مقدمة

العلم أعظم أركان الحضارة وأقوى أسبابها، والبحث في علوم الأمة وآدابهم من أهم واجبات المؤرخين، وخصوصًا في الإسلام، لعلاقة العلوم الإسلامية بأحوال دوله وسياستها، ولذلك كانت أبحاث هذا الجزء من تاريخ التمدن الإسلامي أهم أبحاث هذا الكتاب، ويزيد أهميته ارتباط تاريخ العلوم في الإسلام بتاريخها قبله؛ لأنَّ المسلمين نقلوا إلى لسانهم معظم ما أنتجته عقول البشر، من أول عهد المدنية إلى أيامهم، في العقليات والنقليات، فورثوا علوم الكلدانيين والفينيقيين والمصريين والفرس واليونان والهنود.

فجرنا النَّظر فيما نقله العرب من علوم تلك الأمم إلى البحث في تاريخ تلك العلوم عند كل منها، فكان هذا الجزء من تاريخ التمدن الإسلامي يشتمل على خلاصة تاريخ العلم والفلسفة والأدب، من أول عهد العمران إلى ظهور الإسلام، فضلًا عن تاريخها فيه.

وقد رسخ في اعتقاد بعض الكتَّاب من الإفرنج وغيرهم، أنَّ المسلمين أو العرب قلَّما أفادوا العلم؛ لأنَّهم نقلوه عن اليونان ولم يزيدوا فيه شيئًا من عند أنفسهم، وذهب آخرون إلى أنَّ نقلهم لم يقتصر على استبقاء علم اليونان كما كان، بل هم شوهوا ما نقلوه فأضروا العلم وأفسدوه، وقد نشأ هذا الاعتقاد في زمن التعصب، وتوالى وتنوقل إلى أوائل هذا العصر ولم يتعرض لتحقيقه أو نقده أحد من العرب أو المسلمين.

على أنَّ المنصفين من مستشرقي الإفرنج ذكروا للتمدن الإسلامي أفضالًا على العلم أشاروا إليها باختصار، وقد توسع بعضهم في تعدادها بكلام إجمالي، إذا قرأه العربي انشرح صدره، فإذا أراد تحقيقه ذهب أكثر سعيه عبثًا، ووجه التحقيق أن نجد تلك المآثر مثبتة في كتب العرب القدماء؛ لأنَّها المصدر الوحيد لتاريخ الإسلام والمسلمين والآداب الإسلامية، وأكثر ما كتبه الإفرنج في هذه الموضوعات مرجعه إلى كتب العرب، فإذا رأينا في كتب الإفرنج مأثرة منسوبة إلى العرب ولم نجد لها ذكرًا في كتبهم ضعفت ثقتنا في صحتها، إذ قد تكون منقولة عن بعض الرَّحلات الإفرنجية في العصور الوسطى، وأكثرها يحتاج إلى تمحيص، كرحلة بنيامين التطيلي اليهودي التي وصف فيها القسطنطينية ومصر وسوريا وفارس إلى حدود الصين في القرن الثاني عشر للميلاد، فقد ضمنها من الحوادث والأخبار ما يخالف التاريخ، فضلًا عما فيها من المبالغات والغرائب، كتبها الرحالة المذكور باللغة العبرانية، ثم نقلت إلى اللاتينية في القرن السادس عشر، وإلى الفرنسية في القرن الثامن عشر، وإلى الإنجليزية في القرن التاسع عشر.

ومن أمثلة ما جاء فيها أنَّه كان في الإسكندرية على عهد الفاطميين عشرون مدرسة علمية، وفي القاهرة عدد عظيم من المدارس الكلية، وسترى في كلامنا عن تاريخ المدارس أنَّها لم تبنَ بمصر إلا بعد انقضاء عصر الفاطميين، ومع ذلك فإننا نرى كُتَّابنا ينقلون هذه الأخبار على علاتها فرحًا بتعداد مآثر العرب، ولو نقبوا عن أساسها لذهب فرحهم، وهذا ما نبهنا إليه صديقنا النعماني العالم الهندي في كتابه الذي نشرنا خلاصته في مقدمة الجزء الثاني، إذ اقترح علينا أن نُذيِّل صفحات كتابنا هذا بالمصادر التي ننقل عنها، وقد أخذنا باقتراحه، وأصبحنا لكثرة ما يعرض لنا من أخطاء المؤرخين في هذا الصدد، لا نثق إلا بما يؤيد بالإسناد إلى النصوص التاريخية أو بقرينة لا تقل قوة عنه.

•••

على أننا لا نرى بدًّا من تصديق كُتَّاب الإفرنج فيما هو متعلق بآدابهم أو تاريخهم، كحكاية الساعة التي يقولون إن هارون الرشيد أهداها إلى شارلمان مثلًا، وكقولهم إنَّ عرب الأندلس علموهم صنع رقاص الساعة، وقول الباحثين في تاريخ الكيمياء مثلًا إن العرب صنعوا المركب الفلاني أو اكتشفوا المادة الفلانية، وأما فيما خلا ذلك فلا بد من الرجوع إلى المصادر العربية من كتب التاريخ والأدب والعلوم وهي كثيرة، وفيها فوائد مهمة تظهر بالمطالعة والإمعان، ولا ينبغي لنا أن ننسى فضل جماعة المستشرقين في نشر الكتب العربية، التي لولاهم لضاعت، أو ظلت في زوايا الإهمال، ونذكر منها على الخصوص كتابًا كثير الفائدة في هذا الموضوع، نعني كتاب الفهرست لابن النديم، والفضل في نشره للمستشرق جوستاف فلوجل Gustav Flugel وقد علَّق عليه ملاحظات جزيلة الفائدة ومقابلات مهمَّة شغلت مجلدًا كاملًا فجعلنا معولنا في استخراج الحقائق التاريخية التي بنينا عليها بحثنا في هذا الكتاب على الكتب العربية بعد التمحيص والنقد. واستيفاءً لأسباب البحث تصفحنا ما كتبه في هذا الشأن أفاضل الإفرنج وغيرهم، في الإنجليزية والفرنسية والألمانية وغيرها، ووقفنا على كتاب في اللغة الهندستانية (الأوردية) للنعماني المشار إليه سماه «رسائل شبلي»، ذكر فيه فصولًا في مدارس العرب ومارستاناتهم ومكتباتهم وكتبهم ذيَّلها بالإسناد، وهو كتاب جليل، وبعد الاطلاع على آراء العلماء وأبحاثهم في هذا الموضوع، رجعنا إلى المصادر العربية فتصفحناها بإمعان وتدقيق، فعثرنا فيها على ما أدهشنا من عظمة ذلك التمدن وخصوصًا في العلم والأدب، مما ستراه مفصلًا في هذا الجزء.

موضوع هذا الجزء

وقد قسمنا الكلام في موضوع هذا الجزء إلى: علوم العرب قبل الإسلام، وعلومهم بعده، فذكرنا أولًا خلاصة ما كان عند العرب الجاهلية من العلوم والآداب، كالنجوم والأنواء والميثولوجيا والكهانة والعرافة والطب والشعر والخطابة وأندية الأدب والأنساب والتاريخ، وبحثنا في مصادر تلك العلوم بحثًا فلسفيًّا، وقسمنا الكلام في علوم العرب بعد الإسلام إلى ثلاثة أقسام:

  • أولًا: العلوم التي اقتضاها الإسلام وسميناها العلوم الإسلامية.
  • ثانيًا: العلوم التي كانت في الجاهلية وارتقت في الإسلام وهي الآداب العربية الجاهلية.
  • ثالثًا: العلوم التي نقلت من اللغات الأخرى وهي العلوم الدخيلة.
وقبل النظر في هذه الأقسام قدمنا الكلام بمقدمات تمهيدية:
  • (١)

    في الإسلام والعلوم الإسلامية وكيف تدرج العرب في وضعها واستلزم بعضها بعضًا.

  • (٢)

    العرب والقرآن والإسلام وما كان من تأثير القرآن في نفوس العرب واكتفائهم به دون سواه.

  • (٣)

    ما جرَّ إليه ذلك الاكتفاء من إحراق ما عثروا عليه من كتب الأقدمين وخصوصًا مكتبة الإسكندرية.

  • (٤)

    في الرومان والإسلام والعلم، وإن الذين يقابلون بين الرومان والعرب في أسباب التمدن يظلمون العرب، وإنه يجب أن يقابل بين الرومان والإسلام.

  • (٥)

    أن حملة العلم في الإسلام أكثرهم العجم، وما السبب في ذلك.

  • (٦)

    تدوين العلم في الإسلام وعلة إمساك العرب عن تدوينه إلى آخر القرن الأول للهجرة.

  • (٧)

    الخط العربي وتاريخه، ووضع الحركات والإعجام وما الذي دعا إلى ذلك.

ولمَّا فرغنا من هذه المقدمات انتقلنا إلى البحث في العلوم الإسلامية، وقسمناها إلى: العلوم الشرعية الإسلامية أي الدينية، والعلوم اللسانية أو اللغوية، والعلوم التاريخية، وابتدأنا من العلوم الشرعية بالقرآن وتاريخ جمعه وتدوينه وقراءته وتفسيره وتأثير أسلوبه في النفوس، ثم الحديث وما دعا إلى وضعه وإسناده وعدده، ثم الفقه ومصادره، والفقهاء والرأي والقياس ومنزلة الفقهاء عند الخلفاء، وكيف ترتبت تلك العلوم بعضها على بعض، ثم انتقلنا إلى العلوم اللسانية وبيَّنَّا أنَّها مما اقتضاه الإسلام، وفصَّلنا الأسباب التي دعت إلى وضع النحو، وذكرنا تاريخ الأدب واللغة في البصرة والكوفة وبغداد وعلاقة ذلك بالسياسة، ونشرنا فصلًا في بلاغة الإنشاء وتاريخها ومصيرها وأسبابها الفلسفية، ثم أتينا إلى التاريخ والجغرافية، فبيَّنَّا الأسباب التي دعت إلى وضعهما وميزتهما في اللسان العربي عمَّا في سائر الألسنة.

ثم ذكرنا الآداب العربية الجاهلية، وهي الخطابة والشعر وما كان للإسلام من التأثير فيهما، وما نسبة الخطابة عند المسلمين إلى خطابة الأمم الأخرى، وما كان من حال الشعر وطبقاته وأسلوبه ورواته وتأثيره في الدولة وعدد الشعراء وأشعارهم.

•••

ثم تقدمنا إلى العلوم الدخيلة التي نقلها المسلمون إلى العربية، وتمهيدًا لفهم الموضوع قدمنا الكلام في تاريخ آداب الأمم التي نقلت تلك العلوم عن ألسنتهم، وأهمهم اليونان والفرس والهنود والكلدان، فذكرنا أولًا تاريخ آداب اللغة اليونانية، منذ اقتبس اليونان العلوم من الكلدان والمصريين والفينيقيين حتى وضعوا التاريخ والفلسفة والنجوم وغيرها إلى زمن الإسلام، وتوسعنا خصوصًا في تاريخ الفلسفة وما مرت به من الأدوار إلى سقراط فأفلاطون فأرسطو وتاريخ مؤلفات أرسطو، ثم تاريخ مدرسة الإسكندرية في عصريها اليوناني والروماني إلى الفتوح الإسلامية، ثم ذكرنا آداب اللغة الفارسية وما كان من تأثير آداب اليونان عليها في مدرسة جنديسابور وغيرها، وبيَّنَّا نحو ذلك في آداب الهنود والسريان بأسباب متسلسلة مترابطة.

ثم انتقلنا إلى الكلام عن العرب والعلوم الدخيلة وما الذي حملهم على نقلها، وأول من اشتغل فيها قبل الدولة العباسية، ثم اشتغال المنصور في نقل كتب النجوم والطب عن الهند والفرس، والأسباب التي حملته على نقلهما، ثم المهدي والرشيد، وأسهبنا الكلام في المأمون والفلسفة والمنطق وما الذي حمله على نقلهما، وأتينا بفصل خاص عن نَقَلَة العلم في العصر العباسي وملخص تراجمهم، وجُلِّهم من غير المسلمين وفيهم النصراني واليهودي والصابي والمجوسي والسامري، وفيهم النقلة من اليوناني أو من الفارسي أو الهندي أو النبطي، وفصل في السوريين ونقل العلم بيَّنَّا فيه أنَّ السوريين ما زالوا منذ القدم ينقلون العلوم بين الأمم.

ثم تقدمنا إلى ذكر الكتب التي تُرجمت في تلك النهضة بالتفصيل عن كل لغة على حدة، باعتبار الموضوعات والمؤلفين، وبإزاء كل كتاب اسم ناقله، فذكرنا ما نُقل عن اليونانية فالفارسية فالهندية فالنبطية فالعبرانية فالقبطية، وهي تُعد بالمئات، وقد نُقلت بسرعة لم تتفق لأمة من الأمم، فذكرنا الأسباب التي ساعدت على تلك السرعة، وفي جملتها محاسنة الخلفاء للعلماء غير المسلمين، ثم بحثنا في انتشار العلوم الدخيلة في المملكة الإسلامية ونبوغ الفلاسفة والأطباء في الأنحاء المتباعدة، واشتغال الخلفاء والأمراء أنفسهم بالعلم وتنشيط العلماء وتأليف الكتب لهم، وما كانوا يبذلونه في هذا السبيل، ثم بحثنا في المؤلفين وكثرتهم والمؤلفات وتعدادها وضخامتها.

ثُمَّ نظرنا في تأثير التَّمدّن الإسلامي في هذه العلوم، فبدأنا بالفلسفة وما ترتب عليها من علم الكلام وتاريخ تنقلها في ممالك المشرق، وما كان من اضطهاد الخلفاء لأصحابها بعد النهضة العباسية حتى تألفت الجمعيات السرية، ومن جملتها جمعية إخوان الصفا، وكيف انتقلت رسائلهم إلى الأندلس وما كان من تاريخ الفلسفة هناك، ثُمَّ تاريخ الطب الإسلامي والفرق بينه وبين الطب اليوناني أو الفارسي أو الهندي، وأنَّه جامع بينها كلها، وأحصينا الأطباء المسلمين وتاريخ المارستانات في الإسلام، ثم نظرنا فيما أدخله المسلمون من عند أنفسهم في الطب وفروعه كالكيمياء والصيدلة والنبات وغيرها، ثُمَّ تاريخ النجوم أو الفلك في الإسلام، وتاريخ المراصد عندهم والفرق بين التنجيم والنجوم، ومن نبغ من علماء الفلك في الإسلام، وما أحدثوه من الآراء الجديدة وآلات الرصد الجديدة، وما يلحق بذلك من الرياضيات كالحساب والجبر والهندسة، ثم تاريخ الفنون الجميلة، وأنَّ المسلمين لم يُقصِّروا فيها كما ظنَّ الأكثرون، وختمنا الكلام في المدارس وتاريخ تأسيسها وأسبابه، ثم المكتبات عندهم وعدد ما حوته من الكتب، مما يدل على فخامة العلم في ذلك التمدن العجيب، وبذلنا الجهد في تحقيق كل عبارة وتمحيص كل رأي، بما يبلغ إليه الإمكان ويأذن به المكان.

ونغتنم هذه الفرصة للثناء على العلماء الأفاضل الذين تلقوا خدمتنا بالرضا وذكروها بما هم أهله، ونخص منهم كبار المستشرقين في أوربا ممن وصل إليهم كتابنا المذكور، فقد جاءتنا كتبهم ورسائلهم بعبارات الاستحسان والتنشيط، وكتب بعضهم التقاريظ في المجلات الإفرنجية، فاستحثنا ذلك على الاقتداء بهم في خدمة هذه اللغة، التي سبقونا إلى إحياء علومها وآدابها ومهدوا لنا سبيل البحث فيها، فنستأذن الذين تفضلوا منهم بالكتابة إلينا أن ندوِّن أسماءهم في صدر هذا الجزء إقرارًا بفضلهم، وهذه أسماؤهم بالترتيب الهجائي:
  • الأستاذ دي جويه M. J. De Goeje في ليدن.
  • الأستاذ ديرنبرج H. Derenbourg في باريس.
  • الأستاذ روزن V. von Rosen في بطرسبرج.
  • الأستاذ جولد تسيهر I.Goldziher في بودابست.
  • الأستاذ جويدي M.Guidi في رومية.
  • الأستاذ مرجليوث D. S. Margoliouth في أكسفورد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤