الفصل الثالث والعشرون

شريف باشا والسودان

المشهور والمحقَّق أن المغفور له محمد شريف باشا رئيس مجلس النظار١ حتى سنة ١٨٨٤ قد طُلب إليه إخلاء السودان وجلاء الجيش المصري عنه، وقد أبى قبول هذا الطلب، واستقال محتجًّا، ولا تزال استقالته وصيغتها مرجع الكتَّاب الذين يكتبون عن السودان، ومفخرة للوطنيين المصريين الذين يرون استمرار ارتباط السودان بمصر، وأن النيل قد وحَّد بين مصر والسودان.
figure
محمد شريف باشا.

وليس هذا الموقف الوطني التاريخي لشريف باشا هو الموقف الوطني الوحيد المشرف، بل إن للمترجَم له مواقف وطنية رائعة؛ ولذا نرى لزامًا علينا أن نترجم حياة هذا الرجل العظيم.

•••

ولد الفقيد «محمد شريف باشا» بالقاهرة في نوفمبر سنة ١٨٢٦؛ أي في أثناء حكم محمد علي، وفي إبَّان نهضته وفتوحه، وشريف باشا هو ابن حضرة صاحب السماحة محمد شريف أفندي قاضي قضاة مصر٢ وقتئذ، وكان تركيًّا، وبعد انقضاء مدة قاضي القضاة عاد إلى إستانبول «الأستانة» ومعه ابنه المترجم له، الذي كان — يومئذ — طفلًا رضيعًا، وبعد سنوات حضر سماحة قاضي القضاة إلى مصر في طريقه إلى الحجاز، وكان معه نجله، الذي رآه محمد علي ونصح لوالده بأن يترك ابنه في القاهرة ليتلقى العلوم في مدارسها، فدخل مدرسة الخانكا، وهي المدرسة الحربية التي أنشأها محمد علي سنة ١٨٢٦، وكان من تلاميذها بعض أنجاله وأحفاده. وفي سنة ١٨٤٤ سلك شريف باشا في البعثة العلمية الخامسة التي كان فيها الأميران حسين وعبد الحليم من أنجال محمد علي، وحفيداه الأميران الخديوي إسماعيل والأمير أحمد رفعت، ثم علي مبارك باشا، وانتظم شريف في سلك مدرسة سان سير Saint Cyr في فرنسا، ومنها إلى مدرسة تطبيق العلوم الحربية، والتحق بالجيش الفرنسي ونال رتبه يوزباشي أركان حرب، وعاد شريف إلى مصر سنة ١٧٤٩ في عهد عباس باشا الأول، والتحق بالجيش المصري برتبة «يوزباشي أركان حرب»، وعيِّن ياورًا للقائد سليمان باشا الفرنساوي «الكولونيل سيف»،٣ ثم ترك الجيش وعيِّن سكرتيرًا للأمير عبد الحليم في دائرته سنة ١٨٥٣، وبقي فيها حتى توفي عباس باشا الأول وخلفه سعيد باشا، فأعاد شريفًا إلى السلك العسكري، ومنحه رتبة أميرالاي الحرس الخصوصي، وبعد سنتين رقِّي إلى رتبة لواء، فأصبح «باشا» وقائدًا لآلاي المشاة وآلاي الحرس الخصوصي، وقد تزوج من كريمة الجنرال سليمان باشا «الفرنساوي»، وقد أسمى العامة شريفًا، شريف باشا الفرنساوي بسبب هذه المصاهرة.

ثم عيَّنه سعيد باشا وزيرًا للخارجية سنة ١٨٥٧ حتى سنة ١٨٦٣؛ حيث خلف إسماعيل باشا سعيد باشا، وعيَّن المترجم له وزيرًا للداخلية والخارجية، ولما سافر إسماعيل باشا سنة ١٨٦٥ عيِّن «شريف» قائمقام، وفي سنة ١٨٦٧ عين رئيسًا للمجلس الخصوصي، الذي كان يشبه في سلطته «اختصاص مجلس الوزراء»، وكان يضم الوزراء وبشوات آخرين.

ولما أنشئت لجنة التحقيق الأوربية التي ألَّفتها إنجلترا وفرنسا للبحث في ديون مصر وحالتها المالية على عهد إسماعيل، كان «شريف» وزيرًا للحقانية والخارجية، وطلبت اللجنة إلى شريف أن يحضر أمامها لتسمع أقواله، فأبى، ووقعت أزمة أدت إلى استقالته.

ولمَّا اشتدت النزعة الدستورية في مصر تطلعت الأنظار إلى شريف باشا ليرأس الوزارة الوطنية الدستورية، فكلفه إسماعيل باشا بتأليف الوزارة على أساس اللائحة الوطنية، فألَّفها في أبريل سنة ١٨٧٩، وأقصى منها الوزيرين الأوربيين للمالية والأشغال «وزير إنجليزي للمالية ووزير فرنسي للأشغال»، كانا في عهد وزارتي نوبار وتوفيق باشا، وأقرَّ شريف مبدأ المسئولية الوزارية أمام مجلس شورى النواب، فشريف من مؤسسي النظام الدستوري في مصر، والعاملين على توطيد قواعده، إن لم يكن هو المؤسس الأول الحقيقي، وفي وزارته الثالثة سنة ١٨٨١ أنشأ مجلس النواب على المبادئ الدستورية العصرية.

ولما خُلِع إسماعيل وخلفه توفيق باشا على عرش مصر، استقالت وزارة شريف باشا اتباعًا للتقاليد التي تقضي باستقالة الوزارة عقب وفاة ولي الأمر أو باعتزاله الملك؛ لأنها تستمد التعيين منه، ولا بد من تكليف جديد من ولي الأمر الجديد، وقد كلَّف الخديوي توفيق باشا شريف باشا بإعادة تأليف الوزارة، فألَّفها مع الاحتفاظ بوزارتي الداخلية والخارجية لنفسه، وكان أعضاؤها: إسماعيل أيوب باشا للمالية، وعلي غالب باشا للحربية، ومحمود سامي البارودي باشا للمعارف والأوقاف، ومصطفى فهمي باشا٤ للأشغال، ومراد حلمي باشا للحقانية.
figure
الخديوي محمد توفيق باشا ١٨٧٩–١٨٩٢.

وقد استقالت وزارة شريف باشا في أغسطس سنة ١٨٧٩؛ لعدم موافقة الخديوي توفيق على تأليف مجلس النواب، ولم يعيِّن الخديوي وزارة محلها، بل عيَّن وزراء في النظارات «الوزارات» برياسة الخديوي مباشرة، وبدون رئيس لهم، على أنه في سبتمبر سنة ١٨٧٩ عهد الخديوي توفيق إلى رياض باشا بتأليف وزارة برياسته، واشتد سخط البلاد على حرمانها من تأليف مجلس النواب وعقده، وظهرت الحركة العرابية بزعامة المرحوم أحمد عرابي باشا، ورأس الجند في ميدان عابدين يوم الجمعة ٩ سبتمبر سنة ١٨٨١، وطلب من الخديوي عزل رياض باشا وتأليف مجلس النواب، فاضطر الخديوي للعودة إلى تكليف شريف باشا بتأليف الوزارة للمرة الثالثة؛ لتهدئة الحركة، فكان شريف رئيسًا للوزارة ووزيرًا للداخلية، وكان محمود سامي البارودي وزيرًا للحربية، وحيدر باشا للمالية، وإسماعيل أيوب باشا للأشغال، ومصطفى فهمي باشا للخارجية، ومحمد زكي باشا للمعارف والأوقاف، وعين المشرِّع المعروف محمد قدري باشا للحقانية.

وألقى شريف باشا خطابًا في زعماء الجيش المهنئين له فقال:

في علمكم ما قاله الأقدمون: «آفة الرئاسة ضعف السياسة، ولا حكومة إلا بقوة، ولا قوة إلا بانقياد الجنود انقيادًا تامًّا، وامتثالهم امتثالًا مطلقًا.

كل حكومة عليها فرائض وواجبات، من أهمها صيانة الوطن، وحفظ الأمن العمومي فيه، وهذا وذاك لا يتأتيان إلا بإطاعة رجالها العسكريين، فتردُّدي أولًا في قبول الرئاسة ما كان إلا تجافيًا عن تأسيس حكومة غير قوية تخيب بها الآمال، ويزيد معها الإشكال، فأكون عرضة للملامة بين إخواني في الوطن وبين الأجانب، وحيث أغاثتنا الألطاف الإلهية وحصل عندي اليقين بانقيادكم، فقد زال الاضطراب من القلوب، ورتبتُ الهيئة الجديدة من رجال ذوي عفة واستقامة، فأوصيكم بملاحظة الدقة في الضبط والربط؛ لأنهما من أخص شئون العسكرية، وأساس قواها، واعرفوا أنكم مقلَّدون أشرف وظيفة وطنية، فقوموا بأداء واجباتها الشريفة وعليَّ القيام بأداء كل ما يزيدكم فخرًا وسؤددًا، وفَّقنا الله وإياكم …

وقد برَّ شريف بعهده، فتألَّف مجلس شورى النواب سنة ١٨٨١، ثم استقال شريف في ٣ فبراير سنة ١٨٨٢ إثر خلاف سياسي، وخلفه البارودي باشا، ثم استقال وخلفه راغب باشا الذي ضرب الأسطولُ الإنجليزي في عهده مدينة الإسكندرية بالمدافع يوم ١١ يولية سنة ١٨٨٢، واستقالت وزارة راغب باشا وخلفتها وزارة برياسة شريف باشا في أغسطس سنة ١٨٨٢ عقب الاحتلال الإنجليزي وفشل الثورة العرابية، ثم ما لبثت الحركة المهدية أن استفحلت في السودان لظهور محمد أحمد المهدي، وقد رغبت الحكومة الإنجليزية إلى الحكومة المصرية إخلاء السودان فقدَّم الاستقالة الآتية:

(١) استقالة شريف باشا التاريخية

رغبنا في نشر نص استقالة شريف باشا، تلك الاستقالة التاريخية المشهورة، ولكننا لم نجد نصًّا واحدًا لهذه الاستقالة.

(١-١) الوقائع المصرية

فقد أشارت الوقائع المصرية في عددها الصادر بتاريخ ١٢ يناير سنة ١٨٨٤ إلى الاستقالة من غير نشر نصها، فقالت:

استعفت هيئة النظار التي كان يرأسها دولتلو شريف باشا فقُبِل استعفاؤها، وكلَّف الجناب الخديوي المعظَّم صاحبَ الدولة نوبار باشا بتأليف نظارة جديدة تحت رئاسته فقَبِل ذلك، وانتخَبَ لها من رجال الحكومة المصرية من يُعتمد عليهم في مهام الأعمال، ورفع أسماء حضراتهم للجناب الخديوي المعظَّم فصدر أمره العالي بتعيين كل منهم في النظارة التي انتُخب لها، أدام الله توفيق الجميع لما فيه خير البلاد وصلاح العباد.

(١-٢) رواية جريدة الأهرام

وقالت جريدة الأهرام في العدد الصادر في ١٥ يناير سنة ١٨٨٤ عن أسباب الاستقالة ما يلي:
أما الأسباب التي حملت حضرات النظار على الاستعفاء فهي أن حكومة مصر ترى أنه من الممكن المحافظة على أملاكها السودانية بواسطة خمسة عشر ألف جندي ليس إلا، وأن الحملة التي أرسلتها أولًا مع ما سيتبعها كافية لإدراك الغاية، وأن التخلي عن السودان مضرٌّ بمصلحة مصر سياسيًّا وتجاريًّا، وفي حال تخلي مصر عن السودان تُقفل بيوت عديدة تجارية شهيرة في القطر، ولا ترى الحكومة لزومًا لترك الخرطوم وسواها من المدن الخاضعة، والتي لم يحصل فيها شيء من الهيجان، وحاميتها قادرة على حفظها وصونها. وإن حكومة مصر لا يمكنها أن تقبل مطلقًا بتلغراف اللورد غرانفيل القائل بوجوب «قبول كل نصيحة إنكليزية بدون تردد، وأن كل ناظر لا يكون مشربه إنكليزيًّا لا يلزم وجوده في النظارة»؛ فهذا مناقض لنص الدكريتو الخديوي الصادر في ٢٨ أغسطس سنة ١٨٧٨، القائل بأن الوزارة مسئولة أمام الجناب الخديوي ليس إلا، وبناء عليه، فلا تستطيع النظارة الحالية قبول ما تطلبه الوزارة الإنكليزية، وهذه هي الأسباب التي حملت الوزارة على الاستقالة، فقدمت استعفاءها إلى الجناب الخديوي كما قدمنا أولًا.٥

(١-٣) نص الاستقالة في كتاب سرهنك باشا

ورد بذيل الصفحة ٤٢١ ج٢ من كتاب حقائق الأخبار لسرهنك باشا، بعد الديباجة:
قد اقترحت علينا دولة ملكة إنكلترة المعظمة أن نخلي السودان، وليس لنا حق في فعل ذلك؛ لأن هذه الولايات من مستملكات الدولة العلية التي فوضت وقايتها إلى عهدتنا، وقد طلبت دولة الملكة٦ أيضًا أن نقتدي بنصائحها بدون مذاكرة فيها، فلا يخفى أن هذه الاقتراحات مخالفة لفحوى النظامات الشورية الصادرة في ١٨ من شهر أغسطس سنة ١٨٧٨م، التي نُصَّ فيها على أن الخديوي يجري أحكام البلاد باشتراكه مع النظار، فبناء على ذلك نضطر هنا إلى أن نطلب من مقامكم العالي أن تقبلوا استعفاءنا لأنه لا يمكن لنا — والحالة هذه — أن ندير البلاد على أصول شورية.
التواقيع

تعليق: تاريخ ١٨ أغسطس الوارد في هذا النص قد صحِّح في كتاب «البعثات العلمية» لحضرة صاحب السمو الأمير عمر طوسون ﺒ ٢٨ أغسطس؛ لأنه هو التاريخ الذي صدرت فيه النظامات الشورية المنوَّه عنها بالنصِّ المذكور.

(١-٤) استقالة شريف باشا كما وردت بكتاب مذكراتي في نصف قرن ص٢٦٦ تأليف أحمد شفيق باشا

إن الأسباب التي حملت النظار على الاستعفاء هي أن حكومة مصر ترى أنه من الممكن المحافظة على أملاكها السودانية التي بيدها الآن بواسطة ١٠ آلاف جندي، وأن التخلي عن السودان مضرٌّ بمصلحة مصر سياسيًّا وتجاريًّا، وفي حال تخلي مصر عن السودان تُقفل بيوت عديدة تجارية شهيرة بالقطر، ولا ترى الحكومة لزومًا لترك الخرطوم وسواها الخاضعة والتي لم يحصل فيها هياج، وحاميتها قادرة على حفظها وصونها.

وإن حكومة مصر لا تقبل مطلقًا تلغراف اللورد غرانفيل، القائل بوجوب قبول كل نصيحة إنجليزية بدون تردد، ما دام جيش الاحتلال موجودًا في مصر لأن كل ناظر لا يكون مشربه إنجليزيًّا لا يلزم وجوده في النظارة، فهذا مناقض لنص الدكريتو الخديوي الصادر في ٢٧ أغسطس سنة ١٨٧٨، القائل بأن النظارة مسئولة أمام الخديوي ليس إلا، وبناء عليه، لا تستطيع النظارة الحالية قبول ما تطلبه إنجلترا.

تعليق: ذكر صاحب كتاب «مذكراتي في نصف قرن» أن هذه الاستقالة رفعها شريف باشا للخديوي توفيق في ٨ أبريل سنة ١٨٨٤، وهو خطأ بيِّن؛ لأن وزارة نوبار التي خلفتها كانت في ١٠ يناير سنة ١٨٨٤، فلعل الصواب في التاريخ المذكور ٨ يناير سنة ١٨٨٤.

ويظهر أن تعدد الروايات قد نشأ من أن الاستقالة كُتبت بالفرنسية أولًا كما جرت العادة يومئذ في الشئون السياسية الهامة، وأن اختلاف الصيغ وقع في الترجمة بتصرف أو من غير تصرف، أو وقع بسبب تدخُّل في صيغة الاستقالة.

مرض شريف باشا

وقد مرض شريف باشا بعد ذلك، وذهب للاستشفاء في الخارج، وتوفي في أبريل سنة ١٨٨٧ في جراتز بالنمسا.

وقد وصفت جريدة الأهرام «في عددها الصادر سنة ١٨٨٧» جنازة الفقيد عند وصولها إلى الإسكندرية ونقلها من المنشية إلى باب الترسانة، وفي القاهرة، وقد أُغلقت المحال التجارية وسارت الألوف وراء النعش، وكان الجميع آسفين على فقد الأمة هذا الخادم الأمين؛ فلقد كان الفقيد واسع الذكاء والاطلاع، بعيد النظر، شديد التوافي لأصدقائه، نزيهًا عفيف اليد والقلم واللسان، محبًّا للدستور والحرية، مبغضًا لتدخل الأجانب، شديد الاعتزاز بكرامته، مستقل الرأي، وكان جميل الطلعة طويل القامة مشرق الوجه، وكان عظيمًا في غير صلف، كبيرًا في غير عنف.

وقد أعقب شريف باشا ولدًا وبنتين، أما ابنه فهو محمد شريف باشا الذي كان وكيلًا لوزارة الخارجية، ولمنع الالتباس بين الأب وابنه اصطلح الناس على تسمية الأب باسم شريف باشا الكبير، وأما كريمتاه فقد تزوجت إحداهن من محرم شاهين باشا، والثانية من المرحوم عبد الرحيم صبري باشا، والد حضرة صاحبة الجلالة الملكة نازلي، وصاحبي السعادة حسين صبري باشا محافظ الإسكندرية وشريف صبري بك وكيل الخارجية، صهر المغفور له عدلي يكن باشا.

استقالة شريف باشا المودعة مجلس الوزراء

كانت استقالة دولة المرحوم محمد شريف باشا موضع اهتمامنا ومحل تدقيقنا، وقد عرف القراء فيما تقدَّم أنه ليست هناك صيغة واحدة لهذه الاستقالة، فنقلنا رواياتٍ أربعَ عن الاستقالة، وأخيرًا اتجهنا إلى نص الاستقالة التي أودعت مجلس الوزراء، ولكننا علمنا أنه ليس بديوان المجلس نصٌّ رسمي موقَّع عليه، وإنما هناك ورقة باللغة الفرنسية، غفل من التوقيع، وليس يُدرى أهو نص الاستقالة أم كتاب خاص رفعه شريف باشا إلى الخديوي توفيق باشا مع نص الاستقالة الرسمية، ونحن نؤثر ترجمة ما في الوثيقة المحفوظة بمجلس الوزراء فيما يلي:

يا صاحب السمو

تعلمون سموكم الأسباب التي من أجلها كان من رأي زملائي ورأيي أن نبذل جميع جهودنا للمحافظة على النيل الأعلى حتى الخرطوم وشاملة لها، وقد عددنا هذه المحافظة لا غنى عنها لسلامة مصر وأمنها، وقد فكرنا في الوصول إلى هذه النتيجة، وأن ننزل عند الحاجة عن السودان الشرقي مع شواطئ البحر الأحمر إلى الباب العالي، وأن نخصص جميع القوات الموجودة للنيل.

ولكن هذه الأسباب لم تظهر كافية لحكومة صاحبة الجلالة البريطانية، التي أصرَّت على وجوب إخلائنا لوادي النيل كله، على أن لا نحتفظ إلا لغاية أسوان أو وادي حلفا، كآخر حدٍّ جنوبي، وفضلًا عن ذلك، فإنه — كما كان لي الشرف أن أبلغ سموكم في المجلس — قد تلا علي السير بارنج تلغرافًا من اللورد غرانفيل بموجبه، كلفه بإبلاغي بأنه ما دام احتلال الجنود البريطانية الوقتي لمصر قائمًا، فإنه يجب تنفيذ النصائح الصادرة من حكومة جلالة الملكة في كل مسألة هامة، وأن كل وزير لا يعمل طبقًا للنصيحة يجب عليه أن يستقيل.

ولما كنَّا نرى أن مدلول هذه الرسالة يتعارض مع استقلال حكومتكم، بمعنى أن من شأنه أن يشلَّ المسئولية الوزارية أمام سموكم، ويعدل شروط الحكم كما أنشأها المرسوم الصادر بتاريخ ٢٨ أغسطس سنة ١٨٧٨.

ولمَّا كنَّا نعتقد أننا لا نستطيع — والحالة هذه — أن نحتفظ بمناصبنا التي ندين بها إلى ثقة سموكم السامية، فقد رفعنا استقالتنا جميعًا بين يدي سموكم.

٧ يناير سنة ١٨٨٤

(٢) نوبار باشا والسودان

وقد خلف نوبار باشا.٧ شريف باشا في تأليف الوزارة، وقد قبل نوبار ما لم يقبله شريف من قبل، وهو إخلاء السودان من الجيش المصري، وكانت وزارة نوبار مذ ذاك أول وزارة مصرية تألَّفت على أساس الإذعان للمشورة البريطانية، وقد ندب غوردون باشا للسفر إلى السودان للمرة الثالثة؛ لتنظيم إخلاء السودان، ولكنه فشل في مهمته، وقُتل في الخرطوم في ٢٦ يناير سنة ١٨٨٥.
كان نوبار باشا رسول الخديوي إسماعيل في أوربا وتركيا؛ لزيادة نفوذ الخديوي بالفرمانات التركية الشاهانية المتوالية، وأخيرًا فاوض نوبار الدول في إنشاء المحاكم المختلطة، وأسفرت المفاوضات عن إنشائها باتفاق مع مصر سنة ١٨٧٥، لا يزال نافذًا حتى اليوم، وإن كان أصبح غير متفق مع نهضة مصر الاستقلالية والدستورية وكثرة كفايات بنيها.
figure
نوبار باشا.
١  منذ إنشاء أول وزارة مصرية برياسة نوبار باشا في أغسطس سنة ١٨٧٨، وفي عهد الخديوي إسماعيل، كان يطلق على الوزير اسم «الناظر»، وعلى الوزارة اسم «النظارة»، فكان يقال: نظارة الأشغال، ونظارة المالية، وهكذا، ويطلق على مجلس الوزراء اسم «مجلس النظار»، ولما تبوأ المرحوم السلطان حسين كامل الأول عرش مصر سنة ١٩١٤ سميت النظارة باسم الوزارة، والناظر باسم الوزير، على أنه قد بقيت الألفاظ القديمة في كثير من اللوائح والقوانين النافذة للآن.
٢  كان للسلطنة التركية العثمانية «الباب العالي» حتى سنة ١٩١٤، حيث أُعلنت الحرب الكبرى، وضربت الحماية البريطانية على مصر، وعدت تركيا أنها قد فقدت سيادتها عليها، كان للسلطنة حق تعيين قوميسير عالٍ «مندوب سام» وقاضي قضاة مصر الشرعيين، وهما تركيان.
٣  كان الكولونيل سيف ضابطًا فرنسيًّا استقدمه محمد علي لتدريب الجيش المصري على الفنون الحربية، وقد أسلم وأصبح اسمه سليمان باشا الفرنساوي، وهو جد جلالة الملكة نازلي.
٤  صار — بعدئذ — رئيسًا للوزارة، وهو والد حضرة صاحبة العصمة أم المصريين السيدة صفية هانم زغلول، أرملة المغفور له سعد زغلول باشا الرئيس الأول للوفد المصري.
٥  الأهرام في ١٥ يناير سنة ١٨٨٤.
٦  الملكة فيكتوريا ملكة إنجلترا يومئذ.
٧  نوبار باشا أرمني الأصل، كان أول رئيس للوزارة المصرية عند إنشائها سنة ١٨٧٨.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤