاتلًا (يبكي).
هنريت : ليتني مت.
جورج : لا ألوم الرجل الذي تكلم اليوم إلَّا على أنه أبقى عليك.
هنريت : لقد شرع في قتلنا معًا.
جورج : ليته أفلح.
هنريت : كنت تنشأ يتيمًا.
جورج : ولكن كنت أعيش حاملًا اسم رجل.
هنريت : إنه كان ينبذك.
جورج : لأنك أخبرته أنني لم أكن ولده.
هنريت : أتحاسبني في كهولتي على ذنوب الشباب؟
جورج : أنا ثمرة ذنبك في شبابك وأحاسبك عليه في كهولتك.
هنريت : لقد خارت قواي ولم يعد لي صبر على هذا الحساب.
جورج : تجلَّدي. لقد تركتِ غيرَك فريسةَ الهمِّ والوحدة عشرين عامًا، فكيف لا تصبرين على الحساب عشرين دقيقة؟!
هنريت : أشعر بأنك تسلب حياتي.
جورج : شرفي أثمن من كل شيء.
هنريت : لقد أذنبتُ واعترفت.
جورج : لو كان للتوبة مجال فلربما طلبت إليك أن تتوبي، ولكن المذنبين البائسين من العَوْد إلى ذنوبهم لا تنفعهم التوبة مهما كانت صادقة.
هنريت : أريد التكفير عن سيئتي.
جورج : سيئة واحدة؟ سيئتك نحو الزوج أم سيئتك نحو الولد؟
هنريت : هل الذنب يتجزأ؟
جورج : الذنب لا يتجزأ ولكن الضحايا … المجني عليهم يتعددون.
هنريت : أريد أن أستغفر بارنت؛ فإنه أرأف قلبًا وألين جانبًا منك.
جورج : لو كنتُ ابنه لكنت مثله قلبًا وجانبًا، ولكنني كأبي الذي أدعوه عمي، أتحبين الوالد وتأبين على ولده أن يكون مثله؟ إني مثل أبي الذي اخترته وفضلته على زوجك.
هنريت : سأذهب إلى بارنت … سأسأله المغفرة.
جورج : هبي أنه مات.
هنريت : إذن أدخل الدير.
جورج : لماذا أنشأتني على فكرة موته، فأفهمتني منذ نعومة أظفاري أن أبي الذي نحمل كلانا اسمه قد مات؟
هنريت : لقد كانت هذه خير الوسائل.
جورج : كيف ترضين لي أن أنشأ على أكذوبة؟
هنريت : كيف تستطيع امرأة مثلي أن تشرح ماضيها لولدها الصغير؟
جورج : فلما بلغتُ الرشد لماذا لزمتِ الصمت؟
هنريت : لم أستطع أن أطلعك على عاري خشية أن يجرح قلبك.
جورج : كنت تخجلين؟
هنريت : لم تكن حالي خجلًا إنما كانت خوفًا ورهبة.
جورج : ليتك أخرجتِني حمَّالًا أو حوذيًّا أو حفَّار قبور. إن صناعة الطب التي اخترتِها لي لا يصلح لها إلا الأشراف!
هنريت : أيوجد في الناس يا ولدي من هو أشرف منك؟
جورج : ولكنني لا أستطيع أن أرفع رأسي.

المشهد الرابع

(يدخل بول شاحب الوجه منهوك القوى فيتبادل الثلاثة النظرات.)

هنريت : ولدي! أتوسل إليك أن ترحمنا.
جورج : هذا أنت يا سيدي العم!
بول : لقد انتظرناك طويلًا.
جورج : طالما دعوتك عمي ولكنك واأسفاه أبي!
بول : هل صدَّقْتَ ذلك اﻟﻤ…
جورج : لا فائدة في الاختلاق، فقد اعترفت لي بكل شيء، ووقفتُ على الحقيقة.
بول (في دهشة وانزعاج) : اعترفت لك بكل شيء؟
هنريت : هل تسمي دموع أمِّك النادمة اعترافًا؟
بول : مهما تكن الحقيقة التي وقفتُ عليها، فالأجدر بك أن تكفَّ عن تعذيبها.
جورج : سأكف حتمًا … إن الحقيقة أنقذتني من بيئة الكذب والتلفيق التي شئتما أن أنشأ فيها.
بول : لم يكن في وسعنا أن نطلعك على كلِّ شيء.
جورج : ولماذا تستبيح فعلًا تخشى اطلاعَ أقرب الناس عليه؟
بول : لقد فعلنا كما يفعل الناس.
جورج : أهذا عذرك إلى نفسك؟
بول : كان عذري وعذرها حبًّا شديدًا ملك علينا أنفسنا، وألقى على بصيرتنا غشاوة لم تنجلِ إلَّا يوم افتضاح أمرنا!
جورج : إذن لماذا لم تتزوج منها؟
بول : كنا في سن الزواج فقيرين فقرًا مُدقِعًا.
جورج : إذن جبُنْتَ عن أن تعول امرأة تعدها أحب الناس إليك، وتريد أن تجعل منها رفيقة حياتك.
بول : إن عيشة الزوجية في ألم الفقر أشد مرارة على النفس من فراق العاشقين مهما عظُم الحب.
جورج : إذن استبحت أن يكون لك شريك في المرأة التي تحبها لتتمتع بها في ظل ثروته؟ ورضيت أن تخون صديقك لأنه وثق منك وأتمنك على امرأته جهلًا منه بعلاقتكما القديمة.
بول : إنك يا جورج تحرج صدري.
جورج (مستطردًا) : ثم انتزعت زوجة الرجل من بيته.
بول : لقد نبذها فأويْتُها.
جورج (مستطردًا) : … ثم رضيت أن تقاسمه ثروته عشرين عامًا، فعشت من المال المسلوب أنت ورفيقتك والطفل الذي جنيتما عليه.
بول : لقد أحببناك فوق كلِّ شيء.
جورج : طبعًا وكيف لا … لقد كنت لكما مصدرَ رزقٍ لا ينضب، ورأس مالٍ يغدق عليكما الأرباح.
بول : لقد ربيناك تربية حسنة، وأنبتناك نباتًا حسنًا، وهذبناك وعلمناك الطب.
جورج : بئس التربية والتعليم … خذا تربيتكما وتعليمكما بشرط أن تأخذا معهما عاركما الذي ألحقتماه بي … استردَّا كلَّ ما ذكرتُ وردَّا إليَّ شرفي، وإن يكن شرف ابن نجار أو حداد جاهل فقير.
بول : لم تكن نفسي تحدثني أنك على هذا القدر من القسوة! ألا ترضى بما رضينا به نحن والداك؟ (يدنو منه بعطف).
جورج : مكانك أيها الرجل! … إنني أحتقرك (بول يخطو نحوه بغضب، فتتنبَّه الأمُّ من عميق غشيتها وبكائها وتقف بينهما).
هنريت : حذار … إنني قاسيت في هذا الأمر أكثر مما تحتمله نفسي.
جورج : تتهددني؟ تحاول ضربي؟ … إليك رأسي فشجه وعينيَّ فافقأهما.
هنريت : بول … احتملْ غضبَ ولدِك.
جورج : سأدخل غرفتي لأبدل ثيابي (يصعد الدَّرَج).

المشهد الخامس

هنريت : أنتركه وحيدًا بعد هذا الانفعال؟
بول : لعله ينام فيهدأ ثائِرُه.
هنريت : تظن مَن كانت هذه حاله يستطيع النوم؟
بول : إنه منهوك القوى، والتعب يرغمه على النوم.
هنريت : إن قلبي غير مطمئن إلى خلوته وانفراده.
بول : إن الخلوة أفضل له من عشرتنا بعد الذي سمعتُه منه.
هنريت : ولكنني يا بول أخشى …
بول : إنك تبالغين في الخوف (يُسمَع صوت جسم يقع، فتجري الأم إلى الغرفة وتعود كالمجنونة).
هنريت (بانزعاج) : الباب مغلق وقَرَعْته فلم يجبني … بادِرْ إلى تحطيمه.
بول : املكي نفسك … إن لديك مفتاحًا آخر يفتح هذا الباب (يفتح درجًا في دولاب في الصالون ويناولها المفتاح فتسرع إلى الباب وتفتحه وتغيب، ثم تُسمَع صرخة ثم تعود إلى المسرح).
بول (بلهفة) : ماذا جرى؟
هنريت : لقد قتلتَ ولدي (ترتمي على الأرض).
بول : لم أقتل ولدك … إنما قتله الشرف.
(ستار)
(تمت الرواية ٢ / ١٠ / ١٩١٨
محمد لطفي جمعة)
١  لم يكتب المؤلف الشعر الذي أنشده أوليفيه وترك مكانه فراغًا.
٢  لم يكتب المؤلف الشعر الذي أنشده أوليفيه وترك مكانه فراغًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤