نظريات حديثة في فلسفة الفن١

تناولنا في مقالنا السابق أهم النظريات الجمالية عند اليونانيين، أما هذا المقال فيعالج بعضًا من أهم النظريات الحديثة التي ظهرت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فهل يعني ذلك أن التفكير الجمالي قد توقَّف تمامًا فيما بين هذين العصرين؟ من المحال بالطبع أن تكون الفترة الفاصلة بين هذين العصرين فترةَ جدب تام في الفكر الجمالي، وإنما الأصح أن نقول إن التفكير الجمالي لم يزدهر — بعد بوادره القوية في العصر اليوناني — إلا في القرن الثامن عشر، بفضل حركة الإحياء الضخمة التي بدأها مفكرون مثل «باومجارتن» و«لسنج»، على أننا لم نجد ما يدعونا إلى التعرُّض لحركة الإحياء هذه — في بداياتها الأولى — نظرًا إلى أن فلسفة «كانْت» الجمالية، التي يبدأ بها مقالنا هذا قد جمعت في ذاتها أهم ما فيها، وتجاوزتها في نواحٍ متعدِّدة.

ولو بحثنا عن تعليلٍ لهذه الهُوَّة السحيقة التي تفصل بين فترتَي التفكير هاتين — أعني العصر اليوناني والقرن التاسع عشر — لبدا ذلك عسيرًا في مبدأ الأمر؛ ذلك لأن الحركة الفلسفية في عمومها، قد استُؤنفت في العصر الحديث بقوة منذ القرنين السادس عشر والسابع عشر، فلِمَ لم تقترن هذه النهضة الفلسفية الحديثة بنهضةٍ متفرعة عنها في ميدان التفكير الجمالي؟ إن التفكير النظري في الفن مرتبط — دون شك — بالفن نفسه، وقد كانت أعظم حركة فنية — بعد العصر اليوناني — هي حركة الفن الكبرى في عصر النهضة ثم في القرن السابع عشر، ومع ذلك يبدو أن التفكير الجمالي يحتاج إلى فترةِ نضجٍ طويلة، ولا يمكنه أن يعقب الحركات الفنية الكبرى أو يتلوها مباشرةً، وبعبارةٍ أخرى لا بُدَّ من مضي وقت غير قليل، تتأثَّر فيه أجيالٌ متعدِّدة بالأعمال الفنية الكبرى وتتذوقها وتهضمها، حتى يتسنَّى بعد ذلك ظهورُ فلسفة فنية تكون انعكاسًا لهذه الأعمال، ومن هنا كان تأخُّر ظهور الفلسفات الفنية التي سنتناولها في هذا المقال، والتي تُعَدُّ أهم معالم طريق التفكير الجمالي بعد العصر اليوناني.

النظرية العقلية عند «كانْت»

هناك رأي شائع يقول إن الذوق أمرٌ نسبي، لا يصح أن يختلف عليه الناس؛ لأن ما يستهوي ذوقي قد لا يستهوي أذواق الآخرين، وليس لواحد أن يفرض على الغير آراءه الذوقية، أو حتى أن يعتقد بأنها مماثلةٌ لآراء الآخرين، ومن المعروف أن كلمة «الذوق» تعني في الأصل تجرِبةَ مذاق الطعام أو الشراب، ثم امتدت الكلمة بحيث أصبحت تُطْلَق على التقدير الفني، وأصبحنا نتحدَّث عن تذوُّق الموسيقى مثلما نتحدث عن تذوُّق لونٍ معيَّن من ألوان الطعام، ومع ذلك فقد ظل الرأي الشائع للناس يحتفظ لكلمة الذوق بنفس المعنى النسبي، بحيث يُعَدُّ تقديري للوحة الفنية أمرًا ذوقيًّا نسبيًّا، شأنه شأن تقديري لمذاق مشروب أو صِنف من أصناف الطعام.

ولكن هل صحيح أن للذوق — في مجال الفن — نفسَ النسبية والفردية التي يتصف بها في سائر المجالات؟ أم إن للحكم الذوقي الجمالي طبيعةً مغايرة، أعني طبيعة ثابتة بمعنًى من المعاني؟ من هذه المسألة اتخذ المفكِّر الألماني إيمانويل كانْت — فيلسوف القرن الثامن عشر الأكبر — نقطةَ بداية أبحاثه الجمالية؛ فالحكم الذوقي ينبغي بالفعل أن يكون شيئًا مغايرًا للذوق بمعانيه الحسية الأخرى، بل إن فيه بالضرورة عنصرًا ثابتًا مشتركًا بين الأفراد، ولو لم يكن الأمر كذلك لما حرص الفنان على أن يكتب أو يرسم للآخرين، ولما انتظر منهم استجابةً فيها تقديرٌ وتذوُّق لإنتاجه الفني، ولو كان الذوق شيئًا فرديًّا تمامًا؛ لاكتفى الفنان بممارسة فنه لنفسه فقط، ما دام أن أحدًا لن يفهمه ولن يتَّفق معه في الحكم على عمله، أما أن الفنان يتوقَّع مشاركة الآخرين له في رأيه، فهذا معناه أن في التجرِبة الجمالية شيئًا يزيد على مجرد الذوق الفردي، وبالمثل فلو كانت الفردية هي الطابع المميِّز للفن لما كان للنقد الفني معنًى، ولكانت كل مقاييس هذا النقد ومعاييره باطلة.

فالتجرِبة الجمالية إذن ليست فردية، ولا تتعلَّق بما يروقني «أنا» وحدي، ولكن هل هي تتعلَّق بما يروق جماعةً معيَّنةً من الناس؟ وهل يكفي لتجاوز الفردية أن نتتبع أذواق الناس الفعلية لنستخلص منها الحكم الصحيح على كل فن؟ ربما رأى البعض أن في هذا كفاية، غير أن «كانْت» يؤكد أن الحكم الجمالي يتصف بنوعٍ من الضرورة التي تجعله أكثرَ من مجرَّد تلخيصٍ لأذواق الناس الفعلية؛ فنحن حين نحكم على عملٍ أو شيءٍ بأنه جميل، لا نعني فقط أن مجموع الناس يرونه جميلًا، وإنما نعني أن كلَّ مَن يتأمل هذا الموضوع في نفس الظروف التي نتأمله فيها لا بُدَّ أن يراه جميلًا، وإذن فالرأي التجريبي — الذي يرتكز على وقائعِ علم النفس، والذي يكتفي بتسجيل الطريقة التي يحكم بها الناس بالفعل على الأعمال الفنية — ليس كافيًا؛ لأنه يُغفِل عنصر الوجوب والضرورة والشمول في الحكم الجمالي، ويكتفي بإيضاح أصل هذا الحكم في الحياة النفسية للناس فحسب، أما «كانْت» فيريد أن يبني الحكم الذوقي على أساسٍ أمتن، هو أساس عقلي ثابت، يتجاوز نطاق الاتفاق المُشَاهد بين الناس على أحكامٍ معيَّنةٍ إزاءَ موضوعاتٍ جماليةٍ خاصة، وينتقل من مجال الواقع إلى مجال الضرورة والوجوب.

ومن الطبيعي أن يصطدم رأي «كانْت» هذا بالرأي الشائع القائل إن الحكم الجمالي فرديٌّ وذاتي، أي إن التجرِبة الجمالية هي تجربتي «أنا»، وليس لها معنًى إلا بالنسبة إلى المجرِّب ذاته فحسب، وهنا نجد أن «كانْت» يعترف بعنصر الذاتية في التجرِبة الجمالية؛ لأن إدراك الجمال «شعور» قبْل كل شيء، ونحن في حالة الإحساس بالجمال لا ندرك صفةً من الصفات الموجودة في الشيء ذاته، وإنما ندرك قبل كل شيء شعورًا ذاتيًّا بعَثه فينا حضورُ هذا الموضوع أمامنا. ومبعث الإحساس بالجمال هو ذلك الانسجام الذي تَشعر به قوانا ومَلَكاتنا الإدراكية عندما نمارسها في حضور موضوعات معيَّنة، ومع ذلك فإن للحكم الجمالي — رغم صفة الذاتية هذه — نوعًا من الموضوعية؛ فليس الإحساس بالجمال مشابهًا لإحساساتنا في حالة الحلم أو التخيُّل الصِّرف، وإنما يتمثَّل كل حكم جمالي نصدره في صورة حكم صحيح يسري على أي شخص آخرَ يواجه نفس الموضوع في نفس الظروف، صحيح أن هذا الحكم يبدأ بالفرد دائمًا، ويتعلَّق بموضوعٍ محدَّد، ولكن هذا الموضوع ذاته يفرض على ذهني إحساسًا غيرَ شخصي، وبالتالي فإنه يفرض مثل هذا الإحساس على أي شخص آخرَ في موقفي، ومن هنا كان المرء حين يُصدِر حكمًا جماليًّا، يطالب الآخرين ضمنيًّا بأن يصدروا على الشيء نفسه حكمًا مماثلًا، فإذا سُئل عن السبب الذي يحتِّم على الآخرين الاتفاقَ معه في حكمه هذا، عجز عن تحديد هذا السبب بدقَّة، وربما كانت رغبة «كانْت» في تقديم تعليل لهذا الاتفاق الموضوعي بين المشاعر الجمالية الذاتية، هي التي دفعته إلى أن يرى في جمال الصورة Forme المظهرَ الأساسي للجمال في كل موضوع؛ ذلك لأن جمال الصورة أو التصميم أو الشكل هو أمرٌ يدركه الناس بطريقة واحدة، على حين أن إدراكاتهم للصفات الأخرى — كاللون أو الصوت — تختلف إلى حدٍّ ما حسب ذاتية الأفراد، ومن هنا كان حرص «كانْت» على تجريد هذه الصفات الأخرى واستبقاء تناسق الصورة بوصفه العنصرَ الرئيسي في كلِّ ما هو جميل.

وربما كانت أهم صفة تميَّزت بها طريقة «كانْت» في بحث موضوع الجمال، هي أنه جعل منه وسيلةً للتوسُّط أو التوفيق بين متناقضات أو متقابلات مختلفة تمرُّ بها التجرِبة البشرية؛ فمن السهل أن نستخلص من العرض السابق أن الحكم الجمالي يحتل موقعًا وسطًا بين الإدراك الحسي الخالص من جهة، وبين التفكير المجرد من جهةٍ أخرى، فصفةُ الشمول فيه تميِّزه عن مجرد الإدراك الحسي، ولكن كونه في أساسه شعورًا يجعله مميَّزًا عن الحكم العلمي؛ إذ إن هذا الأخير لا يعتمد على الشعور، وإنما يرتبط بصفاتٍ ثابتة في الموضوعات ذاتها، مجردة عن مشاعرنا الذاتية نحوها.

على أن هذه القدرة التي يستطيع بها الفن أن يوفِّق بين الإحساس وبين التفكير المجرَّد، ليست في الواقع إلا مظهرًا لقدرةٍ أعمَّ على التوفيق بين مجالين أشمل من هذين بكثير، هما مجالا الطبيعة والحرية، وقد فرَّق «كانْت» بين هذين المجالين تفرقةً قاطعةً في كتابيه: نقد العقل الخالص، ونقد العقل العملي؛ فعالَم الطبيعة هو العالم الذي يخضع للضرورة والحتمية وللتسلسل الدقيق بين الأسباب والنتائج، وهو العالَم الذي تتناوله العلوم الطبيعية بشتَّى فروعها، أما عالم الحرية فهو العالم الأخلاقي للإنسان؛ ذلك لأن الإنسان — من حيث هو كائن أخلاقي — لا بُدَّ أن يكون حرًّا في سلوكه، وأن يتخلَّص من التسلسل الدقيق للعِلِّيَّة الطبيعية، ويكون مشرِّعًا لنفسه، وإلا لمَا كان لأداء الواجب وللمسئولية عنده معنًى. وقد لاحظ «كانْت» نفسه ما بين هذين العالمَين من تعارضٍ قاطع، وترك للفن مهمةَ إزالة هذا التعارض؛ فالحكم الجمالي هو نقطة التقاء عالم الطبيعة بعالم الحرية؛ لأن الموضوعات التي تثير هذا الحكم مستمدَّة من عالم الطبيعة أو مرتبطة به ارتباطًا أساسيًّا، ولكننا نضفي على هذه الموضوعات — بما لدينا من فاعلية حرة — صورةً وشكلًا ملائمًا، وننسب إليها في حكمنا الجمالي غرضية وغائية ترضي أذواقنا، وبهذا يجمع الحكم الجمالي بين عالمي الطبيعة والحرية، مثلما رأيناه يجمع من قبلُ بين المحسوس والمعقول.

وفي وُسعنا أن نستخلص من العرض السابق صفةً أخرى يوفِّق فيها الجمال بين مجالين: مجال اللذة الحسية ومجال الخير الأخلاقي؛ فاللذة الجمالية ليست منبعثةً من غرض محدَّد أو موضوع معيَّن نجد رضاءنا في الحصول عليه؛ ذلك لأن هذا النوع المحدود من اللذة مرتبطٌ برغبات وحاجات خاصة، وهو لا يعدو أن يكون جزءًا من سلسلة العلل والمعلولات الطبيعية؛ فلذة الأكل نتيجة مباشرة للشعور بالجوع، وهي ترتبط به ارتباطًا ضروريًّا، ومن هنا لم تكن لذة حرة، وإنما كانت لذةً مقيدة بغرضٍ معيَّن أو مصلحة معيَّنة، وهي تُكْتَسَب بالحصول على موضوعها وامتلاكه. أما اللذة الحرة — المنزَّهة عن مثل هذه الأغراض، كما هي الحال في اللذة الجمالية — فيكفي فيها أن يتأمَّل المرء موضوعها عن بُعْد دون أن يسعى إلى امتلاكه، صحيح أن كثيرًا من محبي الفنون يشعرون بالرغبة في تملُّك الصور الجميلة التي يشاهدونها في أيِّ معرضٍ يزورونه مثلًا، غير أن هذا الشعور — في ذاته — ليس لذةً جمالية، وإنما هو شيء آخرُ أُضيف إليها، أما اللذة الجمالية بمعناها الصحيح فهي تلك التي يحسون بها لحظة الاستمتاع بالصورة دون أن تشوب هذا الإحساس أيةُ رغبة في التملُّك، وإلى هذا الحد نرى اللذة الجمالية تتشابه مع الاتجاه إلى الخير الأخلاقي، ولكنها تعود فتتميز عنه بطابعها الذاتي الذي يجعلها — كما قلنا — مجرَّد شعور موجود في النفس الإنسانية فحسب، وفضلًا عن ذلك فإنها — رغم كونها بلا غرض معيَّن — ترتبط بفكرة الغرضية بوجه عام، فتتميز بذلك عن الأخلاق التي هي — في نظر «كانْت» — «أمرٌ مطلق».

وهذه الصفة الأخيرة — أعني تلك التي يُطْلِق عليها «كانْت» اسم «الغرضية بلا غرض» — من الصفات المحيِّرة للحكم الجمالي عند «كانْت»؛ فاللذة الجمالية — كما قلنا — لا تستهدف إرضاءَ ميْلٍ معيَّن، ولا ترتبط برغبة خاصة للجسم أو للنفس، ولا تسعى إلى تحقيق أية مصلحة، ولا تنبعث عن ضغط أي دافع شخصي، ولكنها رغم ذلك ليست تجرِبة خَلَتْ من كل شعور أو انفعال، وإنما يظهر هذا الشعور والانفعال نتيجةً لها، دون أن يكون هو سبب وجودها، فهي منزهةٌ بمعنى أنها لا تنبعث عن اهتمام خاص بموضوعها، ولكنها غرضية لأنها تَخلُق هذا الاهتمام بالموضوع الجمالي بعد تأمُّله، ومن الممكن تفسير هذه الصفة — أعني الغرضية بلا غرض — بطريقةٍ أخرى؛ فصحيح أن الإحساس بالجمال لا يرتبط بغرضٍ معيَّن، ولكنه يبعث إحساسًا عامًّا بالتناسق والانسجام، وهذا الإحساس هو بدوره نوعٌ من الغرضية، ولكنه ليس غرضيةً جزئية، أي لا يرتبط بغاية محدَّدة؛ فشعورنا بالتناسق عند رؤية زهرة مثلًا، يجعلنا نعتقد بأن صورتها نُسِّقت تبعًا لغاية، وإن لم يكن في وُسعنا أن نحدِّد ما هي هذه الغاية، أو نعيِّن الغرض الخاص الذي يمكن استخدامها لأجله، وإذا كنا نسلِّم بأن التجرِبة الجمالية نوعٌ من اللذة، وبأن من طبيعة اللذة أن ترتبط بفكرة الغاية أو الغرض، فينبغي أن نذكر أن قوام اللذة الجمالية في التفاعل المنسجم بين مَلَكات الإدراك لدى الإنسان على نحوٍ ينبغي أن يشترك فيه الجميع، ولا ينفرد فيه شخص بعينه، وهكذا فإن الجمال — من جهة — لا غرضَ له؛ لأن إعجابنا بعمارة مبنًى أثريٍّ لا يرتبط برغبتنا في سكناه، أي في اتخاذه أداةً لإشباع رغباتٍ ذاتية خاصة، ولكن يبدو من جهةٍ أخرى أنه يخدم غرضًا عامًّا ملائمًا لنا؛ إذ إن صورته تغرينا بإطالة تأمُّله، أي إنه يلائم حاجاتِ مَلَكةِ النظر لدينا على نحوٍ غامض يَصعُب علينا فهْمه.

ولكن هل يعني ذلك أن الجمال يقتصر على الموضوعات التي لا يكون لنا في استخدامها غرضٌ محدَّد؟ لا شك أن هذا ليس هو المعنى الذي قصد إليه «كانْت»؛ فكلامه عن التنزُّه كان منصبًّا على الذات التي تقدِّر الجمال، والتي ينبغي أن تحكم على الجمال حكمًا يستقل عن المنفعة الممكنة للموضوع، وليس معنى ذلك أن الموضوع النافع لا يتصف بالجمال لكونه نافعًا، وإنما المهم في الأمر أن يكون تقديرنا له راجعًا إلى عنصر الجمال فيه قبل عنصر المنفعة، وعلى هذا الأساس نجد أن «كانْت» يفرِّق بين نوعين من الجمال: الجمال الحر أو الخالص كجمال الأزهار والزخارف والنقوش والقواقع، وهو جمال الصورة أو التصميم، والجمال المعتمد أو المتوقِّف على شيء آخرَ — كجمال المباني — الذي يمتزج فيه الإحساس بجمال الصورة بإدراك الفائدة العملية للموضوع، ويُدرِج «كانْت» الجمال البشري ضمن الفئة الثانية؛ فجمال المرأة مثلًا لا يرجع إلى إدراك التناسق في خطوطها فحسب، وإنما يضيف «كانْت» إلى ذلك عنصرًا آخر، هو إدراك ملاءمة النموذج الموجود أمامنا لوظيفة المرأة ولمَا تريده الطبيعة من المرأة أن تكون؛ ففي المجال البشري إذن يتحقَّق المثل الأعلى للكائن البشري كما ينبغي أن يكون، ومن الواضح أن فكرة المثل الأعلى هذه تجعل هذا النوع من الجمال ممتزجًا بعنصر أخلاقي، مع أن «كانْت» قد حرص دائمًا على أن يفصل بين الجمال وبين الخير الأخلاقي، وعلى أن يجعل التجرِبة الجمالية مستقلة تمامًا عن اعتبارات الخير والشر.

وفي نظرية «كانْت» الجمالية عنصرٌ آخرُ ينبغي الإشارة إليه نظرًا إلى ما كان له من أهمية في الفلسفات الجمالية التي ظهرت في القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، هو الازدواج بين فكرة الجمال وفكرة الجلال. ولكي نتصوَّر المقصود من الجلال، علينا أن نحلِّل شعورنا إزاءَ بناءٍ كالهرم الأكبر مثلًا (ومن الجدير بالذكر أن «كانْت» نفسه قد تحدَّث عن الأهرامات في شرحه لمَا يقصده من فكرة الجلال)؛ فحين نتأمَّل بناءً شامخًا كهذا قد نشعر بادئ الأمر بنوعٍ من الانقباض إزاء ضخامته وضآلتنا نحن بالقياس إليه، وعجزنا عن الإحاطة بجميع أطرافه في نظرةٍ واحدة، ولكن سرعان ما يستعيد ذهننا قواه، ويزداد تماسكًا عما كان عليه من قبلُ، ويؤدي تأملنا له إلى نوعٍ من التعبئة الروحية للنفس، نزداد فيها إعجابًا بالقيمة الباطنة للذات الإنسانية التي تتميَّز بجدارةٍ أخلاقية تعلو بها على كلِّ ما في الطبيعة من موجودات، وتفيض النفس شعورًا بكرامة الإنسان الذي يستطيع أن يجد معاني ترضيه وتبعث فيه الإعجاب، حتى في موضوعٍ خليقٍ بأن يُشْعِرَه بضآلة وقلة شأنه، ولو نظرنا إلى الهرم الأكبر نظرة جمالية مجردة، لما وجدنا في هذه الكتلة الضخمة من الحجارة أيَّ جمال ذاتي، بل إنها لتبدو لنا أقربَ كثيرًا إلى القبح، ولكنها مع ذلك تثير فينا أحاسيسَ تنتمي قطعًا إلى المجال الجمالي أو الفني على الأصح، ومثل هذا يُقال عن البحر المترامي الأطراف، الذي يؤدي تأمُّله إلى نفس التعبئة الروحية للنفس، مع أن الموضوع ذاته لا يعدو أن يكون كتلة ضخمة لا نهاية لها من الماء، وسواء أكان مصدر الإعجاب هو الحجم الهائل للموضوع — أعني تضاؤلنا بالقياس إليه من حيث المقدار — كما هي الحال في بناءٍ كالهرم، أم كان شعورنا بأن للموضوع قوةً طاغية لا تُقاس بمقاييس القوة لدى البشر، مثل قوة المياه المندفعة من شلال جبار، فإننا في الحالين نكون إزاء موضوع يتصف بالجلال، هو في كل الأحوال غير جميل في ذاته، ولكنه يثير فينا أحاسيسَ روحية تنتمي إلى صميم التجرِبة الجمالية، وكما ينبغي أن يكون إدراكنا للجمال منزهًا عن الغرض والرغبة، فكذلك ينبغي أن يكون إدراكنا للجلال غيرَ مقترن بأي نوع من الرهبة أو الخوف الذي تثيره القوة الطاغية أو الحجم الهائل للموضوع الجليل.

والفارق الأساسي بين الجميل والجليل — عند «كانْت» — هو أن الأولَ يتوقَّف على تناسق الصورة وتلاؤم الخطوط، أما الثاني فقد يكون متعلقًا بصورةٍ هي في ذاتها مشوهة تفتقر إلى كل تناسق، ومن هنا كان تأثير الجمال مهدئًا لأعصابنا ومريحًا لنفوسنا، على حين أن في الجلال نوعًا من الإثارة التي تنبِّه الخيال وتَحفِزه على النشاط المستمر، وهذا يؤدي إلى فارقٍ آخرَ هام بينهما، هو أن إحساسنا بالجلال ينبع كلُّه عن ذاتنا؛ فليس هناك أي نوعٍ من الارتباط المباشر بين طبيعة الموضوع الذي أثاره، وبين الأحاسيس التي تولَّدت في نفوسنا تجاه هذا الموضوع؛ فالجلال كله ذاتي، وهو ينشأ في صددِ موضوعٍ ليست له أيةُ قدرة تعبيرية، على عكس الحال في الجمال، حيث توجد علاقة مباشرة بين تناسق صورة الموضوع وبين استجابتنا الجمالية لها.

وتكتمل معالجة «كانْت» لموضوع الفلسفة الجمالية بحديثه عن القوة الخلاقة في الفن، أي العبقرية، وأهم ما يميِّز العبقرية عنده هو استحالة وصف طريقتها في الخلق الفني بطريقةٍ عقلية مفهومة؛ فالخلق عندها يحدث بطريقةٍ طبيعية، لا تَكلُّف فيها ولا جهد، ومن هنا عرَّف «كانْت» العبقرية بأنها «الطبيعة وهي تعمل بوصفها عقلًا في الإنسان»، أي إنها هي ظهور الإنتاج الروحي في الإنسان بنفس السهولة والتلقائية اللتين تتم بهما عملياتُ الطبيعة. وعلى ذلك فأهم ما يميِّز العبقرية هو القدرة الفائقة على الإنتاج، وهو الطاقة الروحية الفياضة التي تجعل الخلق والإنتاج أمرًا ميسورًا، ويرى «كانْت» أن العبقرية هي مَلَكةُ توليد «أفكار جمالية»، وهنا تُسْتَخْدَم كلمة «الأفكار» بمعنًى غير المعنى العقلي؛ فهي صورٌ تتجاوز نطاق الفكر المجرد — كأساطير أفلاطون مثلًا — وهكذا تقتصر فكرة العبقرية — في نظر «كانْت» — على مجال الخلق الفني وحدَه، أما العلم فلا يحتاج في رأيه إلى العبقرية؛ لأن أي شخص يستطيع — إذا بذل الجهد الكافي — أن يكون عالِمًا كبيرًا؛ فالفن يحتاج إلى تلك الشعلة الغامضة التي لا نستطيع أن نضع لسيرها القواعد، أما العلم فله قواعدُ يستطيع المرء إذا سلكها أن يهتدي بسهولة إلى طريقه فيه، وقد لا يتفق الكثيرون مع «كانْت» في هذه التفرقة القاطعة بين العلم والفن، وقد نرى أن العالِم كثيرًا ما يقترب من الفنان حين يقفز بفروضه إلى عالَمِ المجهول، فيحتاج عندئذٍ إلى نفس شعلة العبقرية الغامضة التي تضيء روح الفنان، ولكن الأمر الذي لا شك فيه هو أن «كانْت» إنما كان يرمي بحكمه هذا إلى إعلاء شان الفن، ووضعه في القمة العليا من مظاهر النشاط الروحي للإنسان.

فإذا أردنا أن نُصدِر على نظرية «كانْت» الجمالية حكمًا أخيرًا؛ لوجب أن نقول إنه كان أول فيلسوفٍ جعل للفن مجالًا متميزًا لا يختلط فيه بسائر المجالات؛ فقد رفض كل النظريات الجمالية القديمة التي تخلط بين مجال الفن ومجال الواقع، وتعيب على الفن كونه ذا قيمة ميتافيزيقية أدنَى من الواقع، وكونه ظِلًّا باهتًا يعجز عن أداء وظيفته الأصلية، وهي محاكاة الطبيعة وموجوداتها، أما «كانْت» فإنه يرفض كل هذه النظريات ويؤكِّد استقلال الفن عن الطبيعة، بل يجعل الإنتاج الفني رمزًا قائمًا بذاته، له قيمته الذاتية التي تعلو أحيانًا على قيمة الموضوعات الطبيعية، بما تُضْفِيه عليها من صورٍ متناسقة وأفكار مبتكرة. كذلك استطاع «كانْت» أن يحقِّق للفن استقلاله عن الغايات الأخلاقية، وأن يقضي على الخلط بين مجال الاستمتاع الجمالي ومجال السلوك العملي، فأكد بذلك الطابع المميَّز للمتعة الفنية الخالصة، وتمكَّن بتحليله العقلي من أن يكشف عن الظاهرة الجمالية فيما تتصف به من خصائصَ فريدةٍ مميَّزة عن خصائص الظواهر العلمية والعملية معًا.

النظرية الرومانتيكية في الفن: شوبنهور ونيتشه

ذكرنا في حديثنا عن نظرية «كانْت» العقلية في الفن أن هذا الفيلسوف كان أول مَنْ جعل للفن مكانة مستقلة، وأكد أن الظاهرة الفنية قائمةٌ بذاتها، تقف إلى جوار مختلف الظواهر التي تتناولها الفلسفة. ولقد كان شوبنهور تلميذًا «كانْت» في اتجاهه الفلسفي العام، أما في فلسفته الجمالية فقد كان أشدَّ اهتمامًا بالفن من أستاذه نفسه، والسبب الرئيسي في ذلك هو أن تجارِب شوبنهور الجمالية كانت أعمقَ من تجارِب «كانْت»، كما أنه كان أوسع منه ثقافةً في هذا المجال، وإنَّا لنجد في كتابات شوبنهور — لأول مرة — أحاديثَ مطوَّلة عن العمارة والشعر والتصوير والموسيقى، تدخل في صميم مؤلفه الرئيسي، وتقف جنبًا إلى جنب مع كل الموضوعات الفلسفية الأخرى التي يعالجها في هذا الكتاب.

وتقوم نظرية شوبنهور الجمالية على القول بأن الفن نوعٌ من المعرفة، غير أنه ليس معرفةً بموضوعاتٍ فردية محسوسة، كما هي الحال في الإدراك الحسي للإنسان، وهو في الوقت نفسه ليس معرفة تصورية مجردة، كما هي الحال في العلم، وإنما يحتل الفن موقعًا وسطًا بين هذين. ولكي يعبِّر شوبنهور عن طبيعة المعرفة التي تكون قوام الفن، استخدم فكرة «المثل»، وهي الفكرة الأفلاطونية القديمة، ولكن بمعنًى مخالف للمعنى الأفلاطوني، فالمثال عند شوبنهور ليس فرديًّا، وهو في الوقت ذاته ليس تصوُّرًا مجردًا، وإنما هو يعبِّر عما هو أساسي في العالم، مع كونه في الوقت ذاته قابلًا لأن يُدرَك، ولأن يتحدَّد على نحوٍ واضح المعالم، ولكن كيف تصل الذات الإنسانية إلى إدراك هذه المُثُل التي تكون أساس الفن؟ يؤكد شوبنهور أنه لا بُدَّ من حدوثِ تغيراتٍ أساسية في الذات لكي تتهيأ لإدراك هذه الماهيات الكامنة في قلب الأشياء أعني المثل؛ ففي حياتنا اليومية — حين تتحكَّم فينا الإرادة برغباتها وأطماعها التي لا تقف عند حد — نعجز عن الوصول إلى حالة التأمُّل الخالص، وتشغلنا مصالحُ الحياة ومتاعبها بأمورٍ جزئية فردية، ومن هنا كان لا بُدَّ من التخلُّص من كل مطالب الإرادة، بحيث يكون نشاطنا الروحي خارجًا تمامًا عن مجال الإرادة ومصالحها الذاتية، ونصل إلى حالة التنزه التي تغدو فيها الذات أداةً للتأمُّل الخالص الذي تتغلغل به في قلب الأشياء وماهيتها الباطنة.

وهكذا يقوم الفن في فلسفة شوبنهور بدور المخلِّص للإنسان من استعباد الإرادة واستبدادها؛ ذلك لأن الإرادة عنده قوة طاغية لا تتحكم في الإنسان فحسب، بل تتحكم أيضًا في مجرى الحوادث المادية للكون بأسره؛ فكل ما في الكون من حوادثَ إنما هو الوجه الخارجي لإرادةٍ باطنةٍ تُعَدُّ هذه الحوادث مجرَّد مظاهر خارجية لها، ولقد كان هذا الرأي تعبيرًا فلسفيًّا صادقًا عن تشاؤم شوبنهور ونظرته القاتمة إلى الحياة؛ ذلك لأن الإرادة بطبيعتها قوة عمياء تفتقر إلى التعقُّل والنظام، وهي نزوعٌ أهوجُ لا يستطيع أن يَكبح جماحَه شيء، وما دامت القوة الباطنة في العالم لها مثلُ هذه الصفات، فلا بُدَّ أن يكون مسار العالم متخبطًا، وأن يكون الإنسان بدوره — من حيث هو جزء من هذا العالم — خاضعًا لقوة الإرادة العمياء تتحكم فيه كما تشاء، ومن هنا كان الفن يلعب في فلسفة شوبنهور دورًا أساسيًّا؛ فهو وسيلةٌ من وسائل الخلاص من جبروت الإرادة وتحكُّمها في الإنسان، صحيح أنه ليس هو الوسيلة النهائية، وإنما هو يمثل — في نظر شوبنهور — مرحلةَ خلاص مؤقتة، تليها وتعلو عليها مرحلة نهائية هي مرحلة الإنكار التام للفردية وللكثرة، وإماتة إرادة الحياة، وبالتالي القضاء على المصدر الأساسي للشر، ومع ذلك فقد رأى شوبنهور في الفن وسيلةً من أقوى الوسائل التي تتيح للإنسان التغلُّب على ما في العالم من خداع وشر؛ فبفضل الفن يتمكَّن الإنسان من نسيان فرديته وفردية الأشياء، فلا يعود ينظر إلى الأشياء بوصفها موضوعاتٍ لرغبته، وإنما يتأملها بصورةٍ موضوعيةٍ خالصة تخلو تمامًا من كل نزوع أو طموح للإرادة، وهنا يبدو أن شوبنهور قد جمع بين رأي أرسطو في الفن ورأي «كانْت» في مركب واحد لا تكلُّف فيه ولا تصنُّع؛ فالفن عنده يؤدي إلى الخلاص مثلما يؤدي عند أرسطو إلى «التطهُّر»، وهو يرتبط أساسًا بحالة من التنزه والبُعد عن الأطماع والأغراض الشخصية، تمامًا كما قال «كانْت».

وعلى أية حال، فإن شوبنهور ينظر إلى الفنون على أنها مظاهرُ لتلك القوة الكامنة في الكون — أعني الإرادة — وتعبيراتٌ عنها بوسائلَ متباينةٍ وبمراتبَ متدرجة، وهكذا يُقاس كمال الفن عند شوبنهور بمقدارِ علوِّ مرحلة الإرادة التي يعبِّر عنها؛ فالفنون تتدرَّج في سُلَّمٍ صاعدٍ يبدأ بالعمارة التي تتعلَّق بقوَّةٍ من قوى الإرادة الكونية هي الجاذبية، وتسعى إلى حل مشكلة مقاومة المادة الصلبة لهذه القوة، وتلي ذلك قوة أخرى في الطبيعة، هي قوة النمو، كما تتمثَّل في النبات وتظهر في فن فلاحة البساتين، وتصوير المناظر الطبيعية، وقد بدا الجمع بين هذين الفنين معًا غريبًا في نظر الكثير من شراح شوبنهور، لا سيما وتصوير المناظر الطبيعية لا يقتصر مطلقًا على العالم النباتي. وعلى أية حال فيبدو أن ذلك كان ضروريًّا لتكملة التناسق الفكري لمذهب شوبنهور، ويلي هذا الفن: النحت والرسم، الذي يصوِّر الجسم الحيواني والإنساني، أي إنه يعلو مرتبةً على تصوير قوَّة النمو في النبات، ثم يأتي بعد ذلك الشِّعر بكل أنواعه وفروعه، وهو يسمو على الفنون السابقة؛ لأنه يختص بالإنسان وحدَه، ويصوِّر أحوال إرادته ومشاعره بمزيدٍ من الدقة.

أما الموسيقى فإن شوبنهور يجعل منها قمَّة الفنون جميعًا، ويحرص على التمييز بدقة بينها وبين سائر أنواع الفن؛ فالموسيقى في رأيه عالَمٌ قائمٌ بذاته، وهي لا تتناول موضوعاتِ مُثُلٍ معيَّنة، أو مظاهرَ خاصةً للإرادة، وإنما هي تعبيرٌ مباشر عن الإرادة بأكمل معانيها، وهكذا يقول شوبنهور: «إنه لَيبدو لمَن تركَ سيمفونيةً تتغلغل في نفسه تمامًا، أنه رأى كل الأحداث الممكنة للحياة وللعالم وهي تمر في داخله، ومع ذلك فإنه لو أمعن التفكيرَ في الأمر، لمَا أمكنه أن يؤكِّد وجودَ أي تشابُه بين هذه القطعة الموسيقية وبين الأشياء التي تمر بذهنه؛ ذلك لأن الموسيقى تختلف عن كلِّ الفنون الأخرى في أنها تصوير مباشر للإرادة ذاتها … وعلى ذلك ففي إمكاننا أن نسمي العالم موسيقى متجسدة، مثلما يمكننا أن نسميه إرادة متجسدة.» وهكذا تقف الموسيقى عند شوبنهور إلى جوار العالم — إن جاز هذا التعبير — ولا تكون جزءًا منه؛ لأنها عالم قائم بذاته، ولأنها تكشف عن ماهية الإرادة الكونية بطريقتها الخاصة، مثلما يكشف عنها عالَم الظواهر من خلال ما فيه من موضوعات، وفضلًا عن ذلك فإن الموسيقى تتميز عن كل الفنون الأخرى بأنها تمثِّل عالَم الزمان الخالص بلا مكان، ومن الطبيعي أن ترتبط الفنون الأخرى المكانية بالعالَم الخارجي على نحوٍ ما، أما الموسيقى فلا تعبِّر عن شيء مما في هذا العالم، وإنما هي تعبِّر عن أعمقِ ما في القوة الباطنة المحركة لكلِّ ما في العالم. وأخيرًا فالفنون الأخرى — في رأي شوبنهور — تستعين بوسائطَ مادية كالحجارة وغيرها من المواد في النحت والعمارة مثلًا، أما الموسيقى فلا تستعين بمثل هذه الوسائط، ولهذه الأسباب كلِّها استطاع شوبنهور أن يقول إن في وُسع الموسيقى أن توجد حتى لو لم يكن للعالم وجود على الإطلاق، وهي عبارةٌ تمجِّد الموسيقى كما لم تمجِّدها عبارةٌ أخرى لأي فيلسوف آخر، ولكن صيغتها الغريبة لا تُفْهَم إلا إذا رُبِطَت بآراء شوبنهور الفلسفية والفنية في مجموعها.

ولعلنا قد لاحظنا في العرض السابق نوعًا من التناقض الظاهري في استخدام كلمة «الإرادة» عند شوبنهور؛ فالمفروض — من جهة — أن الفن مظهر للإرادة، إما بطريقة مباشرة — كما هي الحال في الموسيقى — وإما بطريقة غير مباشرة، كما هي الحال في الفنون الأخرى، ولكن وظيفة الفن — من جهةٍ أخرى — هي تحرير الفرد من رغبات الإرادة وأطماعها التي لا تقف عند حد، ولا شك أن مرجع هذا الاختلاف إلى المعنى المزدوج الذي استُخْدِمَت فيه كلمة الإرادة؛ فالمقصود منها في الحالة الأولى هو الإرادة الكونية، أو الإرادة من حيث هي قوَّة ميتافيزيقية تكمُن من وراء كل ظواهر الكون، أما في المعنى الثاني، فالمقصود هو الإرادة في الإنسان بما لها من أطماعٍ ورغباتٍ لا نهايةَ لها، وهذا المعنى الثاني هو الذي كان في ذهن شوبنهور حين تحدَّث عن الفن من حيث هو وسيلةٌ لخلاص الإنسان وتطهيره، أما المعنى الأول فهو الذي قصده حين وصف الفنون بأنها مظاهرُ متدرجة للإرادة.

ولكن هل صحيح أن الفن عامة — والموسيقى خاصة — نشاطٌ نفسي تخمد فيه الإرادة الفردية؟ إنه لَيبدو — لمن يتأمل هذه المسألة بمزيد من الدقة — أن الفن يقوِّي — أحيانًا — شعورَ المرء بشخصه وبإرادته، وليس صحيحًا أن الفن في كل الأحوال ينسينا فرديتنا بحيث نصبح في حالة تأمُّل لا صلةَ له بالإرادة الفردية، والأهم من ذلك أن موضوع الفن نفسه لا يفقد دائمًا فرديته في حالة التأمُّل أو الخلق الفني؛ فالفنان لا ينظر في موضوعه إلى «المثال الأفلاطوني»، بل إنه في معظم الأحيان يتجه إلى تأمُّل هذا الموضوع من حيث هو فردي محدَّد، ونستطيع أن نقول إن صفة الفردية المحددة هي التي تميِّز موضوع الفن عن موضوع العلم، الذي لا يتناول من الأشياء إلا أوجهها العامة المشتركة بين كل الأفراد، وإذن فمن المشكوك فيه أن يكون شوبنهور قد أصاب حين وصف موضوع الفن بأنه موضوعٌ تنتزع فرديته … وإنما العكس هو الذي يبدو صحيحًا؛ لأن عين الفنان الفاحصة هي التي تُضْفِي الفردية على موضوعاتٍ لا نلاحظها في حياتنا المعتادة، أو نكتفي بالنظر إليها على أنها مجرَّد أمثلةٍ لنمط واحد متكرر، وربما كانت أهم صفات الفنان هي قدرته هذه على أن يكتشف ما هو منفرد — لا يتكرر — في كل شيء يتخذه موضوعًا لفنه.

•••

ولنلاحظْ — بعد هذا — أن شوبنهور يحدِّد العلاقة بين الفن والحياة بطريقةٍ قد لا ترضي الكثيرين، فهل صحيح أن الفن وسيلةٌ لتحرير الإنسان من إرادة الحياة؟ الواقع أن كثيرًا من المفكرين والفنانين يأبَون — بناءً على تجارِبهم الخاصة — أن يربِطوا بين الفن وبين التخلص من الرغبات والمشاعر الحية، وهذه في الواقع هي نقطة بداية تفكير «نيتشه» في المشكلة الفنية؛ فالفن عنده ليس على الإطلاق وسيلةً لإماتة إرادة الحياة، بل إنه هو في الواقع النشاط الذي يؤكد الحياة ويعليها ويقف منها موقفًا إيجابيًّا، والنشاط الخلاق في الفن هو من أبرز مظاهر تأكيد إرادة الحياة في الإنسان، والأفكار الفنية لا ترتبط بعالم فوق المحسوس، وإنما هي من صميم هذا العالم، وهي لا تُفْهَم إلا إذا رُبِطَت بهذه الحياة وبهذه الأرض.

ولكي يعبِّر نيتشه عن آرائه هذه تعبيرًا أوضح، وضع في كتابه المبكر «ميلاد المأساة من روح الموسيقى» تقابلًا أساسيًّا بين نوعين من الفن، أطلق على كلٍّ منهما اسم إله من آلهة اليونان، هما الفن الأبولوني والفن الديونيزي، أما الأول فهو الفن الذي يَظهر الموضوع فيه محدَّد المعالم، ويتميز بالتناسق والوضوح والشفافية، وتكون الحالة النفسية السائدة فيه — سواء عند الفنان الخالق وعند المُشاهد المتذوق لهذا الفن — هي حالة التأمُّل والتعبير الهادئ، أما الثاني فيتسم موضوعه بشيء من الغموض، وقد يفتقر إلى التناسق ووضوح النسب، ولكن الحالة المصاحبة له تكوِّن حالة من النشوة والسكرة، والشعور بزوال كل الحواجز، وبأن المرء قد اتحد — بطريقة شبه صوفية — مع الماهية الباطنة للعالم، وعلى حين أننا في النوع الأول نقف من الحياة موقفَ المتأمل المُشاهِد، فإنَّا من النوع الثاني نندمج في الحياة اندماجًا كليًّا، ونصبح وإياها شيئًا واحدًا، ومن أمثلة النوع الأول — الأبولوني الهادئ من الفن — التصوير والنحت، أما الموسيقى فهي خير ما يعبِّر عن الفن الديونيزي؛ إذ لا يعود موقفنا فيها هو موقف التأمُّل، وإنما يصبح موقف الاندماج التام في الأنغام، وفيما تكشفه لنا من ماهية باطنة للعالم.

ولا شك في أن هذا التقسيم متأثرٌ بتفرقة شوبنهور بين الموسيقى وبين الفنون الأخرى، على النحو الذي عرضناه من قبل، ومع ذلك فينبغي ألا ننسى أن نيتشه كان أكثر اتساقًا مع نفسه من شوبنهور، وذلك حين أنكر تمامًا أن يكون الفن أداة للهروب من العالم أو للتحرُّر من أعبائه، وربط — على أقوَى نحوٍ — بين الفن وبين تأكيد إرادة الحياة، ولقد كان هذا الاختلاف ضروريًّا بين فيلسوفَين يتخذ أحدهما موقفًا مثاليًّا، وينكر عالم المحسوس بوصفه عالمًا للظواهر الخداعة التي ينبغي الفرار منها والزهد فيها، ويؤكد الآخر أن هذا العالم هو الوحيد الذي نعرفه، ويمجِّد المحسوسات ويرى في الفن وسيلةً لتأكيدها لا لتحقيرها، ومظهرًا من مظاهر إعلاء الحياة لا الهروب منها.

وعلى أية حال فإن نيتشه — رغم عمق تجارِبه الفنية، ولا سيما الموسيقية منها — لم يلتزم هذا الموقف من الفن إلى النهاية؛ ففي وُسعنا أن نلمح في صراعه الأخير مع فاجنر علاماتِ صراعٍ آخرَ بينه وبين الفن ذاته، لا كما يتمثَّل في فاجنر فحسب، أي إن من الممكن القول إن شخصية فاجنر — التي جمعت في ذاتها أوسعَ وأعمقَ ما وصلت إليه الفنون في عصرها — هي تلخيص لأقصى ما يستطيع الفن أن يقوم به من أجل العلو بالإنسان، ومن هنا فإن نقد نيتشه المرير لفاجنر — في الفترة الأخيرة من حياته — إنما هو تعبيرٌ عن الصراع بين روح البحث عن الحقيقة — التي كانت طاغية لديه — وبين الفن الذي يُعَدُّ مظهرًا من مظاهر الخداع والهروب من مواجهة الواقع. وهكذا يتضح لنا أن نيتشه قد عاد آخرَ الأمر — بمعنًى ما — إلى موقف شوبنهور من الفن، من حيث هو أداة للهروب من الحياة، ولكنه — على عكس شوبنهور — لم يمتدح هذه الصفة في الفن، وإنما حمل عليه وعلى أعظم ممثليه حملة شعواء، رغم عمق شعوره الباطن نحوهما، وذلك إخلاصًا منه لروح الحقيقة، وتمسُّكًا منه بهذه الحياة، التي حرص على قبولها وتأكيدها بكل عناصرها، وبكل ما فيها من عناصر مقبولة أو منفرة.

النظرية التعبيرية عند كروتشه

في وُسعنا جميعًا أن نميز بين طريقتين من طرق معرفتنا للأشياء: طريقة المعرفة المباشرة، التي تكون أشبه بومضة سريعة ندرك فيها الموضوع كاملًا، دون حاجة إلى جهد أو تفكير في علاقات الموضوع بغيره، وطريقة المعرفة التدريجية التي نربط فيها الموضوعات بعضها ببعض لنحكم على كلٍّ منها من خلال علاقاته بالآخرين، أما المعرفة الأولى فتُسمَّى عند الفلاسفة بالمعرفة الحدسية، والثانية تُسمَّى بالمعرفة العقلية أو المنطقية، والفن عند كروتشه ينتمي إلى النوع الأول؛ فكلُّ حدْس مباشر — ينفذ إلى الموضوع الفردي ويتغلغل فيه — ينطوي في ذاته على بادرة القدرة الفنية، وليس الفارق بين الفنان وغير الفنان فارقًا في النوع، وإنما الفنان شخص لديه قدرة أعظم — من الوجهة الكمية — على التعبير عن أنواعٍ معيَّنة من الموضوعات التي يدركها بهذا الحدْس، ويؤكد كروتشه أننا لا نستطيع أن ندرك طبيعة الشعور الباطن الذي ينتابنا إلا عندما يكون في وُسعنا التعبيرُ عنه، كما لا يمكن أن يكون لدينا حدْس بمنظر طبيعي إلا إذا كانت تفاصيل هذا المنظر واضحةً في أذهاننا، بحيث نستطيع أن نعبِّر عنه بوضوحٍ لمن يطلب إلينا ذلك، وبالاختصار: فمعرفتنا تظل غامضةً مبهمةً حتى نعبِّر عنها؛ فالفن إذن في أساسه تعبير.

والفارق الوحيد — في نظر كروتشه — بين الفنان أو العبقري وبين الإنسان العادي، هو أن للأول قدرةً أعظم على التعبير عما يدركه بالحدْس، ولكن هذه القدرة موجودة في الوقت ذاته لدى الجميع، وإنما بدرجاتٍ أقل، صحيح أننا نقول عن الفنان إنه يكشف لنا أنفسنا، ولكن كيف يتسنَّى له ذلك لو لم تكن طبيعة خياله وطبيعة خيالنا واحدة، ولو لم يكن الفارق بين الطبيعتين إلا فارقًا في الدرجة فحسب؟ من الواضح أن القصيدة الشعرية — مثلًا — لا تؤثِّر فيَّ إلا إذا كانت لديَّ أحاسيسُ مماثلةٌ لتلك التي كانت لدى مؤلِّفها، بحيث أهتدي في هذه القصيدة إلى شيء أحسُّ به في نفسي فعلًا، وبهذا المعنى أقول إنها عرَّفتني نفسي أو كشفتها لي، ولو لم تكن قد مرَّت بنا في حياتنا لحظاتٌ مختلفة شعرنا فيها بإحساساتٍ مشابهة لإحساسات هاملت أو ماكبث، لما أحسسنا بإعجابٍ حقيقي نحو هاتين الشخصيتين، ولكان الشعر الذي يتحدَّث عنهما مجرَّد كلماتٍ لا تعني بالنسبة إلينا شيئًا.

ولكن علينا أن نحذر فهْم فكرة التعبير هذه بأنها تعني أن العمل الأساسي للفنان هو أن ينقل مشاعره للآخرين؛ فهذا المعنى أبعدُ الأمور عن تفكير كروتشه، وكلُّ ما يود أن يقوله هو أن الفنان يعبِّر عن أحاسيسَ باطنة، ويُطلِق هذه الأحاسيس من عِقالها في عملها الفني، ويتحرَّر منها بمعنًى ما في مجهوده التعبيري، وعند هذه المرحلة تنتهي مهمة الفنان، أما مَن يتذوقون هذا العمل الفني فإنهم لمَّا كانوا يمرون أيضًا بأحاسيسَ مماثلة، ففي وُسعهم أن يقدِّروا هذا العمل ويستمتعوا به جماليًّا، دون أن يكون الفنان الخالق قد استهدف بعمله متعتَهم؛ ذلك لأن عمل الفنان يتوقَّف ويكتمل — كما قلنا — عند مرحلة التعبير عن انطباعاته الخاصة؛ ففي اللحظة التي يكوِّن فيها الفنان — في داخله — صورةً حيةً لشكلٍ أو لتمثالٍ أو يهتدي إلى لحنٍ موسيقى، يكون التعبير قد تم واكتمل، وهو ليس في حاجةٍ إلى أكثرَ من ذلك، وحتى الصورة الخارجية التي يتخذها التعبيرُ لا تُعَدُّ ضروريةً على الإطلاق، أعني أن عزف اللحن الذي اهتدى إليه الفنان، أو إمساك ريشة الرسم أو القلم لتدوين التعبير الداخلي بصورة خارجية يدركها الآخرون، كل هذا يُعَدُّ إضافةً إلى العمل الفني الأصلي، وهي إضافة تنتمي إلى المجال العملي، ولا شأن لها بالمجال الجمالي في ذاته، ومن هنا كان كروتشه يرفض التفرقة بين التعبير الداخلي والتعبير الخارجي؛ إذ إن كل عمل فني هو تعبير «داخلي» على الدوام، وما نسميه بالعمل الخارجي ليس هو العمل الفني ذاته.

وبعبارة أخرى فالفن نشاطٌ روحي صِرْف، وترجمته أو نقله إلى مجال الأشياء الخارجية هو عمل ثانوي يُضاف إلى الجهد الروحي الحقيقي، الذي هو التعبير الفني الأصيل، ولو حالت الظروف — على أي نحو — بين الفنان وبين نقل فنه إلى الآخرين أو التعبير عنه بصورةٍ يدركها الجميع، فإن هذا لا ينقص من تجربته الجمالية شيئًا، ما دامت هذه التجرِبة قد عبَّرت عن نفسها — في داخله — تعبيرًا باطنًا كافيًا، ونقلت مشاعره وانطباعاته الغامضة إلى صورةٍ محدَّدة يستطيع هو ذاته أن يتبين معالمها في داخله بوضوح.

ورغم ذلك التأكيد للطابع الباطن للتعبير الفني، فإن كروتشه يؤكد وجود حقيقة فنية يمكن أن تُنْقَلَ إلى الآخرين، وكلُّ ما في الأمر أن الفنان لا يعبِّر عن نفسه من أجل الآخرين، وإنما تؤدي وحدة المشاعر بين البشر إلى أن نفهم نحن عمل الفنان ونقدِّره، وهكذا نجد أن الألوان والأصوات التي عبَّر بها الفنان عن إحساسه الباطن تستطيع أن تنقل إلينا هذا الإحساس، فيتكون لدينا حدْسٌ مماثلٌ لذلك الذي أحس به الفنان، صحيح أننا لا نستطيع أن نحيا تجرِبة الفنان من جديد، أو نَمرُّ بها مرة أخرى؛ لأن ما حدث مرة لن يتكرر فيما بعدُ، ومع ذلك فإن أول ما يميِّز الفنان العظيم هو قدرته على أن يعبِّر عن حقيقةٍ تحتفظ بقيمتها عبْر الزمان والمكان، وتستطيع أن تثير فينا خيالات مماثلة لتلك التي مرت في ذهنه، ومن هنا كان من المستحيل ألا نُعْجَبَ بهذا العمل؛ لأن نفس الضرورة التي جعلت الفنان يعبِّر عنه، تجعلنا نحن أيضًا نقدِّره، وهكذا يوجد بين الفنان وبين جمهور المتذوقين نوعٌ من الاتصال لم يتعمده الفنان ولم يكن يعنيه في شيء، ولكنه موجودٌ نتيجة لوحدة المشاعر، ولأن النفوس يتصل بعضها ببعض من خلال العمل الفني مثلما يتصل بعضها ببعض في عملية المعرفة والتفاهم العقلي.

وإذن فهناك حقيقةٌ فنية، ولكنها مختلفة عن الحقيقة العلمية والأخلاقية، ومن هنا كان كروتشه من أكبر أنصار فكرة الفن للفن، بمعنَى أن التعبير الفني مستقلٌّ عن جميع الاعتبارات العلمية، وإذا كانت هذه الاعتبارات ترتبط — من الوجهة الواقعية — بالأعمال الفنية؛ فليس هذا الارتباط منطقيًّا ولا ضروريًّا، وإنما هو شيء عارض فحسب، وعلى ذلك فالحكم على العمل الفني ينبغي — في نظر كروتشه — أن يتم من وجهةِ نظرٍ فنيةٍ صِرْف. وأكبر الأخطاء في النقد الفني أن نخلِط بين المعايير المنتمية إلى مجالاتٍ مختلفة، فنحكم على العمل الفني من خلال أخلاقيته، أو نحكم على عمل عقلي من حيث تناسقه وانسجامه، ومهما بَدَا لنا أن العمل الفني يحمل معاني أخلاقية أو دينية أو عقلية، فمن الواجب أن نتذكر أن الفنان الخالق ذاته — من حيث هو فنان — لم يكن يقصد إلى شيء من ذلك، ولا يعبأ بهذه النتائج، ولم يكن يريد أن يؤكد لنا شيئًا، وإنما كان يريد التعبير عن نفسه فقط، وعن مشاعره إزاء موضوعات معيَّنة، بغض النظر عن كل اعتبار عملي أو نظري ينتمي إلى مجال الأخلاق أو العلم، ورغم أن مفكرين كثيرين قد رحَّبوا — وقت ظهور هذه الآراء — بتلك النظرية الخالصة في الفن على أساس أنها تخلِّص الفن من الارتباط بالأهداف الأخلاقية أو الاجتماعية التي لا تنتمي إلى صميم الفن ذاته، فقد كان رد الفعل عليها قويًّا، وتوالت بعد ذلك انتقادات شديدة لفكرة الفن للفن، نظرًا إلى ما تفترضه من انفصالٍ للروح البشرية إلى مجالاتٍ كلٌّ منها مقفلٌ على ذاته، لا يتصل بالمجالات الباقية، وهو أمر تأباه وحدةُ الشخصية الإنسانية وتداخُل مظاهر نشاطها.

على أن في نظرية كروتشه التعبيرية نقاطَ ضعفٍ أخرى لا تقل عن هذه أهمية؛ فهو في فكرة التعبير الخالص يتجاهل مادة الفن ويَعُدُّها مجرَّد أداة ثانوية، ولا يهتم بالمنظر الخارجي للعمل الفني إلا من حيث هو وسيلةٌ لإعطاء التعبير شكلًا يدركه الآخرون، على حين أن التعبير الحقيقي هو الأصل الباطن في نفس الفنان فحسب، وربما كان في وُسعنا أن نرى في ذلك مظهرًا من مظاهر القصور في ملاحظةِ ما يحدث بالفعل في حالة الخلق الفني؛ إذ إننا نعلم جميعًا مدى تأثير مادة الفن في تشكيل الصورة النهائية للعمل الفني بل في عملية الخلق ذاتها أحيانًا؛ فكثيرًا ما تكون المشاعر التي تنتاب اثنين من الفنانين متشابهة، ولكن أحدهما أَقْدَر على تشكيل عالم الألوان والثاني أقدر على تشكيل الحجارة، فتكون النتيجة في الحالة الأولى صورة وفي الحالة الثانية تمثالًا، وهكذا نرى أن الشكل أو الوسط المادي للتعبير هو الذي يتيح تصنيف الفنون، ولولا هذه المادة لما وُجِدَت فنونٌ مختلفة، بل لكان هناك فنٌّ واحد فحسب، وفضلًا عن ذلك فإن طبيعة الشعور الذي يريد أن يعبِّر عنه الفنان تتغيَّر إلى حدٍّ بعيد عندما تصطدم قوَّته التعبيرية بالعالم المادي ويحاول أن يستخلص من المادة تلك المعاني التي تجيش بها نفسه، وللمادة ذاتها دورٌ أساسي في تحديد الطبيعة النهائية للعمل الفني؛ لأن إرادة الفنان لا تُمارَس في فراغ، وإنما في مادةٍ تُقاوِمه لها قوانينها الخاصة التي لا يستطيع أن يُخضِعها لرغباته في كل الأحوال.

أما فكرة الحقيقة الفنية التي تُنْقَل إلينا بفضل اتحاد مشاعرنا مع مشاعر الفنان، أو قدرتنا على إعادة إحياءِ ما مرَّ به الفنان من التجارِب في أنفسنا، فمن الممكن أن توجَّه إليها انتقاداتٌ متعدِّدة؛ ذلك لأنه ليس من الضروري على الإطلاق أن نستعيد — ونحن إزاء عمل فني كبير — تجارِبَ مماثلةً أو مشابهة لتلك التي مر بها الفنان نفسه، بل إن هذا أمرٌ مستحيل من الوجهة العملية؛ فقد لا يرتبط العمل الفني على أيِّ نحوٍ ضروري بالحالة الشعورية التي أنتجه الفنان في أثنائها، ولدينا شواهدُ عديدة على ذلك في تاريخ الفن؛ فأروع مؤلَّفات موتسارت الموسيقية هي تلك التي كتبها بتكليف، بحيث كان مقيدًا بموعدٍ يتعيَّن عليه إتمامها فيه، أو كان في ضائقةٍ مالية ويريد الانتهاء منها في أسرعِ وقتٍ حتى يجني منها بعض المال، ومن جهةٍ أخرى فمن الملاحَظ في موسيقاه أن أشد سيمفونياته مرحًا هي تلك التي كتبها في أوقاتِ حزنه، وفي ظروفٍ قاسية إلى أبعد حد، وهنا نجد أن الحالة التي خُلِقَ في ظلها العمل الفني — من حزن أو عسر مالي أو ديون أو تعجُّل في الإنتاج — تختلف كلَّ الاختلاف عن الشكل النهائي الذي اتخذه هذا العمل، ومن المحال أن يعيد المرء هذه التجرِبة في نفسه وهو يستمع إلى موسيقاه، لسببٍ بسيط هو أنه لا توجد أيةُ علاقة بين هذه الموسيقى وبين المشاعر التي كانت تمر به وقت تأليفها، ويبدو أن قدرةَ الفنان الكبير إنما تكون في تمكُّنه من خلقِ إنتاجٍ لا يتقيد بظروفه الذاتية الجزئية، ولا تربِطه بمشاعره المتغيرة أيةُ علاقة سببية، وإنما هو فيض من الطاقة يمكن أن ينطلق في أشد الظروف قسوة، وفي ظل أحوالٍ قد تبدو أحيانًا غير متلائمة مع الإنتاج الفني على الإطلاق.

ومن جهةٍ أخرى، فإذا نظرنا إلى الأمر من زاوية تلقي العمل الفني وتقديره عند مَن يتأمله أو يستمع إليه؛ لوجدنا أن العمل الفني الواحد قد يثير في مختلف الناس أحاسيسَ متباينةً كلَّ التباين، وليس من الممكن أن نشعر عند تقديرنا لعملٍ فني بنفس أحاسيسَ مُنْتِجه، بل إن هذا ليس أمرًا مرغوبًا فيه، وربما لم يكن يحدث إلا في حالة الأنواع الهزيلة من الإنتاج الفني، والأمر الذي نستطيع أن نؤكده — فقط — هو أن العمل الفني يؤثِّر في حاستنا الجمالية تأثيرًا عامًّا دون تحديدٍ لاتجاه هذا التأثير، بل إن للعمل الفني العظيم قدرةً على أن يؤثِّر في كل شخص على نحوٍ مختلف، ومع ذلك يظل الجميع — رغم اختلاف طريقة تأثُّر كلٍّ منهم، واختلاف طرقهم جميعًا عن طريقة تأثُّر الفنان نفسه — يشعرون بأنه عمل له قيمته.

وأخيرًا فإني أود أن أثير مسألةً لا أظن أنها خطرت ببال كروتشه أصلًا في حديثه عن التعبير الجمالي؛ فهل يقتصر الفن على التعبير عن مشاعرَ إنسانيةٍ موجودة من قبلُ أم إنه يخلق مشاعرَ جديدة؟ يبدو أن هناك أعمالًا فنية تفتح أمامنا آفاق مشاعر جديدة كل الجدَّة، لم نصادفها من قبلُ في تجربتنا على الإطلاق؛ فهي تخلق مشاعرَ لا نَحُسُّ بها في حياتنا، وتحوِّل مجرى حياتنا الانفعالية إلى طريقٍ لم يُطْرَق من قبلُ، فأرقى أنواع الموسيقى تثير فينا أحاسيسَ لا نستطيع تحديد كنهها على الإطلاق، وكلُّ ما نستطيع أن نقوله بشأنها هو أنها تكشف لمن يمكنه تذوُّقها عن أوجهٍ خفية باطنة في العالم، لم يكن قد تنبَّه إليها في حياته من قبل، ومثل هذا يَصدُق على أحدثِ نظريات فن التصوير؛ إذ يرى كثير من المصورين المعاصرين أن على الفنان أن يخلق موضوعات جديدة كان ينبغي أن تكون في الطبيعة، ولكنها لم تكن بالفعل، وأن عليه بالتالي أن يولِّد مشاعرَ تفتقر إليها التجرِبة المألوفة للإنسان، وهم يرون أنه لا جدوَى من التعبير عما تحقق بالفعل، وإنما المهم أن نستخلص ما كان ينبغي أن يكون، ونخرجه إلى حيِّز الوجود، ومن هنا كانت حمْلةُ كثيرٍ من هذه المذاهب المجددة على كل تصوير أو تمثيل للطبيعة، سواء منها الظاهرة والباطنة، ويؤكد أصحاب هذه الاتجاهات أن النظرية التعبيرية تَحُدُّ من حرية الفنان، على حين أن مذهبهم هو الذي يضمن له حرية كاملة؛ إذ يستطيع التحكُّم في مشاعره الأصيلة، بل وفي كل الظروف المحيطة به، والمقترنة بلحظة الخلق الفني، وتحويلها إلى شيء جديد كلَّ الجدة، نابع من عبقريته الخلاقة، وهكذا يبدو أن أعظم ما في الفنان هو قدرته على تشكيل المشاعر الذاتية والمادة الخارجية في صورة جديدة، لا تتقيد بحتمية التعبير عن مشاعرَ معيَّنة، وإنما هي تعبير عن القدرة الخالقة والطاقة الفياضة للفنان فحسب.

١  مجلة «المجلة»، العدد ٩٦، ديسمبر ١٩٦٤م.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤