الفصل الأول

أنوات

أيها الإنسان اعرف نفسك بنفسك. يا لَه من سلاح دمار شامل أوصى به سقراط. لقد جربت مرارًا النزول إلى أعماق ذاتي، أتساءل دومًا، من هذا الشخص الذي يتحدث داخلي، أو كما قال الفلاسفة: ما هذه الأنا؟ لكنني على العكس منهم تمامًا، لم أعثر على أي تفكير، بل بالعكس بمجرد طرح السؤال تنفتح أمامي علبة باندورا، أشعر برُعب كبير كمن يطلُّ على حافة العدم، فأعود سريعًا إلى الوراء محاولًا محو آثار هذا السؤال من ذهني.

يبدو أنني لا أستطيع أن أستمر في الحياة إلا من خلال نسيان هذه الجرثومة بأعماقي التي اسمها «الأنا». أحيانًا هناك أصوات كثيرة تتصاعد داخلي لا أعرف كيف أضع لها حدًّا، بعضها من طبيعة بشرية، وبعضها الآخر حيوانية بدون شك، وثمة أصوات أخرى لا أدري حتى كيف أصنفها.

أعرف أنني لن أنتصر على هذه الأصوات إلا لحظةَ مماتي، آنذاك سوف تخرس إلى الأبد وسأرقص منتصرًا عليها. أما الآن فأنا أتمسَّك بعدم الاقتراب من هذا الثقب الأسود كي لا يبتلعني، وحين يثقل علي الأمر لدي بعض الخطط التي أتحايل بها على نفسي، منها مثلًا ركوب حافلة والذهاب معها إلى حيث تشاء وتنتهي مسيرتها، لا أسأل السائق عن وجهتها إلا بعد أن نقطع نصف الطريق.

أو يمكنني أيضًا أن أستلقي على ظهري، وأترك الشمس تلفح وجهي، هكذا مثل قِطٍّ كسول أظل لساعات وساعات أحدِّق في الفراغ دون أفكار أو أحاسيس، الشيء الوحيد الذي أسمح لنفسي بممارسته هو التخيل، نعم أتخيلني وُلدت في حياة أخرى في كوكب آخر، أو في كينونة مغايرة لهذه الكينونة، قد أُولَدُ مثلًا ضفدعًا، أو أسدَ بحر، أو عنكبوتًا ضخمًا، أو شجرة معمرة، أو ربما أيضًا محاربًا ضمن جنود جنكيز خان، أو كاهنًا شامانيًّا في أراضٍ مجهولة لا أعرفها.

وماذا لو كنت قد ولدت سفاحًا، أو ملكًا، أو قرصانًا بعين واحدة ويد حديدية معقوفة، احتمالات الوجود ترعبني، أعزي نفسي بالتشبُّث بأن هذه الحالة التي أوجد عليها الآن هي «أحسن العوالم». من يدري ربما هذا أفضل ما في جعبة القدر فعله لي؟

يا ربي! ما هذه الأقوام التي تتحدَّث داخلي، أي طبول وبخور تتصاعد من باطني، ما هذه الهوية غير المتطابقة أبدًا التي أنا عليها. كلا لم أكن أملك أي وجه قبل أن أولد، ولن أحتفظ أيضًا بأي وجه بعد أن أموت، اعذرني أيها الموقَّر ديكارت، أنا أنوات.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤