من الشعر الأردني

بين الذكريات التي تحضرنا من أيام الصبا ولن تُنْسَى مذ كان لها أثر عميق في نفسنا؛ جلسة مع الأستاذ «خليل مطران»؛ إذ زاره أحد شعراء الشباب وعرض عليه قصيدة من نظمه معتذرًا عن قصوره الخيالي، قائلًا إن كل بضاعته تعبيره الصادق الحار عن عاطفته، وليس بوسعه أن يحلق في سماوات «مطران». فتأمل الأستاذ في شعر هذا الشاب، ثم قال له: «ولكن هذا هو الشعر! … بحسبك هذا يا بُنيَّ! …»

كان هذا منذ نيف وأربعين سنة، أيام كان الناس مفتونين بالرنين، وبمخارج الألفاظ، وبموسيقى يفرضونها فرضًا، أو يقدِّسون فيها التقاليد، دون استقلال يُجاري روح العصر أو يوائم بين فن الشعر والفنون الأخرى الإبداعية، وبذلك قضوا على نهضة الشعر العربي، لولا جهود «مطران» وبعض تلاميذه، كما قضوا على نهضة الموسيقى العربية ذاتها، ولم يفلت من قيودهم المصطنعة إلى حد ما سوى التصوير الفني بفضل «مدرسة وانلي» في «الإسكندرية». ولا نزال نجد — للأسف الشديد — طبعاتٍ عصريةً مزوقة لهذه القيود في مؤلفات ومقالات ودراسات لو أننا أخذنا بها لأخرجنا الشاعر المجيد «عيسى الناعوري» صاحب ديوان «أناشيد» من عداد الشعراء! كما حاول ذلك بعض الأدباء بيننا.

ولكننا لا نأخذ بهذه القيود المفتعلة وننظر نظرة واسعة يعززها شغفنا بفنون شتى واطلاعنا عليها وممارستنا عددًا من أهمها، وكل هذا يدعونا إلى أن نقف موقف الأسف، إزاء عجز المؤلفين والناقدين عن التخلص غالبًا من خزعبلات الأوهام القديمة، في الألفاظ والموسيقى، والموضوعات والملابسات، والأخيلة والتعبير العاطفي، في قيود دكتاتورية جدِّ منافيةٍ لروح الفن الحر، ولو طبقنا أحكامهم على الفن التصويري مثلًا لأخرجنا «سيزان» و«ماتيس» و«رنوار» و«بيكاسو» والعديدين من الأعلام قديمًا وحديثًا من جنة الفن وألقينا بهم في الجحيم!

إن القاعدة الذهبية في تقدير الفن هي أنه تعبير خَلَّاقٌ، سواء أكان هذا التعبير رمزيًّا أم صريحًا، وليس تقدير الفن بذي صلة مطلقًا بإنتاج الفن الذي قد يندمج في ضروب شتى من الحياة لا أول لها ولا آخر، أو قد يقتصر على درب أو دروب قليلة منها، وقد يختار ألوانًا معينة أو ألحانًا بذاتها ويطوعها لموضوعاته، أو قد يزاوج بين الموضوعات والصبغات والألحان، فليست المواءمة المزعومة أمرًا معينًا حتميًّا وفاقًا لقواعدَ مفروضةٍ.

ونعود إلى التصوير؛ لأنه محسوس ومفهوم لدى الجمهرة الغالبة من المثقفين أكثر من الموسيقى مثلًا، فنستشهد بفن العبقري «بيكاسُّو» العظيم الإنتاج الكثير التنوع، ولو أخذنا بمقاييسِ أولئك النقاد لوجب أن نكافئ «بيكاسو» على خصوبة فنه كمية وتنويعًا؛ مكافأة العقاب، ولوجب أن نطرده من حظيرة الفن! وعندنا أنه ما لم يستبدل بتلك المقاييس العرجاء غيرها مما يقدرها عالم الفنون الحرة فسنبقى مسيئين إلى إمكانيات الشعر العربي — منظومًا كان أم منثورًا — في أبواب شتى، وسيبقى معظمه رهين القيود والقرون الماضية. كذلك لن تنصف المواهب، ولن يتبوأ الإبداع مكانتَه من الحفاوة والتقدير، إذا تجاهل الناقد المؤرخ مراحلَ الخلق الفني وخَدعته سلاسة الصانعين المقلدين الجامعين لمآثر غيرهم؛ إذ بذلك يضيع الماهدون المبدعون ويمجد المنتحلون الصانعون، وهو ما لا يزال راجحًا في عصرنا.

وعلى ضوء هذه المبادئ التي يحترمها الغرب، بل عالم الفن الحر، نحيي ديوان «أناشيدي» «للناعوري».

ولقد اشتهر صاحبه كأديب ناقد، وهو في رأينا جدير بأن يشتهر أيضًا كشاعر وجداني واقعي قوي العاطفة، يقول في مقدمته:

«هذا ديواني» أسميته «أناشيدي»، وقسَّمته قسمين: يشتمل القسم الأول منهما على عدد من القصائد الفلسطينية، أو التي أوحَتْ بها نكبةُ فلسطين. ويحتوي القسم الثاني على عدد صغير من القصائد التي غَنَّيْتُ بها أشياء من نفسي لنفسي. أما قسم القصائد الفلسطينية فقد دعوته «أغاني الدماء»، وهي تسمية ستجدها منطبقة أحسن انطباق على تلك القصائد. وأما القسم الثاني فقد احتفظت له بالتسمية العامة للديوان؛ أي «أناشيدي». قد تبحث يا قارئي العزيز في هذه المجموعة الصغيرة عن شيء من شعر الحب الذي اعتدت أن تجده في كل ديوان ولدى كل شاعر، فإذا كنت من عشاق هذا اللون من الشعر فاسمح لي بأن أعزيك عن فجيعتك سلفًا؛ فليس ناظم هذا الديوان من عشاق «الشعر الغرامي» ولا ممن يشجعون ظهوره في الصحف أو الكتب؛ لأنه شيء خاص بصاحبه، ولا حاجة للقراء إلى خصوصيات الكتَّاب والشعراء، وإنما القارئ في حاجة إلى الشاعر الذي يَهْمِسُ إليه بالحديث الذي يهمس به هو — القارئ — في نفسه، والشعور الذي يحسه في داخله ويتمنى أن يراه مُصَوَّرًا أمامَه. فإذا كنتَ يا قارئي العزيز من رأيي في هذا، فأنا سعيد بأنني استطعت أن أجد فيك المشجع الكريم، وبأن أكون في شعري قد دخلت إلى قدس أقداسك، وإلا فثقْ بأنني لن أغضب مهما تظن بي من سوء، فأنت حر في أن ترى ما تشاء، وتعجب بما تشاء، أو تستنكر ما تشاء، وأنت على الحالين مشكور.

وإذا كنا نؤمن بأنه:

لولا المحبَّةُ ما تحركَ شاعرٌ
ولَما غدا حَوْلَ السماكِ يَطيرُ

وبأن شعر الحب من أجمل ما تتغذى به العواطف الإنسانية، فلسنا بمن يستطيع موافقة شاعرنا الفاضل على ما ذهب إليه، ولكنه حر في اختياره. ومعاذ الله — ونحن ننشد الحرية للفن — أن نملي عليه أو على أي إنسان أي نوع من القيود. نحن نريد التنويع تبعًا للطبائع والميول الفنية، وهيهات أن نحكم على قدرِ أيِّ أثر بكميته، وإلا كنا كالتجار الخاضعين لقانون العرض والطلب، وهذا حال الجمهور غالبًا، ولكنه ليس حال الصفوة من ذوي الثقافة الواسعة، وعلى الأخص من تذوقوا الفن ومارسوه.

وكذلك الحكم على الأساليب والتناول الفني، فإن طرائقه شتى لا عدَّ لها، ومعاذ الله مرة أخرى أن نقول: هذه تصلح وتلك لا تصلح! كذلك ضروب الشعر عديدة، وغنى الأدب بهذا التعدُّد، ونحن في الواقع بحاجة إليها. ولكننا يمكننا أن نستغني، بل يجب أن نستغني عن شعراء التقليد والتصنع والانتحال، الذين لا يضيفون إلى ثروتنا جديدًا، وإن بهرجوا وزوَّقوا القديم المنهوب واستباحوا بعد ذلك وضْعَ الغار على رءوسهم، كأنما الأصالة الخلاقة والطاقة الشعرية القوية، والتفنن الجريء، والاندماج الشامل في الحياة؛ لا قيمة لها بجانب الروتين الذي يستهوي العامة.

إن فلسطين التي أنجبت من الشعراء الموهوبين أمثال «مصطفى وهبي التل» و«إبراهيم طوقان» و«عبد الرحيم محمود» و«وفَدْوَى طوقان» وغيرهم؛ قد نفحتنا كذلك بشاعرنا «عيسى الناعوري»، الذي يَعدُّ نفسه خَطَأً ناقدًا أكثر منه شاعرًا، ولكن الواقع في رأينا عكس ذلك؛ لأنه في الوسط الذي يعيش فيه — على الرغم من قراءاته — لا يزال متأثِّرًا بمقاييس ذلك الوسط، حتى فيما ارتضاه من الشعر المهجري، ولكننا لا نجزم بأنه لن يتطور في آرائه وأحكامه على مر السنين، بل ربما رجَّحنا العكس، وقد نرى مستقبَلًا كتابًا له جدَّ مختلف عن كتابه «الجديد في الأدب العربي» الذي نوَّهنا به من قبل، وإن يكن كتابًا طريفًا شائقًا جديرًا بالإقبال عليه.

إن «عيسى الناعوري» شاعر حساس كلاسيكي الأسلوب غالبًا، وقصائده في نكبة موطنه الأصلي «فلسطين» من أروع الشعر الوطني الجياش بالعاطفة القوية، التي تهز القلوب وتغرورق لها العيون، وإننا لنتحاشى عمدًا الاقتباس منه في هذا المقام، ونكتفي — وربما لا يُغني الاكتفاء — بهذه الأبيات الساحرة من قصيدته «عند سرير طفلي» نموذجًا لمذهبه الشعري:

إغفاءةُ الوردةِ في مُقلتيكَ
وموكبُ النور في وجنتيكَ
ونَسمةُ الفجر على ثغركا
ونفحةُ الفردوسِ في طُهْرِكا
تخَفِّفُ الآلامَ عن والديكَ!

•••

يا بَسمةً في أُفقي العابسِ
وكوكبًا في ليليَ الدامسِ
نَمْ يابنِ، يا أنشودتي الغاليهْ
نَمْ يا مُنَى رُوحي وآماليَهْ
وخلِّني أرعاكَ كالحارسِ!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤