الفصل الثالث عشر

تُضاء جزيرة الروضة والضِّفَاف والنهرُ في الليلة القادمة فيَحْتَفِل جميعُ الناس بوَفاء النيل، ويأمر السلطانُ النيلَ في الغد بمجاوزة السَّدِّ الأخير، واحتُفِلَ ﺑ «ليلة النقطة» في ١٧ من يونيو؛ أي قبل شهرين؛ وذلك لأن دموعَ إيزِيس — حين تبكي زوجها — تَجعل النهرَ زاخرًا، وذلك هو اليومُ الذي يَرْفَعُ المطرُ فيه مستوى النيل الأزرق على بُعْدِ مئات الأميال كما تدلُّ عليه مباحث علماء الجغرافية قديمًا وحديثًا.

وفي كلِّ أسبوعٍ من زَمَنِ الفيضان يُبَشِّر منادي النيل — مع جَوْقَةٍ من الصِّبيان — سكانَ العاصمة بارتفاع النهر، وفي هذا الصباح يُنْبِئ المنادي بأن الارتفاع بَلَغَ ستَّ عشرةَ ذراعًا، وهل هذا صحيح؟ وهل هذه هي ذريعةٌ أميرية تلجأ إليها الحكومة لتزيد الضرائب؟ ولا ضَيْرَ، ما دام الجميعُ راضيًا حين يَسْمَعُه يُنْشِد هو وجوقته قائلًا: «الله أكبر، الله بعث النيل من الموت إلى الحياة، الله لطف بأطياننا، ففاضت القَنَواتُ. حمدًا لمن أنعم على مصرَ بالنهر الجاري، افْرَحُوا يا مؤمنين! ستَّ عشرة ذراعًا! الله يسقي الأطيان العالية.»١

ويُحْتَفَل بوفاء النيل منذ ألوف السنين، ويخضع جميعُ الفاتحين لهذه العادة الفرعونية، ولكن هذا الاحتفال لم يكن مُضِجًّا في زمنٍ كما في عهد العرب.

ويُؤَلِّف باعةُ البِطِّيخ صَفًّا طويلًا فيَشُقُّون لأنفسهم طريقًا بين الجمهور، ويَحْمِلون على رءوسهم هذه الفاكهةَ القَذِرَة المستورة بالذُّباب، ولا يكتفون بالدانق الذي يُدفَع إليهم على العموم، وإذا ما دُفِعَ إليهم أكثرُ من ذلك قالوا بصوتٍ عالٍ: إن النقود زائفة، ويتجمَّع الناس وتُكَال التُّهَم، ويكثر اللَّغَط ثم ينتهي الأمر بالضَّحِك، ويبتعد أحدُ الحضور عن الجُمهور أُعْرَجَ، فهو الذي قد رُضَّ، وإليك منظرًا غيرَ منتظر، إليك صِبيانًا يَنْزِعُون عِمَامةَ شيخ سائر على حماره، فيقول الجمهور ضاحكًا: «القُطُوا تاجَ الإسلام!» ويَتَهَلَّل وجه النبيِّ المُسِنِّ ذاتَ حين، فاليومَ يومُ الاحتفال بوفاءِ النيل، وعلى الإنسان أن يتذرَّع فيه بالصبر.

ويُحِيطُ جمهورٌ فَرِحٌ بِعارييْن متبارزيْن بعَصَوَين كبيرتيْن؛ وذلك لأن الناس في مثل ذلك اليوم يَوَدُّونَ أن يَرَوْا عاداتِهم موضعَ هُزُوء، بيد أن الضحك لم يَدُمْ، فلم يَلْبَث الناس أن سَمِعوا صوتًا حادًّا، فحدَّقوا إلى درويش غير هازل، فقد بَقَرَ هذا الدرويش بطنَه بسِكين وأخرج منه أمعاءَه ثم أعادها إليه كما يعيدُ الملَّاح إلى قعرِ الزورق حبلًا مَطْوِيًّا، ويُثِير المنظرُ فضولَ الحُضُور وذُعْرَهم فيَرْمُون إليه نقودًا نُحاسيةً، ويكون أحدُ الحُضُورِ من الوقاحة ما يحاول معه إزلَاق دانقٍ في البطن المفتوح.

والآن يأتي دَوْرُ جمعٍ ذي بال، ولا يَجْزَع هذا الجمع من رائحة الجمهور مرةً واحدة في العام، ويتقدم الجمعَ فرسانٌ لابسون مغافرَ، ثم يأتي خَصِيٌّ لابسٌ مِعطفًا أحمرَ واسعًا وواضعٌ على رأسه عمامةً بالغةً من كِبَر الحجم ما لا تلائم معه وجهَه المتورِّم، ثم يأتي نِسْوَةٌ مبرقعاتٌ مستطلعات راكبات حُصُنًا ذاتَ سروجٍ مستورةٍ بأغطية مَحْشُوَّة فيَظْهَرْنَ كأنهنَّ جالساتٌ على مُتَّكَأٍ، ثم يأتي خَلْفَهُنَّ عبيدٌ يَحملون الأولاد على أكتافهم، ويبدو بجانبهنَّ أزواجهن مُمتطين جِيادًا مع إبعاد سِيقانٍ ورُكَبٍ إظهارًا لزَهْوهم، وتَحْجُب صَبِيَّةٌ ظريفةٌ نصفُ عارية وجهَها القَذِرَ بطَرَف ثوبٍ اقتداءً بحِسَان النساء، ويَتَوَسَّل إليهنَّ على غير جَدْوى مُتَسولون صِغَارٌ لابسون أسمالًا، ويستنشق هؤلاء السائلون رائحتَهن فينقلب إلى مهزأةٍ سوءُ استعمالهن المسكَ والزَّبَاد، ويَتبعهنَّ فريقٌ من الفقراء العُمْيِ محيطٌ بعلَمٍ أحمرَ يَحْمِلُه أحدُهم طالبًا للصدقة بأصواتٍ غُنٍّ.

وتَسلُك الشارعَ صُعُدًا فرقةٌ موسيقيةٌ راكبةٌ حميرًا بَطِرَةً فيكون لزَمْرِها صوتٌ كبير، وتَتَقدم هذه الفرقةُ الحرسَ؛ وذلك لأن المماليك في ذلك اليوم أيضًا يقومون بعملهم جادِّين فيُوِجُب وقعُ حوافر خيلهم قليلَ ارتعاشٍ لدى أولئك الطَّرِبين، ويَعْدُو نحوَ السَّدِّ ما بين المائة والمائتين من الفرسان، ويَلْبَس هؤلاء الفرسان برانسَ مقتبسةً منَ الصليبيين، وتَصِلُ سراويلُهم المنتفخة إلى أحذيتهم تقريبًا، وتُزَيِّن ثلاثةُ خناجرَ مختلفة زُنَّارَ كلِّ واحدٍ منهم، ويَكْنُسُ سيفٌ كبيرٌ خاصرةَ كلِّ واحدةٍ من مطاياهم.

وكان بضعُ مئاتٍ من العبيد قد أنشئوا في شهر يونيو في المكان الذي يَقْطَعُ فيه القناةَ الكبرى — أي الخليجَ — جسرٌ حجريٌّ على بعد مائةِ مترٍ من مَنْفَذِها إلى النيل، وبالقرب من الجزيرة الكبرى، سَدًّا ترابيًّا أضيقَ في أعلاه مما في أدناه مسيطرًا بستةِ أمتارٍ على المياه الدنيا ومسيطرًا بأربعة أمتار أو خمسة أمتارٍ على مستوى القناة، واليومَ تَبلُغُ الزيادةُ مستوى السَّدِّ. واليومَ هو يومُ ثَقْبِه، وكان قد رُفِعَ بين السَّدِّ والبحر رُكامٌ من تراب على شكلِ مخروطٍ، وهذا هو عروسُ النيل، وهذا يُذَكِّرنا بالعذراء التي كان يُضَحَّى بها في القرون القديمة، وقد جَرَفَه الفيضان منذ نحو عشرة أيام.

ويقترب الفَجْر، ويأمُرُ أميرُ حرسِ المماليك بإعداد مَنْفَذ السَّدِّ، وتكتمل الدَّهْماء، وتجري مع النهر مئاتُ الزوارق المُضَاءةِ بمصابيحَ زُجاجيةٍ مُلَوَّنةٍ، وذلك بين الهُتَافات والأناشيد والمعانقات الغرامية؛ وذلك لأنه صَوْلَة النيل على الأراضي التي يُخْصِبُها يُثِيرُ لدى الرجال والنساء خيالَ الأعراس فيَجْعَل هؤلاء من تلك الليلة ليلةَ أعراس.

ويُجلب حَفَّارون لثَقْبِ السَّدِّ، ولكي يمارسَ النهرُ حقوقَ السيد رَمْزًا، ويساعدهم على ذلك مئاتُ الرجال، ويَرْفَع هؤلاء الترابَ ويَنقلونه بقُفَفٍ ليُفْرِغوه على الضِّفَّة. ويتساءل ألوفُ الناس في الليلة الحارَّة الفائرة ويتمازحون ويَتَحَاضُّون بين ضِفةٍ وضِفة وجزيرةٍ وجزيرة، ومن هؤلاء مَنْ يَقذِفون بأنفسهم في النيل كالمجانين ليَخْرُجوا منه مغتسلين، ومن هؤلاء من يَرْمُون في النيل قِطَعَ نقودٍ، فيحاول صِبيانٌ من البُلْه أن يلتقطوها بصنانيرَ، وتَهْتَزُّ الزوارقُ وتنقلب ويَعْلُو الصراخ فيَطْفُو على صوت الموسيقَى في المراكب حيث تقوم راقصاتٌ برقصة البطن، ويشاهدهنَّ رجالٌ جالسون القرفصاء في القوارب فيَهيجُون شيئًا فشيئًا، وترتفع صواريخُ إلى السماء، وتمتدح ساحراتٌ نصفُ عارياتٍ خواصَّ أشربتهنَّ المقوِّية لِلْبَاه.

وتختطف كلابٌ قِطَعَ لحمٍ موضوعةً على أَوْضام٢ ثم تَعْوِي تحت السِّيَاط، ويُمْسَك لصوصٌ ويُضْرَبون، وتمرُّ مواكبُ من دراويشَ مجذوبين ويَرْقُص هؤلاء ويُدْخِلون أظافرَ إلى صدورهم ويَضَعون نارًا تحت آباطهم أو قِطَعًا من زُجاج تحت ألسنتهم، ويُوضَع مشعوذون في أكياس ويُقذَفون في النهر كما لو كانوا يَوَدُّون أن يَغْرَقوا فيه، ويَزْعَق هؤلاء الناس المرتجفون ويَعْرَقون حتى يَلُوح في السماء من ناحية الشرق — خلفَ أبراج القلعة — ضياءٌ ضئيلٌ ضاربٌ إلى خُضْرة، ولا يَلْبَث هذا اللون أن يَتَحَول إلى صُفْرَة فإلى زُرْقة شاحبة.
figure
عودة قطيع.

وفيما تَرتفع الشمسُ في الأُفُق؛ إذ تُبْصِر ألوفَ الناس يُهْرَعون نحو السَّدِّ حيث يَدْعُو الله مائةُ راقصٍ منتفخِ الثوب عن دَوَرَان، ويُرَدِّد الجمهور دعاءَ هؤلاء ويَضْرَع إلى الله العليِّ الذي أنعم عليه بالليل والنهار، والذي رَفَعَ الماء وخَلَق النيل الذي هو أصل كلِّ سعادة.

وكان قد نُصِبَ سرادقٌ فَخْمٌ مصنوعٌ من حرير، ويَشُقُّ المماليكُ بمزاريقهم طريقًا واسعةً تُوصِل إليه، فقد وَصَلَ السلطان بنفسه.

يأتي السلطانُ وحاشيتُه من مسجد جزيرةِ الرَّوْضة حيث احتَفَى بمقياس النيل، حيث احتَفَى بذلك العمود الرُّخاميِّ المثمَّن الزوايا، والذي ما فَتِئَ منذ عهد الفراعنة يُخْبِر بما في زيادة المياه من خَيْر أو شَرٍّ، ويَغُوص مدير النيل والجداولِ في الماء على الرغم من ثيابه الحريرية الثمينة، ويَمسَح ذلك العمودَ المقدَّس بيده اليسرى بمزيجٍ من الزَّعْفَرَان والطِّيب المحلول بماء الورد يصبُّه على يده تلك من إبريقٍ فِضِّيٍّ، وذلك مع بقائه على وجه الماء خوفًا من الغَرَق. ويُشَاهِد السلطان — وبِطَانَتُه مِن حوله — ذلك المنظَرَ من عَلٍ، ويَرْقُبُ السلطان اقترابَ أناس موثوقٍ بهم من ذلك المقياس ليُحَقِّقُوا ارتفاعَ النيل تحقيقًا صحيحًا.

ويَصِل الموكب الرسميُّ إلى السُّرَادق، ويُلَاقي الشمسَ الجديدة سيلٌ من الألوان، ويَسْطَع من مائة ثوبٍ ثمينٍ ومن مقابضِ سيوفٍ مرصَّعَةٍ لَمَعَانُ ما في القصر السلطانيِّ من سَناءٍ يُعْرَض في الأوقات الأخرى تحت ظلِّ القصور المُغْلَقَة، ويُعْرَف السلطانُ بجوادِه المُطَهَّم الذي لا يَنْبَغِي لأمير أن يُبَارِيَه بمثلِه كما يُعْرَف بوقوفه في الوَسَط لابسًا عِمامةَ النبيِّ الخضراءَ، ويُومِئُ السلطان، ويَسْكُت الجمهور، ويتلو الوزيرُ منشورًا يَحْمَدُ السلطانُ فيه اللهَ على آلائه، ويَشْكُر فيه للنيل فيضانَه، ويبتهل فيه إلى الله أن يمنَّ على مصرَ بالبركة، ويرفَع مئاتُ العبيد الذين أنشئوا السَّدَّ فهَدَمُوه مع الحفَّارين أيديَهم نحوَ معبودِهم السلطانِ ناظرين إليه.

وتقُدَمَّ إليه مِجْرَفةٌ، ويَقذِف بها في فُرْجة السَّدِّ، ويَصِل قاربٌ — بعد انتظارٍ بجانب القناة — إلى وَسَطِ السَّدِّ الذي لا يزال قائمًا في الظاهر، ما دام الماءُ قد وَجَدَ طريقَه منذ زمنٍ، وتَعْمَلُ المجاديفُ في ذلك القسم الضيق من السَّدِّ وتَشُقُّ للقارب سبيلًا منه على حين يُهَدِّدُ شَلَّالٌ صغيرٌ بإغراق القارب فيُسْرِع إلى الضِّفة الجديدة إنقاذًا لنفسه.

وتَخْرُجُ مئاتُ الألوف من أصوات الفَرَح إظهارًا لاقتحام المَخْرَج، وتشتعل حُزَمٌ من الصَّوَارِيخ في السماء الزرقاء، وتُصِمُّ الأصواتُ ولا تَبْهَرُ أحدًا، وتنتهي الليلةُ الطائشة مع الفجر وتَشْحَبُ وجوهُ النساء عند الصباح، ويَعُود الرجال غيرَ مكترثين لهنَّ ويُعِيدُ جَذَلُ رجولةٍ نشاطَهم إليهم، فمنقذُ البلد وأبو الحبِّ النيلُ هنالك! ويَرمِي السلطان إلى العبيد — من علٍ — كيسًا مملوءًا ذهبًا … وتَدُور رَحَى معركةٍ هائلة بينهم لطَمَع كلِّ واحدٍ منهم أن يأخذ دينارَ جاره، فالسماءُ لا تُمْطِر ذهبًا سوى مرةٍ واحدة في السنة، وتتوارد الزوارقُ إلى القناة لتَمُرَّ من الفُرْجَة وتحت الجِسْر الحجريِّ، ويقابَل السلطانُ بالتحية في كلِّ مكان، ويُهْتَف للسلطان في كلِّ مكان.

ويَقِفُ السلطان فوق الضِّفة، ويَقِفُ وزيرُه بجانبه، ويساورهما فكرٌ واحد، فأمرُ الضرائب مضمون، فقد أَنْبَأنا القومَ ﺑ ١٦ ذراعًا، ولا أحدَ من القوم يَعْلَم أنه لم يكن هنالك غيرُ ١٤ ذراعًا.

١  لم نوفَّق للاطلاع على النشيد البلدي الأصلي، ولم يذكر المؤلف المصدرَ فترجمناه.
٢  الأوضام: جمع الوضم، وهو خشبة الجزَّار التي يقطع عليها اللحم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤