الفصل السادس عشر

لم تمضِ أيام حتى جاء «محسن» خطاب!

وإن مجرد كلمة خطاب في هذا الظرف كافية لأن تقلب كيان قلب الفتى، أو أي فرد آخر في ذلك البيت، ولكنه سرعان ما علم أن الخطاب الذي أتاه إنما هو من أهله في «دمنهور» يبعثون إليه بمصروفه، وبالمبلغ الشهري المخصص «لحنفي أفندي»، مقابل إقامة «محسن» عنده … وهم يدهشون في ذلك الخطاب لأن عطلة نصف السنة قد اقتربت دون أن يبدي «محسن» أي رغبة، ودون أن يحدد أي ميعاد للسفر إليهم كالمعتاد في كل سنة. والواقع أن «محسن» في هذا العام ما خطر بباله قط أمر السفر ولا أمر العطلة، وما اشتغل فكره بغير ما هو فيه ورفاقه. ولقد هجر كذلك أصدقاءه في المدرسة هذا العام … ولم يكن يهمه من المدرسة غير مجرد تحصيل الدروس، فكان يؤدي عمله بها وهو يرقب ساعة الانصراف بصبر نافد ليذهب إلى المنزل، وكثيرًا ما كان يشغل فراغ فسحة الغداء وكافة الفسح، في مذاكرة الدروس؛ كي ينطلق إلى المنزل بعدئذٍ حرًّا من كل قيد، ولكنه الآن بوغت بهذا الخطاب يدعوه إلى السفر وكأنه فتح عينيه من غيبوبة لذيذة فرأى الواقع، لا بد من السفر.

ومع أن العطلة قصيرة الأمد، ولن تتجاوز العشرة أيام؛ فقد بدا له ذلك طويلًا، غير أنه تمثل في فكره صورة والديه فحن إليهما، وانشرح قليلًا بالسفر لرؤيتهما.

ولم يكن «محسن» وحده الناسي أمر السفر في هذا العام الغريب؛ بل كانت «زنوبة» أيضًا … «زنوبة» والتي اعتادت أن تحسب ميعاده بالضبط؛ كي تستعد في تجهيز الهدية الواجب إرسالها مع «محسن».

ودهش «محسن» قليلًا لنسيان «زنوبة»، فذهب يذكرها بسفره القريب، فوجدها في حجرتها «تقرص» كعكًا من النوع المسمى «كعب الغزال»، فقال في نفسه: إنها لم تنسَ، ولكنه تجاهُل، وسألها عما تصنع، دون أن يخبرها بسفره، فترددت قليلًا، ثم احمر وجهها بعض الشيء، وقالت: أصل خدام جارنا اللي تحت طلع بصينية دقيق وسمن، علشان نعمل له شوية كعب الغزال.

فبغت «محسن»، قليلًا، وقال: «مصطفى بك»؟

فاستطردت «زنوبة»، وهي في عملها لا تنظر إليه: أصل ماعندوش حد هنا يعرف يعمله، قام قصدنا، وعلى رأي المثل، النبي وصى على سابع جار.

فأخفى «محسن» ابتسامة، وذكر في الحال أنه أمس وهو آتٍ من المدرسة لمح «زنوبة» تخاطب خادم «مصطفى بك» على مدخل السلم، فظن أنها إنما تنبهه إلى كنس جزء السلم الخاص بهم؛ لأنه سمعها قالت ذلك عندما رأته يصعد … أما الآن فقد وضح «لمحسن» أمر تلك المحادثة مع خادم الجار، ومن يدري لعلها هي التي عرضت عليه الخدمة كلما احتاج سيده إلى شيء، بصفة كونه أعزب، ليس له من يهيئ له ما يشتهي من كعك وكعب غزال وغير ذلك.

•••

توجَّه فكر «محسن» بعدئذٍ إلى «سنية» وأراد أن يذهب إليها يخبرها بسفره ويعلم ما يكون من أمرها، وقد تخيل في رأسه أنها ستتكدر لهذا الخبر كما تكدر هو، فخفق قلبه لهذا الخاطر. وأخذ يهيئ في نفسه ما سيقول لها، ورأى أن يتشجع هذه المرة، ويجعل من خبر سفره هذا ذريعة يكشف بها عن بعض ما يكتمه منذ شهور.

جاء العصر، وعاد «محسن» من يومه الأخير بالمدرسة، قبل العطلة، فذهب توًّا إلى منزل الجيران.

ودخل كعادته حجرة «البيانو» فلم يجد بها أحدًا بادئ الأمر، ولكنه التفت إلى جهة الشرفة فوجد «سنية» تطل من نافذتها مصوبة أنظارها إلى القهوة الصغيرة، وقد ارتدت ثوبًا فاقع اللون على آخر طراز، ورتبت شعرها ترتيبًا غاية في الجمال، فدق قلبه في مكانه لحظة، وهي لا تحس وجوده، وأخيرًا تجرأ ومشى إليها في سكون، حتى حاذاها، ونظر معها إلى حيث تنظر، فإذا هو «مصطفى بك» جالسًا في مكانه بالقهوة وقد رفع بصره هو الآخر بأعين باسمة. فارتعد «محسن»، وأحست «سنية» قربه فبُغتت قليلًا، ثم استقامت ومدت يدها إليه مسلِّمة مرحبة في سرور وحماسة منادية إياه «يا أستاذي» كعادتها، ولاقته ملاقاةً أنسته نفسه وكل شيء، فاحمر وجهه وصمت لا يدري ما يجيب، فقادته إلى «البيانو» قائلة بصوت لذيذ: من زمان ماخدناش درس.

وجعلت تمر بيدها على مفاتيح «البيانو» و«محسن» ينظر إليها ساكتًا.

وأخيرًا قال متمتمًا: دا آخر درس.

فرفعت رأسها إليه ولم تفهم.

وعندئذٍ هدأ «محسن» من اضطرابه، وبدأ يقص عليها ما جاء به إليها اليوم، وأن عمته «زنوبة» مشتغلة بإعداد ما يلزم لسفره، وقد قالت إنها ذاهبة إلى «سنية» هانم في الغد، ولكنه لم يستطع صبرًا على انتظار الغد؛ لذلك ما إن خرج من المدرسة حتى جاء إلى «سنية» توًّا، ثم سكت قليلًا ونظر إلى «سنية»، فإذا هي ساكتة أيضًا تنظر إليه، وهو يلهث بعد كلامه.

فاستطرد يقول إنه حزين … وصمت غير مستطيع أن يستمر فيما اختطَّه.

فقالت «سنية» في لطف حار: حزين؟! … ليه حزين؟

فأجاب الفتى مترددًا: علشان.

فأردفت «سنية»: علشان مسافر؟

فقال «محسن» بصوت خافت متلعثم غير مفحم: أيوه.

وكأنها أدركت أو شكَّت في أمره مما يبدو عليه، فتلطفت قليلًا، وازداد صوتها نعومة وأنوثة بغير ما تعمُّد؛ كأنما شيء في قرارتها يدفعها إلى تشجيعه، أو على الأقل يجيد الاستماع إلى ما يقول في هذا الشأن.

فأظهرت له الاستغراب؛ إذ يحزن لسفر قصير الأجل كهذا، وقالت له في ابتسامة مغرية: إنها لا تصدق أنه حزين من أجل شيء كهذا قط. ولكن «محسن» لم يجب، ولم يزد على أن خفق قلبه شديدًا كلما هم بالكلام. واستطردت «سنية» تقول في رقة: علشان إيه صحيح انت حزين؟ إخص عليك … مش عايز تقول لي؟

فتمتم «محسن» بألفاظ خافتة، ثم قال وهو ينظر إلى الأرض: علشان … مسافر.

فامتعضت «سنية» قليلًا لهذا الجواب: وسكتت هي الأخرى لحظة، ثم قالت بصوت عادي فيه رنة الجد: مش تسلم على «ماما» قبل ما تسافر؟

فأجاب الفتى وقد رفع رأسه: أيوه.

فنهضت «سنية» وصفقت للخادمة تناديها، فلما حضرت سألتها عن مولاتها الكبيرة إذا كانت قد عادت من الخارج، فأجابت الجارية سلبًا، فالتفتت «سنية» إلى «محسن» وقالت: مش عارفة راحت فين! خرجت النهارده بدري على غير عادتها من غير ما تقول لي.

ونهضت قافزة إلى الشرفة، ولبثت تنظر منها.

فرفع «محسن» رأسه، والتفت إليها خلسة، وقد انقبضت نفسه، وأحس شكًّا مبهما يخزه، ولكنها عادت إليه مبتسمة، واقترحت عليه العزف على «البيانو» عزف الوداع، ثم لم تمهله حتى يجيب؛ بل عرجت بمناسبة ذكر «البيانو» إلى ذكر «سليم» كيف أنه كان لطيفًا غاية اللطف؛ إذ عُني بإصلاح «البيانو» إصلاحًا جيدًا. فنظر إليها «محسن» مبغوتًا وذكر خطاب «سليم»، وحاول أن يستشف منها أو يشم رائحة تهكم، فلم يجد إلا العكس.

واستطردت «سنية» تشكر «سليم» بعبارات جميلة، فاختلج فؤاد «محسن»، ومر بخاطره أن «عبده» قد أصلح كذلك أسلاك الكهرباء، فلماذا لم تذكره بكلمة شكر واحدة … وتذكر «محسن» ساعة دخوله اليوم إذ كانت «سنية» عندئذٍ بالشرفة تطيل النظر إلى القهوة، وقال في نفسه: ترى أكان ذلك من أجل «سليم»؟ وأحس الفتى وخزًا عميقًا، غير أنه عاد فتذكر، ألا يمكن أن يكون ذلك لأن «سليم» قد ترك هذه القهوة من زمان، ولم يعد يُرى جالسًا بها مطلقًا، من يوم أن طُلب لإصلاح البيانو، كأن طريقة القهوة لم تعد مفيدة له في الوصول إلى شيء.

إذن لماذا؟ وإلى من كانت تنظر وترنو من الشرفة الآن على ذلك النحو؟ وشعر «محسن» بشيء من الحقد الغريب على «سنية»، كأنه ما كان يجب أن يراها تتنزل في عينيه إلى مثل هذا.

واختلج قلبه بذلك الإحساس الذي أحسه نحوها، يوم لاحظ سلوكها نحو عبده، وهو يصلح الكهرباء، ونحو «سليم»، وقد جاء يكشف عن «البيانو»، وقد أنكر عليها في قرارة نفسه تصرفها، وعدَّه خليعًا ومستلفتًا عمدًا لأنظار الضيفين.

كبر عند «محسن» هذا الإحساس وهو صامت، وفجأة إذا هو يرى «سنية» تنهض من مجلسها القريب منه، وكأنما اعتراها ضيق أو ملل ومشت متجهة إلى الشرفة، وما إن بلغتها حتى بدا على وجهها شبه تورد وانتعاش، وكان «محسن» يلاحظها من طرفٍ خفي، فرأى ذلك كله منها وخُيل إليه، أو هي الحقيقة، أنها كأنما تتنفس الصُّعَداء، وتبتسم لشخص في الخارج، فانقبض قلب «محسن» انقباضة قوية، ودب فيه يأس هائل، وتحقق في لحظة أن كل أحلامه عبث، وأن كل آماله فيها سراب، وثبت عنده الآن أنه كان مغفلًا إذ بالغ في تقدير الواقع؛ إذ كان يرجو من مثلها أكثر مما يستحقه مثله … من هو؟ طالب كفاءة صغير، وما صلته بها للآن؟ أليست صلة عائلية بسيطة، وإذا كانت «سنية» تتلطف معه، أليس لأنه غلام صغير؟ أو على الأقل هي تعامله كذلك، وهو في نظرها دائمًا ذلك الغلام الصغير، الذي لا تتحرج من ملاطفته أمام والدتها، وأن تقدم له «الشربات»، وأن تملأ جيوبه بالحلوى و«الملبس» إذا شاءت؟

والملاطفة والمجاملة غير الاهتمام والميل؛ أتراها اهتمت بمقدمه يومًا، واحمر وجهها كما فعلت يوم حضر «سليم» أو «عبده»، أو حتى كما تفعل الآن وهي ترنو من الشرفة إلى … إلى …!

اسودت الحجرة في عين «محسن»، وهذه الأفكار تدور في رأسه بسرعة الحلم المخيف، ونظر حوله ورأى نفسه جالسًا بمفرده، وهي منصرفة عنه لاهية، وشعر بحرج موقفه وبرودته ولماذا هو منسي مهمل؟

فنهض وقد تصبب جبينه عرقًا، ولم تشعر «سنية» بنهوضه، فوقف لحظة حائرًا مترددًا، وأدخل يده في جيبه، يبحث عن منديله، فعثر بمنديل «سنية» الحريري الذي لا يفارقه، فدق قلبه، ولكن يأسه عاجله، فاصفر وجمد في مكانه، وخُيل إليه أنه في حاجة إلى أن يبكي أو يصيح أو يموت، ولكنه لم يفعل شيئًا من ذلك، ولم يستطع حتى أن ينبه «سنية» إلى وجوده، وإلى نهوضه.

وحانت من «سنية» أخيرًا التفاتة إليه، فأقبلت نحوه ومدت يدها قائلة: مروح خلاص؟

ورأى «محسن» في صورتها وحركتها فتورًا، فهم منه أنها لا تلح في استبقائه، وخُيل إليه أنه مكث أكثر مما يجب، فمد يده إليها بسرعة، وقال بصوت لا يكاد يخرج: أيوه مروح.

وتركها وذهب إلى الباب، وهي تنظر إليه مبغوتة لهذا الذي أتى لوداعها وانصرف على هذا الشكل … غير أن «محسن» وقف بعتبة الحجرة مترددًا، ولاحظت «سنية» ذلك فذهبت إليه تستطلع سبب وقوفه، فأدخل «محسن» يدًا مرتجفة في جيبه وأخرج منديلها الحريري، وأعطاها إياه بدون أن ينظر إليها.

فتناولت «سنية» المنديل، وقلبته في يدها دهشة وقد عرفته، ولكنها لم تفهم بادئ الأمر، وصاحت: منديلي؟ لقيته فين؟

فأجاب «محسن» بصوت خافت: كان عندي.

وكانت هذه الجملة كافية أن تفهم منها «سنية»، فنظرت إلى وجه «محسن» الشاب لحظة، وتأملت ملامحه الحزينة، وشفتيه المتوترتين وعينيه المتراخيتين، ترسلان إلى الأرض نظرات جامدة قانطة، وذكرها منظره الساعة بمنظره يوم رأته يستذكر ماضيه، وقد لبس وجهه لها فجأة لبوس الرجولة، غير أنه اليوم يبدو خطيرًا رهيبًا؛ كمن يجالد شيئًا داخل نفسه.

وأدركت «سنية» بعض ما بالفتى، وارتاحت له.

وأراد «محسن» أن ينصرف فمنعته، وقالت له بصوت رقيق: كان عندك من زمان يا مكار؟

فلم يُجِب «محسن»، ولكنه أحس دمه يغلي، وقد حسب «سنية» تهزأ بهذه العبارة الفاترة، فتجلد، وأردفت «سنية» قائلة: وإيه السبب ترجع لي المنديل دلوقت؟

فأجابها «محسن» بلهجة عنيفة فجائية: مش بتاعي.

فبغتت «سنية»، ولكنها هدأت واقتربت من «محسن» ومدت له يدها بالمنديل في لطف، وقالت بإخلاص: وإذا كنت أهديه لك؟

فأجاب «محسن» على الفور بلهجة جافة قاطعة: مش عايز.

فتغير وجه «سنية» وقد فاجأها هذا الجواب، ورأت من وجه الفتى أنه في أشد حالات الغضب والتأثر، فصمتت، ولبثا لحظة في سكون، وأخيرًا قالت له بصوت متغير خافت: محسن انت زعلان من حاجة؟

فلم يجب.

ورفعت رأسها تطلب إليه أن يجيب، فرأت دمعتين تنحدران من عينيه فاهتز قلبها قليلًا، ومدت يدها برفق، وتناولت يده وقادته إلى المقعد الكبير، قائلة بصوت ملؤه التأثر: محسن … بتعيط؟ محسن.

وجلست وأجلسته بجانبها، ولكن «محسن» لم يستطع كتم دموعه، فانهمرت رغم إرادته وبغير مسوغ.

فبادرت إليه «سنية» بمنديلها الحريري، تمسح عينيه، وتقول له في رقة: زعلان مني انا؟ زعلان مني انا يا «محسن»؟

ولكن الفتى لم يجب بغير شهقاته العصبية، التي حاول عبثًا حبسها … واستمرت «سنية» منفعلة تقول: محسن! … إخص عليك! … محسن.

ثم التصقت به وقبلته في أسفل خده قبلة أحس الفتى مع حرارتها رطوبة كالندى، فنظر إليها فإذا هي أيضًا تبكي من التأثر.

وساد بينهما سكون لحظة، قطعته «سنية» بسؤالها عن سبب بكائه وألحت، فهمهم بكلمات غير مفهومة أولًا، ثم تمالك قليلًا، وقال: إنه يعلم بأنه ليس عندها شيئًا مذكورًا، غير أن ما يؤلمه هو أنها تخفي عنه ذلك، وكان الأجدر بها أن.

ولم يستطع الاستمرار في هذا القول، فعاد يقول إنه لا يعتب عليها في شيء قط، وإنما هو متألم لنفسه ويؤنب نفسه لأنه أغرق في آمال موهومة كاذبة، وأحلام خادعة.

وجعل يتكلم هكذا بصوت مرتجف محموم، و«سنية» تصغي إليه بتأثر وفي لذة، إلى أن فرغ، فاقتربت منه، وأمسكت بيده المرتجفة، وقالت بصوت خافت وهي تنظر إليه: مالكش حق يا «محسن»، برده كده؟ … إخص عليك!

لو كنت مش مهم عندي ماكنتش أعلمك «البيانو»، وأقول «لماما» توافق على كده، تعرف من يوم ما شفتك فوق السطح.

فاختلج قلب الفتى، وابتسمت أساريره، والتفت إليها وكأن عينيه تسألان: صحيح؟

واستطردت «سنية» تتكلم بصوت خافت حار تؤنبه على ما قال، وهو لا يدري ماذا يجيب وماذا يفعل، ولا يشعر أين هو؛ فكأنه في عالم أثيري لا يحس فيه حتى السعادة التي تعبق بها تلك اللحظة، وصحا قليلًا، وأخذ يساور نفسه في الارتماء على يديها تقبيلًا، وعلى خدها ووجهها لثمًا، ولكن لم يجرؤ على شيء من هذا، وظل جامدًا كالصنم، واللحظات تمر سراعًا … وأخيرًا جمع شتات عزمه، وتحرك كي ينفذ إيحاء قلبه الواثب، ولكن كان قد فات الأوان؛ إذ سمع وقع خطوات الجارية تعلن عودة سيدتها الكبيرة من الخارج. وعندئذٍ نهض «محسن» بسرعة واقفًا كما نهضت «سنية»، وأخذ يصلح من شأنه، وأراد أن يبحث في جيبه عن منديله يمسح به وجهه فأسرعت «سنية» وناولته خُفيةً منديلها الحريري، وغافلت الجارية وهمست له: خليه عندك تذكار.

ودخلت السيدة الكبيرة لابسة حبرة الخارج السوداء ورأت «محسن»، فأقبلت تسلم عليه، وأخبرتها «سنية» أنه أتى يودعها قبل سفره، وأنه انتظرها خصوصًا حتى تعود من الخارج، فشكرته الست الكبيرة، وتمنت له سفرًا سعيدًا، وطلبت إليه أن يسلم لها على والدته؛ وأن يذكِّر والدته بها إن كانت نسيتها، واستأذن الفتى في الانصراف، فشيعته المرأتان حتى السلم؛ فنزل بسرعة؛ وهو لا يشعر أنه في العالم، وكأنه ينزل من عالم آخر!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤