أحمد شوقي

كنت أقرأ لشاعر الشباب المهجري «سعيد جبرين» من الشعر الابتداعي قوله الشائق:

وادَّعَى العُشَّاقُ يا مَفْدِيُّ أنِّي
مِثْلُهُمْ متِّعْتُ بالأمْسِ البعيدْ
كَذَبُوا! أَمْسِي كيومي ضَاعَ مِنِّي
مَوْجَة حَمْقى على صَخْرٍ عَنِيدْ!

وقوله:

أَتُرَى الزَّوْرقُ يَجْرِي
أم تُرَى الشَّاطئُ سارَا؟
أمْ تُرَى الزَّوْرقُ والشَّا
طئُ والركْبُ السُّكارَى؟
مَوْكِبٌ قد سَحَرَتْه
رَوْعَةُ الليْلِ فَحارَا!

وقوله:

وترْمُقُهُ أيُّ ضَوْءٍ تأَلَّقَ في ناظِرَيها وأَيُّ غَرَامْ!
كأنْ بَعْدَ هذا الضُّحَى لَنْ يُطِلَّ على ذلكَ الأُفْقِ إلَّا الظَّلَامْ!

وقوله وقد أجاد التفنن:

قالتْ: وحبكَ؟ قلتُ: خَلْفِي في المجيء وفي الرَّواحِ
يَبْكي فأَنْهَرُه فيُمْعنُ في البكاءِ وفي الصِّياحِ
فأَعُلُّهُ بَحَصَى المُنَى١ وأنامُ وهو هُذَاكَ صاحي!

يذكرني هذا الشعر الطريف بالنزعة التي كانت سائدة في الشرق العربي، حتى ربع قرن مضى؛ نزعة العزوف عن الشعراء غير المشهورين، ولولا مكافحة «جمعية أبوللو» الشعرية هذا الاحتكار، وتنويهها في مجلتها بمنوَّع الآثار الجديدة لشعراء الشباب؛ لبقي حتى مثل «أبي القاسم الشابي» خاملًا كما أَخْمَلَ صيتُ الشعراء المقربين إلى الحكام والأعيان في سالف القرون كثيرين من الشعراء المجيدين، وعملت الأهواء عملها في إجحافهم، حتى إن صاحب «الأغاني» أغفل ذكر شاعر موهوب مثل «ابن الرومي»، الذي لم تقدِّرْ بيئته مواهبه أو أساءت فهمه، ثم مَدَدْتُ يدي إلى بريدي الأدبي الأخير، فإذا به كتاب شائق عنوانه «المتنبي وشوقي: دراسة ونقد وموازنة» للأستاذ «عباس حسن» الذي يمثل شعبة اليمين في الثقافة النقدية بدار العلوم في جامعة فؤاد الأول بالقاهرة، فنبهني إلى وجوب التحدث عن الشاعر المصري الجهير «أحمد شوقي»؛ لأن المؤلف الفاضل بهذه «الدراسة» — كما نَعَتَها — إنما أعاد إلى ذاكرتنا تلك الروح التي كانت سائدة إلى ربع قرن مضى، تساندها منزلةُ «شوقي» في القصر، وإن بقيت لها تقاليد عند «المدرسة القديمة» التي يتزعمها الآن بين النقاد في مصر «أحمد حسن الزيات» وبين الشعراء «عزيز أباظة» وإن نافستها مدرسة أخرى، قديمة الوشائج في التأليف والأساليب القائمة أيضًا على التمجيد الفردي، وهذه المدرسة يتزعمها الآن بين النقاد «سيد قطب» وبين الشعراء «عباس محمود العقاد».

وقد كانت المدرسة الثانية في وقت ما تتأرجح نحو التجديد، متأثرة بنقد «عبد القادر المازني» وبشعر «عبد الرحمن شكري»، ثم انصرفتْ إلى لون مزخرف من الجمود وإن وصفتْه بنقيضه. وتقوم في صميمها، كما قامت مدرسة «شوقي»، على مبايعة زعيم أدبي ثم تأليهه، ولا تؤمن بجمهورية الأدب!

ومع ذلك فكتاب الأستاذ «عباس حسن» تحفة في موضوعه؛ لأنه غاية ما يمكن أن يمليه التأليه الأدبي الذي يتجاهل تجاهلًا تامًّا أصول النقد الحديث، كما يتجاهل الحقائق التاريخية العامة والخاصة، وإلا لَمَا جرؤ على مثل هذه المقارنة العجيبة بين «المتنبي» الشامخ في أصالته وعزة نفسه، وبين «شوقي» الذي مهما تكن مواهبه التي نقدرها قدرَها؛ فقد كان قبل كل شيء شاعرَ البلاط في زمنه، وكان يتتلمذ على «المتنبي» ويحاكيه، ويعارضه، ويقتبس منه؛ كما كان مرآة للشعر الفرنسي، ولم يكن يومًا ما شاعر الشعب بالمعنى الصحيح؛ كما كان حافظ إبراهيم، ولم تكن له نفسية «المتنبي» بأي حال، كما عرفَ وسجَّل ذلك المستقلون من معاصريه النقاد الأدباء النريهين.

لقد بزغ نجم «شوقي» في زمن تألق فيه نجم «خليل مطران» و«إسماعيل صبري» و«حافظ إبراهيم» بصفة خاصة، فكانت «لمطران» رسالة مستمدة من الإنسانية أولًا ومن القومية ثانيًا، إلى جانب شعره الوجداني وشعر الطبيعة المنوع؛ وكانت رسالة «إسماعيل صبري» وجدانية وطنية صرفة، وأقلها الجانب الوطني، وأغلبها شعر العواطف المُتْرَفَةِ التي لا تحمل أية رسالة فوق المتعة الموسيقية والأناقة الفنية للترويح عن النفس؛ وكانت رسالة «حافظ» وطنية سياسية شعبية إلى أبعد غايةٍ، وإن حُفظت له نماذجُ رائعةٌ في شكوى الزمان. وأما رسالة «شوقي» فكانت أساسيًّا التغني بمجد مصر ثم بتاريخ الإسلام والعرب، تسعفه في كل ذلك ثقافته التاريخية، وقربه من ولي الأمر في مصر، واستجابته لميوله حتى تهجَّم على الزعيم الوطني «أحمد عرابي» في الطبعة الأولى من ديوانه، ثم اضطر إلى حذف تلك القصيدة الهجائية وما ماثلها من الطبعة الثانية، أمام سخط الوطنيين والمثقفين المصريين في ذلك الحين، ولا ريب أن «شوقي» كان صادقًا في تاريخياته المنوَّعة التي تجلت فيها عبقريته، ولم يبزَّه أحد فيها، وتفوقه في هذا المضمار جدير بالتمجيد والتخليد، وأنه لَرسالة ذات قيمة كبيرة لا يعاديها أي إنسان حصيف، ولا أي ناقد منصف، إلا إذا جاز أن يعادَى مَنْ يسجل أمجاد التاريخ القومي بإخلاص ولذة، بل وشراهة!

لقد جمع ديوان «المتنبي»٢ كل شعره، وفيه مَراءٍ مدهشة بين عادية ومكبرة ومصغرة للبشرية ولطبيعة الحياة في أساليبَ مركزةٍ متينة في الغالب، وعلى الرغم من مآخذِ بعضِ النقادِ عليه؛ وعلى الأخص في ديباجته، لم يقل أحد، من البصيرين بالأدب وبالشعر خاصة إنه كان يفتعلُ الشعرَ أو يُعْنَى بالصنعة على حساب ما عداها. بل كان شعره ترجمة حياته وإيمانه، وكان أَسره وبذخه اللفظي مرآة نفسه الضخمة، ولم يكن أي من شعره نظمًا تقليديًّا لأحد، أو مجاراة للعرف أو خضوعًا لإرغام!

وليس كذلك شعر «شوقي»؛ فمن شعر شبابه المهلهل والتقليدي الكثير الذي أُسقط من الطبعة المتأخرة، ومنه ما يعد من شعر المناسبات العابرة الذي لا قيمة له خالدة بمحتوياته؛ لا فنيًّا ولا إنسانيًّا، وهكذا تكون المقارنة ما بين «شوقي» و«المتنبي» من أساسها باطلة.

إن طاقة «شوقي» الفنية عظيمة وموسيقاه أعذب في جملتها من موسيقى «المتنبي»، ولكن طاقة «المتنبي» الفنية أعظم وأصالته أجل، وليس هو الشاعر المنافق الكذاب الحاقد المستجدي السفيه كما وصفه الأستاذ «عباس حسن»؛ لأن «المتنبي» لم يقصد «كافورًا» إلا وهو المطلوب المُلَحُّ عليه، لا الطالب المستجدي، وقد صُوِّرَ له «كافور» بصورة العصامي العبقري، الذي يقدر المواهب قدرها، فلما اكتشف خبيئته أعرض عنه، بل سخر منه بأمداح، نابت فيها الرمزية والمبالغة عن كل تهكم مكشوف،٣ ثم عمل على ترك مصر، بل هجاه وهو مقيم فيها، وإن لم يُذَعْ شعره فيه إلا بعد أن غادرها.

ونفسه العزيزة أبت عليه أن يبقى في بلاط «سيف الدولة» غير مكرَّمٍ، ولكنه لم يقل بيتًا واحدًا هجاءً فيه، بل على العكس كانت تحن إليه نفسه الوفية، وكان بوسع «المتنبي» أن يغنم أموالًا طائلة، لو كان هو المستجدي بطبيعته؛ لأن الأعيان الذي تهافتوا على أمداحه كانوا عديدين، بل على العكس كان يعزف عمن لا تجاوب بينه وبينه، وكان يرثي محبةً ووفاءً مَن انعدمت صلاتهم بموتهم.

وعُرِفَتْ عنه عفة النفس، فلم يقل أحد إنه استغل صلته «بسيف الدولة» ولا بغيره في سمسرةٍ تجديه، ولم يقتنِ مالًا ولا عقارًا من طريق خسيس كهذا كما صنع غيره، وكان شريف الخلق من جميع النواحي؛ وإن استثارته عصبيته أحيانًا إلى السخط؛ لأنه كان أبعد الناس عن الكيد، فهجاؤه في ذاته أشرف من الكيد الخفي الذي يلجأ إليه شعراء يتغنون نفاقًا بتمجيد الأخلاق.

لقد كانت «للمتنبي» شخصية واحدة بارزة تجلت في شعره، وأما «أحمد شوقي» كعباس محمود العقاد وإيليا أبي ماضي وأمثالهم، فمن أولئك الشعراء الذين لهم جملة شخصيات و«أحمد شوقي» بصفة خاصة لا يدل شعره على شخصيته إطلاقًا، بل ربما كانت عكسها كما يشهد بذلك جميع معاصريه من المؤرخين النزيهين المستقلين.

وقد عمل «المتنبي» في مصر على تأسيس مدرسة شعرية قويمة، وأحبَّه مفكروها، وإن كرهه عتاتها،٤ ولم يكن كذلك شأن «شوقي» الذي بر به شعراؤها الشباب حتى بعد مماته، ومع ذلك كان يغار حتى ممن كانوا يُعدُّون في حكم تلاميذه.

وكان «للمتنبي» غرور عبقريته ومواقعه مع مَنْ شاء، وكذلك كان لشوقي غروره، ولكنه جعل مَن حوله يقومون بالمعارك من أجله، بينما تحدَّث هو بالسلام!

ولكن كل هذا من نصيب التاريخ الأدبي الذي لا يَطْمِسُ أي تأليف متأخرٍ، لمن لم يعش في العصر المؤرخ له، ويجرؤ على تفسير الظواهر على نقيض الحقائق التاريخية الثابتة، في عصر شقي به الشعراء الشباب النابهون بل وغيرهم وسيطرت عليه الأنانية الأدبية، وحب التفرد، بأي ثمن، سيطرة معيبة.

وبعد، فلا ريب أن «أحمد شوقي» في مجمل شاعريته وآثاره مرحلة تقدمية في الشعر العربي الحديث، ولكنه شيء آخر غير ما ذهبت إليه خواطر الأستاذ «عباس حسن».

ونحن نعد ديوان «شوقي» وآثاره الأخرى ثروة للعربية، خلافًا لما يرى «عباس محمود العقاد» وأقرانه الذين لا تصل شاعريتهم إلى شاعرية «شوقي» منزلة وتنوُّعًا، ولو أن «شوقي» في كثير من آثاره جارى عصره وخصوصًا ثقافته الغربية، وما كان للمتنبي أن يصنع مثل هذا في عصر أحكمت فيه القيود، وأناخت عليه التقاليد شكلًا وموضوعًا، وقد كانت ظروف حياته تضطره اضطرارًا إلى أن يكون شاعر الملْك والعظمة.

ولم يكن احتراف الشعر في زمنه عيبًا بل فضيلة، ولم تكن له مندوحة عنه، ولكنه لم يكن صغير النفس، ولو كان لَمَا حفل به ومجَّده مثل «المعرِّي» الذي كان جد حافل بالقيم الخلقية والإنسانية، فسمى مختاراته من ديوان المتنبي «معجز أحمد».

إن «أحمد شوقي» هو من أولئك الشعراء الذين قلما عاشوا في شعرهم، وإن استمتعوا بنظمه وروحُ الموسيقار تغلب فيه روحَ الشاعر، وأحيانًا تتساويان، وقد يسف في نظم المناسبات التقليدي، كما قد يحلق في روائعَ له تحليقَ الخلود.

ومن الخير للأدب والأدباء أن تُحْصَرَ العنايةُ في الناحية الفنية وحدها من شعره، دون محاولة مثل تلك الموازنة الخاطئة، التي لجأ إليها الأستاذ «عباس حسن» عن جهل بالتاريخ الأدبي المعاصر، مهما يكن علمه بعناصر الأدب العربي عامة، وتزكيته المحمودة عن هذا العلم.

لقد أثبت «أحمد شوقي» بألمعيته كفاية العربية لاستيعاب المعاني العصرية في أسلوب كلاسيكي ساحر! يمرح فيه الخيال؛ كما تتدلل الموسيقى والمعاني وتتألق الصور فتنةً للقارئين، وخيرُ تحية وتقدير لذكراه حصرُ العناية في هذه النفائس والاقتصار على الموازنات الفنية فحسب؛ إذ في مجالها قد ترجح كفته مرارًا، وفيما عداها قد لا تَشُولُ غالبًا، وعشاق الجمال الفني لا يَحْفِلون بما ليس منه، ولا يشجعون المغالطة في التاريخ، أو ما قد يؤدي إلى تشويه الصور الجميلة بمِبْضَعِ التشريح والتحقيق؛ كما لا يشجعون الاسترسال عند الدراسة والنقد والموازنة، في متابعة الميول الذاتية، وتجسيم الخيال على حساب الحق والجمال!

١  في هذا البيت إشارة إلى حكاية أمير المؤمنين «عمر بن الخطاب» والأعرابية التي كانت تعلل أطفالها الجائعين بطهي الحصى!
٢  أكمل طبعة لديوان «المتنبي» وأصلحها شرحًا هي التي أخرجها «عبد الرحمن البرقوقي» في القاهرة سنة ألف وتسعمائة وثلاثين ميلادية، وفيها تذييل بأبياتٍ ومقطوعاتٍ وقصائدَ «لأبي الطيب» لم تذكر في ديوانه المألوف.
٣  مجلة «الأهداف» المصرية، مايو سنة ١٩٥١: «بين المتنبي وكافور».
٤  مقالات «مصر الشاعرة» في جريدة «البلاغ» المصرية للأستاذ «عبد الله عفيفي» بمناسبة الذكرى الألفية لوفاة «المتنبي».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤