الفصل الخامس عشر

العودة لمصر من سورية

في اليوم الثاني من شهر يونيه سنة ١٧٩٩ وصل الجيش الفرنساوي إلى العريش، واتخذت الاحتياطات الكافية لتحصين تلك البقعة وفي يوم ٤ يونيه عسكر الجيش في قطية، وفي يوم ٧ وصل الجيش إلى بلدة الصالحية وهي أول حدود مصر من جهة الصحراء الشرقية، وهناك استراح الجيش، وأصدر نابوليون أمره للجنرال كليبر بالسفر مع فرقته إلى دمياط للإقامة بها، وكان غرض نابوليون من ذلك إبعاد كليبر عن القاهرة، ليتيسر له الاستعداد للسفر إلى فرنسا، قبل أن يعلم به كليبر وذلك لأسباب كثيرة سنأتي عليها في مكانها.

قال الجبرتي في حوادث شهر محرم سنة ١٢١٤ «وفي يوم الثلاثاء «يوافق ١١ يونيه» حضر جماعة من العسكر بأثقالهم وحضرت مكاتبة من كبير الفرنساوية أنه وصل إلى الصالحية وأرسل دوجا الوكيل (Dugua) ونبه على الناس بالخروج لملاقاته بموجب ورقة حضرت من عنده يأمر بذلك.»

ومن لنا بالوقوف على التعليمات الخاصة التي بعث بها نابوليون إلى الجنرال «درجا» مع أولئك الرسل بقصد الاستعداد العظيم للاحتفال بقدومه احتفال القائد الظافر، ليوهم المصريين أنه قد ملك سورية ودوخ أهلها، وقضى على الجيوش التي أشيع في طول البلاد وعرضها أنها قادمة لخلاص مصر من أيدي الفرنساويين؟؟ ولكن وإن لم نعرف تلك التعليمات فإننا نعرف أن في صبيحة يوم الجمعة ١٠ محرم «١٤ يونيه» جمع الفرنساويون في القاهرة أهل المدينة من شيوخ وأعيان وموظفين وعامة وسوقة، وأقيمت الزينات ودقت الطبول وعزفت الجوقات الموسيقية عربية وإفرنكية، وتوشح كل ذي حيثية بالملابس المزخرفة، وتألف من الجنود والأهالي موكب عظيم، خرج من الأزبكية في صباح ذلك اليوم، يستقبل نابوليون بونابرت خارج المدينة، وكان هو قد عسكر بجيشه في المنطقة الواقعة بين سراي القبة والعباسية، وكانت تسمى هذه الجهة بالعادلية واليوم يقال لها الوايلية التي هي في الحقيقة جزء منها، وقد وصف كثيرون من كُتاب الفرنساويين، ذلك الموكب المنظم والاحتفال الفخم الذي قوبل به نابوليون بعد عودته من سورية لمصر وبالغوا فيه، وكان هو أول المبالغين في وصفه لحكومة الديركتوار! وليس لدينا في اللغة العربية غير أقوال الشيخ الجبرتي والمعلم نقولا، والأول لا يزيد في الوصف على كلمات موجزة، والثاني لم يذكر شيئًا عن الهدايا الفاخرة التي قدمها التجار بالقاهرة وأعيانها وأشرافها لنابوليون وذلك بالطبع، كما نعرف أمور بلادنا، بناء على تحريضات أوامر من الحكام الفرنساويين، وكان أكثر الناس تملقًا وتزلفًا لنابوليون الشيخ خليل بكري الذي لم يزل نقيب الأشراف، مع حضور السيد عمر مكرم من يافا، فقد قدم الشيخ خليل من أنواع الهدايا جوادًا عربيًّا كريمًا يقود زمامه «رسم» ذلك المملوك الذي اشتهر في أوروبا وبقي ذكره في التاريخ خالدًا بجوار اسم نابوليون؛ لأنه سافر معه إلى فرنسا وبقي معه مرافقًا له في غدواته، وروحاته، وغزواته وانتصاراته، حتى كان يلقب «مملوك الإمبراطور»، وكانت له في قصر النوباري مكانة معروفة، ولم يكن رسم هذا هو ذلك المملوك الذي كان له مع الشيخ البكري حكايات مر بها الجبرتي مرور النسيم! بل كان واحدًا من مماليك كثيرين للشيخ البكري الذي قدم لنابوليون عدا الجواري والمملوك هدايا كثيرة فاخرة ثمينة، فكان سرج الجواد مطرزًا بالذهب واللآلي واليواقيت، وأهداه أيضًا عددًا من الهجن السريع الخطا، وقدم له أيضًا الجواري الحسان، من الجركس والحبشان، والشيلان الكشميرية والأسلحة ذات القبضات المحلاة بالذهب والجواهر الكريمة، إلى غير ذلك من العطر والعود والصندل والأقمشة الحريرية من صنع الهند والصين.

والخلاصة أن الشيخ خليل البكري، غفر الله له وتجاوز عن سيئاته، لم يدخر وسعًا في إرضاء الفرنساويين، فجاد بخير ما عنده، وتجاوز الأمر حتى قالوا إنه جاد بعرضه!! فقد روى ثقاة المؤرخين أن ابنة الشيخ خرجت عن حدود الحشمة وسلكت مع الفرنساويين مسلكًا شائنًا فوصمت بيت البكري بوصمت عار لا تُمحى، وقد روى الشيخ الجبرتي، وهو عفيف القلم، تلك الرواية وهو يتململ غيظًا، وقال: إن أعداء الشيخ اتهموه بأن خروج ابنته مع الفرنساويين كان بعلمه ورضاه، والعياذ بالله، وروى بعضهم أنها كانت تسقي أباها وضيوفه من كبار القواد الفرنساويين الشراب فكان ما كان، ولكن هذا على ما أعتقد غير صحيح، وأغرب ما في حكاية هذه الفتاة وقصتها الغربية التاريخية ما روته الكاتبة «جيهان ديفري» في كتابها عن نابوليون في مصر، فقد أكدت أن ابنة البكري «وذكرت أن اسمها زينب البكرية» كانت معشوقة نابوليون بونابرت نفسه، ونحن ننقل روايتها هذه بكل تحفظ؛ لأننا لا نعرف على أي المصادر اعتمدت هذه الكاتبة الباحثة؛ إذ من الجائز أنها اعتمدت على مذكرات أو مصادر لم نوفق إلى العثور عليها.

ورواية جيهان ديفري هي أنه كان لنابوليون بونابرت في مصر معشوقة اسمها بولين فوريس Pauline Fourès وكانت من قبل خاطئة من بلدة كاركاسون Carcassone في فرنسا وتزوجت من الضابط فوريس، وكان رجال الجيش يعلمون بعلاقة القائد العام بها، وكذلك كان يعرف المصريون وكانوا يسمونها «ست السلطان الكبير»، فحدث في زيارة ابنة البكري وأمها لتلك السيدة الفرنسية أن وقع نظر نابوليون على الفتاة العذراء ابنة سليل بيت الصديق، فأعجب بظرفها وشكلها الشرقي، وكانت الأخبار قد وردت إليه من فرنسا بسوء سلوك زوجه جوزيفين وأخبار علاقاتها ببعض الضباط في باريس، ومهدت له بولين الاجتماع بزينب واتخذها خليلة أخرى له، وكان الفرنسيون يسمونها (La petite Egyptienne du Général) كما كانوا يسمون بولين فوريس (Notre Dame de l’Orient) وروت كاتبة هذه الرواية أن حب نابوليون لزينب لم يدم طويلًا؛ لأن بولين مكرت بالفتاة وغيرت ملابسها الشرقية بملابس باريسية وقامت لها بالتطرية الغربية، ففقدت ميزتها وغرايتها لدى نابوليون ومال قلبه أكثر إلى بولين.
واتخذ كاتب إنجليزي من كتاب الروايات الخيالية الممزوجة بالحوادث التاريخية حادثة ابنة البكري جزءًا من موضوع رواية اسمها «المملوك المفقود»١ تتداولها الأيدي في كل مكان وزمان، ولكن مؤلف هذه الرواية وصف الشيخ البكري بأنه كان متألمًا، وأنه كان يسير في شوارع القاهرة ليلًا نادمًا صاخبًا على ما أصاب ابنته وذكر مؤلف الرواية اسم تلك الفاجرة، وقال إنها هامت بحب كولونيل الفرنسي وكيفما كان الحال فقد لاقت جزاءها بعد خروج الفرنسيس وعودة المماليك والأتراك؛ إذ قطعوا رقبتها أمام والديها.

ومن أغرب الأمور أن ذلك يحصل ونابوليون بونابرت وهو شبه ملك لفرنسا «القنصل الأول» لا يستطيع أن يخلص الفتاة التي عبث بعفافها من القتل!!

وإن قال قائل أما كان الأولى التجاوز في هذا الكتاب عن ذكر هذا! كان جوابنا أن لنا غرضًا في وصف أخلاق القوم في ذلك الزمن، والإشارة إلى من لا يكرمون أنفسهم ولا أمتهم ولا دينهم، أمام الغاصب الأجنبي «ومن لا يُكرم نفسه لا يُكرم».

وقال المعلم نقولا الترك عن ساعة الاستقبال والسلام: «واقبلوا عليه وهنوه بقدومه وبعد الجلوس قال لهم: لقد بلغني أن بعض المفسدين والأعداء الكاذبين قد أشاعوا عني الأخبار، أنني مت في تلك الديار، فأمعنوا بي النظر، لتتحققوا الخبر، وانظروا هل أن بونابرته مات، أم لا يزال بعد في الحياة، وقولوا للمفسدين: لا يتأملوا بهذا الأمل وبونابرته قد جاء سالمًا غانمًا، وبإذن المالك العزيز لا يموت بونابرته حتى يدوس جميع الممالك.» فأجابوه «لا بأس على أمير الجيوش قد كذب كل من قال أطال الله لنا بقاك، ولا شمت بك أعداك، وجعلنا من الدنيا فداك.»

وهكذا يقول الناس لكل ذي قوة وسلطان! وما نظن إلا أن نابوليون وهو يقول لهم هاتيك الأقوال الطنانة كان يتصور أمام مخيلته السر سدني سميث في بارجته، وهو يشير إليهم بإصبع الاستهزاء، يذكره بالفشل أمام عكا، وعودته من سوريا منكوبًا مهزومًا، فيقول نابوليون في نفسه:

وتجلدي للشامتين أُريهمُ
أني لريب الدهر لا أتضعضعُ

ثم تحرك الموكب على نظام رتبوه وعلى شكل يقصد به إلقاء الرعب وإظهار الأبهة وجلال الملك وعظمة السيادة في نفوس المصريين، حتى لقد استمر ذلك الموكب — على رواية الجبرتي — خمس ساعات متوالية في شوارع القاهرة إلى أن وصل إلى داره بالأزبكية، وقد ذكر لنا «ميو» في مذكراته الصريحة «أن نابوليون سير الجند في موكب دخوله القاهرة صفوفًا منفردة حتى يوهم القوم بأنه لم يخسر كثيرًا من جيشه كما أشاعوا عنه في مصر» … ولهذا استمر الموكب خمس ساعات!

ومع ذلك لم يخف عن المصريين، كما روى الجبرتي أن العساكر قد تغيرت ألوانهم واصفرت وجوههم، وقاسوا مشقات عظيمة من الحر والسغب.

ولم يكتف نابوليون بذلك الموكب العظيم، بل أراد أن يجعل دخوله في القاهرة عيدًا كبيرًا أو مولدًا من الموالد، استمر ثلاثة أيام متوالية، وفي هذا يقول الجبرتي: «فلما وصل ساري عسكر الفرنساوية إلى داره بالأزبكية تجمع هناك أرباب الملاهي والبهالوين، وطوائف الملاعبين، والحواة والقرادين، والنساء الراقصات والخلابيص، ونصبوا أراجيح مثل أيام الأعياد والمواسم، واستمروا على ذلك ثلاثة أيام، وفي كل يوم من تلك الأيام يعملون شنكًا وحراقات ومدافع وصواريخ، ثم انقضى الجمع بعدما أعطاهم ساري عسكر دراهم وبقاشيش.»

من للتاريخ بمن يشرح للأجيال الخالفة ما كان يجول بخاطر نابوليون وهو ينظر من نافذة بيت الألفي، في ليلة من تلك الليالي المقمرة، إلى أولئك المهاويس من الحواة وملاعبي القردة والنسوة الراقصات؟ وهو يعلم أنه في أحرج المراكز، وأن جيشه قد قل عددًا، وأن مراكبه قد حطمت، وأن دول أوروبا العظيمة قد تجمعت لمحاربته، وأن الجيش العثماني، تعضده الأساطيل الإنكليزية والروسية والعثمانية، قادم لمحاربته من طريق البر والبحر، وأن الحكومة في باريس قد خذلته، وأنه لا بد له من الهرب من هذه الديار المصرية ليصل إلى فرنسا لينال فيها ما تطمح إليه نفسه من المجد والفخار، ويفكر كيف يهرب وسفن الإنكليز في البحر الأبيض المتوسط ذاهبة وآتية!!

لا نزاع في أن كل هاتيك الأفكار المقلقة كانت تجول في رأس نابوليون فتتعاقب فيها الآمال بالآلام، وتمتزج الأوهام بالأحلام، فكان لا شك يبتسم تبسمة صفراء لأولئك اللاعبين الصاخبين، ويقول لهم: «العبوا العبوا يا عبيد الأوهام، وآلات الحكام»! ولو أجابه واحد من أولئك البهاليل الرقصين اللاعبين، لقال له على لسان الفلسفة الشرقية: «نحن أحسن منك حالًا، وأنعم منك بالًا، وأفضل في النتيجة مآلًا! ما لنا ولأمواج سانت هيلانة، تدوي في آذاننا، وتذيب من أرواحنا، وتفتت في أكبادنا، بعد الهيل والهيلمان، والتاج والصولجان؟؟ ومن لم يقامر بالدنيا أبدًا، كان كمن قامر بها، فكسبها في يوم، وخسرها في آخر!! وملك كسرى تغني عنه كسرة»!

يقول هذا ويرقص!

يقول «بوريين» في مذكراته: إن نابوليون ما كاد يستقر في القاهرة حتى أصدر منشورًا من تلك المنشورات التي سداها الكذب ولحمتها التلفيق ولا ينخدع بها إلا ذوو البلاهة والجنون، وعن هذا المنشور أو البلاغ يقول الشيخ الجبرتي: «إنهم في تاسع عشر من الشهر «محرم» كتبوا أوراقًا وطبعوها وألصقوها بالأسواق، وهي من ترصيف وتنميق أحد الفصحاء.» فإذا لاحظنا أن نابوليون دخل القاهرة في ١٠ من الشهر رأينا أنهم قضوا نحو أسبوع في تعريب وترصيف وطبع ذلك البلاغ الذي يدل إنشاؤه على قلم مصري، ولعله من ترصيف وتنسيق الشيخ المهدي الذي يقول عنه المؤرخون في كتاب الحملة: إنه كان ينظم منشورات القائد العام شعرًا، مما يدل على أن نابوليون أو من معه من المستشرقين ينزلون النثر المسجع منزلة الشعر الموزون المقفى، والمنشور المشار إليه مكتوب على لسان أعضاء الديوان.

وقد كنا عزمنا على الاكتفاء من هذا المنشور المطول بشذرات تدل على أسلوبه وتركيبه، ولكن عثرنا في الوقت الأخير على صورة مأخوذة بالفوتوغرافية من أصل لذلك المنشور، فرأينا إتمامًا للفائدة أن ننقل تلك الصورة، وأن نأتي على نص المنشور نقلًا عنها ليسهل على القارئ مطالعته، ومقارنته بنصه في الجبرتي:

الجمهور الفرنساوي
من محفل الديوان الخصوصي بمحروسة مصر
خطابًا لأقاليم مصر الشرقية والغربية والمنوفية والقليوبية والجيزة والبحيرة
النصيحة من الإيمان

قال الله تعالى في محكم القرآن: وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ، وقال تعالى: وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ، فعلى العاقل أن يتدبر في الأمور قبل أن يقع في المحذور.

نخبركم معاشر المؤمنين أنكم لا تسمعوا كلام الكذابين فتصبحوا على ما فعلتم نادمين.

وقد حضر إلى محروسة مصر المحمية أمير الجيوش الفرنساوية، حضرة بونابرتة محب الملة المحمدية، ونزل بعسكره في العادلية، سليمًا من المطب والأسقام، شاكرًا الله موحدًا للملك العلام، ودخل إلى مصر، من باب النصر، يوم الجمعة عاشر شهر محرم الحرام سنة ألف ومائتين وأربعة عشر من هجرته عليه السلام، في موكب كبير عظيم، وشنك جليل فخيم، وعسكر كثير جسيم، وصحبته العلماء الأزهرية والسادات والبكرية، والعنانية والدمرداشية، والحسينية والأحمدية والرفاعية والقادرية، والوجاقات السبعة السلطانية، وأرباب الأقلام الديوانية، وأعيان التجارة المصرية، وكان ذلك اليوم يومًا مشهودًا عظيمًا لم يقع نظيره في المواكب السابقة قديمًا، وخرجت سكان مصر جميعًا لملاقته «كذا» فوجدوه هو الأمير الأول بونابرته بذاته وصفاته، وظهر لهم أن الناس يكذبون عليه، شرح الله صدره للإسلام، ونظر بعين لطفه إليه، والذي أشاع عنه الأخبار الكاذبة، العربان الفاجرة، والغز الهاربة، ومرادهم بهذه الإشاعة هلاك الرعية، وتدمير أهل الملة الإسلامية، وتعطيل الأموال الديوانية، لا يحبون راحة العبيد، وقد أزال الله دولتهم من شدة ظلمهم، إن بطش ربك لشديد، وقد بلغتنا أن الألفى توجه إلى الشرقية مع بعض المجرمين من عربان «يلي» والعبايدة الفجرة المفسدين، يسعون في الأرض بالفساد وينهبون أموال المسلمين، إن ربك لبالمرصاد، ويزورون على الفلاحين المكاتيب الكاذبة الفاجرة، ويدعون أن عساكر السلطان حاضرة، والحال أنها ليست بحاضرة، فلا أصل لهذا الخبر، ولا صحة لهذا الأثر، وإنما مرادهم وقوع الناس في الهلاك والضرر، مثل ما كان يفعل إبراهيم بك في غزة حين كان، ويرسل فرمانات بالكذب والبهتان، ويدعي أنها من طرف السلطان، ويصدقوه أهل الأرياف خسفاء العقول، ولا يقرءون العواقب، فيقعون في المصائب، وأهل الصعيد طردوا الغز من بلادهم، خوفًا على أنفسهم وهلاك عيالهم وأولادهم، فإن المجرم يؤخذ مع الجيران، وقد غضب الله على الظلمة، ونعوذ بالله من غضب الديان، فكانوا أهل الصعيد أحسن عقولًا من أهل بحري بسبب هذا الرأي السديد، ونخبركم أن أحمد باشا الجزار، سموه بهذا الاسم لكثرة قتله الأنفس ولا يفرق بين الأخيار والأشرار، وقد جمع الطموش الكثيرة من عسكر العثملي ومن الغز والعرب وأسافل العشيرة، وكان مراده الاستيلاء على مصر وأقاليمها، وأحبوا اجتماعهم عليه لأخذ أموالها وهتك حريمها، ولكن لم تساعه الأقدار، والله يفعل ما يشاء ويختار.

ألطافه خفية، والكلام على صفو النية، وقد كان أرسل بعض هذه العساكر إلى قلعة العريش، ومراده يصل إلى قطية، فتوجه حضرة ساري عسكر أمير الجيوش الفرنساوية وكسر عسكر الجزار الذين كانوا في العريش، ونادوا الفرار الفرار، بعد ما حل بأكثرهم القتل والدمار، وكانوا نحو ثلاثة آلاف، وملك قلعة العريش وأخذ ما فيها من ذخائر الجزار بلا خلاف، ثم توجه صاري عسكر إلى غزة فهرب من كان فيها من عسكر الجزار، وفروا منها كما يفر من الهرة العصفور والفار، ولما دخل قلعة غزة نادي في رعيتها بالأمان، وأمر بإقامة الشعائر الإسلامية وأكرم العلماء والتجار والأعيان، ثم انتقل إلى الرملة وأخذ ما فيها من ذخائر الجزار، من بقسماط وأرز وشعير وخرب أكثر من ألفين قرية عظام كبار، كان جهزها الجزار، لذهابه إلى مصر ولكن لم تساعده الأقدار، ثم توجه إلى يافا وحاصرها ثلاثة أيام ثم أخذها وأخذ ما فيها من ذخائر الجزار بالتمام، ومن نحوسات أهلها أنهم لم يرضوا بأمانه، ولم يدخلوا تحت طاعته وإحسانه، فدور فيهم السيف من شدة غيظه وقوة سلطانه، وقتل منهم نحو أربعة آلاف أو يزيدون بعدما هدم سورها، فعل الله الذي يقول للشيء كون «كذا» فيكون، وأكرم من كان فيها من أهل مصر وأطعمهم وكساهم وأنزلهم في المراكب إلى مصر وغفرهم بعسكر خوفًا من العربان، وأجزل عطاياهم، وكان في يافا نحو خمسة آلاف من عسكر الجزار، هلكوا جميعًا وبعضهم ما نجاه إلا الفرار، ثم توجه من يافا إلى جبل نابلس فكسر من كان فيها من العساكر بمكان يقال له: فاقوم وحرق خمسة بلاد من بلادهم، وما قدر كان، سبحان مالك الملك الحي القيوم، ثم أخرب سوق عكا، وهدم قلعة الجزار التي كانت حصينة لم يبق فيها حجر على حجر حتى إنه يقال: كان هناك مدينة، وقد كان بنى حصارها وشيد بنيانها في نحو عشرين من السنين، وظلم في بنياتها عباد الله، وهكذا عاقبة بغيان الظالمين.

ولما توجه إليه أهل بلاد الجزار من كل ناحية كسرهم كسرة شنيعة، فهل ترى لهم من باقية، نزل عليهم كصاعقة من السماء، فإن قال أهل الشام لما قلنا كما «كذا» ثم توجه راجًعًا إلى مصر المحروسة لأجل سببين «الأول» أنه وعدنا برجوعه إلينا بعد أربعة أشهر، والوعد عند الحر دين، «والسبب الثاني» أنه بلغه أن بعض المفسدين من الغز والعربان يحركون في غيابه الفتن والشرور في بعض الأقاليم والبلدان، فلما حضر سكنت الفتنة، وزالت الأشرار مثل زوال الغيم عند شروق الشمس وسط النهار، فإن همته العلية، وأخلاقه المرضية، متوجهة في البكرة والعشية، لإزالة الأشرار والفجرة من الرعية، وحبه لمصر وإقليمها شيء عجيب، ورغبته في الخير لأهلها ونيلها وزرعها بفكره وتدبيره المصيب، يحب الخير لأهل الخير والطاعة، ويرغب أن يجعل فيها أحسن التحف والصناعة، ولما حضر من الشام، أحضر معه جملة أساري من خاص وعام، وجملة مدافع وبيارق اغتنمها في الحروب من الأعداء والأخصام، فالويل كل الويل لمن عاداه، والخير كل الخير لمن والاه، فسلموا يا عباد الله لقضاء الله، وارضوا بتقدير الله فإن الأرض لله، وامتثلوا لأحكام الله، فإن الملك لله يؤتيه من يشاء من عباده، هذا هو الإيمان بالله ولا تسعوا في سفك دمائكم، وهتك عيالكم، ولا تتسببوا في قتل أولادكم ونهب أموالكم، ولا تسمعوا كلام الغز الهاربين الكاذبين، ولا تقولوا إن في الفتنة إعلاء كلمة الدين، حاشا لله لم يكن فيها إلا الخذلان التام، وقتل الأنفس وذل أمة النبي عليه الصلاة والسلام، والغز والعربان يطمعوكم ويغروكم لأجل أن يضروكم فينهبوكم، وإذا كانوا في بلد وقدمت عليهم الفرنسيس فروا هاربين منهم كأنهم جنود إبليس، ولما حضر ساري عسكر إلى مصر أخبر أهل الديوان من خاص ومن عام، أنه يحب دين الإسلام، ويعظم النبي عليه السلام، ويحترم القرآن، ويقرأ فيه كل يوم بإتقان، وأمر بإقامت «كذا» شعائر المساجد الإسلامية، وإجراء خيرات الأوقاف السلطانية، وسلم عوائد الوجاقلية، وسعى في حصول أقوات الرعية، فانظروا هذه الألطاف والمزية، ببركة نبينا أشرف البرية، وعرفنا أن مراده يبني لنا مسجدًا عظيمًا بمصر لا نظير له في الأقطار، وأنه يدخل في دين النبي المختار، عليه أفضل الصلاة وأتم السلام».

ويرى القراء في الصورة الفوتوغرافية أسماء أعضاء الديوان الخصوصي كالآتي: السيد خليل البكري نقيب السادة الأشراف، الفقير عبد الله الشرقاوي رئيس الديوان، الفقير محمد المهدي كاتب سر الديوان، الفقير مصطفى الصاوي خادم العلم، الفقير سليمان الفيومي خادم العلم، علي كتخدى باش اختيار مستحفظان، يوسف باش جاوش تفتكجيان، السيد أحمد المحروقي.٢
يلاحظ القارئ أن جميع أعضاء الديوان الخصوصي الذي شكل في «١٦ رجب سنة ١٢١٣ / ٢٥ ديسمبر سنة ١٧٩٩»؛ أي: قبل هذا الموعد بنحو ستة شهور، وسبق لنا الكلام بشأنهم، لم يوقعوا كلهم على هذا المنشور، واكتفي بوضع إمضاءات العلماء والسيد أحمد المحروقي سر تجار القاهرة، واثنين من الضباط الأتراك ضباط الوجاقات، ولم يكن قد ورد اسمهما في الأسماءالتي ذكرها الجبرتي عند تشكيل الديوان، ولا في كتاب الحملة كما هو موضح في كتابنا، هذا فلا بد إذن من أنه حصل تغيير أو زيادة عضوين من ضباط الوجاقات بقصد إرهاب المصريين؛ لأنهم، كما قال عنهم المشايخ للفرنساويين عند دخولهم، لا يخافون إلا من الحكام المماليك، ثم يظهر أن نابوليون ارتأى إخلاء المنشور من أسماء الأعضاء غير المسلمين؛ لأن أسماء مثل بودوف وكاف ولطف الله وكحيل وولمار لا تتفق مع دعاوى «قراءة القرآن بإتقان، واحترام النبي عليه الصلاة والسلام، والعزيمة على الدخول في دين الإسلام»!!
figure
نص المنشور العربي.
وقد خصص مسيو كرسيتان شرفيس في كتابه الحديث المسمى «بونابرت والإسلام» بحثًا خاصًّا عن هذا المنشور ومتى كتب ومن كتبه، وهو الذي نقلنا عنه الصورة الفوتوغرافية التي حصل على صورتها الأصلية من وزارة الحربية، وظاهر من التحقيقات التي عملها على الأصل الخطي أن نابوليون هو الذي أملى عبارة المنشور على كاتب يده بوريين، وأنه بعد ذلك أخذ ما كتبوه وأدخل عليها بخطة تصليحات وزيادات ثم أمر به فنسخ، وإن كان ذلك حصل بين ١٥ و١٦ يونيه؛ أي: ثاني يوم لدخوله القاهرة، والجبرتي يقول لنا: إنه في التاسع عشر من محرم كتبوا أوراقًا وألصقوها «١٩ محرم الموافق ٢٣ يوليو» ولم يك من السهل ترصيف وتسجيع عبارة المنشور لموافقتها للأصل الفرنساوي في مدة قصيرة بسبب ما يدور من المناقشات والأخذ والرد بين المترجمين والمصححين.
figure
نص المنشور الفرنسي.

بقي علينا أن نذكر أن العبارة العربية قريبة جدًّا من الأصل الفرنساوي، ومن الغريب أنه لم يرد في النص المطبوع في الصورة الفرنسية ذكر للقب «السلطان الكبير» وكذلك لا يوجد لهذا اللقب أثر في النص العربي الموجود في الجبرتي ولا في المعلم نقولا، ولا في الأصل الصحيح المنقول بالفتوغراف، ولكن ورد في كتب الفرنساويين، وورد في الصورة الخطية الفرنسية المنقولة بالفتوغراف في كتاب شرفيس، فيظهر من ذلك جليًّا أن نابوليون أراد لنفسه ذلك اللقب، وأملاه على كاتب يده، ولكن معارضة المشايخ مثلًا، أو عدم قبولهم وضع إمضاءاتهم على منشور يلقب فيه نابوليون بالسلطان الكبير، أو غير ذلك من أغراض لبعض المستشرقين أو القواد الآخرين، أدى إلى رفع ذلك اللقب من المنشور العربي والفرنسي، ومع وجود الصورة الأصلية، في اللغتين كما يراه القارئ في الصورتين المأخوذتين بالفتوغراف، فلا يزال بعض كُتاب الفرنسيين يؤكد أن نابوليون كان يلقب في مصر بالسلطان الكبير!!

وأما ما ورد في هذا المنشور من دعوى اعتناق الدين الإسلامي وتلاوة القرآن وإنشاء مسجد كبير إلى غير ذلك من موضوع لفكرة الإسلامية لدى نابوليون — فسنفرد له فصلًا خاصًّا لإماطة النقاب، عن كل ما قيل في هذا الباب.

وكنا نود أن نقف بالقلم عند هذا الحد فيما يختص بالحملة السورية لولا إننا عثرنا على رسالتين، بعث بهما على لسان أعضاء الديوان الخصوصي، إلى نابوليون وهو في سوريا، وهاتان الرسالتان نقلهما مسيو كرسيتان شرفيس في كتابه الذي سبقت الإشارة إليه ليتخذها دليلًا على ثقة المسلمين بنابوليون وحبهم له ومدحهم إياه، مع أن أولئك المشايخ كانوا يمضون ما يكتب لهم، وذلك باعتراف مسيو شرفيس نفسه، فقد قال في خلال تحقيقاته عن المنشور الآنف الذكر: إن نابوليون كان لا يكتب فقط ما سيوقع عليه باسمه، بل كان يكتب أيضًا ما سيمضيه سواه، ولذلك أملى وكتب ذلك المنشور الذي أمضاه بعض العلماء بعد تحوير وتلطيف، ونريد بهذا أن نقول إن وجود تلكما الرسالتين اللتين بعث بهما إلى نابوليون في سوريا، بل والثالثة التي بعث بها إليه وهو الحاكم الأول في فرنسا، لا يثبت أبدًا أن المسلمين اعتقدوا في نابوليون بونابرت مثلما تصور هو أنهم يعتقدونه فيه.

والرسالتان المشار إليهما لهما أهمية عظيمة في نظرنا؛ لأن أصلها غير موجود باللغة العربية، لا في الجبرتي ولا في المعلم نقولا، ومع أن ثالثهما بعث بها بعد هذا التاريخ بنحو سنة ونصف؛ أي: في مدة رياسة الجنرال «منو» وكان الشيخ عبد الرحمن الجبرتي قد صار عضوًا في الديوان وإمضاءاته موجودة بين الذين أمضوا تلك الرسالة الثالثة، فإنه لم ينشر لنا نصها العربي، بل ولم يشر إليها إشارة صغيرة مما يثبت دون أقل شك أن المشايخ لم يكونوا يعترفون بأن تلك الرسائل صادرة منهم عن اعتقاد ويقين، وإن كانت إمضاءاتهم عليها وأسماؤهم واردة فيها.

ومع اعتقادنا هذا الذي نقرره مع الأسف لما فيه من نسبة الضعف الأخلاقي لأكبر مشايخ المسلمين وعلمائهم في ذلك الزمن، نرى من الضروري للفائدة التاريخية أن نأتي على تعريب تلك الرسائل من المصادر الفرنسية، ونكتفي هنا بالرسالتين اللتين بعث بهما إلى نابوليون في سوريا، ونترك الثالثة إلى حوادث المدة الأخيرة من تاريخ الفرنساويين بمصر.

وقبل أن نأتي على تعريب الرسالتين المذكورتين نقول: إن مسيو كرستيان سرفيس قد نقلهما وغيرهما من الرسائل التي لا أصل لها في العربية، من مجموعة رسمية، ولم يذكر لنا عن أصلهما العربي شيئًا بخلاف الثالثة التي روى عنها أن سلفستر ده ساسي، العالم المستشرق الكبير هو الذي ترجمها من العربية إلى الفرنسية.

وقد يخطر بالبال أن الرسالتين المشار اليهما لم تكتبا بالعربية قط، وإنهما وضعتا بالفرنسية في القاهرة وأفهم المشايخ ما فيهما ووضعت إمضاءاتهم عليهما، ولكن أسلوب عبارتهما في الفرنسية يدل على أنهما مترجمتان من العربية، ونحن مع فقد النص العربي لا نجد، كما قلنا مناصبًا من تعريبهما ثانية، وإن كنا لا نطمع في أن نعيدهما إلى ما يقرب من نص ألفاظهما، مجتهدين في تقليد أسلوب ذلك العصر.

وليس في إحدى الرسالتين تاريخ زمن وضعهما، ولكن يظهر أن الأول كتبت لنابوليون في أول زمن الحملة الشامية، وهذا نصها:

كتاب من ديوان القاهرة
بسم الله الرحمن الرحيم

من أعضاء الديوان الخصوصي بالقاهرة المعزية، إلى نصير الضعفاء والمساكين، وحامي العلوم والمتعلمين، وصديق الدين الإسلامي ومن به يدين، وذخر اليتامى والمساكين، ومنظم شئون الممالك والجيوش، الأجل الأمجد، ساري عسكر الجيش الفرنسي القائد العام بونابرت، حياه الله بصنوف السعادة، بشفاعة أشرف الخلق سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.

بعد الدعاء بدوام بقائكم، وتمني عودتكم الميمونة والوجود بيننا، وإذا أردتم الوقوف على أحوال القاهرة والجهات البحرية والقبلية، والأقاليم الشرقية والغربية فهي على أحسن حال من الهناء والرفاهية، بعيدة عن الاضطراب، وصنوف العذاب، والمساجد والأسواق على نظام يدعو إلى الإعجاب، والأعيان والتجار والأهالي يحفظون الجميل ويعترفون بالمنة لذلك الذي أغدق عليهم هذه الخيرات، ولا يكفون عن التضرع للعزة الإلهية بدوام عزه ومجده.

ولما كانوا قد غمرتهم النعم الإلهية، وتمتعوا بالراحة والرفاهية، فقد أصبحوا يعجبون بحكمة القائد الذي باسمه يحكم القطر المصري، ويرون في اختياركم هذا القائد دليلًا على عطفكم السامي.

أما حاكم الخط فقوي العزم، يعمل بقواعد العدل والحزم، والمدير العام للمالية على جانب عظيم من النبل والرأفة والحلم، ونقيب السادة الأشراف الشيخ البكري لا يزال دائمًا على عهد الولاء مقيم، ورئيس الديوان الشيخ الشرقاوي يصرف الأمور تصريف حكيم، والشيخ المهدي يحفظ لكم المنة والشكر، والناظر قوسقيار كيخيا، هو دائمًا زينة الدنيا، وأخيرًا فإن سكان مصر كلهم لا يرغبون غير عودتكم التي ستكون إن شاء الله عودة قريبة ميمونة، ويسألون الله عز وجل أن يحفظ جيوشكم من كيد الظالمين، ويفتح لكم أبواب النجاة والسلامة.

وفي غداة سفركم جمع الجنرال دوجا الأعضاء الستين، الذين يؤلفون الديوان العام وأوصاهم أن يراقبوا الحوادث بعين الانتباه والحذر، وزاد على ذلك قوله إن الذين يسلكون سبيل العدل والحكمة يستحقون عفوك ورحمتك، ولكن الذين يريدون بذر بذور الشر والاضطراب، عليهم تقع المصائب والويلات التي تأتي مما عملت أيديهم، فأظهر الناس إعجابًا بهذه النصائح الحكيمة، وفي اليوم نفسه عاد واستدعى مشايخ الحارات والأسواق ووجهاء المدينة والأعيان، وأنذرهم بأنه إذا أقدم أحد على تعكير السلام والأمن في الأحياء والأسواق، فإنه ينزل العقاب على الرؤساء الذين لا يمنعون ذلك وأوصاهم بمعاقبة الوشاة الذين يروجون الأخبار الكاذبة التي هي منبع الشر.

وكان لهذه النصيحة وقع عظيم على سكان القاهرة ووزعت فرماناتكم الشريفة في الأقاليم، وبفضل ما سبق أن اتخذتموه من التدابير الحكيمة انطبعت في العقول مقاصدكم الكريمة ومحت إلى الأبد كل أثر من أثار العصيان والاضطراب.

وتنازلوا بإفادتنا عن ما يجري من الحوادث، وطمنونا عن صحتكم وليحفظكم الله بحق شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام.

السيد خليل البكري (نقيب الأشراف)
عبد الله الشرقاوي (رئيس الديوان)
محمد المهدي (كاتم سر الديوان)
علي كخيا المجدلي (عضو الديوان)
السيد أحمد المحروقي (عضو الديوان)
يوسف فرحات (عضو الديوان)
بودوف (عضو الديوان)
يوسف باش جاويش (عضو الديوان)
ميخائيل كحيل (عضو الديوان)
لطف الله المصري (عضو الديوان)
ولمار (عضو الديوان)
جورج نصار (ترجمان)
ذو الفقار كخيا (قومسير الديوان)
وهذا تعريب الرسالة الثانية:

قال الله تعالى وقوله الحق إِنَّ الْأَرْضَ لِلهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِي.

من ديوان مصر المحمية إلى القائد العام للجيوش الفرنسية، صاحب العظمة التي لا تحد والروية، وجامع الخلال السنية المرضية، أدامه الله ذخرًا للضعفاء والمساكين، والعلماء المتقين، وأظله بحمايته السرمدية.

بعد الدعاء بدوام مجدكم، وطول بقائكم، وتمنى عودتكم الميمونة إلينا والسلام، نتشرف بإخباركم إننا تلقينا كتابكم الشريف المتضمن أخبار الحوادث التي جرت حينما وقعت يافا في أيدي جيوش الجمهورية الفرنسية، وما أصاب أعداءكم من الذل والاندحار، وكان الأفضل أن يكفوا عن مقاومة أوامر العالية، ويقلعوا نهائيًّا عن وسائل الحيلة والخداع، والكذب والنفاق، التي كانت سبيلًا لهلاكهم، ولكن متى حم القضاء عمي البصر، ولا تنفع القوة والحيلة في دفع ما كتب في لوح القدر.

وقد كتبنا أخبار هذه الحوادث وطبعناها، وأفهمنا الأمة المصرية فحواها، وجعلناها تشعر بأن لو دخل الجزار الظالم أرض مصر لما أبقى على أحد، ولا ميز بين الصالحين والأشرار، وظلمه لشعب سوريا أقوى دليل، وذكرنا لهم أن هذا الطاغية من جنس المماليك وهم أصل نعمته ورفعته، ولكن الله الذي يقرأ ما في الصدور، فلا تخفى عليه خافية، قد أنقذهم من جوره، ولذلك فإن الأمة المصرية تشكر بعد الله سبحانه وتعالى كبار علمائها الذين أسرعوا لاستقبالكم في الجيزة حين مقدمكم السعيد، والذين حصلوا لهم على حمايتكم العالية، والنعم التي أغدقتموها عليها وهم يحمدون الله عز وجل على أنه لم يلهمهم ما ألهم أهل يافا من التمرد والعصيان؛ لأن أهل مصر من غير شك أحسن عباد الله، وهكذا أذعنا هذه الأخبار التي تشهد بحلمكم ورأفتكم.

وقد أقمنا لاستقبال الأعلام التي غنمتموها في يافا احتفالًا عظيمًا، وكان النظام فيه بديعًا، وهرع إلى هذا الاحتفال جميع الأعيان والعلماء والتجار، وسكان مصر حتى كان هذا اليوم فرحًا للعامة والخاصة، وحملنا هذه الأعلام إلى الجامع الأزهر ورفعناها مع المصحف فوق المنابر والأبواب، ويا ليت أهل يافا اقتفوا أثرنا ونسجوا على منوالنا، فكانوا يدركون عظيم مكارمكم ولكن إذا أراد الله قصاص شعب ظالم فلا راد لمشيئته، والويل لمن يخالف إرادته.

وإذا أردتم الوقوف على حال مدينتا السعيدة فهي في غاية السرور والاطمئنان والإخلاص، والجنرال دوجا، وقائد الموقع، ومدير المالية العام، والعلماء والشعب، يعيشون على أتم وفاق، بعيدين عن الاضطرابات والوشايات، ولا ينقصهم شيء غير وجودكم الميمون، ولا ينفكون عن التضرع لله عز وجل أن يعيدكم قريبًا إلينا رافلين في حلل المجد والعز.

ونقدم ألف سلام للجنرال ألكسندر برتيه الذي نعرف مزاياه ورأفته، ولصديق المساكين الشفوق العادل الترجمان الأول فنتور، ولولدنا «إلياس»٣ حفظه الله بشفاعة ابن عباس، ولولدكم وتلميذكم أرجين،٤ الذي هو عندكم أعز من حدقة العين، ولصرافكم استيف المعروف بغيرته وإخلاصه في خدمتنا، ولكاتم أسراركم بوريين ذو الصفات الممدوحة حفظهم الله جميعًا.

وإننا إن لم نكن بحاجة للتوصية، نوصيكم بالعطف على أولاد مصر وسوريا المساكين الذين أظهرتم لهم تلك الرأفة العظيمة، وليحرس الله سلامتكم ويعيدكم إلينا محفوفين بعنايته الربانية بشفاعة النبي عليه الصلاة والسلام.

السيد خليل البكري (نقيب الأشراف)
محمد المهدي (كاتم سر الديوان)
عبد الله الشرقاوي (رئيس الديوان)
ذو الفقار كخيا (قومسير)
علي كخيا المجدلي (عضو الديوان)
يوسف باش جاويش (عضو الديوان)
أحمد المحروقي (عضو الديوان)
ميخائيل كحيل (عضو الديوان)
يوسف فرحات (عضو الديوان)
لطف الله المصري (عضو الديوان)
بودوف (عضو الديوان)
ولمار (عضو الديوان)
جورج نصار (ترجمان)

هوامش

(١) The Lost Mamluke, by David M. Beddoe.
(٢) قارنا بين هذا النص وبين ما ورد في كتاب الجبرتي وفي رسالة المعلم نقولا الترك فوجدنا اختلافًا كبيرًا بين الأصل وبين ما تركه لنا ذانك المؤرخ، فدل هذا جليًّا على وقوع التحريف في روايتهما، وأثبت أيضًا أن الاعتماد عليهما بغير تحقيق ولا تدقيق إساءة للتاريخ.
(٣) لا يُعرف من هو وربما كان شخصًا من أتباع الإمبراطور وحاشيته الخاصة، وقد ورد اسم هذا الشخص في المذكرات التي وضعها رستم — المملوك الذي أهداه الشيخ خليل البكري لنابوليون بعد عودته من سورية — بعد سقوط نابوليون، فقد قص علينا رستم هذا في مذكراته كيف كانت مقابلته لأول مرة مع نابوليون فقال: «ذهب بي مسيو «إلياس» إلى الجنرال فقابلني في بهو الدار، وكان أول ما عمله أن شد أذني ثم سألني إذا كنت أستطيع ركوب الخيل … إلخ إلخ.»
وإذن فإلياس هذا المذكور في رسالة المشايخ إلى بونابرت، كان أحد رجال الحاشية أو الحجاب، وبمناسبة هذه المذكرات نقول: إن رستم هذا تزوج في باريس من بنت «دوفيل» خادم جوزفين فلما أفل نجم نابوليون رفض رستم مرافقته إلى جزيرة «ألب»، وعاش أخيرًا في «دوران» بلدة زوجته ومات وهو في السنة الرابعة والستين من عمره، وهكذا كانت خاتمة رستم مملوك السيد خليل البكري سليل أبي بكر الصديق.
(٤) هو أرجين بوهارتيه ابن جوزيفين زوجة نابوليون بونابرت.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤