الفصل الأول

(المنظر: حجرة «القُعاد» في بيت مصري متوسط. وهذه الحجرة لها في الغالب مكان مُحدَّد في البيت … فأحيانًا تكون في الصالة، وأحيانًا حجرة مستقلة، وفي أحيان قليلة تُستعمَل حجرة نوم الأبوين. وحجرة «القُعاد» هي أكثر الحجرات استعمالًا، فالصالون لا يُفْتَح إلا للضيوف، وأُودة السفرة تُستعمَل للزينة أكثر مما تُستعمَل لتناول الطعام، هذه الحجرة هي بؤرة البيت، فيها يمرح الأولاد وهم أطفال، وينامون على رُكب أمهاتهم وآبائهم، وفيها أيضًا يجلسون إذا كبروا واضعين ساقًا فوق ساق يطلبون المصروف بإلحاح، وينظرون باشمئزاز إلى الأساس العتيق الذي طالما عشقوه وهم صغار. هي الحجرة التي يُستقبَل فيها الأصدقاء والمُقرَّبون، ويُدبَّر فيها المستقبل، ويُزاح الستار عن أسرار الأسرة المنيعة التي لا يعرفها أحد.
والحجرة في أثاثها مُريحة كجلباب النوم. الأناقة تحتفظ بها الأسرة للمدخل وحجرة الصالون وكل ما تقع عليه عين الغريب، أما في هذه الحجرة فبها كلُّ ما هو غير أنيق ومريح، الكنبة الإسطنبولي المُعتادة، والصور التي رسمَها الأولاد وهم تلاميذ صغار مُثبَّتة بمسامير إلى الحائط وكأنها أَوْسِمة مَجْد، ولا مانع من حمار مرسوم بالفحم على الحائط أو عروسة. القُلل في الشبَّاك (حتى مع احتمال وجود ثلاجة في البيت) فماء القُلة حلاوته لا تُقارَن عند الأم بأيِّ ماء مُثلج، هناك أيضًا دولاب قديم ضُلَفه مفتوحة باستمرار، ومحتوياته تبدو للعيان، فوتيل مُستعمَل يجلس عليه الوالد في العادة ولكن في أغلب الأحيان تحتله الأم، شماعة ملابس عليها ما لا يقل عن ٥٠ قطعة. ترابيزة كثيرًا ما تتناول الأسرة عليها الطعام. ماكينة خياطة قريبة من الباب. نتيجة مُعلَّقة على الحائط لم تُنتزَع عنها الأوراق منذ أيام أو لعلَّها نتيجة العام الماضي. «كونسول» له مرآة وسطحه من الرخام الأصلي. درَّاجة صغيرة بثلاث عجلات إحداها مكسورة. ولا يسلم الأمر من حبل غسيل مُمتَد في ركن الحجرة وعليه مناديل وشرابات مغسولة.
الحجرة لها ثلاثة أبواب: باب إلى اليمين (يمين المسرح) يؤدِّي إلى داخل البيت والمطبخ. وباب في الوسط يؤدِّي إلى الصالة ومن ثَمَّ إلى حجرات النوم. وباب إلى اليسار يؤدِّي إلى مدخل الباب. وهناك نافذة بين باب الوسط وباب اليسار لها حافة موضوع فوقها أصص زرع، وبعض الزرع يطلُّ إلى الداخل. ومن خلال النافذة نلمح مباني الشارع والمدينة، وبالذات نافذة المنزل المقابل.
الوقت في الصباح الباكر، والساعة حوالي السابعة، وهنية واقفة في منتصف الحجرة في حالة عصبية ظاهرة منخرطة في نقاش مع «سعد»، بينما كوثر واقفة تروي أصص الزرع من قُلة في يدها.
هنية أمٌّ في الخمسين ولكنها من ذلك النوع الذي يبدو أقل من سنه، قصيرة القامة، وتميل إلى الامتلاء، قمحية اللون، نادرة الابتسام، ترتدي «روب» منزلي مُزيَّن بورود قديمة باهتة.
سعد شابٌّ تعدَّى العشرين بقليل، ملامحه حادة ووجهه مستطيل نحيف وفيه وَسَامة. تحسُّ أنَّ في داخله طاقة متوهِّجة تشع من عينَيه وملامحه، كلماته سريعة متلاحقة، وكثيرًا ما يتوقَّف عن الكلام فجأةً وبلا سبب، ثم يعود يستأنف حديثه. من الصنف الحامي الذي يريد أن يتحقَّق ما في رأسه، وأن يتحقَّق في التوِّ واللحظة. سريع الانفعال، سريع الملل، إذا ضحك يضحك من حنجرته فقط، وإذا تكلَّم يتكلَّم من قلبه. تحسُّ من خلال حديثه أنه ساخط على شيء مجهول، وناقم على العالَم من أجل ذلك الشيء. يرتدي بنطلونًا كاكيًّا وقميصًا أبيض.
كوثر في حوالي الثانية والعشرين، نحيفة ولونها أغمق من لون أمها وفي ملامحها وَسَامة وإنْ لم تكُن جميلة، وأنوثتها مُختلطة بقلق وتوَهَان وعصبية، وحين تتكلَّم يخرج صوتها سَرْحانَ تائهًا ذا نبرة موسيقية، فيه كثير من اللامبالاة والاستخفاف. كثيرًا ما تُدندن واللبانة لا تترك فمها، ورَدُّها حاضر.)
هنية : وإن مت؟
سعد : أبقى إنشا الله في داهية.
هنية : وأعمل أنا إيه؟
سعد : تعملي اللي تعمليه.
هنية : ما انتم أصلكم جنس جبَّار، وقلوبكم مش منكم. لو كنت تعبت زيي وحبلت وولدت ورضَّعْت وسهرت الليالي تداوي وتبكي كنت عرفت إيه قلب الأم، إنما انتم أصلكم جبَّار قلبه مش منه … ياخي بلا نيلة.
سعد : اسمعي يا وليَّة … كُتر الكلام مش ح يفيد … أنا ليَّة دماغ بفكَّر بيها، واللي على كيفي حعمله. سامعة ولَّا مانتيش سامعة؟
هنية : سامعة يخويا … ما تضربلك قلمين وتسكت. وعلى آخر الزمن بتقول لي يا وليَّة (ثم بصوت عالٍ فجأةً) بس قول لي بس، بتعملوا إيه في التداريب دي؟ وبعدها إيه؟
سعد : بعدها نحارب.
هنية : وتجيني شايلينك البعيد على نقَّالة.
سعد : أهو يفضل لك مسعد ومحمد.
هنية : (بلهجة شديدة التأثر) والله ما يمكن، دا انت اللي فيهم والله، لا مسعد ولا محمد ولا عَشَرة زي مسعد ومحمد (تنهمر من عينها الدموع وتواصل الكلام) بقى ربيناك وعلمناك، وبدل ما نخليك تشتغل بعد الثانوية زي ابن أم محمود، ولَّا زي سلامة أفندي ما عمل في ولاده، بدال كده صرفنا عليك دم قلبنا ودخَّلناك الهندزة علشان تيجي في الآخر وتبهدلنا كده! طب إن ما كَنْش علشانك انت، اعمل خاطر لنا احنا. (بتأثُّرٍ شديد) والنبي كنت أموِّت نفسي … يا دهوتي كانت.
سعد (منفجرًا) : يا عالَم علمتونا الجُبن … يا عالَم خليتم الدنيا تركبنا وتهز رجليها. الأم في بلاد بَرَّة بتشيل، وانتم هنا شاطرين تِكسَّروا مقاديفنا. طول عُمركم عايشين في ذل، وعاوزين تِذِلُّونا معاكم. اسمعي يا وليَّة … تلاتة بالله العظيم أنا بادَّرَّبْ وحادَّرَّبْ وححارب، وإنشا الله يتهد البيت ده فوق روسكم (ثم يكمل انفجاره بسكوت مفاجئ وينظر شزرًا).
هنية : (مُغيِّرة طريقتها) يا ابني أنا أمك!
سعد : أمي ما تهبَّطْنيش.
هنية : أنا خايفة عليك يا ابني، هو ده حرام كمان؟ قلب الأم يا ابني!
سعد : هو ما فيش حَد له أم إلا أنا؟ ما الدنيا كلها أمهات.
هنية : لو كنت أم ما كنتش تقول كده.
سعد : ولو كل الأمهات قالوا لأولادهم كده، مين يدافع عن بلدنا؟
هنية : خلي اللي يدافع يدافع يا ابني، وخلِّينا احنا في حالنا.
سعد : وأنا ما كُنشي من اللي بيدافعوا ليه؟
هنية : إنت؟
سعد : أيوة أنا!
هنية : عشان انت ابني.
سعد : وعشان ابنك أستخبَّى في حضنك؟ حضنك ما عدشي يسعني … أنا كبرت عليه.
هنية : انت كبرت على حضني يا ابني، إنما حَد بيكبر على الموت؟
سعد : واشمعنى التانيين يموتوا؟ هما مش ليهم أمهات برضه؟
هنية : بس يمكن أمهاتهم ما بتحبهمش زي انا ما بحبك.
سعد : أهو ده الحب اللي يكرَّه الواحد في الحب. حُب إيه ده؟ دا الكُره أحسن منه … هو ذنبي إنِّك بتحبيني؟ حِبِّيني زي ما انتي عايزة بس سيبيني أعمل اللي أنا عاوزه.
هنية : اعمل كل اللي انت عاوزه إلا ده.
سعد : وإذا كان كل اللي أنا عاوزه هو ده؟
هنية : إبقى مَوِّتني الأول.
سعد (منفجرًا) : ما فيش فايدة! انتي في وادي وأنا في وادي. لا حَفْهَمك ولا حَتِفْهَميني أبدًا. يلعن أبو دي عيشة … تلاتة بالله العظيم.
(صوت من الداخل) … تلاتة بالله العظيم إنْ ما سكت وبطلت الدوشة دي على صباح ربنا لا طالع مخلي وشك زي قفاك. ساكت ولَّا مانتش ساكت؟
سعد (في صوتٍ مغيظ مكتوم) : يا شيخة جتكم الهم.

(يستدير فجأةً ويخرج.)

هنية : (تندفع وراءه وتنادي عليه، وحين يختفي خارجًا تزيح كوثر الواقفة عند الشباك بعنف وتستمر في نداءاتها) سعد! خد يا سعد! أما أقول لك كلمة. كلمة واحدة بس وروح زي ما انت عاوز تروح. (الصوت الداخلي): فين كباية المية السخنة يا ولية؟ كل يوم أقول لك حَضَّريها.
هنية : والنبي يا سي سيد تناديله. اعمل معروف نادي لسعد … يا سعد!
(الصوت الداخلي): يا هنية.
هنية (متراجعة من النافذة) : والنبي ما تسمَّعني خبر وحش يا رب … ما اسألكشي رد القضا، أسألك اللطف فيه.
(الصوت الداخلي): فين كباية المية السخنة يا ولية انتي؟
هنية (لكوثر) : اسمعي يا بت … انتي عارفة أبوكي ما يعرفشي حاجة عن التداريب دي … والنبي إن بزيتي بكلمة له لاكون قاطعة لسانك من سقف حلقك. إنْ سأل عليه قولي خرج. فين؟ معرفش. ووصِّي إخواتك.
كوثر : إن كان عليَّ أنا … أنا مالي هو حُر يعمل اللي هو عاوزه. بس الواحدة لو بصت من الشبَّاك تعلقوا لها المشنقة. الظلم ده كان ليه يا رب؟
(الصوت الداخلي): يا هنية! يا ست هنية! يا مَرْكِيزة هنية!
هنية (لكوثر) : سامعة؟ وَلَا كلمة. روحي انتي صحِّي اخواتِك.
(لنصار) أيوة … عايز إيه يا حاج؟

(لنفسها) استر يا رب!

(لنصار مرة أخرى) ما كباية المية السخنة عندك ع الكومودينو، ده دي!

(الصوت الداخلي): ولا ع الكومودينو ولا فوق الدولاب ولا في جيب البالطو، ولا عاد لي قيمة في البيت ده … ولا انتي عُنتي نافعة ولا شافعة ولا فاضيالي عليَّ الطلاق بالتلاتة.

(يدخل نصار المسرح من باب الوسط مرتديًا فانلة بأكمام طويلة، وسروالًا مربوطًا تحت الركبة، ونظَّارة بشنبر أمريكي سميك، وهو ضخم الجثة في حوالي الستين، سريع الحركة كثير الالتفات والتشويح.)

هنية (مقاطعة) : وانْ كانت ع الكومودينو؟
نصار : أبقى أقطع دراعي. مش من هنا (مشيرًا إلى ما فوق الرسغ) من هنا (مشيرًا إلى ما تحت الكتف)(هنية تدخل الحجرة).
دي عيشة إيه دي! أصل بغل الحكومة لما بيكبر بيضربوه بالنار … هه!

(يرفع يديه إلى أعلى كمَن يهم بلعب تمرينات رياضية لثني الظهر ومده. ينثني إلى أسفل، ولكنه يعتدل فورًا وهو يُمسك ظهره بيده) آي! العوض على الله (يجلس على الكنبة) زرجنت مفاصلك يا نصار وكان اللي كان. الحقيني يا ولية … ضهري وقف.
هنية (داخلة) : المية السخنة أهه … أعوذ بالله.
نصار (يتناولها) : يا ولية أنا حدَرِّس لك من جديد؟ مش عارفة لازم تكون دافية ولازم تكون على ريق النوم.
هنية : وأعمل لك إيه يا حاج بس؟ سخنتها ٣ مرات وانت ما تصحاش.
نصار : أمرنا لله … أمرنا يا ست هنية. لازم هي سخنة وأنا مش حاسس. (يشرب الكوب) يهمِّك إيه انتي من صحتي. زي ما بيقولوا ليس على الجاهل حرج، وانتي أصلك ما تعرفيش قيمة شوية المية دول على ريق النوم. والإذاعة اللي اتنصبت على الصبح كانت على إيه؟
هنية : ما كانتشي ولا حاجة.
نصار : سعد ماله؟
هنية : ما مالوش.
نصار : تكونيش فاكرة تِلْتين مخي كابوريا؟ ماله سعد؟
هنية (بتململ) : ما فيش … باينُّه كان عايز فلوس.
نصار : وعوزته دي لزومها إيه تِطَيَّر عصافير دماغي على الصبح؟ دلَّعي دلَّعي … أنا أكفَر كل يوم علشان أجيب القرش من هنا، وانتي تدلَّعي من هنا. وما صحتنيش ليه لما جبتي المية؟
هنية : قلت أسيبك تنام لك شوية.
نصار : وسيبتيني ولَّا فتحتي المكرفون على الآخر؟ إنتوا حواليكم نوم ولا هباب عالي؟!
هنية (تأخذ الكوب الفاضي وتخرج وهي تتمتم لنفسها) : يا فتَّاح يا عليم على الصبح.
نصار (يغير لهجته فجأةً ويكمل ناظرًا إلى الباب الأيمن) : أنا راخر باقول إيه الريحة الحلوة اللي فاحت دي؟ يا جماله ودلاله وخفة دمه الحَبُّوب المحبوب، ملك قلبي وتاج راسي … مين صبَّح على بابا؟
(تظهر سوسن على الباب وهي تُقدِّم رِجلًا وتُؤخِّر أخرى، تدعكُ عينَيها اللتين لا يزال يملؤهما النوم. نصار يهبط واضعًا ركبتيه على الأرض ويفتح ذراعيه. تُقْبِل سوسن وجفونها مُطبَقَة، وعلى وجهها غضب لا يُعْرَف سببه، وتقذف بنفسها في حضن أبيها بطريقة ميكانيكية بحتة. أبوها يحضنها ثم يُقبِّلُها. ويمسح إفرازات أنفها).
نصار : مين حب بابا؟ … مين روح بابا؟ … مين بوس بابا؟ (يصعِّر خده للتقبيل، فتطبع سوسن على خده قُبلة باردة نائمة، ثم تنفر منه فجأة، وتبدأ في البكاء).
سوسن : أنا ما لي هه.
نصار : ما لك روحي؟ بتعيطي ليه؟ ما لك سوسو؟
سوسن : (تندفع في بكاء عالٍ).
نصار (بقلق شديد) : ما لك حبوب؟ ما لك؟
سوسن (وهي تسكت فجأةً عن البكاء) : عايزة حصان.
نصار : (مقهقهًا) بس كده؟ حصان؟ حصان وبس؟ حصان وعروسة وعريس ينفع للجميل دهه. حاضر!
(يفتح درجًا في الدولاب ويُخْرِج منه حصانًا من الصفيح على هيئة لعبة) اتفضلي … حصان جاي من سبق الخيل على طول.
سوسن (تعرض عنه) : لا … عايزة حصان كبير.
نصار : ما هو كبير أهه.
سوسن : كبير أركبه يا أخي. إيه ده؟
نصار (يقهقه) : بس كده؟ حاضر. النهارده وأنا راجع أجيبلك واحد.
سوسن (تبكي من جديد) : أنا ما لي هه … أنا عايزاه دلوقتي.
نصار : أمري إلى الله.
(يدخل حجرة النوم ويعود مرتديًا جلبابًا أفرنجيًّا ومعه مسند) اتفضلي اركبي.
سوسن (تبكي) : لا … دا مش حصان.
نصار : أمال دا إيه؟
سوسن : دا مسند يا شيخ … الله!
نصار : يا فتَّاح يا عليم! ودي يا خويا قايمة م النوم، إيه اللي فكرها بالحِصِنة دلوقتي!
سوسن (تبكي وتضربه) : أنا مالي هه. عايزة حصان … هاتلي حصان حالًا.
نصار : ودي مشكلة إيه دي يا ولاد؟ (تبرق ملامحه) عايزة حصان؟
سوسن : آه (وتواصل البكاء).
نصار : دلوقتي حالًا؟!
سوسن : آه (وتواصل البكاء).
نصار : مش تركبيه يعني؟ بس كده؟ حاضر (يسجد أمامها) انتي حتلقي أحسن من كده احصنة. اركبي يا ستي … اركبي.
سوسن : لأ … هه … أنا مالي … هو انت حصان؟ أنا مالي. أنا عايزة حصان.
نصار : يا بنتي والنبي أنا أجدع من ستين حصان … شايفة؟ أهه. (يمشي على يديه وقدميه كالحصان ويستعرض نفسه أمامها. وينهق ويصهل ويضرب الأرض بقدمه). آدي الحصنة ولَّا بلاش. يلَّا قبل ما يلعب. حتركبي ولَّا أنادي أمك تركبني أكتر ما هي ركباني؟ يلَّا (يصهل).

(تدخل فردوس من الباب الأيمن، جميلة التقاطيع، مكتنزة الأعضاء، عايقة، شديدة البياض، ولا بد قد قضت وقتًا طويلًا في وضع التواليت تمسك بمقشة.)

سوسن (تراقبه ثم يخفت بكاؤها تدريجيًّا ثم تضحك فجأةً وتجري وتقفز على ظهره وتنهال عليه لكزًا وضربًا) : شي يا حصان … شي يا حصان …
فردوس : يا عمي (ترى المشهد فتدهش وتقف في مكانها لا يلحظها نصار).
نصار : برررررم … برررررررم (يصهل ويتجه بسوسن إلى الباب الذي تقف عنده فردوس وحينئذٍ يكتشف وجودها واستغرابها) معلشي يا مرات ابني … بكرة يا ست فردوس لما تخلِّفي بإذن الله حيتعمل فيكي أكثر من كده.
سوسن (تنهال عليه) : شي يا حصان … وقفت ليه؟ شي … الله!
نصار : حاضر … (ثم يضرب الأرض بقدمه ويصهل بصوت منخفض خَجول ويخرج من الباب الذي جاءت منه فردوس).
فردوس : إيه العيلة المهووسة اللي ربنا وقَّعني فيها دي يا خواتي؟ إلهي يجازي اللي كان السبب.
كوثر (داخلة من الباب الأيسر ومعها مقشة أخرى) : مالها العيلة يا ست هانم! مش قد المقام؟
فردوس (تنظر إليها ولا تجيب، ثم تخاطب الحائط الذي أمامها) : إيه الرزالة دي؟ حد داس لها على ديل دي رخرة؟ بقى يا رب رضينا بالغُلب والغُلب مش راضي بينا؟
كوثر : حاكم هناك … أصل هنا غُلب والعشة اللي جاية منها سقفها نايلون.
فردوس (تُهدِّد الحائط) : إذا كان لسانك شِبر أنا لساني دراع … وإذا كان ليكي أهل يترد عليهم.
كوثر (تخاطب الحائط الآخر) : أنا؟ أنا لي أهل، إنما الدور يا حسرة على اللي كانوا بيشحتوا لها القرايب يوم كتب الكتاب.
فردوس : (للحائط) شاهدين؟
كوثر (للحائط) : خيبة بالويبة. أنا خلَّصت النص بتاعي بس لسان يضرب بالقلة.
فردوس : شوفوا الكذب العلني يا خواتي … بقى اللي اكَّنَس دا النص؟
كوثر : الكدابين إنتو والنصابين إنتو، وإذا كان ع اللي اكَّنَس ده أكتر من النص ببلاطة كمان.
فردوس : والنبي أنا مانا كانسة إلا لغاية عاشر بلاطة. واللي مش عاجبه يخبط دماغه في الحيط.
كوثر (مواجهة فردوس أخيرًا) : بقى شوفي يا بت … أنا مالياش في البيت شُغل، واللي بعمله بعمله بخطري … وبقية الأرض تكنسيها ورجلك على رقبتك … دا مش بيتي عشان اشتغل فيه … أنا إذا كنت هنا النهارده بكرة يجيني عَدَلي وأروح بيتي.
فردوس : بكرة يجيها عدَلها! ياخي اسم الله عليكي وعلى عدَلك. إيه الألاطة دي كلها؟ اللي يسمع كده يقول الخُطَّاب حِفيت … بكرة يجيني عدَلي قال! وبقى لنا عشر سنين على دي الحال ولم ييجي العدَل ولا العريس طَل.
كوثر : شايفين؟ شايفين بنت المركوب بتقول إيه.
فردوس : أنا أبويا مركوب؟ أنا أبويا مركوب؟ والنبي انتي اللي أبوكي ستين برطوشة قديمة.
نصار (داخلًا) : لا والله وانتي الصادقة سبعين. هم ستين ينفعوا؟
كوثر : شايف يا بابا؟
فردوس : وأنا آجي البيت ده عشان أتشتم ويبقى أبويا مركوب؟ كان أبويا يا حاج مركوب؟
نصار : والله أبوكي ما هو مركوب … أنا اللي ستين مركوب. حاكم الخِلفة النجسة تجيب لأهلها الزفارة (لكوثر) تسوى إيه إني أتهزأ أنا دلوقت؟ انطقي يا صاحبة العصمة انتي. انطقي! يا بت لما أكلمك إبقي راعيني.
كوثر (تبدأ في البكاء) : كل مرة تيجي عليَّ؟
نصار : انتي اللي بتيجي على روحك. حاكم ما فيش أعدَى للبني آدم من لسانه. اللسان عدو الإنسان. أيوة كده والله العظيم (يُنَغِّمها) اللسان عدو الإنسان. حلوة دي (يقترب من فردوس ويضع يده على كتفها) وانتي يا ست فردوس معلشي. (يطبطب عليها) الحلاوة دي كلها تنهان في بيتي؟ معلشي حقك علي. امسحيها في دقني دي. وآدي راسك أهه (يهم بتقبيل رأسها ثم يعدل ويُقبِّل جبهتها).
فردوس (تنحني وتقول في شبه بكاء) : والنبي علشان خاطرك انت بس يا عم الحاج (كوثر تُلقي نظرة موتورة إلى أبيها وفردوس، ثم تخرج من الباب الأيسر).
نصار : جوزك راح الورشة ولَّا لأ؟
فردوس : من بدري.

(يدخل محمد وهو في العاشرة يرتدي بيجامة، وشعره مشعث ولا تزال به آثار النوم.)

محمد : صباح الخير يا بابا. أنا جعان عايزين ناكل.
نصار : وده وش تقول به صباح الخير؟ فِز قوم اغسل وشك (محمد يخرج بسرعة ويعود بسرعة وقد رشَّ على وجهه بعض الماء ويجلس).
محمد : أنا جعان.
نصار : جوع في عينك … انت لازم في بطنك دود يا ولد، مش لما يصحى أخوك سعد.
محمد : أخويا سعد مش حيصحى.
نصار : ليه؟
محمد : عشان دا صحي من زمان وخرج.
نصار : وخرج فين؟
محمد : الله! الواحد جعان … مهو كل يوم بيروح المعسكر.
نصار : معسكر إيه يا ولد؟
محمد : معسكر التدريب … ما تيَلَّا بقى.
نصار (مُمسِكًا محمد من كتفه) : تدريب إيه؟
محمد : الله وأنا مالي، ده دي! أنا عارف تدريب إيه، عشان يحاربوا ولَّا إيه!
نصار (يهز رأسه) : بقى كده؟ كل يوم بيروح … وعشان النهارده الراحة وأول يوم أفطر فيه معاكم من زمان عرفت. كل ده يحصل وما اعلمش … من زمان بيروح يا ولد؟
محمد : أظن كده.
نصار : وما قلتليش ليه؟
محمد : انت سألتني؟
نصار : سألك البلا. بقى كده؟ والله عال! فِز قوم اندَه امك.
محمد : يوه! هوة الواحد إذا شفتوه ماتريحوهشي أبدًا؟ لازم روح وهات وجيب وودِّي … أعوذ بالله! والله الواحد ينتحر أحسن.
نصار : فِز قوم امشي انده امك.
هنية (واقفة في باب الوسط) : عايز حاجة يا نصار؟
نصار : عايز أسألك سؤال … تعالي هنا. أنا باشتغل في البيت ده إيه؟
هنية : بتشتغل إيه … إيه. والله ما أنا عارفة بتشتغل إيه.
نصار : إذا ما كنتيش انتي عارفة أنا عارف. عارفة بشتغل إيه يا هنية؟
هنية : إيه؟
نصار : طرطور.
هنية : يا فتَّاح يا عليم!
نصار (بانفجار) : ما هو لازم أعرف بالظبط أنا هنا بشتغل إيه … لازم حد يفهمني مركزي في البيت ده. إنتم عاملينِّي سيم. عاملينِّي ستارة وبتشتغلوا من ورا ضهري. عايزينِّي أبقى آخر مَن يعلم. إزاي يا ولية سعد يخرج كل يوم يتدرَّب وأنا معرفش؟ وأسألك ماله؟ تقوليلي عايز فلوس. دول يومين قاعدهم على بال ما أدبر له القرشين عشان يسافر مصر، يقوم يقعد يتدرَّب فيهم وأنا معرفش، وتبقي عارفة ولا تقوليليش. أنا لازم أعرف إن كنت أنا هنا الحاج نصار ولا الحاجة عيشة!
هنية : وبتزعق لي ليه أنا؟ لما ييجي ابقى اعرف شغلك معاه.
نصار : هو المهم إنه ييجي يا أفوكاتو المودَّة والإخاء انتي. المهم إزاي يتدرَّب من غير ما أعرف؟ إزاي؟ البسي هدومك حالًا وروحي دوَّرِي عليه وهاتيه يا اختي يا بتاعة المهندس باش.
هنية : أجيبه منين؟ وأنا عارفاه فين.
نصار : عليَّ الطلاق بالتلاتة …
هنية : ما تحلفش لحسن وِدِيني ما انا رايحة.
نصار : ودينك ينفع … ارمي عليَّ يمين الطلاق ارمي.

(يلتفت فيلتقي نظره بمحمد.)

محمد : والله ما أنا خارج من هنا إلَّا امَّا آكُل الأول. أكِّلوني الأول وبعدين انشالله أروح في داهية.
نصار : فِز يا ولد.
محمد : والله العظيم ما أنا رايح إلا لمَّا آكل.
نصار : ما ترمي انت راخر يمين الطلاق.
محمد : لأ. عيب! هو أنا قليل الأدب علشان أحلف بالطلاق؟

(يسمع خبط على الباب.)

هنية (بفرح) : هوه … أنا أفتح له.
نصار : هوه. (يجلس على الكنبة ويضع ساقًا فوق ساق ويعدِّل المنظار ويستعد). تُسمَع فرقعة قبقاب في المدخل، ثم يظهر مسعد. (يرتدي قميصًا أبيض غير نظيف وبنطلونًا أصفر وقبقابًا، له شارب خفيف).
مسعد (وهو داخل) : أبا. أبا.
نصار : هو انت؟ ياخي املا بقك ذوق وقول صباح الخير. شفتش زفت أخوك؟
مسعد : زفت اخويا؟ زفت اخويا مين؟
نصار : زفت اخوك سعد.
مسعد : زفت اخويا سعد؟ شفته.
نصار (بلهفة) : فين؟!
مسعد : فين؟ هنا.
نصار : امتى؟
مسعد : امتى؟ إمبارح.
نصار : يا جدع شفته النهارده؟
مسعد : النهارده النهارده؟
نصار : أيوة!
مسعد : لا. النهارده … النهارده ما شفتوش.
نصار : طب روح دَوَّر عليه وهاتهولي دلوقت حالًا من تحت طقاطيق الأرض.
مسعد : من تحت طقاطيق الأرض منين؟
نصار : ما اعرفشي.
مسعد : ما تعرفشي؟ وأجيبه منين؟
نصار : هاتهولي والسلام.
مسعد : أجيبه والسلام منين؟
نصار : بقولك من تحت طقاطيق الأرض.
نصار : يا سي مسعد قشطة أخوك ما تعرفشي فين، اتحرك شوفه راح فين.
مسعد : راح فين؟ يمكن لسة نايم مافتِّشتوش في أوضة النوم ليه؟
نصار : ياخي جك داء البعيد … فتشنا ومالأقنهش.
مسعد : يبقى لازم بقى خرج بدري.
نصار : إنت جبت الذكاء دا كله منين؟ طب دانا ماعنديش رُبعه. والله عشت يا نصار وخلِّفت.
مسعد : أهو احنا كده يا ولاد العرب … نغيب نغيب ونتريق على بعض. يا اخوانا مش كده الواحد برضك عنده إحساسات.
نصار : ولما عندك إحساسات سايب الورشة وجاي ليه دلوقتي؟ انت مش عارف إن اللي هناك صنايعية ما يهمهمشي إذا اتنهب اللي فيها؟ عارف ولَّا مانتاش عارف؟
مسعد : عارف ولَّا مانيش عارف؟ عارف.
نصار : طب سايبها وجاي ليه؟ أقطع دراعي مش من هنا، من هنا، إن ما كان زمان نُص الغِرَى اللي هناك طار. طار والا ما طارشي؟
مسعد : طار ولَّا ما طارشي؟ ما طارشي.
نصار : وجاي ليه أمال؟
مسعد : جاي ليه؟ أيوة صحيح جاي ليه؟ مانت خدتني في دوكة. واحد جه يسأل عليك.
نصار : واحد مين؟
مسعد : مين؟ اللي بيجيلك كل مرة.
نصار : مين يعني؟
مسعد : مين يعني؟ مش عارفه؟ الراجل اللي بيحصَّل الكمبيالات. بتاع الشركة اللي شاريين منها الموتور.
نصار : نهارك مهبب! هو احنا لاقيين فلوس ندي لخوك؟ وقلت له إيه؟ أنا مش قايل لك تقول له إني سافرت ولَّا مُت ولَّا رُحت في داهية.
مسعد : ما قلت له.
نصار : قلت له إيه؟
مسعد : قلت له أبويا مش هنا.
نصار : قال لك أمال فين؟
مسعد : إيش عرَّفَك؟ دا قال كده بالظبط. قلت له أبويا مش هنا. ف البيت.
نصار : جدع! براوة عليك! يحميك! قال لك إيه؟
مسعد : قال وآدي قاعدة لما ييجي.
نصار : وجيت تندهني؟
مسعد : صح كده، وجيت.
نصار : شرَّفْت.
مسعد : شرَّفْت؟ آدي احنا كده يا ولاد العرب … نغيب نغيب ونتريق على بعض.
نصار : حالًا دلوقتي روح قول له إنك جيت لقيتني سافرت على مصر. اتحرك! يلَّا أنا داخل ألبس هدومي وأروح أشوف الواد راح فين. انت لسة هنا؟

(نصار يخرج من الباب الأيمن، مسعد يتوجَّه إلى الباب الأيسر.)

مسعد : وافرض قال انِّي مستنيه هنا لما ييجي من مصر؟ أعمل إيه انا؟

(تظهر فردوس عند الباب الأيسر.)

فردوس؟ واقفة كده ليه؟ ما تخشي.
فردوس : اسمع … انت ما تكلمنيش.
مسعد : ماكلمكيش؟ يا خويا إيه اللي جرى للناس النهارده؟ كله ع الحامي ع الحامي. الله! ما تطوِّلوا بالكم شوية يا جدعان. دي مش أصول دي … كل شيء يتحل على رواقة … مالكو مستعجلين على إيه؟ الدنيا ما طارتشي. أهي قاعدة على قفا من يشيل بقى لها ياما، وياما لسة حتقعد … على مهلكو شوية. مالك؟
فردوس : أنا ماعدليش قعاد في البيت ده.
مسعد : ليه مش لاقية كراسي ولا إيه؟
فردوس : اسمع! طولة لسان محبش … يا نشوف حتة لوحدنا يا اعرف شغلي. أنا مش أستنى هنا عشان كل ساعة أنشتم ويتلعن أبويا ع الجزمة، ويا ريتني على كده عاجبة. دا أنا هنا خدَّامة … يرضيك كده؟ دانا هنا باشتغل خدامة (تنخرط في البكاء).
مسعد : أهو انتي تشوفي لك طريقة إلا البكاء ده. أنا ساعة ما بشوف حد بيعيط قدامي مزاجي بيتعكَّر، ولما مزاجي بيتعكَّر معرفشي أعمل حاجة.
فردوس : ومن غير مزاجك ما بيتعكَّر هو انت بتعمل حاجة؟ دا انا كأني مجوزة أبو الهول (تبكي).
مسعد : أهو أنا مزاجي اتعكَّر دلوقتي.
فردوس : ما يتعكَّر ولا يتهبَّب. دا انت شرابة خرج.
مسعد : أنا يا بت؟ دا انا جوزك.
فردوس : انت جوزي؟
مسعد : أمال انتي جوزي.
فردوس : والله ما انا عارفة أنا مجوزة مين في البيت ده؟
مسعد : مش عارفة مجوزة مين؟ يخرب بيتك. انتي متجوزة حد تاني؟
فردوس : الجوز هوه اللي يحافظ على الواحدة ويحميها. وانت هنا ولا كأنك هنا.
مسعد : ولا كإني هنا؟ لأ، متربية صحيح.
فردوس : أمال إيه فايدتك هنا؟
مسعد : فايدتي هنا؟ طب دا أنا اللي شايل البيت دا كله وقايم به. أبويا خلاص شغلته دلوقتي إنه يلبس ويجج ويتأنتك في أوضة المكتب يقابل الزباين الهاي. أنا اللي بعرق وبشتغل. عرقي دا هو اللي بينزل الخشب يمسحه وعلى أجعص بلوك يشقه وعلى راس المسمار بدقة واحدة يدفنها في اللوح. استني استني! بصي لإيدي دي (يشمر ساعده الأيمن) شايفة دي تُخن إيه ودي رُفع إيه! تعرفي دي أتخن ليه؟ عشان شايلة بيتنا ده كله زي قرن الثور ما هو شايل الدنيا. دي لو اكسرت يدشدش البيت، ولو عِيت يموت البيت. شايفة دي من دي؟ شايفة؟
فردوس (تزيح يده) : أنا مالي أنا ومال إيدك وتُخنها والشغل والورشة؟ أنا هنا في البيت. البيت اللي مالكشي كلمة ولا قيمة فيه … أنا حتى ما أقعدشي مع واحد مالوش قيمة.
مسعد : قيمة؟ قيمة إيه بقى؟
فردوس : كلمة مسموعة، مركز، طلب يمشي، أي حاجة. دانا اتفقعتْ مرارتي.
مسعد : اتفقعت مرارتك؟ أمَّا مالهاش حق. يا فردوس دا بيتنا حعمل لي فيه قيمة ولَّا مركز على مين؟ على أبويا؟ على أخويا؟ على أختي كوثر؟ هنا كلنا سوا سوا. نعيش سوا نموت سوا. وع الخير والشر سوا، وانتي بقيتي واحدة منَّا ولازم تبقي معانا.
فردوس : مش باقولك شرابة خرج؟ حد منهم بيقول زي انت ما بتقول. كل واحد بيقول يلَّا نفسي وانت اللي عامل لي جدع وكلنا سوا. والحكاية إنك بتشتغل هنا مرمطون، وأنا جوزي ما يبقاش مرمطون.
مسعد : المرمطون، ده يا بعيدة هو اللي يشتغل لأغراب. أنا باشتغل لمين؟ لاخويا عشان يخلَّص عَلَام ولأختي عشان تجَّوز. فيها إيه دي؟
فردوس : فيها انَّك صايع وحتفضل صايع كده. وبُكرة أخوك يبقى مهندس ويخلِّف ولاد يبقوا أولاد الباشمهندس، ويجِّوز واحدة تبقى الست، وانت ولادك يبقوا ولاد المرمطون، ومراتك تبقى هي الخدَّامة.
مسعد : أهو كلامِك ده كلام خدامين … دانتي فوَّقتي الواحد بكلمتينك دول. يا بت هو ضروري الواحد يبقى قبطان عشان يبقى كويس؟ ما كويس كده. أنا مبسوط على كده. أخويا مبسوط إنه حيبقى مهندس … أنا مبسوط إن انا اللي بساعده عشان يبقى مهندس.
فردوس : وحينوبك إيه وحينوبني إيه م المساعدة دي؟
مسعد : ينوبنا إيه؟ هو ضروري الواحد ينوبه حاجة عشان ينبسط؟ كفاية إني بادِّي من غير ما باخد. فِكرك انتي؟ لو مرة تعمليها بعقلك وتدي من غير ما تاخدي مش حتسليها أبدًا.
فردوس : مش حسلاها أبدًا؟ الأكادة لسانك معايا زي البروة ومعاهم ولا تقدر تقول تِلت التلاتة كام. يا أبو الهول انت، احنا لازم نشوف لنا سكن لوحدنا. فَتَّح بقى وفُوق! دا أنا وقعتي منيلة قوي.

(يدخل نصار وقد ارتدى بذلة كاملة.)

نصار (يلمح الدموع في عين فردوس) : الله! مالها فردوس؟ مالِك يا حبيبتي؟
مسعد : أصلها عاوزة يا سيدي …
فردوس (مقاطعة) : عاوزة إيه يابو لسان مزحلق انت؟ اسكت يا خويا لا انا عايزة ولا مايزة.

(تخرج.)

نصار : انت لسة هنا؟
مسعد (وهو يتجه إلى الباب الأيسر) : أديني ماشي أهه … أديني ماشي. كله ماشي. (يخرج لسانه ويتحسسه) بقى حد يقول على اللسان الحلو ده مزحلق يا جدعان؟! (يجلس نصار على الكرسي الموضوع بجوار الحائط في وضع لا يراه الداخل، وفي نفس الوقت يندفع محمد داخلًا وساحبًا سعد من يده وقد وضعها فوق كتفه وتُقبل هنية على صراخه).
محمد : أهه أهه جبتهلكم أهه … مش جدعنة دي؟
هنية : وجاي كمان بالقميص مقطوع؟ أنا عميت من كُتر لضم الإبَر. والله والله ما أنا مادَّة إيدي عليه. (ثم لمحمد) انت لقيته فين يا ولد؟
سعد : هو أنا إيه؟ أرنبة ضايعة؟ ما تسأليني أنا.
هنية : دا أبوك كان ناقص يهد البيت دا.
سعد (مقاطعًا) : بلا أبويا بلا عمي (أمه تحاول عبثًا أن تغمز له وتُفهِّمُه أن أباه موجود) أبويا ده كان زمان، دلوقتي أنا أبو نفسي. أنا مش عيل صغير، أنا راجل، لازم تفهموا كده. حادَّرَّب وححارب زي ما انا عايز؛ أنا حُر في نفسي. وديني لَمْحَارب واللي مش عاجبه يشرب من أوسع بحر.
نصار : حتحارب مين إن شاء الله؟
سعد (متلفِّتًا إليه ومدركًا وجوده ومرتبكًا، يقول وهو يسرع بمغادرة الحجرة من الباب الأيمن) : لا مؤاخذة يا بابا ما كنتش أعرف انَّك … لا مؤاخذة.
نصار : تسمح كلمة يا بيه؟

(سعد يتوقف دون أنْ يلتفت.)

كنت فين؟
سعد (وهو لا يزال موليًا ظهره وينظر بوجهه فقط) : كنت كده (يشيح بيده).
نصار (مُقلِّدًا إشارة سعد) : كده فين؟ (هنية تأخذ كوثر وسوسن إلى الداخل).
سعد : في المعسكر.
نصار : معسكر إيه؟
سعد (ملتفتًا بكليته ورأسه إلى الأرض) : بتدرب.
نصار : بتدربو إيه؟
سعد : بندَّرب … حرب العصابات والتكتيك العنيف.
نصار : عصابات وتكتيك عنيف؟ فِكرك يخيل عليَّ أنا الكلام ده؟ أقطع دراعي مش من هنا … من هنا … إن ما كت بتضحك علينا وتروح حتة بطَّالة انت وصاحبك المصوراتي الصايع اللي ساكن على السطوح، ولَّا الواد صاحبك ده اللي اسمه سامح، ولَّا هباب ولَّا بتشربوا خمرة ولَّا بتلعبوا قمار.
سعد : يا بابا.
نصار : بلا بابا بلا ماما. أنا أصلي ما يعجبنيش كلمة بابا دي. كنا زمان بنقول لأبهاتنا وكنا بنحترمهم دلوقتي بتقولولهم يا بابا وبتضحكوا عليهم. انت شايف الجرح اللي في رجلي ده اللي طوله تلاتين سنتي، ده عشان وأنا راجل قدك كده اتأخرت مرة بعد العِشا بربع ساعة، فمسكني أبويا وعمي الله يرحمهم ويدشدش الطوب اللي تحت راسهم، وفضلوا يضربوا فيَّا لغاية أدان الفجر، إزاي تعمل عمل زي ده من غير ما تقول لي؟ إزاي ما تعملِّيش اعتبار؟ ومين يضمن لي إنك بتروح المعسكر؟
سعد : يا بابا إن ما كنتش مصدقني اسأل ماجد وعبد الفتاح وسامح.
نصار : أسألهم؟ أسألهم دا انتم حتى بقيتم زي البنات. الواحد يسأل البنت انتي كنتي فين؟ تقول كنت مع فلانة صاحبتي. ويروحوا يسألوا صاحبتها تقول كنت مع فلانة صاحبتي. والاثنين كانوا راندفو. أسألهم؟ إنت فاكرني داقق عصافير؟ بص لي كويس. شايف هنا عصافير؟
سعد : يا بابا أقسم لك بشرفي.
نصار : زي ما أقسمت لي بشرفك إن كتاب الماتيماتيكيا ولَّا اسمه إيه ثمنه عشرة جنيه، وإنه لازم قوي إنْ ما جبتوش تسقط، وأروح أسأل ع الكتاب ألاقيه مصلحة في وزارة الأشغال.
سعد : يا بابا …
نصار : تعالَ هنا. بقول لك تعالَ هنا (يتقدَّم سعد ويقف نصار) شمِّمْني بُقك. وريني صوابعك. طلِّع المنديل.
سعد : اسمح لي دي إهانة يا بابا.
نصار : هو انت لسة شُفت إهانات؟
سعد : يوهوه … دي مش عيشة دي (يسرع في اتجاه الباب الأيمن).
نصار : تعالَ هنا. أنا خلصت كلامي؟ تعالَ هنا (سعد يقف عند الباب) إيه حكاية التدريب دي اللي طلعت لنا فيها على آخر الزمان؟
سعد : أنا ما طلعتش فيها ولا حاجة.
نصار : بتدربوا ليه؟
سعد : بنستعد.
نصار : لإيه؟
سعد : زي ما انت شاري المسدس الجديد اللي جوة ده، شاريه لإيه؟
نصار : لما أسألك تجاوبني بس، والمسدس ده ينفع يخوِّف. إنما انتم إيه حكايتكم؟
سعد : الله! انت مش عارف يا بابا؟ إيه يا خويا ده؟ بنستعد للمعركة.
نصار : معركة إيه؟
سعد : الله! ما انت عارف كل حاجة يا بابا. مش عاوزين يهجموا على مصر عشان أَمِّمْنا القنال؟
نصار : وعشان أَمِّمْنا القنال يهجموا علينا؟
سعد : انت بتسألني أنا؟ ما تسألهم هم.
نصار : هم؟ هم البُعدا لو كانوا عاوزين زي انت ما بتقول يهجموا ما هجموش ليه من زمان؟ ما عملوهاش ليه من ساعتها؟ مستنيين إيه؟
سعد : بيستعدوا … فاحنا رخرين لازم نستعد. الله انت مش عارف يا أخي الحديث اللي بيقول: وجهزوا إليهم ما استطعتم من الخيل.
نصار : أولًا أنا مش أخوك أنا أبوك. ثانيًا لما نجيب سيرة الحديث لازم تقول الحديث الشريف. ثالثًا ده مش حديث دي آية قرآنية معروفة كالشمس. رابعًا يا خويا انت تعلمت الديانة فين؟ في بار اللوا؟ دا أنا لو طلبت من الخواجة ماستو كلي إنه يقول الآية دي كان قالها مظبوطة. ولا أخلاق ولا دين ولا حاجة أبدًا. صحتها يا باشمهندس: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ صدق الله العظيم. والكلام ده يبقى صحيح لما يكون فيه قدامك عدو انت شايفه وهو شايفك، إنما هم فين الأعداء دول؟
سعد : في قبرص وإسرائيل وبريطانيا.
نصار : ماهم طول عمرهم في قبرص وإسرائيل وبريطانيا. ماهجموش علينا ليه؟
سعد : أصل شوف يا بابا … احنا استقلِّينا دلوقتي وبدينا نقوى، الاستعمار مش عايز كده، عايزين يرجعوا تاني يحتلونا.
نصار : ولما هُمَّ يا حضرة عايزين يرجعوا كانوا طلعوا من هنا ليه؟
سعد : احنا طردناهم.
نصار : انتم مين؟
سعد : احنا الشبان والرجالة اللي زيي كده.
نصار : الشبان اللي زيك اللي كل اللي بيقدروا عليه انهم يسَبْسِبوا شعورهم ويبَصْبَصوا للبنات؟
سعد : أيوة، هُمَّ دول بالظبط. بس هُمَّ دول اللي طلَّعوا الإنجليز. احنا الجيل اللي هزم الإنجليز، واحنا اللي حنرُدُّهم برضك ونهزمهم إذا فكروا انهم يرجعوا تاني … ما تسيبنا نهزمهم.
نصار : انت تهزمهم؟
سعد : كلنا نهزمهم.
نصار : حد ييجي يا بني قدَّام القطر ويصَّدَّر له؟
سعد : احنا القطر.
نصار : يا شيخ اتلهي. الجيل بتاعنا قال! عايزين تصلَّحوا الدنيا وانتم نفسكم عايزين تصليح. الأعداء اللي بتقول عليهم دول مش في قبرص ولا دياولو. يا شيخ أعداءك وحياتك هنا (مشيرًا إلى صدر سعد) جوَّاك. ابقى الأول اتدرَّب على حرب العصابات اللي هنا. انت فطرت؟ يا هنية هاتي لسعد يفطر.

(يكمل الجملة وهو خارج.)

سعد : ما فيش فايدة. عقول جمدت على كده خلاص وربطت. الأعداء هنا قال؟
هنية : (تدخل حاملةً طبقين في صمت وتضعهما على التربيزة).
سعد : شيلي اللي انتي جايباه ده مش فاطر (يُخرج سيجارة ويُشعلها).
هنية : وسجاير إيه دي رخرة كمان؟
سعد : وحشيش وخمرة وأي حاجة حاعوز أشربها حاشربها. عايزة إيه بقى؟
هنية : هي عين وصابتك؟
سعد : بطَّلُوا تخريف بقى. (يمسك كوبًا من فوق الكونسول ويقذفه إلى الركن بعنف فينكسر). بطَّلُوا تخريف بقى، إحنا عايشين في عصر الذَّرَّة، وانتم تقولوا الأعداء هنا، الأعداء هناك في قبرص وإسرائيل وحلف بغداد واحنا لسة هنا.
هنية : أعداء مين يا بني إن شا الله العدوين اللي يكرهوك.
سعد : أنا عارف أعداء مين (يخاطب أمه) فيه صحيح أعداء هنا (مشيرًا إلى صدره) بس دول ظِل للأعداء اللي برة، الواحد بيبقى مكَّار ليه؟ علشان الأعداء هم اللي علموه يمكر عشان ينتصر عليهم. بيبقى أناني ليه؟ عشان عدوه أناني. أعداءنا اللي جوانا هم الاستعمار برضك. هم الإنجليز. وإذا غلبنا الأعداء اللي برة، حنغلب ظِلهم اللي جوَّة. وما فيش طريقة لقهر اللي جوَّة إلا بالقضاء على العدو اللي برَّة. النفس أمَّارة بالسوء ليه؟ لأن العدو أمَّار بالسوء … إبليس والشيطان هم العدو، فاهمين؟
هنية : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يابني. إنت جرى لك إيه؟ افتكر مين بَص لك وانت خارج عشان أرقيك بحِتَّة من هدومه.
سعد : ولا انتي فاهمة ولا حاجة! وبرضه الأعداء عندك هم المصريين اللي زيك اللي بيحسدوا قال. ارقيني من الأمريكان والإنجليز. ياباي! والله انتو عايزين وباء … طول ما في مصر ناس زيكم حانفضل وراء العالم بمليون سنة … شيلي الأكل ده بقول لك.
فردوس (تظهر على الباب) : حانطبخ إيه يا نينة النهارده؟
هنية (بزعيق هائل) : سم هاري.
فردوس : دا أتبِنِّ بختي مايل قوي (تختفي).
سعد : اوعي سيبيني! عدو عاقل أحسن منكم والله، ولَّا حتى مجنون. دا انتم إيه؟ إنتم عبيد. أخلاق عبيد وفلسفة عبيد. حتى ربنا بتعبدوه عن خوف! كل عيشتكم ليها محور واحد بس هو الجُبن. ما تبصليش كده أنا مش مجنون ولَّا بُرج من عقلي طار. إمتى بقى حتسيبو الخوف الأزلي ده؟ إمتى حتتحركوا وتبقوا بني آدمين؟ عِشتم مذلولين وعايزين تذلونا معاكم. فول؟ جيبالي فول؟ كل عيشتكم فول. زي ما الحَب بتاعه مهري في الطبق وراكد ومستسلم، انتم كده.
هنية : اسمع يا وَلَه. أنا ساكتالك م الصبح، إنما وِدِيني وما أعبد … (تنظر إليه بوعيد شديد).
سعد (بتحدٍّ) : ودينك إيه؟
(هنية لا تنطق وتظل تُحدِّق فيه بُرهةً ثم تستدير فجأةً وتُسرع خارجة) ما فيش فايدة دي عقول متحجِّرة. (سعد ينتظر إلى أن تخرج ثم يقف في مكانه متردِّدًا بُرهةً ثم يتوجَّه إلى النافذة ويُحدِّق من خلالها ويتلفَّت حوله ليتأكد من أن أحدًا لا يراه ثم يصفر صفارة خاصة ويشير بيده وكأنه يخاطب شخصًا ما عَبْر الشارع) هاللو. (ثم لنفسه) يا سلام! البت احلوت قوي … وعاملة شَعرها كده ليه؟ (بصوت عالٍ) عاملة شَعرك كده ليه؟ زعلانة؟ طيِّب معلشي. أصل امبارح كان عندنا تدريب. أيوة، كتفًا سلاح، جنبًا سلاح، وبِتنا هناك. أشوفك طيب النهارده. (ثم لنفسه) الله يخرب بيت مُخك. (يأتي بيدَيه إشارات عصبية على أنه يريد أن يراها اليوم) … النهارده … عايز أشوفك النهارده، أنا (يشير بإصبعه) … وانتي (يشير بإصبع اليد الأخرى) نتقابل (يضم الإصبعَين معًا) … مانتيش فاهمة؟ (لنفسه) إيه غباوة بنات الأيام دي أعوذ بالله! (يتلفَّت ثم يرفع صوته ويقول بالإنجليزية: أريد أن أراك اليوم) … أيوة الساعة ستة. هناك برضه. أيوة ستة، واحد اتنين تلاتة أربعة خمسة ستة، بوسة بقى … بوسة عشان خاطر بابا.

(يدخل نصار من الباب الأيمن، ويقف على الباب دون أن يلاحظ سعد) عشان خاطر باباك. طب عشان خاطر باباي أنا. هه! (يُقبِّلها في الهواء)  (ثم لنفسه) والله الأبهات لهم فايدة أهه! استني … استني يا مجنونة. (يضرب الهواء بيده في فروغ بالٍ، ثم يلتفت فيُفاجَأ بأبيه واقفًا) الله!
نصار : هو ده التكتيك العنيف ولَّا إيه؟
سعد : الله انت هنا من زمان يا بابا؟
نصار : م الساعة ستة.
سعد : دي أصلها …
نصار : ولا أصل ولا فصل ولا لزوم للشرح، حتقول إيه؟ بس يعني كنت دوَّر على بنت من حتة ثانية. ما حليتشي في عينك إلا بنت محمد أفندي؟ الراجل صاحبنا طول النهار قاعدين ع القهوة مع بعض. ثم بنته يعني … يا شيخ … جتك البلى دي مناخيرها تسد حارة.
سعد : طب … طب … طب … خلاص (يقول هذا وهو يغادر المسرح من الباب الأيمن).

(ينتظر نصار إلى أن يختفي سعد وينظر من الشبَّاك ويُخرج لها لسانه، في تلك اللحظة تدخل هنية)

هنية : بتعمل إيه يا نصار؟
نصار : باعمل إيه إيه؟ بلم مصايبكم، إيه اللي كسر الكبايه دي؟ عليَّ الطلاق بالتلاتة ما انا شاري بدالها … انتم لكم كل يوم دستة. دا بالطريقة دي يتخرب البيت خراب مستعجل.

(تقترب هنية من الركن وتنهمك في لمِّ أجزاء الكوب.)

نصار : إيه اللي كسرها؟
هنية : وقعت مني.
نصار : وقعت منك إزاي؟
هنية : غصب عني.

(هنا ترفع قامتها فتلمح الفتاة في النافذة المقابلة فتنظر إلى نصار ثم إلى الفتاة مرة أخرى وتقول.)

هنية : نصار!
نصار : ما لك يا ولية!
هنية : نصار!
نصار : جرالك إيه؟
هنية (لنفسها) : يكونشي الراجل اتلحس يا ناس؟ أصل جنس الرجالة ده لما بيكبر بيخرَّف (ثم لنصار) البت دي واقفة متسمَّرة في الشبَّاك ليه؟
نصار : وايش عرَّفني أنا؟ بتسأليني ليه؟ بنات ملاديع … تلقاها واقفة مستنية حد يعاكسها.
هنية (بعد فترة صمت) : حاج!
نصار : أخ … يا فتَّاح يا عليم … يا ستار يا رب … تعرفي إنك لما بتناديني كده رُكبي بتسيب … يا ولية على إيه عقدة البُوز دي كلها؟ تلاتين سنة مجَّوزك ماظبطتكيش مرة متلبسة بضحكة. انتي حد حاكم عليكي بالحزن المؤبَّد؟
(هنية تهمُّ بالبكاء) طيب أنا غلطان، حاكم أنا عارف البُكا عندك كيف، مزاج، أفيونة. لازم تغيَّري ريقك على طورة. دانتي بتعملي كل المقدِّمات دي عشان تعيطي بس …
هنية : مانا اللي أستاهل … أنا بعيط عشان مين؟ مش عشان بلاويكم. إنتم كل واحد عايش على كيفه، وإذا ضحك ضحكة يضحكها برة. وإذا زعل ولَّا اتخانق ما يلقاش حتة يزعل فيها إلا هنا. الهَم كله أنا شايلاه، كنت أذنبت يعني؟ عشان إيه دا كله يا رب؟ وما ينوبني إلا طُولة اللسان بتاعتك.
نصار : الدرس الديني ده أنا حافضه كله وسمعته مليون مرة، ومستعد أسمَّعه بالكلمة الواحدة … فيه إيه؟
هنية : سعد.
نصار : ما له؟
هنية : أمال كان بيكلم مين؟ كان بيكلمني؟ انت عايزه يجيني البعيد متشال على نقَّالة؟ اعمل حسابك قبل ما يحصل ده لازم تموِّتني الأول.
نصار : به. به. به. يا فتَّاح يا عليم! بقى كده خلاص موِّتِّيه وحطتيه على النقَّالة وعايزة تموِّتي نفسك رخرة؟ يا خويا الستات دول عندهم التشاؤم بالسليقة. بقى الولد بيدَّرَّب، فانتي خلاص أعلنتي الحرب وجبتي العساكر وانضرب سعد ومات. أعوذ بالله!
هنية : أمال بيدَّرَّب ليه مش عشان يحارب؟
نصار : يحارب إيه يا ولية؟ هي فين الحرب (سوسن تدخل من الجانب الأيمن) تقدري تقولي لأمك فين الحرب يا سوسن؟
هنية : أمال بيدَّرَّب ليه؟
نصار : عشان فاضي. عشان مش مضطر يأكِّل عيلة. عشان لاقي صحابه بيعملوا كده. عشان فرحان بالبندقية. فيها إيه دي؟
هنية : فيها إن لما تقوم الحرب حيجيبوه يحارب.
نصار : لما تقوم الحرب.
هنية : ما هي حتقوم.
نصار : وايش عرَّفك يا فيلد مارشال هنية؟
هنية : يا خويا بلا نيلة … الجرانين مليانة والناس بتتكلِّم.
نصار : خلِّي الجرانين تتملي والناس تتكلم. حَد يصدق كلام الجرانين؟ دا من قبل ما تخلص الحرب العالمية اللي فاتت وكل أما الواحد يفتح جرنان يلاقي فيه إن الحرب العالمية التالتة على الأبواب. دا من سنة ٤٥ الكلام ده، وفاتت سنين وسنين ولا جت الحرب على الأبواب ولا طلبت. دا اللي يصدق كلام الجرايد ده يبقى مُخه ورق.
هنية : أنا قلبي من جوَّة حاسس. افرض يعني قامت.
نصار : قلبك من جوَّة ده تنبؤاته زي تنبؤات مصلحة الأرصاد تمام. وإذا كان بيقول كده فيبقى مش حتقوم أبدًا. حرب إيه يا ناس اللي حتقوم؟ العيال بتهيص برة أهه، والدنيا صافية زي الفل، والناس كل واحد مشغول بلُقمته، ويقولوا الحرب حتقوم!
هنية (وهي خارجة) : أنا قُلت لك أهه، وبكرة تقول قالتها.
نصار : روحي يا شيخة جك داء الحرب.
سوسن : بابا. يعني إيه الحرب يا بابا؟
نصار : يعني إيه إيه؟ ربنا ما يوريها لك يا بنتي.
سوسن : ليه يا بابا؟ بس قول لي يعني إيه؟
نصار : انتي عارفة يا سوسن يوم القيامة؟ أمك ما قالتلكيش عليه؟ لما بتندَك الأرض وتبرق السما وتبقى الجبال كالعِهن المنفوش؟ أهي الحرب لما تقوم تبقى القيامة قامت.
سوسن : خليها تقوم يا بابا.
نصار : تِفِّي من بُقك! ليه يا بنتي ليه؟
سوسن : عشان أتفرج على يوم القيامة.
نصار : ربنا ما يجعلنا نوعاها يا بنتي، ولا انتي توعيها، ولا ولاد ولاد ولادك يوعوها … ربنا ما يوريكي يا بنتي.
سوسن : لا لا. خليه يوريني يا بابا.
نصار : ألَّاه يا سوسن … روحي يلَّا! روحي العبي … يلَّا روحي!
سوسن : إخص عليك يا شيخ، إنت كل واحد تزعق له؟ إيه ده يا شيخ؟ دا انت خسرت خالص … هه، أنا مخاصماك.

(تخاصمه بإصبعها الصغيرة ثم تخرج.)

(يسمع قبقاب مسعد ثم يدخل.)

مسعد : أبا. أبا.
نصار : ما لك؟
مسعد : ما لي؟ جرجس أفندي مندوب الشركة.
نصار : ما له؟ مش قلت له إني سافرت مصر.
مسعد : قلت له. قال لي حتى لو كان راح الصين مانيش منقول م الورشة إلا لما ييجي.
نصار : وعملت إيه؟
مسعد : عملت إيه؟ جيت أقول لك.
نصار : بقى بذمتك مش مكسوف من نفسك؟ انت بني آدم انت؟ ماطردتوش برة ليه؟ ما مسكتش القدوم وخبطته خبطتين على نافوخه ليه؟ والنبي واللي نبَّى النبي أقطع دراعي من هنا هه، إنك جحش.
مسعد : جحش؟ أنا مش المرة اللي فاتت مسكت له القدوم وطلَّعته برة قُلت لي تمسك له القدوم ليه يا جحش؟ بقى إذا مسكت له القدوم أبقى جحش، وإذا ما مسكتش القدوم برضه أبقى جحش؟ والنبي جحش صحيح اللي يسمع كلامك. جحش ابن جحش …
نصار : اخرس! غور من وشي، جتك البله.
مسعد : تعرف يا أبا؟ أنا مش جحش. أنا حمار. أنا أقل حتى م الحمار … حتى الحمير بترفص. أنا أصلي حمار ابن ناس ما برفصشي (يستدير ويمضي إلى باب الوسط).
نصار : انت زعلت يا مسعد؟
مسعد (وهو مخنوق بالبكاء) : الله يسامحك!
نصار (يمضي إليه ويأخذه تحت إبطه الأيمن) : إخص عليك يا مسعد. حقك عليَّ … معلشي. فين سعد؟ الظاهر إني خسرت خالص زي ما بتقول سوسن. مزعلك ومزعلها ومزعل سعد وكوثر، وحتى محمد راخر مزعله، وأزعلكم على إيه يا ولاد؟ حد ضامن الموت من الحيا؟ ما تزعلوش. تعالَ يا مسعد. (يأخذه تحت إبطه الأيسر) فين سعد؟ يا سعد. تعالَ يا سعد، يا سوسن. تعالي يا كوثر. (يُقبِلون على دفعات مترددين فيضمهم تحت إبطه الأيسر ويتقدَّم بهم وبمسعد إلى منتصف الحجرة) تعالوا يا ولاد، إنتوا زعلانين مني؟ أما انتو مالكوش حق صحيح. أنا أبوكو برضه يا ولاد … وانتو أولادي. دا احنا عيلة يا ولاد، ودي أمكم. (مشيرًا إلى هنية التي تقف عند الباب) عارفين يعني إيه عيلة؟ دي عيلتنا يا ولاد، انتم لمتنا وكترتنا وبركتنا. (يُقبِّلهم جميعًا) إخص عليكم، أنا ليَّا مين إلَّا انتم؟ وانتم ليكم مين غيري؟ أهو انتم ولادي وأنا أبوكم. وحش أبوكم، كويس أبوكم. وإنتم … تزعلوا مني ولادي، تطيعوني ولادي، تعصوني برضك من صُلبي. ربنا يخليكم! ربنا ياخد من عمري ويضيف لأعماركم! ربنا يشقيني ويسعدكم، ويعريني ويكسيكم، ويحرمني ويكفيكم، ويقعدني ويوفقكم. يا أعز أحباب في الدنيا، يا ولادي.
الأولاد (في وقت واحد) : الله. الله! ما تقولشي كده يا بابا. احنا ولادك وانت أبونا. أحسن أب ف الدنيا أبونا.
محمد (يقبل من الخارج في اندفاع عظيم) : بابا … بابا بابا بيقولوا اليهود هجمت يا بابا. والحرب قامت والله العظيم.

(يحل عليهم الوجوم ثم لا تلبث جماعتهم أن تتفرق وينظر نصار إلى محمد ثم إلى بقية أولاده بذهول.)

نصار : بتقول إيه يا غراب البين انت؟ حرب إيه؟ احنا في إيه ولَّا ف إيه؟
سعد : شُفت يا بابا مش قُلتلك، أهي الحرب قامت.
سوسن : صحيح؟ صحيح يا أبيه؟ سامع يا بابا. هيه. هيه. يا حلاوة يا عيال … يا حلاوة يا عيال … القيامة قامت.
(ستار)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤