الفصل الرابع

المشهد الأول

في خارج معسكر الفلورنسيين

(يدخل أحد الشريفين الفرنسيين مع خمسة جنود أو ستة بمثابة «كمين».)

الشريف الثاني : ليس أمامه طريق يسلكه غير هذا السياج، فإذا أقبل، فانقضوا عليه، وبادروه بلسان مخيف، ولغة مُنكرة، لا تفهمون منها شيئًا، فذلك أمر لا يهم، إذ لا ينبغي أن نتراءى كأننا نعرفه أو نفهمه، ما لم ينبرِ أحد فيكون ترجمانًا بيننا وبينه.
جندي : يا حضرة الضابط، لأكن أنا الترجمان.
الشريف الثاني : أليست بينك وبينه معرفة، هل يعرف صوتك؟
جندي : كلا، يا سيدي، أؤكد لك.
الشريف الثاني : ولكن ما هي الرطانة التي ستكلمنا بها؟
جندي : عين التي ستكلمونني بها.
الشريف الثاني : يجب أن يحسبنا عصبة من الغرباء، في خدمة الأعداء، وهو يعرف قدرًا قليلًا من لغات الأقاليم المجاورة كلها، فليتحدث كل واحد منا باللسان الذي يخترعه لنفسه، حتى نبدو كأننا لا نعرف ما يتحدث به كل منا للآخر، فإذا بدا أننا نعرف شيئًا فهو غرضنا المباشر، فيكون كلامنا كالغربان نعيقًا، وليكن ثرثرة متقنة وصياحًا وزعيقًا، أما أنت أيها الترجمان، فلتستعن السياسة، ولتحذق الوساطة، هلموا اختبئوا، ها هو ذا قادم، إنه سيقضي ساعتين نائمًا، ثم يعود فيقسم على الأكاذيب التي يخترعها أنه لَمِن الصادقين.

(يدخل بارولس.)

بارولس : الساعة العاشرة، في هذه الساعات الثلاث فسحة كافية للذهاب إلى البيت وما سأقول إنني قد فعلته؟ ينبغي أن يكون ما يؤيده اختراعًا بارعًا، وتلفيقًا متقنًا يؤدي إلى المراد منه، لقد بدءوا يَشتَمُّون رائحتي، ويبصرون دخاني، وأخذَت الفضيحة في هذه الأيام تدق بابي، وأرى لساني مفرطًا في الجرأة والبيان، ولكن قلبي لا يزال يواجه مخاوف النزال والطعان، فلا يجسر على ما يرويه اللسان.
الشريف الثاني : هذه أول كلمة حق أجرم لسانك فنطق بها.
بارولس : أي شيطان هذا الذي دفعني إلى التعهد باسترداد هذه الطبلة وأنا العليم بأن استردادها ضرب من المُحال، وما دمت أعلم أن هذا المطلب ليس هدفي؟ لا معدى عن إصابة نفسي ببعض الجراحات، لأقول إنني تلقيتها في المعارك، ولكن الجروح اليسيرة لن تؤدي المراد، فسيقولون ألم تخرج منها إلا بهذه الخدشات؟ ولست على الجروح النجل بقادر، ولا على الأذى البالغ بالجسور، فما الحجة إذن وما الحيلة؟ … أيها اللسان … لا بد لي من أن أضعك في فم بائعة زبد١ أو أبتاع بغلة بايزيد٢ إذا أنت ورطتني في هذه المهالك، ودفعت بي إلى هذه المآزق.
الشريف الثاني : أيمكن أن يكون على بينة من نفسه، ثم يتراءى في هذه الصورة التي يبدو بها؟
بارولس : أود لو أن تمزيق ثيابي يؤدي الغرض، أو كَسْر سيفي الإسباني يفي بالمراد.
الشريف الثاني (لنفسه) : ولكننا لن نتيح لك ذلك، ولن نتركك تفلت بهذه السهولة.
بارولس : أو أحلق لحيتي وأقول إنها خدعة حربية.
الشريف الثاني (لنفسه) : ولا هذا يغني.
بارولس : أو إغراق ثيابي لأقول إنني جُردت منها تجريدًا.
الشريف الثاني (لنفسه) : ولا هذا يكاد يُجدي.
بارولس : ولو حلفت بأنني ألقيت بنفسي من نافذة القلعة.
الشريف الثاني (لنفسه) : من أية مسافة؟
بارولس : ثلاثون قامة.٣
الشريف الثاني (لنفسه) : لن يصدقك أحد ولو أقسمت ثلاثة أيمان مغلظة عليه.٤
بارولس : ليت لي طبلة من طبول العدو لأقسم أنني استرددتها.
الشريف الثاني (لنفسه) : ستسمع في الحال قرع واحدة.
بارولس : الآن أسمع قرع طبول العدو.

(صيحات من الداخل.)

الشريف الثاني : تروكا موفساس، كارجو، كارجو، كارجو.
الجميع : كارجو، كارجو، فيلياندا، باركاريو، كارجو.٥

(يمسكون به ويعصبون عينيه.)

بارولس : الفداء، الفداء، لا تحجبوا عيني.
الترجمان : بوسكوس ترومالدو بوسكوس.
بارولس : أعرف أنكم من فرقة المسكوس، وأنني سأفقد حياتي لجهلي بلسانكم، وإذا كان منكم ألماني هنا أو دانمركي أو هولندي أو إيطالي أو فرنسي، فليكلمني فإني كفيل بأن أكشف عما سوف يؤدي إلى هلاك الفلورنسي.
الترجمان : بوسكوس فوفادو، إني أفهمك، وأستطيع أن أتكلم لغتك — كريلينبتو — ارجع إلى دينك، واستقبل منيتك، إن سبعة عشر خنجرًا مصوبة إلى صدرك.
بارولس : آه.
الترجمان : صل لله، صل لله، صل لله، مانكا رافيانيا دولشي.
الشريف الثاني : أوسكوربيدولشي فوليفاركو.
الترجمان : إن القائد ليرتضي الإبقاء عليك وسيساق بك وأنت معصوب العينين على هذا النحو ليعرف معلومات منك، فلعلك قائل شيئًا تنقذ به حياتك.
بارولس : أبقوا على حياتي أقل لكم أسرار معسكرنا جميعًا، وأنبئكم بقواتنا، وأهدافنا، بل إني لقائل لكم ما فيه العجب العجاب.
الترجمان : ولكن أقائل أنت صدقًا؟
بارولس : اللعنة عليَّ إن لم أفعل.
الترجمان : أكوردو لنتا، هلم، لقد مُنحت مهلة.
(يخرج مع بارولس تحت الحراسة، صيحات قليلة من الداخل.)
الشريف الثاني: اذهب قل للكونت روسيون وأخي إننا قد قبضنا على الحجل، وسنبقيه معصوبًا مكممًا حتى نسمع منهما.
جندي: طاعة يا حضرة الضابط.
الشريف الثاني: وسيكشف أمرنا كلنا لأنفسنا، قل لهما ذلك.
الجندي: سأفعل يا سيدي.
الشريف الثاني: وقل لهما إنني سألقي به في غيابة السجن وأعتقله إلى أن يفعل هذا.

(يخرجان.)

المشهد الثاني

(يدخل برترام والفتاة «ديانا».)

برترام : لقد أنبئوني أنك تسمين فونتيبل.
ديانا : كلا يا مولاي الكريم! بل ديانا.
برترام : أنت الربة ذات اللقب، وإنك لجديرة به وبأكثر منه. ولكن أيتها الإنسانة الجميلة أليس للحب في هيكلك الجميل موضع؟ إذا لم يكن تشغل نار الشباب الشريفة المندلعة خاطرك فلست فتاة، من لحم ودم، بل أنت تمثال جامد، ولحين تموتين يجب أن تكوني كما أنت، باردة هامدة عبوسًا لا تتحركين، أما الآن فيجب أن تكوني كما كانت أمك حين ولدتك، أيتها المخلوقة الحسناء.
ديانا : لقد كانت يومئذ مخلصة وفية.
برترام : فلتكوني أنت مثلها.
ديانا : كلا، إن أمي أدت الواجب عليها، وهو يا مولاي ما أنت مدين به لزوجك.
برترام : حسبك لا تزيدي في هذا الموضوع ولا تحاولي أن تقولي شيئًا ضد إيماني، لقد أُرغمت على زواجها إرغامًا، ولكن قسمًا برباط الله المحبب أني سأؤدي إليكِ كل ما يوجبه ذلك الحب ويتطلبه من خدمات.
ديانا : إي والله، إنك تخدمنا حتى نخدمك، ولكن إذا قطفت ورودنا، لم تترك لنا غير أشواكنا، لتشكنا، وتسخر من عُرينا وخلاء وعودنا.
برترام : لكم أقسمت، ولكم حلفت!
ديانا : لا تحق الحق كثرة الأيمان،٦ ولكن القسم الأوحد الصريح هو الذي يشهد بالحق، وتحق الشهادة به، ونحن نذكر اسم الله نفسه حين نقسم يمينًا، ولكن اسم الله نفسه لا يجعل الناس أكثر تصديقًا للقسم إذا كان مغايرًا للحقيقة. أرجو أن تنبئني هل تصدق أقسامي إذا أنا أقسمت بحقه وعظمة صفاته، أنني أحبك وأعزك، في حين أنني لا أستشعر حبًّا لك ولا إعزازًا. لا خير في يمين بالله إذا عُقدت النية على اقتراف عمل يغضبه، وارتكاب فعل لا يرضيه، إن أيمانك إذن ألفاظ سقيمة، وصفات وشروط — في رأيي على الأقل — غير مؤكدة ولا مضمونة.
برترام : غيريها وبدليها، ولكن لا تكوني هكذا قاسية، في التمسك بالنقاء والقدسية، إن الحب مقدس، وأنا في صدق فطرتي لم أعرف يومًا الخِدع التي تتهمين الرجال بها، فلا تتباعدي، ودعي عنك الجفاء، وهبي نفسك لشهواتي «المريضة» حتى يتوانى لي البرء منها والشفاء،٧ قولي إنك لي، تشهدي أن حبي كما يبدأ، لن يكون له انتهاء.
ديانا : أرى الرجال يحاولون أخذنا على غرة منا، أملًا في إيقاعنا، في أثناء غفلتنا وطيشنا،٨ أعطني هذا الخاتم.
برترام : أعيرك إياه يا عزيزتي، ولكن لا قدرة لي على النزول عنه.
ديانا : أتأبى يا مولاي أن تعطينيه؟
برترام : إنه شرف يتصل ببيتنا، توارثناه من أسلافنا ولو تخليت عنه لكان ذلك أكبر وزر في هذا العالم.
ديانا : وشرفي أنا هو كهذا الخاتم، وعفافي هو درة بيتنا، توارثناها عن كثير من آبائنا، ولو تخليت عنه لاقترفت أكبر وزر في هذا العالم، وهكذا ترى أن منطقك نفسه يجعل بطولة الشرف في جانبي ضد عدوانك الباطل.
برترام : ها هو ذا الخاتم خذيه، وليكن بيتي وشرفي وحياتي ملك يمينك، فانظري بماذا تأمرين.
ديانا : إذا انتصف الليل فأطرق نافذة مخدعي، وسأحتاط للأمر حتى لا تسمع أمي، والآن عاهدني حقًّا أنك حين تغزو فراشي الذي كان حتى تلك اللحظة طاهرًا عفيفًا لن تمكث فيه غير ساعة واحدة، وألا تكلمني خلالها، إن لدي أسبابًا قوية، ستعرفها حين يُرد هذا الخاتم إليك، وسأضع تحت جنح الليل في إصبعك خاتمًا سواه، ليبقي على الأيام رمزًا لما أتيناه، وتذكارًا لما فعلناه، فإلى الملتقى ولا تخلف الموعد، فقد ظفرت مني بزوج وإن كان أملي قد تحقق أو «أخفق».٩
برترام : بل لقد نلت منك بالعشق جنة الأرض.
ديانا : إذن فلتطل بك الحياة لتشكر رب الجنة وإياي، ولعلك في النهاية فاعل.

(يخرج برترام.)

لقد نبأتني أمي كيف سيغازلني ويتودد، كأنها في صميم قلبه وتقيم وتتردد، لقد قالت لي إن الرجال في الأقسام والأيمان سواسية، وها هو ذا قد أقسم أن يتزوج بي، إذا ماتت زوجته وقضت، إذن سوف أعاشره في المهجع وأشاركه في المرقد، حين أدفن تحت الثرى وأوسد، وما دام الفرنسيون هكذا أهل خداع وتغرير، فإني أقسم أن سأعيش وأموت عذراء، وأحسب أن لا إثم في هذا التنكر للاحتيال على من يريد الفوز ظلمًا وبهتانًا.

(تخرج.)

المشهد الثالث

(يدخل الشريفان الفرنسيان وجنديان أو ثلاثة.)

الشريف الأول : أوَلَمْ تسلم إليه كتاب أمه.
الشريف الثاني : سلمته إليه منذ ساعة، وإن فيه لشيئًا جارحًا لشعوره، فقد كاد يستحيل إلى رجل آخر عند قراءته.١٠
الشريف الأول : إن عليه لتثريبًا شديدًا، أن ينفض عنه زوجًا كريمة، وسيدة جميلة.
الشريف الثاني : ولا سيما أنه استهدف لغضب مقيم من الملك، ونقمة لن تزول، برفض الهناءة التي عرضها عليه، وإباء السعادة التي اصطفاها له، وسأنبئك بأمر أرجو أن تطوي صدرك عليه.
الشريف الأول : إن نطقت به كان هو الميت وأنا له القبر.
الشريف الثاني : لقد غوى هنا في فلورنسا سيدة شابة عُرفت بالعفاف، وسينفذ الليلة لأول مرة غرضه باستلاب شرفها، وقد أعطاها خاتمه التذكاري وهو يحسب أنه قد عُوض عنه في مساومته الأثيمة.
الشريف الأول : حمانا الله من الثورة على أنفسنا والغدر بذواتنا، فإنا نحن كما نريد أن نكون.
الشريف الثاني : لسنا إلا غدرة خونة لأنفسنا، فلا نزال كدأب كل غدر، وشأن كل خيانة، نراها تتكشف، حتى تنال جزاءها الحقير الدنيء، فمن يسيء إلى حسن سمعته، ويكيد كيده ليطيب أحدوثته، يغرق في تيار شهوته.
الشريف الأول : أليس من نقمة الله علينا أن نكون المعلنين لمآربنا المحرمة، إذن لن نكون الليلة في صحبته.
الشريف الثاني : حتى ينقضي منتصف الليل، لأنه الحريص على موعده، الحفيظ لساعته.
الشريف الأول : إن الموعد يقترب بسرعة، ويسرني أن يرى صاحبه على المشرحة، حتى يتبين مدى الخطل في أحكامه، وفساد الرأي عنده، إذ يصر على تقدير هذا المحتال الذي اصطنعه لنفسه، أكثر من قدره.
الشريف الثاني : لن نتدخل في أمره حتى يحضر، لأن حضوره سيكون السوط الذي يهوي على صاحبه.
الشريف الأول : وإلى أن يأتي لنتحدث عن الحرب، ماذا لديك من أنبائها …
الشريف الثاني : سمعت أن هناك مفاتحة في الصلح.
الشريف الأول : بل أؤكد لك أن صلحًا قد أُبرم.
الشريف الثاني : وماذا ترى الكونت روسيون إذن صانعًا؟ أتراه سيواصل أسفاره، ويوغل في ترحاله، أم سيعود إلى فرنسا.
الشريف الأول : يبدو لي من سؤالك هذا أنك لست صاحب سره وأخًا لمشورته.
الشريف الثاني : لا قدر الله يا سيدي، حتى لا أكون شريكًا له في أفعاله.
الشريف الأول : اسمع يا سيدي، إن زوجه منذ شهرين فَرَّتْ من بيته، وغرضها هو الحج إلى مزار سان جاك الكبير، وقد أدت هذا العمل المقدس على أتم وجهه، وجلال قدسيته، ثم أقامت بذلك الموضع ما شاءت أن تقيم، وهي فريسة للأحزان، لرقة طبيعتها، نهب للأسى من فرط لوعتها، حتى فاضت روحها وجادت بآخر أنفاسها، فهي اليوم تغني في السماء، وتشدو في الجنة.
الشريف الثاني : وبأي شيء تؤيد النبأ؟
الشريف الأول : إن أقوى البينات على صدقه كتبها، التي تؤيد قصتها بما فيه موتها نفسه، وإن موتها نفسه، وهو ما لا تستطيع هي أن ترويه، قد أيده قسيس الجهة.
الشريف الثاني : أعند الكونت بكل هذا علم؟
الشريف الأول : أجل … بكل دقائقه، وجملة حقيقته.
الشريف الثاني : يحزنني حقًّا أنه سيسر بها ويستريح إليها.
الشريف الأول : لكم نجد السلوة والراحة في مغارمنا وخسائرنا أحيانًا.
الشريف الثاني : وكم أحيانًا أخرى نغرق مغانمنا في لجة دموعنا؟، إن الشرف الباذخ الذي كسبه هنا ببسالته، سيقابَل في وطنه بعار يعدل هذا الشرف في قوته.
الشريف الأول : إن نسيج حياتنا مصنوع من خيوط جيدة وخيوط رديئة معًا، وإن حسناتنا لتزهى وتفخر إذا لم تؤذها أغلاطنا، ولم تَعْلُها بالسوط سيئاتنا، كما أن جرائمنا وخطايانا ستهوي بنا إلى الحضيض إذا لم تترفق بها فضائلنا.

(يدخل رسول.)

ماذا وراءك، أين مولاك …
الرسول : لقي الدوق في الطريق يا سيدي، فاستأذن منه في السفر وسيرحل مولاي غدًا إلى فرنسا، وقد حَمَّله الدوق كتب توصية إلى الملك.
الشريف الثاني : لن تُجدي وإن بالغت في التوصية.

(يدخل الكونت برترام روسيون.)

الشريف الأول : ولن تخفف مهما تكن حلاوتها من مرارة غضب الملك وموجدته، ها هو ذا الكونت. كيف هذا يا مولاي، ألم ينقضِ منتصف الليل.
برترام : لقد أنقذت الليلة ست عشرة مهمة، كل منها طولها شهر، فقد شرحت للدوق باختصار جملة فوزي في المعارك وانتصاراتي، ثم استأذنته في عودتي، وودعت المقربين منه، ودفنت زوجًا، وحددت عليها، وكتبت إلى والدتي أنني عائد إليها، واستأجرت مطاياي، وبين هذه المهام الكبيرة قضيت أوطارًا، أقل منها أخطارًا، كان آخرها أكبرها، وإن لم أنتهِ بعد منه.
الشريف الثاني : إذا كانت هذه المهمة شاقة، وأنت غدًا راحل من هذه الديار، فإن المهمة إذن تقتضيك العجلة والبدار.
برترام : أريد بقولي أنها لم تنتهِ أني أخشى أن أسمع عنها بعد، ولكن لنسمع هذا الحوار بين المهرج والجندي، هاتوا هذا المزيف المحتال، الذي خدعني، كالعراف الذي يجعل قوله على حرف، ويدع كلامه يحتمل معنيين، ويُفتح على تفسيرين.
الشريف الثاني : أحضروه إلينا. لقد قضى الليل كله مقيدًا، هذا الوغد الجسور المسكين.

(يخرج الجنود.)

برترام : لا بأس، لقد أخذ بذنوبه، وساقت به رجلاه إلى الموضع الخليق به، بعد أن وضع المهماز في حذائه،١١ اغتصابًا، وزعم الشجاعة والفروسية زورًا وكذبًا، وكيف كان سلوكه؟ …
الشريف الثاني : لقد نبأتك آنفًا يا مولاي، بأن القيد في رجليه، فهو فيه مسلوك، ولكن إن شئت أن أرد عليك بالأسلوب الذي تفهمه أقول إنه يبكي كالمرأة التي سكبت لبنها، واعترف بكل ما اجترح من ذنوب لمرجان الذي ظنه قسيسًا، فلم يغادر شيئًا من عهد بداية وعيه إلى هذه اللحظة التي وُضع فيها القيد في رجليه، إلا باح به، فماذا تظن أنه قال في اعترافه؟
برترام : لا شيء فيه عني، أليس كذلك؟
الشريف الثاني : لقد دونا اعترافه، وسيتلى عليه في محضره، فإن جاء فيه ذكرك، يا مولاي، وأعتقد أن ذكرك فيه وارد، فاصطبر لسماعه.

(يدخل بارولس والترجمان.)

برترام : اللعنة عليه، هذا المكمم، إنه لا يقدر أن يقول عني شيئًا … اغضض من صوتك، اغضض من صوتك.
الشريف الأول : المعصوب جاء … بورتو تروتوروسا.
الترجمان : إنه يطلب لك آلة التعذيب، فماذا أنت قائل بغير حاجة إليها.
بارولس : سأعترف بما أعرف، بغير إكراه، أما إذا شككتموني كما تشك الفطيرة، فلن أقول شيئًا.
الترجمان : بوسكو شمسرشو.
الشريف الأول : بوبليبندو شكرموركو.
الترجمان : إنك لقائد رحيم … إن قائدنا يأمرك بأن ترد على أسئلتي المدونة.
بارولس : سأرد صدقًا، وأقول حقًّا، لأني أريد الحياة.
الترجمان : يسأل أولًا، كم عدد فرسان الدوق، ما قولك في هذا؟
بارولس : خمسة آلاف أو ستة، ولكنهم ضعاف ولا يصلحون والجنود موزعون مبعثرون، والقواد محتالون مساكين، هذا هو قولي أغامر فيه بالسمعة والمهابة، وأرجو أن أُوهب الحياة.
الترجمان : هل أدون هذا الرد كما هو …
بارولس : افعل، إني مستعد أن أقسم بالسر المقدس عليه،١٢ كيف وبأي طريقة تشاء.
برترام : كلاهما سيان عنده، يا له فيه من عبد خسيس غير خليق بالنجاة.
الشريف الأول : أنت مخطئ يا مولاي، هذا هو مسيو بارولس المحارب المقدام، كما اعتاد أن يصف نفسه، والجندي الذي جمع كل فنون الحرب ونظرياتها في عقدة ملفعته، والتمرس بها في جفن خنجره.
الشريف الثاني : لن أثق بعد اليوم بإنسان، لأنه يحتفظ بسيفه نقي النصل نظيف السنان، ولن أصدق أنه قد حوى كل شيء ووعى، لأنه يرتدي ثيابًا أنيقة.
الترجمان : انتهينا من تدوين هذا الذي قلت.
بارولس : لقد قلت خمسة أو ستة آلاف من الفرسان، ولقد أضفت أو نحوها اكتب هذا لأني أريد أن أقول الحق.
الشريف الأول : إنه في هذا جد قريب من الحق.
برترام : ولكني لا أشكره عليه، لطبيعة الأسباب التي دفعته إليه.
بارولس : محتالون مساكين من فضلك اكتب هذا عني.
الترجمان : لقد دونته.
بارولس : شكر الخاضع يا سيدي، الحق حق، فإن أولئك المحتالين المساكين بشكل عجيب.
الترجمان : اسأله وكم مشاتهم … ماذا تقول في هذا؟
بارولس : يمين الحق يا سيدي، سأقول الحق إذا قُضي لي أن أعيش في الساعة الراهنة، دعني أتذكر، سبوريو مائة وخمسون وسباستيان مثلهم، وكوركيباس مثلهم وجاك مثلهم، وجوليتان وكوزمو ولورديك وجراتاي، مائتان وخمسون لكل منهم، وسريتي، التي تحت إمرتي، وسرايا شتوفر وفوموند، وبنتاي مائتان وخمسون كذلك، أعني أن الجملة، بين معطوب وسليم لا تتعدى، وحياتي، خمسة عشر ألفًا، نصفهم لا يقوى على نفض الثلج عن قلانسهم، خشية أن تنتفض أجسامهم من هذا الجهد انتفاضًا.
برترام : ماذا يصنع به.
الشريف الأول : لا شيء، ليتلقَ منا شكورًا، سله عني وما مكاني عند الدوق.
الترجمان : هذا مدون لدينا، سله هل في المعسكر ضابط فرنسي يدعى الكابتن ديمان،١٣ وما منزلته عند الدوق وما مدى بسالته ونزاهته وخبرته بالحروب، وهل يعتقد أنه لا يمكن بالمال الطائل، والذهب الكثير، أن يرشي لينتقض ويتمرد، ما قولك في هذا وما علمك به.
بارولس : أرجو أن تدعني أجيب عن كل سؤال من هذه الأسئلة على حدة، اسألنيها منفردة.
الترجمان : هل تعرف هذا الضابط — ديمان؟
بارولس : أعرفه، لقد كان صبي مرقع للملابس القديمة في باريس، فضُرب بالسياط وطُرد من خدمته لإغرائه بنتًا بلهاء مسكينة من البنات اللاتي يتولى المختار رعايتهن، وهي ساذجة خرساء لم تستطع أن تقول له لا.

(ديمان يرفع يده عليه وهو غاضب.)

برترام : لا ترفع من فضلك عليه يديك، إني أعرف أنه سيلقى يومًا حتفه.
الترجمان : وهل هذا الضابط في معسكر دوق فلورنسا؟
بارولس : نعم، على قدر علمي، وهو خسيس حقير.
الشريف الأول : لا تنظر إليَّ هكذا، سنسمع عن مولاك حالًا.
الترجمان : وما مكانته عند الدوق؟
بارولس : الدوق لا يُعرف عنه إلا أنه ضابط حقير عنده، وقد كتب إليَّ منذ يومين يطلب إلي أن أطرده، وأظن أن كتابه معي في جيبي.
الترجمان : سنفتشك.
بارولس : في الحق يحزنني أن أقول إنني لا أعرف هل هو في جيبي أم هو في ملف مع كتب أخرى تلقيتها من الدوق، والملف في خيمتي.
الترجمان : ها هو ذا، هذه ورقة، هل أتلو عليك ما فيها؟
بارولس : لا أدري هل هي أم لا.
برترام : إن ترجماننا يحسن قراءتها.
الشريف الأول : كل الإحسان.
الترجمان : يا ديانا … إن الكونت أبله عنده ذهب كثير.
بارولس : هذا ليس كتاب الدوق يا سيدي … بل هو تحذير لفتاة عفة في فلورنسا تدعى «ديانا»، حتى لا تنخدع بإغراء كونت يدعى الكونت روسيون وهو غلام أحمق عاطل، ولكنه إلى جانب ذلك كله داعر عاهر، أرجوك يا سيدي أن تعيد الورقة إلى مكانها.
الترجمان : كلا، سأقرأها أولًا بعد استئذانك.
بارولس : إن الغرض الذي أردته من ذلك الكتاب شريف، من ناحية الفتاة ومصلحتها، فقد عرفت هذا الكونت الشاب غلامًا خطرًا فاجرًا كالحوت في افتراس العذارى، يلتهم كل ما يجده من لحم طري.
برترام : لعنة الله عليك من نصاب محتال ظاهرًا وباطنًا.
الترجمان (يقرأ) : «فإذا أقسم لك قسمًا، فأمريه أن يلقي في إثره ذهبًا، وما يلقيه خذيه، فهو إذا ابتاع شيئًا نسيئه لا يؤدي أبدًا ثمن ما يبتاع، إن من تحسن المساومة فقد أخذت نصف مكسبه. فساومي إذن وأحسني المساومة قبل أن تعطيه ما يريد، وقولي يا ديانا إن جنديًّا نبَّأك بهذا عنه، وحذَّرك هكذا منه، خليك مع الرجال، وإياك وقبلات الغلمان، وإذا كنت تريدين الحقيقة، فاعلمي أن «الكونت» مجنون وأنا بذلك عليم، يدفع قبل أن يملك، ولا يدفع وهو مدين … المخلص إليك، في همسة في أذنيك … بارولس».
برترام : سيساط أمام الجيش، وعلى جبينه هذه الأبيات من الشعر.
الشريف الثاني : هذا هو صديقك المخلص يا سيدي، واللغوي العريف بعديد الألسن، ومختلف اللغات، والجندي «القدير على كل شيء» في المعارك والساحات.
برترام : لقد كنت من قبل أحتمل أي شيء إلا الهررة، والآن إنه لهر في عيني.
الترجمان : يلوح لي يا سيد من نظرات قائدنا أننا سنضطر إلى شنقك.
بارولس : حياتي أولًا يا سيدي بأية حال، لا لأنني من الموت خائف، بل لأني كثير الذنوب، وأريد أن أكفر عنها بقية العمر، فدعني يا سيدي أعش في محبس، مقيدًا أو في أي مكان، إذ حسبي أن أحيا، ويكفيني أن أعيش.
الترجمان : سنرى ماذا يمكن أن نفعل، إذا كنت تعترف بكل شيء، فلنعد إلى الضابط ديمان، فقد رددت على السؤال الذي يتصل بمكانته عند الدوق، وعن مدى بسالته، فما قولك في نزاهته وأمانته؟
بارولس : إنه لا يتورع عن سرقة بيضة من الدير يا سيدي،١٤ وهو يحكي نيسوس١٥ في اختطاف الفتيات وسلب عفتهن، ويعلن أنه الحَنَّاث بالأيمان، الناكث بالمواثيق والأقسام، وهو في الحنث بها أقوى من هرقل وأشد بأسًا، وإنه في الكذب لذلق اللسان، فياض البهتان، حتى ليزري كذبه بالصدق، ويجعل الحق أشبه بالهذيان، والسُّكْر هو أفضل صفاته، وأحسن سجاياه، فهو يشرب كالحلوف،١٦ وفي نومه لا يحدث غير أذى يسير، إلا في الفراش والغطاء، وقد عرفوا هذا عنه، فجعلوا فراشه من القش، وليس عندي يا سيدي ما أزيده بسبيل أمانته، غير قولي إن لديه كل ما ينبغي للرجل الأمين ألا يكون لديه، أما ما ينبغي أن يتوافر عند الرجل الأمين، فليس عنده منه شيء.
الشريف الأول : بدأت لهذا أحبه.
برترام : لهذا الوصف الذي يصف به أمانته؟ اللعنة عليه، إنه يزداد عندي إمعانًا في أنه الهر؟
الترجمان : وما قولك عن خبرته بالحرب؟
بارولس : يمين الله يا سيدي، لقد حمل الطبلة في طليعة فرقة الممثلين الإنجليز،١٧ ولست أريد أن أكذب عليه، ولكني لا أعرف عن جنديته غير ما قالت، إلا أنه كان له في تلك البلاد الشرف يومًا في العمل ضابطًا في موضع يقال له «مايل أند»١٨ للتدريب على ازدواج الصفوف، وكان بودي أن أضفي على هذا الإنسان من الأمجاد والمكارم كل ما في الإمكان، ولكني لست من هذا كله على يقين.
الشريف الأول : لقد تجاوز في خسته الخسة ذاتها حتى بات منها كالعلم الفرد، والفذ الأوحد، فلا جناح عليه ولا تثريب.
برترام : اللعنة عليه، إنه هر أبدًا.
الترجمان : إذا كانت صفاته بهذا القدر البخس فلا حاجة بي إلى أن أسألك هل يفسده الذهب، فيتمرد؟
بارولس : إنه يا سيدي من أجل بضعة دراهم ليبيع عمره، ويتنازل عن إخلاصه، وميراثه ويحرم الوارث من تراثه أبد الآبدين.
الترجمان : وما قولك في أخيه، الضابط ديمان الآخر؟
الشريف الثاني : لماذا يسأله عني؟
الترجمان : من يكون؟
بارولس : غراب في العش ذاته، لا يماثل كثيرًا أخاه في الطيبة والخير، ولكنه يفوقه كثيرًا في الخبث والشر، ويجاوزه جبنًا، وإن كان أخوه مشهورًا بأنه من أجبن الجبناء، وهو في التقهقر أسرع من أي خادم فرارًا، وفي التقدم إلى الحومة ينكل نكولًا.
الترجمان : إذا أنقذت حياتك هل تتعهد بخيانة دوق فلورنس؟
بارولس : أي نعم، وقائد فرسانه الكونت روسيون.
الترجمان : سأتحدث همسًا مع القائد لأعرف بماذا يأمر.

(على انفراد.)

بارولس : لا طبول بعد الآن، اللعنة عليها جميعًا، يخيل لي أنني أستأهل كل ما جرى، أمن أجل نيل رضاء ذلك الغلام الشهواني الذي يدعى الكونت ومخادعته أعرض نفسي لهذا الخطر، ولكن من كان يظن أن هناك كمينًا وأنني واقع فيه.
الترجمان : لا مفر يا سيد غير الموت، فالقائد يقول، إن مخلوقًا مثلك، كشف بخيانة وغدر أسرار الجيش الذي يعمل فيه، وعرض بأناس لهم مكانتهم الرفيعة، وأقدارهم السامية، هذا التعريض الشنيع، لا يمكن أن يخدم الدنيا خدمة صادقة، ولا رجاء للعالم فيه، فلا مفر لك من الموت، أقبل أيها السياف اقطع رأسه.
بارولس : يا مولاي وسيدي، أبقِ عليَّ حياتي، أو دعني أرى بعيني مماتي.
الترجمان : ليكن ما تريد فوَدِّع جميع أصحابك (يرفع العصابة عن عينيه) انظر حولك هل تعرف أحدًا هنا؟
برترام : نعمت صباحًا أيها الضابط الكريم.
الشريف الثاني : بركات الله عليك يا ضابط بارولس.
الشريف الأول : سلمت أيها الضابط النبيل.
الشريف الثاني : أية تحية أحملها عنك إلى مولاي لافيه، لأنني عائد إلى فرنسا.
الشريف الأول : هلا أعطيتني أيها الضابط الكريم نسخة من الأنشودة التي كتبتها إلى ديانا في حق الكونت روسيون، ولولا أنني جبان كما وصفت، لأرغمتك على إعطائي إياها إرغامًا، ولكن وداعًا.

(يخرج برترام والشريفان.)

الترجمان : لقد ضعت أيها الضابط، وذهبت حياتك، ولم تبقَ إلا ملفعتك هي وحدها التي لا تزال معقودة.
بارولس : ومن ذا الذي لا يتحطم، إذا دبر له كيد؟
الترجمان : إذا استطعت أن تلتمس لك بلدًا لم يصب فيه بمثل هذا العار غير نسائه، جاز لك أن تنشئ فيه أمة قليلة الحياء، وداعًا يا سيدي، إنني سأمضي إلى فرنسا أيضًا، وسنتحدث فيها عنك أبدًا.

(يخرج.)

بارولس : ولكني مع ذلك كله شاكر، ولو أني أوتيت قلبًا كبيرًا لانفجر من هول هذا انفجارًا، لن أكون بعد اليوم ضابطًا، بل سأكل وأشرب وأنام ككل عبد من عباد الله ضباطًا أو أنفارًا، ولألزم قدري، وأعرف شأني وخطري، فذلك وحده هو الكفيل لي بالحياة، فقل لمن يرى نفسه متفاخرًا، «تقاجًا» خفْ يومًا كهذا، وسيأتي يوم يبدو كل تقاج فيه حمارًا، وأنت أيها السيف اصدأ في جرابك، ويا أيها الحياء ابرد من أحرارك، ولتحيا يا بارولس آمنًا مطمئنًا بعارك، وما دمت بالعبث والتهريج قد هزئ بك، فليكن في الهزء توفيقك ونجاحك فإن لكل إنسان حي مكانًا، ووسائل وأعوانًا … وإني للاحق بهم.

(يخرج.)

المشهد الرابع

فلورنسا — حجرة في بيت الأرملة

(تدخل هيلين والأرملة وديانا.)

هيلين : أحسبك قد أدركت أنني لم أسئ إليك، والله على ما أقول شهيد، وأمام عرشه أجثو، قبل أن أتم القصد، وأبلغ المراد، لقد أديت إليه المأرب المطلوب، عزيزًا لديه كالحياة، مما يجعل الوفاق، يطل من صدر التتري الصلد كالحجر الصوان، ويحدو إلى الشكر والامتنان، وقد نبئت أنه الآن في مارسيليا، ولدينا وسائل نقل مريحة إليها، فاعلمي أنهم يحسبونني ميتة، ذهبت من هذه الدنيا، وقد سرح الجيش، وأسرع زوجي عائدًا إلى الوطن متهافتًا، فبعون الله العلي العظيم، وبعد استئذان مولاي الملك الكريم، لا نلبث أن نلاقي الترحيب قريبًا.
الأرملة : أيتها السيدة الرفيقة، لم تجدي في يوم من الأيام خادمًا يقبل أمرك بأحسن مما تقبلناه.
هيلين : ولا سيدة، بل لا صديقة، أصدق الخاطر جهدًا في العمل على مجازاة صنيعك، ومكافأة محبتك، وثقي أن الله أرسلني لكي أكون لابنتك بائنة، كما قدر لها أن تكون لي على زوجي ظهيرًا ونصيرًا، ولكن لكم الله أيها الرجال! ما أغرب شأنكم، حتى ليتسنى بلطف الحيلة، الاستعانة عليكم بما تكرهون، والانتفاع بما تغضبون، حين تُخدعون في ظلمة الليل، فيمسي ما تكرهونه محببًا، ويبيت ما تنفرون منه مشتهى مجتبى، كذلك هي الشهوة، تلهو بما لا ترضاه، وتعبث بما لا تهواه، وتستعيض بالحاضر عما هو بعيد، ولكنا إلى هذا الحديث عائدون وله على الأيام مزيد، وأنت يا ديانا، لا بد من أن تعاني بعض العناء، من أجلي، وتنفيذًا لتعاليمي الأليمة.
ديانا : اجعلي الموت والوفاء، مقترنين بما تأمرين، فإني طوع أمرك، متحملة ما تريدين.
هيلين : لا يزال أمامك من العناء ما أرجو أن تحتمليه، وأنا عند كلمتي، بارة بعدتي، وسيدور الزمان فيأتي بصيف، يصبح للشجر فيه ورق وشوك، وجمال وأذى، وعذوبة ووخز، فلنرحل، إن مركبتنا على الأهبة، والوقت يدعونا أن نعجل، ولا ضير من البداية، إذا سعدت النهاية، والمثل الذي يقول خواتيم الأمور تيجانها صحيح على الدوام، والخاتمة هي تاج الأمور، ومهما تكن الوسيلة فإن الغاية هي التي تشتهر بين الناس.

المشهد الخامس

حجرة في قصر الكونتسة

(تدخل الكونتسة ولافيه والمهرج.)

لافيه : كلا، كلا، كلا، إن ابنك قد أضله مخلوق أَفَّاق مهرج، خبثه لأن يفسد شبان أمة بأسرها، ويضل فتيان قوم بضلاله وأفنه، ليت زوج ابنك كانت حية إلى الساعة وابنك الآن هنا، أقرب إلى حظوة الملك منه إلى هذه النحلة الحمراء الذيل١٩ الحقيرة التي أتحدث عنها.
الكونتسة : وددت لو أني لم أعرفه، لقد كان في عيني ممات أفضل سيدة تحمد الطبيعة على خلقها، لو أنها كانت من لحمي ودمي، وكبَّدتني أعز أنين الأم، وأحب أوجاع الوالدة، لما كان لها عندي من الحب ما هو أقوى جذورًا، ولا هو أشد تأصلًا.
لافيه : لقد كانت سيدة صالحة، لقد كانت سيدة صالحة، لا نظفر باقتطاف عشبة مثلها قبل أن ألف بقلة من غير نوعها.
المهرج : حقًّا يا سيدي، لقد كانت السعتر الحلو الذي يوضع في «السلطة» أو قل هي العشب الإلهي.٢٠
لافيه : إنها ليست أعشاب السلطة أيها الوغد، بل أعشاب الشميم٢١ ذات شذى وعطر.
المهرج : أنا لست بختنصر يا سيدي في علم الحشائش، ولا خبرة لدي بالأعشاب.٢٢
لافيه : أيهما تقر أنك هو، أوغد شرير، أم ماجن مهرج؟
المهرج : ماجن يا سيدي في خدمة امرأة، ووغد في خدمة رجل.
لافيه : وما حد براعتك، ومدى امتيازك؟
المهرج : أنزع من الرجل زوجته، وأؤدي أنا عمله.
لافيه : فتكون وغدًا في خدمته فعلًا.
المهرج : وأعطي زوجته عصاي يا سيدي لأخدمها.٢٣
لافيه : أشهد لك، فأنت وغد ومهرج حقًّا.
المهرج : في خدمتك.
لافيه : كلا، كلا، كلا.
المهرج : ولماذا يا سيدي؟ إني إذا لم أستطع خدمتك، استطعت خدمة أمير عظيم مثلك.
لافيه : ومن يكون؟ أفرنسي هو؟
المهرج : يمين الله يا سيدي إن له اسمًا انجليزيًّا، ولكنه أحر وجهًا في فرنسا منه في إنجلترا.٢٤
لافيه : ومن هو هذا الأمير.
المهرج : الأمير الأسود يا سيدي، أو أمير الظلام، أو بعبارة أخرى الشيطان.
لافيه : خذ هذا الكيس فهو لك، ولست أعطيك إياه لكي أغريك بترك مولاك هذا الذي تتحدث عنه، بل لتظل في خدمته.
المهرج : إنني حطَّاب يا سيدي أحب دائمًا النار العظيمة، وهذا المولى الذي أتحدث عنه يوقد نارًا حامية، وهو بلا شك أمير العالم، فلتدع سموه، مستويًا على ملكوته، أما أنا فحسبي الدار ذات الباب الضيق، لأنها في نظري خلو من الفخفخة والرواء، لا يدخلها ذوو الفطرة والجلال، وقد يدخلها بعض من القانعين أما الأكثرون فمن البرودة والوهن ورقة البدن بحيث يؤثرون الطريق المزدهر المؤدي إلى الباب الفسيح والنار الموقدة.
لافيه : اذهب حيث شئت، فقد بدأت أَمَلُّ منك، أقول لك هذا مقدمًا، لأني لا أحب أن أتشاجر معك، اذهب في سبيلك، واحرص على رعاية جيادي وحسن خدمتها، ولكن إياك والألاعيب والحيل في معاملتها.
المهرج : إذا استخدمت الحيل معها، فهي بعض عاداتها ولازماتها، فهي من طبعها بمقتضى ناموس الطبيعة وشرعتها.٢٥

(يخرج.)

لافيه : وغد ماكر، وخبيث.٢٦
الكونتسة : إنه لكذلك، وكان دأب زوجي الراحل أن يلهو كثيرًا به، ويستروح غالبًا إليه، فهو هناك باقٍ بأمره، ملازم القصر بحق توصيته، وهذا هو ما يجعله يعتقد أن له الإذن في قلة الحياء، والتصريح بالمجون والبذاء، والواقع أنه لا يخطو خطوًا، بل يعدو عدوًا أين يشاء.
لافيه : إنني أستلطفه كثيرًا، فليس ثمة من بأس، وكنت أهم بأن أنبئك، منذ علمي بوفاة السيدة الكريمة، وقرب مقدم ابنك إلى وطنه، أنني تكلمت مع مولاي الملك فرَضِي جلالته أن يتحدث بشأن زواج ابنتي، وتفضل بسبب حداثتهما، وصغر سنهما، ورضوانًا منه، أن يكون هو أول من يقترح، ووعد جلالته أن يفعل، وينسى ما كان في نفسه من الموجودة على ولدك، فالأمر إذن مهيأ، والظرف مناسب، فما تقولين يا مولاتي؟
الكونتسة : بكل سرور يا مولاي، وأتمنى من كل قلبي أن يتم ذلك.
لافيه : إن جلالته سيأتي رأسًا من مارسيليا، سليمًا معافًى كما كان في الثلاثين، وسيصل إلى هنا غدًا إن لم يكن الذي نبأني بهذا النبأ قد خدعني، ولكنه قلما تكذب أنباؤه في مثل هذه الأمور.
الكونتسة : يسرني أن أرجو لقاءه قبل مماتي، وقد تلقيت كتبًا تقول إن ابني سيكون هنا الليلة، فأرجو يا مولاي أن تبقى معي حتى تلتقيا.
لافيه : سيدتي، لقد فكرت من قبل فيما يصح أن أعلل به المثول في حضرته.
الكونتسة : سل تجب يا مولاي، حسبك شرفك الرفيع شفيعًا.٢٧
لافيه : مولاتي، لقد اتخذته أبدًا مرشدًا هاديًا، وأحمد ربي على أنه لا يزال مجديًا.

(يدخل المهرج.)

المهرج : أي مولاتي … هنا عن كثب مولاي ابنك، وعلى وجهه قطعة من القطيفة،٢٨ ولا تعلم إلا القطيفة ذاتها، هل من تحتها ندبة من جرح، ولكنها قطعة كبيرة٢٩ جعلت خده الأيسر منتفخًا متضخمًا، وتركت خده الأيمن حاسرًا وعاريًا.
لافيه : إن الجرح النبل، أو الجرح الذي ينال بنبل، ميسم الشرف، فليكن جرحه كذلك.
المهرج : ولكنه وجهك المقطع للشيِّ والتحمير …!
لافيه : هيا نذهب يا مولاتي لنرى ابنك، إنني مشتاق إلى الحديث مع هذا الجندي الشاب النبيل.
المهرج : يمين الله إنهم كثر، على رءوسهم قلانس رقاق فخمة، وريش جميل، تنحني بها الهامات، وتومئ لكل إنسان بالتحيات.

(يخرجون.)

١  كانت بائعات الزبد والبن في الأسواق معروفات بكثرة التقريع والتوبيخ والانتهار.
٢  كثر الخلاف بين الشراح في صحة هذه الكلمة هل هي «بغلة بايزيد»، أم وقع فيها تحريف، فقال بعضهم: إنها قد تكون «بغل بلعام» لا بايزيد، وقال آخرون: لعلها «زوجة بايزيد» لا بغلته، وهي «زبينا»، والغالب أن تكون كذلك للتناسب بينها وبين بائعة الزبد، والمراد أن بارولس يرى أنه لا أمل له في الخلاص السهل من الحرج الذي يضعه فيه لسانه، إلا أن يستعين عليه بالزجر والتأنيب حتى يقلع عن كثرة الادعاء.
٣  مقياس بحري، والقامة ست أقدام.
٤  حين قال ثلاثين قامة، اختار الشاعر رقمًا مناسبًا لعدد الأقسام ففرضها ثلاثة.
٥  كلام رطانة لا معنى له للتهويش على بارولس وتخويفه.
٦  حكمة بالغة، يريد بها أن يقول إن كثرة الأقسام لا تدل على أن ما قيل هو الحقيقة.
٧  وصفها بالمريضة ليتناسب هذا الوصف مع قوله «الشفاء».
٨  في الأصل عبارة غامضة اختلف الشراح فيها، وذهب فريق كبير منهم إلى أن فيها تحريفًا، فهي في المتن malse ropes وليس لها معنى غير قولك «يصنعون حبلًا»، وهو ما يجعلنا نفكر في «حبائل» الصائد جمع «حبالة» وهي تصنع من الحبال.
٩  تريد أن تفهمه أن استسلامها سيقضي على أملها في الزواج، وإن كانت تريد أيضًا التلميح لأملها بالنسبة إلى هيلين وما تريد أن تتولاه عنها.
١٠  أي بدَا مصفرًّا شاحبًا، وهذه العبارة لا تشير إلى أي تأثير معنوي بدليل ما سيأتي بعد.
١١  وضع المهماز في حذائه بلا حق، وكان المهماز شارة من شارات الفروسية.
١٢  السر المقدس أو العشاء الرباني معروف في الطقوس المسيحية، وقوله «كيف وبأي طريقة تشاء»، معناه أن بارولس لا يعرف جنسية مستجوبه، ومذهبهم الديني، هل هم كاثوليك أو بروتستانت، فهو لهذا يقول إنه على استعداد للقسم بالسر المقدس على أي مذهب يشاءون، أي حسب طلبهم.
١٣  هو الشريف الأول.
١٤  أي يسرق أي شيء تافه من مكان مقدس لا يصح أن يسرق أحد منه شيئًا.
١٥  هو حيوان خرافي يقال له «القنطروس» نصفه إنسان ونصفه حصان، وقد حاول أن يغتصب «دينيره» زوجه هرقل، ولكن هذا بادره بسهم فأرداه.
١٦  أي يسكر حتى لا يعي من فرط السكر، والحلوف يُكثر من الشرب.
١٧  كانت العادة كلما ذهبت فرقة من الممثلين لعرض مسرحياتها في القرى والريف أن تطوف بشوارعها، وتدق طبولها، وكان الذي يحمل الطبلة في الطليعة، والغالب أنه من الجنود الضعفاء الذين لا يعرفون شيئًا، فإذا فرغ من دق الطبل قام أحد الممثلين فخطب في الناس وبَيَّنَ لهم مزايا المسرحية المُزْمع تمثيلها.
١٨  كان أقوياء الجسوم من أهل لندن يُطلب إليهم في حالات الطوارئ أن يكونوا جنودًا في الحرس الوطني، فكانوا يذهبون لقضاء يوم واحد في السنة إلى موضع يدعى «أيل أند جرين» خارج المدينة، وكان هذا يعد من النكت التي يندر بها، ويدعى في الاصطلاح «ازدواج الصف» أي الوقوف صفين للتدريب على حركات المشاة.
١٩  يقصد بارولس، والنحلة الحمراء الذيل هي التي لا خير منها.
٢٠  نبات معروف، وهو (الزعتر)، وصحيحه بالسين، وفيه حلو وأنواع منه مُرَّة، والسلطة أو «السلاد» في اللغات الأجنبية هي المشهيات من الخضر، والعشب الإلهي هو نبات يُعرف بالسذب أو السذاب.
٢١  أعشاب الشميم هي التي تشم لزكي رائحتها.
٢٢  بختنصر ورد ذكره في سيره دانيال، وقد أصيب بالجنون فكان يأكل الحشيش كالثيران وكان جسمه مبللًا بندى السماء.
٢٣  هي العصا التي اعتاد المهرجون حملها لإضحاك الناس، وهو هنا يقصد معنى آخر (أي لكي تستخدمها في ضرب الزوج، وهي عصًا صغيرة ذات رأس في صورة مهرج، ولعلها أيضًا الشخشيخة).
٢٤  يشير إلى مرضى «الزهري» المعروف بكثرته في فرنسا.
٢٥  ألاعيب الخيل، هي العادات واللازمات السيئة التي تبدو على الخيل الحرنة أو الشريرة أو عنيفة المزاج، فهو لا يفعل شيئًا غريبًا، لأن ذلك طبيعي فيها.
٢٦  اتفق أكثر الشراح على أن المعنى المراد هو «وغد ماكر»، ولكن كلمة «غير سعيد» لم يضعها الشاعر عبثًا، ولا يزال لها معناها، لأن الماجن عادة رجل متشائم مستنكر للحياة، فلا تخلو كلماته الحلوة من مرارة.
٢٧  رأينا الشراح يمرون بهاتين العبارتين بدون تعليق وإن كانتا تحتاجان إلى إيضاح، فقد كان لافيه هو الذي عرض على الملك مسألة تزويج ابنته لبرترام، فلماذا نراه هنا مترددًا في مقابلته، وما الذي تشير إليه الكونتسة في ردها هنا عليه؟
٢٨  القطيفة هنا كناية عن شعر اللحية، والنكتة التي أرادها المهرج تشير إلى المرض الفرنسي «الزهري» وكانت العادة إن ظهر طَفْحُه على الوجه أن يعالج بلزقة طِبِّية.
٢٩  في الأصل مقدار معين من القطيف يغطي الخد الأيسر ويجعله كالوارم إشارة إلى «الزهري».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤