الفصل الرابع

ما كاد «محسن» يستقر ساعة في غرفته ببيت العزبة، حتى كان وقت الغداء، فمدت المائدة ووقف على رأسها الخادمان النوبيان كالمعتاد، وجاءت «الست» يتبعها زوجها و«محسن»، وما نظرت إلى طبق الخبز البلدي، على المائدة حتى صاحت: الله! … فين العيش «الفينو»؟

فغمغم أحد الخادمين: مفيش.

فزمجرت الست: نسيت تجيب عيش «فينو» معاك من «دمنهور»؟ كويس قوي، وأنا آكل ايه دلوقت؟

– أروح يا ستي أجيب من «دمنهور» وآجي حالًا.

فسكتت الست لحظة، ثم عادت فقالت بعد أن ألقت نظرة على الشمس المتوهجة في الخارج: الدنيا حر عليك يا «بلال»، قل لواحد فلاح يروح.

وهمَّ «بلال» بالذهاب، ولكنها استوقفته: اسمع يا «بلال»! … نادي لي الناظر الكلب.

وخرج الخادم، وعاد بعد لحظة بالناظر، فقالت له الست: إزاي عايز توكلنا عيش من بتاع الفلاحين يا راجل يا مغفل؟!

فأجاب الناظر دهشًا مبغوتًا: دا عيش طازة يا ست، خبيز النهارده الصبح، وامراتي خابزاه بإيدها خصوصي علشان حضرتك.

فصاحت به: بلاش قرف، أنا آكل عيش من ده؟! امشي ابعت واحد فلاح حالًا يروح يجيب لي عيش افرنجي من «دمنهور».

– دلوقت يا ست في حر الأيالة؟

– أيوه، دلوقت في حر الأيالة.

– حاضر يا ست بس.

– بس إيه؟

– بس جنابك تعرفي إن الفلاح من دول بيشقى في الغيط من الساعة ٥ صباحًا، وما يصدق تيجي ساعة الضهرية؛ لأجل يرتمي تحت شجرة يستريح بعض شي.

– ما شاء الله، يستريح بعض شي؟ الفلاح يستريح؟! من إمتى العز ده؟

– مش بني آدم يا جناب الست؟

– امشي بلاش دلع، قوِّم حالًا واحد فلاح يجيب عيش من «دمنهور»، وإلا وحياة أبويا الكرباج ينزل على عمتك دي … جنس فلاح!

فأطرق الناظر قليلًا، والتفتت الست إلى زوجها البك؛ كأنما تنتهره على سكوته، واكتفائه بالمشاهدة، فأسرع البك يوافق في ربكة وعجلة قائلًا: أيوه، أمال إيه، ابعت واحد فلاح من اللي نايمين زي الجاموس في الدار.

فرفع الناظر رأسه وقال: حاضر.

وأردفت الست: والا روح انت بنفسك إن كنت عايز تدلعهم، ما انت زيهم … يعني انت كنت ابن ترك؟

فقال الناظر في أدب: حاضر.

ثم خرج يلبي هذا الأمر الصارم، و«محسن» يتبعه بنظره مشفقًا حتى غاب، فخفض الفتى بصره، وجعل يداعب أزرار سترته، متجنبًا النظر إلى والديه؛ كأنه خجل من سلوكهما.

•••

صبر «محسن» حتى انتهى الغداء، فترك والديه، وانسل إلى الخارج حيث الحرية والفضاء، والفلاحون السذج البسطاء كرماء النفس … فكان أول من صادف «الشيخ حسن» قاعدًا على مصطبة المضيفة، وبيده سبحة، وهو باهت الوجه متغير الصوت، يتوسل إلى «عبد العاطي البدوي» خفير العزبة الخصوصي، وهذا يصيح في وجهه بصوت مخيف: والله والله «عرجاوي» ما يخشها … وشرف «البدوي» نطسه الوش من هادي الباروده.

– مفيش لزوم للشوشرة يا «عبد العاطي» … البيه هنا، إعمل معروف.

– والله هادا الفلاح ما يبات فيها.

– مش حصل الصلح بينكم، على يد وكيل العمدة؟

– إحنا بدو شرفا، ما يمشي علينا كلام عمدة فلاحين.

قال هذا وترك الشيخ «حسن» وسار متعاليًا وعلى شفته انفراجة ازدراء. ومر في طريقه «بمحسن»، وكان قد وقف عن كثب يرى ويستمع، غير مريد قطع المحاورة بينهما، فلما دنا منه «عبد العاطي» ناداه، وسأله عما قال «للشيخ حسن» منذ لحظة، وعن السبب في حقده على «عرجاوي» الفلاح، فأجابه الخفير البدوي في صلف بأن هذا الفتى الفلاح «عرجاوي» يريد الزواج من أخته البدوية، وأن أخته هامت بهذا الفلاح، ولم يفلح في إرجاعها عنه، لا الضرب المبرح، ولا النصح، ولا المعايرة بنزولها عن «محتدها البدوي» إلى الاقتران بفلاح.

وفي النهاية، اتفقت مع «عرجاوي» على الهرب والزواج به، على الرغم من إرادة أخيها «عبد العاطي»، فأقسم «عبد العاطي»، ألا تقع عينه على «عرجاوي» هذا حتى يقتله، وقد حاولوا الصلح بينهما، وحاولت الفتاة العربية استعطاف أخيها، وساقت إليه من يغير رأيه فيها وفي زوجها الفلاح فلم ينفع كل ذلك. وأصر عبد العاطي على تنفيذ حكمه … هذا ما فهمه «محسن» من هذا البدوي، وعندئذٍ نظر إليه وسأله في رفق: بقا «البدوي» أحسن من الفلاح يا «عبد العاطي»؟

فأجاب الخفير وهو يحدق به مستغربًا جهله: كيف يا بيه «البدوي» مثل «الفلاح»؟!

– إيه الفرق بين الاتنين؟

– كيف يا «بيه» … كيف؟ البدوي أصيل.

– والفلاح مش أصيل؟

– الفلاح عبد ابن عبد … إحنا بدو ما نرضى الضيم.

•••

ترك «محسن» «عبد العاطي» وسار وحيدًا يفكر فيما سمع منه، وقد تذكَّر قول مدرس تاريخ مصر القديمة إن الفلاح المصري الحاضر، إن هو إلا ذلك الفلاح المصري الغابر، الذي كان يعيش ويحرث ويزرع نفس الأرض قبل أن يكون البدو بدوًا، ولقد توالت العصور عليه، وتوالت الأمم عليه؛ لكنه لبعده عن المدن والحضر، ولاعتصامه ببطون القرى، نائيًا عن مهب العواصف السياسية والاجتماعية في العواصم، حيث تقيم الأمم المغيرة عادةً وتختلط الأجناس؛ لم يستطع طول الزمن ولا تقلباته أن تغير من نفسه شيئًا … فهل هذا الفلاح من يصح اتهامه بألا أصل له وهو أصل الأصول؟! ولكن العيب عيب الفلاح وحده، لأنه يجهل أصله هذا، بينما البدوي يتوارث ما يسميه أصلًا أبًا عن جد، وقبيلة عن قبيلة. ثم أليس من دلائل الأصل العريق تلك الطيبة التي طُبع عليها الفلاح، وذلك الهدوء وحب السلام عنوان المدنية والاستقرار، بينما هذا البدوي لا يزال على الوحشية وحب الحرب والثأر والدم، بقايا الحياة الأولى الهمجية القلقة غير المستقرة، التي أساسها الغزو والسلب ونهب القبيلة للقبيلة، ولكن الفلاح يجهل أيضًا كيف يدافع عن نفسه، فيقول إن طيبته وحبه للسلام إن هو إلا نتيجة أصله الزراعي العريق وما تطلبه حياة الزراعة من السلم والاطمئنان ونبذ الغزو والسلب، حياة مدنية اجتماعية، لا حياة وحشية برية جبلية، فهدوءه وسلامه كرم أصل لا عبودية ولا خسة عبد ابن عبد.

ذهب «محسن» بعدئذٍ إلى الشيخ «حسن» وجلس بجواره على المصطبة، ونظر إليه قليلًا وإلى لحيته البيضاء، ثم قال له: يا عم «الشيخ حسن»، البدوي أحسن والا الفلاح؟

فالتفت إليه الشيخ ثم أجاب وهو يسبح بسبحته: البدو دول يا جناب البيه جماعة خطافة جرابيع، لا لهم دين ولا ملة، ولا يعرفوا رحمة ولا إسلام.

– إزاي؟

– الفلاح منا يبقى خيره عليهم: يكرمهم ويساعدهم ويخاويهم وهم يتكبروا عليه؛ كأن دمهم دم واحنا ميه! … روح الفلاح عندهم ما تسوى أكثر من حق عيار رش بقرش صاغ … أهو داك السنة فضل «أبو متولي الجرف» يحرت للراجل «بسيس البدوي» أرضه ويقصبها له ويبدرها له … أصل البدو لا تعرف تزرع ولا تقلع، ناس لا مؤاخذة ما يفلحوا إلا في الضرب والخطف، وآخرة دي الخدمة والمروءة، إن «بسيس البدوي» سلطوه ناس على «أبو متولي» ضربه في الدرة.

– قتله؟

– هم البدو دول لهم أمان؟ دول وحوش يا جناب البيه … لو تشوف بس أكلهم في العصيدة وهي تلهلب نار، تقول دول مش بني آدم!

وسكت قليلًا ولبث «محسن» ينظر إليه مصغيًا، وعاد «الشيخ حسن» إلى الكلام بعد لحظة قائلًا لمحسن، على ذكر أكل البدو، إنه كان مدعوًّا ذات يوم لفرح بدو في الخلاء، وإنهم بعد أن أطلقوا النار في الهواء من بنادقهم، ولعبوا البرجاس بخيولهم، وضعوا قصعة ملآنة أرزًا أبيض، ثم قالوا للمدعوين «تفضلوا …» وكان ذلك اليوم من أيام الخماسين العاصفة والرياح الصفراء برمالها وغبارها تسفي من كل جانب، فما يشعر المدعوون إلا والأرز الأبيض في القصعة قد صار أصفر في لون الكركم من الغبار، فامتنع هو في أدب عن الأكل.

طبعًا … أيأكل ترابًا؟ … وعندئذٍ تقدم البدو وقد شمروا عن سواعدهم وهجموا على القصعة، غير عارفين الأرز من التراب، وجعلوا يزدردون ازدرادًا بأكفِّهم من ذلك الأرز والتراب؛ كأنهم ضَوارٍ جياع.

فابتسم «محسن» وقال في تحمس: الفلاح أحسن من البدوي، وأكرم من البدوي، وأطيب من البدوي، مش كده يا عم «الشيخ حسن»؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤