الفصل الثالث

(المنظر: نفس المشهد في الفصل الثاني ولكن الستارة اليُمنى الداخلية مُسدَلَة على حجرة نوم نصار، وكذلك الستارة اليسرى مسدلة على المدخل.
حين تُرْفَع الستارة تُسمَع أصوات قنابل ومدافع وأزيز طائرات وصرخات آدمية بعيدة ومبعثرة.
الوقت بعد انقضاء أكثر من أربع وعشرين ساعة على أحداث الفصل الثاني، ونصار جالس في الصالة وسوسن على ركبته.)
نصار (يغني) :
أبوح يا أبوح،
كلب العرب مجروح،
وأمه وراه بتنوح.
يا هنية. فين يا ولية كباية المية السخنة؟
هنية (داخلة) : أنا مش قايلة لك م الصبح إن ما فيش مية من أصله، لا سخنة ولا باردة ولا حتى للشرب. انت مش عارف المية مقطوعة م البلد. ما لك يا راجل جرى لك إيه؟
نصار : أنا اللي جرى لي؟ ياخي قولي الدنيا جرى لها إيه؟ إيه اللي حصل يا ولاد؟ من يوم ما وعينا وبلدنا عايشة هادية، عمرنا ما سمعنا فيها حتى صوت بندقية، الناس رايحة جاية سلامو عليكم سلام ورحمة الله، الرجالة في شغلها والنسوان والعيال في المدارس والشمسة طالعة في أمان الله. نبص نلاقي في ساعة واحدة البلد بقت جهنم، ليه؟ إحنا عملنا إيه يغضب الله؟ ولَّا عملنا إيه يغضب العبد؟ ولَّا يكون دا حلم يا ولاد؟ ما تقولي يا هنية دا حلم ولَّا علم. ولَّا الواحد اتهبل يا هنية؟ بقى الشارع اللي جنبنا بقى تراب بحق وحقيق، واللي قبليه بقى صحيح راكية نار، واللي بتصفر دي قنابل يا سوسن؟ إيه يا خويا ده؟ بقى الطيارات دي نازلة دك في بيوتنا؟ ليه كل ده يا ولاد؟ وليه بلدنا لسة متحملاه؟ ليه وإزاي بلدنا لسة مستحملاه؟
هنية : صدقت يا خويا وآمنت؟ يقولوا اليهود هجمت تقول مناوشة، يقولوا الإنجليز حاتضرب تقول تهويش، الإنجليز ما يضربوش إلا اللي يضربهم. شوف بقى بعينك واسمع بودانك. عاجبك اللي انت شايفه وسامعه ده؟
نصار : لازم يا هنية فيه حاجة غلط. مش ممكن! مستحيل! لازم فيه غلط يا ولاد واحنا مش عارفين. بقى كدهه؟ في ساعة يضيع كل اللي عملته في عمري. مسعد طار ما اعرفلوش حتة، والورشة ما اعرف جرى لها إيه، والبيت عَمَّال يفقَّر عايز يقع، ومين عارف لسة حايجرى إيه؟
هنية (بعد صمت قصير) : حاج.
نصار : استر يا رب. ما لك؟
هنية : انت مستغني عن أولادك. مستغني عن سوسن دي؟
نصار : ليه؟
هنية : من إمبارح يا راجل وانا صوتي اتنبح. وكل الناس هاجرت واحنا قاعدين نعمل إيه؟
نصار : خليهم يهاجروا.
هنية : والنبي انت لازم جرى لك حاجة.
نصار : الناس هم اللي جرى لهم يا هنية، حد يسيب بيته وبلده في الوقت ده؟ بقى الفسحة نتفسحها في بلدنا ووقت الزنقة نسيبها ونجري؟ بيتنا ده نسيبه ونروح فين؟ نسيب بيتنا ده يا هنية؟ (يملس على الحيطان).
هنية : طب خلينا، ولما نفطس تحته يبقى فيها فرج.
نصار : نموت؟ مش حنموت في بيتنا يعني؟ زي بعضه. دا البيت ده زي أبو الواحد، حد يسيب أبوه وقت الخطر؟ دا عمرنا ده. دا أغلى عندي من عينيا. دا أنا ما أقدرشي أعيش إلا فيه. الكنبة دي ألاقي قعدة زي قعدتها فين؟ دا عضمنا خد عليها وهي خدت عليه. ومش دي الأودة اللي ولدتي فيها سعد؟ وأمي الله يرحمها مش ماتت في الركن ده؟ والعيال جولنا هنا، وكبروا هنا، ولعبوا هنا، وبقوا رجالة هنا؟ نسيب ده كله ونروح فين؟
هنية : ونستنى ونموت؟
نصار : نموت هنا؟ زي بعضه. دا الواحد إذا عاش في حتة تانية كأنه ما عاش. وإذا مات هنا كأنه ما ماتشي.
هنية : طب نقف برة زي بقيت خلق الله.
نصار : ونسيب سعد لمين؟
هنية : وانت قاعد تحرسه؟
نصار : أمال أنا قاعد لإيه يا هنية؟
هنية : والنبي انت لازم جرالك حاجة.
نصار : ليه يا هنية؟
هنية : تحرسه من إيه؟ انت فاكر إنه محبوس؟
نصار : مش قافل عليه يا ولية قدامك؟
هنية : وإيه فايدة القفل؟ انت مش عارف إن الكالون بتاع الباب خسران وبيقفل على سِنَّة؟ يعني العيل الصغير اللي قد كدهه. يعني سوسن دي تزقه كده يتفتح.
نصار : بتقولي إيه يا ولية؟
هنية : إنت في نومة باينَّك. يا راجل مش من زي الأوان ده وأنا أقول لك يا نصار كالون الباب عايز تصليح، تقول لي خليه عشان يبقى باب النجار مخلع؟
نصار : يا نهارك أبيض. طب هس وطي حِسك. بقى الكالون خسران؟
هنية : جرب وشوف.
نصار : المصيبة السودة لو سعد عرف. إوعي يا ولية تفلت منك كلمة كده ولا كده لحسن الواد يبقى راح هدر.
هنية : تفلت مني أنا؟ (ثم بصوت مرتفع) بس اللي مش داخل مخي إن كل الناس تهاجر واحنا قاعدين.
نصار : بلاش دوشة يا ولية. عايزة تهاجري خدي ولادك ويلَّا.
هنية : ونسيبك؟
نصار : ربنا يتولاني.
هنية : بقى انت مش هاين عليك البيت وعايز تهون انت عليَّ؟ ودي تيجي؟ دا أنا هنية يا نصار.
نصار : وأنا نصار يا هنية.

(خبط على الباب.)

(ينظران إلى الباب ويرفع نصار يده إلى فمه مُحذِّرًا هنية.)

سوسن : غنِّي كمان يا بابا.
نصار : أيوة أغني. حاضر.
أبوح يا أبوح،
كلب العرب مجروح،
وأمه وراه بتنوح.
سوسن : يا شيخ غناك يزعل. إيه ده؟ غنِّي واحد اتنين أنا وياك يا حبيب العين.
هنية : ما فيش أخبار عن مسعد؟
نصار : من ساعة ما بعت له محمد ما فيش. يا ترى انت فين يا بني يا مسعد؟ مُت ولَّا عايش ولَّا مجروح؟ إلهي لا أسألك رد القضاء بل أسألك اللطف فيه.
سعد : (يخبط على الباب بشدة) افتحوا يا غجر.
هنية : كفاية بقى يا سعد، كفاية يا خويا، زمانك عورت إيديك.
نصار : انتي عارفة كويس يا هنية إنه ما يعرفشي حكاية الكالون دي؟
هنية : وحاعرف منين يا نصار؟ ما كل الولاد عارفين إن ما فيش في بيتنا كالون سليم. أنا داخلة أشوف لكم لُقمة (تخرج من الباب الآرش).
سعد (من الداخل) : يا بابا هددتك مانفعشي التهديد، اترجيتك مانفعشي الرجا، هو انت عدوي؟ دا لو واحد إنجليزي ماكنشي عمل أكتر من كده. دي خيانة عُظمى دي. افتح الباب.

(يخبط على الباب بشدة.)

نصار (يغني) :
يا طالع الشجرة،
هات لي معاك بقرة،
تحلب وتديني،
بالمعلقة الصيني.
سعد : افتح. افتح بقول لك. انت جننتني. دا انت مش أبويا. دا انت عدوي. إنت فاكر إنك عامل كده عشان بتحبني؟ إنت مش بتحبني، إنت بتحب نفسك. إنت بتحافظ على نفسك، دي أنانية بشعة. ياباي. ماتخلينيش أشتمك أكثر من كده. افتح الباب! (يخبط بشدة).
نصار (لنفسه) : يا رب استر لحسن الخبط الشديد ده يفتح الباب (ثم يغني):
والمعلقة انكسرت
يا مين يداويني.
سعد : تحبسني كده؟ وديني انت طابور خامس. أنا حافضل ألعن اليوم اللي كنت فيه ابنك. إنت أنقذتني م الموت صحيح إنما خسرتني على طول. افتح الباب بقول لك.
نصار (مضطربًا) : يا ساتر يا رب! (ثم يغني):
رحت لرسول الله،
لقيته بيزغط،
في حمام أخضر،
يا ريت أنا دقته،
لجل النبي زرته.
سعد : افتحوا يا سَفَلة. افتحوا يا أسفل خلق الله.
نصار : عيب يا بني تشتمني، عيب يا حبيبي، تاخد لك قرص منوم تهدي أعصابك.
سعد : الشتيمة عيب والخيانة مش عيب؟ وعايزني أنام؟ دا أنا بدِّبح. دلوقتي بتقتلني وانت مش داري. يا قاتل عايزني أنام؟

(يخبط بشدة على الباب.)

(تدخل هنية ومعها صينية فيها طعام.)

هنية : لُقمة أهه. قوم كُل. وعايزين ندخَّل له الأكل.
نصار : هاتي.

(يقوم ويتناول منها لفافة فيها طعام ويشب على أطراف أصابعه ويدخلها من الشراعة)

كُلْ لك لُقمة يا سعد.
سعد : يلعن أبو أكلكم. دا أكل مجرمين ده، دا أكل خونة، هه. (يسمع صوت خبط الطعام في الباب).
هنية : على كده حيموت م الجوع.
نصار : ماحدش بيموت م الجوع.
هنية : دهدي أمال الناس بتموت بإيه يا نصار؟
نصار : بالرصاص يا هنية. سيبيه، وشيلي اللي انتي حطاه ده. حَد له نِفس؟
هنية : أهه عندك … وأنا رايحة بقى لحسن مرات شعبان بتولد وما فيش حد جنبها، وبعتت لي بنتها ييجي عشر مرات.
نصار : وكوثر فين؟
هنية : كوثر؟ إلهي يجيلها ويحط عليها البعيدة.
نصار : ليه؟
هنية : البت اللي ماكنتش بتمد إيدها لجنس شغلة في البيت أقوم أتلفت ما التقيهاش، واسأل عليها يقولوا راحت تحول مية م الترعة للناس.
نصار : ناس مين؟
هنية : أنا عارفة يا خويا اللي بيحاربوا ولَّا اللي في البيوت ماني عارفة. أهي بنتك ولما تيجي انت حُر فيها.
نصار : يا سلام عليكي يا هنية، عمري ما قدرت أمسكك. طول عمرك بتتزفلطي مني، ساعة تقولي أنا اللي رضَّعت وربِّيت ده ابني، وساعة تقولي أهي بنتك انت حُر فيها، أصدق إيه ولَّا إيه؟
هنية (وهي خارجة) : صدق بقى اللي تصدقه. والله احنا اللي بنزفلط ولَّا انتم يا رجالة اللي أكبر مزفلطتية؟
نصار (بعد ما تخرج) : (لنفسه) بقى الباب مفتوح. إلهي يتوه عن دي يا رب. (ثم لسوسن) ولد يا جميل الجميل. إوعي تقولي لسعد.
سوسن : أوعى أقول له إيه؟
نصار (لنفسه) : بحسبك عارفة. (ثم لها) إوعي تقولي له إن ماما خرجت برة.
سوسن : لا. أنا مش حاقول له كده.
نصار : أمال حاتقولي له إيه يا سوسو؟
سوسن (بدلع) : ح… أقول له … إن … إذا … زقيت الباب كده … يتفتح.
نصار : لا لا لا. بلاش دي. أعملك حصان وحمار وفيل أبو زلومة وبلاش دي.
سوسن : أمال ماما خرجت برة ليه؟ عايزني ما أقولوش كده ليه؟ هي رايحة حتة وحشة؟
نصار : لا لا لا. دي رايحة توَلِّد مرات شعبان يا بنتي.
سوسن : توَلِّدها إزاي؟
نصار : يعني تطلع منها عيل صغير.
سوسن : وده وقت عيال صغيرين انت راخر؟
نصار : انتي بتقوليلي؟ قولي للنسوان. دايمًا رأيهم مخالف. وهي مرات شعبان بس؟ دا ييجي تلات أربع نسوان في حتتنا كانوا بيولدوا إمبارح والنهارده. يمكن والله أعلم يا بنتي الحرب بتسوي العيال بسرعة وينزلوا عشان يعوضوا اللي بيروح. يمكن يا بنتي ما حدش عارف.
إنتي بديتي تنامي. طول الليل ما نمتيش يا بنتي. ولا حد نام. أقوم أنيمك. بسم الله الرحمن الرحيم (يحملها على كتفه ويدخل من الباب. في هذه الأثناء يدخل محمد من الباب الخارجي. يدخل مُعَفَّر الملابس زائغ النظرات، يجيل بصره في الصالة، وحين يلمح الطعام يتجه إليه بسرعة وينقض عليه. نصار يعود فيفاجأ به).
نصار : الله! محمد. وَلَه. جيت إمتى؟
محمد (وهو يبتلع اللقمة) : دلوقتي.
نصار : مسعد فين؟
محمد : مارضاش ييجي.
نصار : يعني شفته؟
محمد : أيوة.
نصار : وكويس؟
محمد : أيوة.
نصار : وكويس؟
محمد : زي الجن.
نصار : قلت له زي ما قولتلك؟
محمد : أيوة.
نصار : قلت له إيه؟
محمد : قلت له أبويا بيموت وعايز يشوفك.
نصار : وكان باين عليك الكدب؟
محمد : والله العظيم أبدًا.
نصار : وقال لك إيه؟
محمد : قال لي قول لأبوك عيب يا بابا. هو مش سامع سعد كان بيقول إيه؟
نصار : إخصي عليه. وعمل إيه؟
محمد : مشي مع الناس.
نصار : ناس مين؟
محمد : اللي شايلين بنادق.
نصار : وراح فين؟
محمد : ماعرفش.
نصار : إنشالله ما عرفت، جتك البَلَه … الحق عليَّ أنا اللي أبعتك. شفت بقى يا سي سعد فصاحتك؟ أدنت ضيَّعت أخوك أهه. أخوك ضاع يا باشمهندس اتبسط بقى واتحمق. اتحمق زي ما انت عايز يا خويا وقول عليَّ جبان. أهو أخوك ضاع. العوض عليك يا رب. دا العاقل مسعد. العوض عليك. يا ربي ليه كده بس؟ دا دراعي اليمين ٤٠ سنة باصلي لك في اليوم خمس مرات ما قطعت ولا فرض. حتى وأنا عيان بقيت أصلي ٤٠ سنة باصوم لك حتى وأنا معنديش سحور بقيت أصوم. وحجيت وزرت قبر رسولك مرتين. وما تقفشي جنبي يا رب؟ طب اقف جنب مسعد. احميه يا رب. احميه لَجْل خاطر نبينا احميه. دا دراعي اليمين احميه.
سعد : أنا اللي أحميه يا بابا. أرجوك افتح.
نصار (مواصلًا كلامه) : يجعل اللي يضربه إيده تنشل.
سعد : أنا اللي أشل إيده يا بابا.
نصار (يرد عليه) : علشان تموت إنت؟ كفاية لحد كده. كفاية واحد راح. كفاية مسعد ضاع أجيبه منين؟ (ثم يلتفت لمحمد) تعال هنا يا وَلَه. قرَّب. قرَّب كمان، ما تخافش مش حاضربك ولا حاعمل فيك حاجة. بس قول لي. شفته فين؟
محمد (وهو يبتلع اللقمة) : في شارع البحر.
نصار : وشفته إمتى؟
محمد : الصبح.
نصار : الصبح؟ ومن ساعتها ما جيتشي ليه؟
محمد : كنت قاعد برة.
نصار : ليه؟
محمد : الله. أنا عبيط آجي أقول لك كده عشان تضربني؟!
نصار : أمال جيت ليه يابن النجس؟
محمد : لما جُعت جيت.
نصار (لنفسه) : م الصبح بدري. كام ساعة يا ناس؟ دا زمانه مات وشبع موت. الصبر. الصبر يا رب. م الصبح دا زمانه مات وشبع موت. سامع يا سعد؟ مسعد زمانه مات يا ولاد. زمان مسعد مات يا ولاد.
مسعد (داخلًا وملابسه مغبرة ومُمزَّقَة ويده اليمنى مجروحة ومربوطة بقميص غارق في الدماء) : ما مُتِّش يابا ولا حاجة، أنا هه.
نصار : إنت؟ مسعد! جيت؟ يا بني! (يعانقه) استنى. انت سليم؟ جت سليمة يا بني. جت سليمة. دا أتينك عندي عزيز يا مسعد ولانيش داري. إخصي عليك. أنا … أنا … مش عارف أقول لك إيه! حم… حمد الله … ع اﻟ… سلامة … مال إيدك؟ ما لها؟
مسعد : تعويرة بسيطة.
نصار : بسيطة إن شاء الله بسيطة. اقعد. بسيطة إنشا الله استريح. مدِّد رجليك (يكن مسعد رجليه احترامًا لأبيه) مدِّد ما تنكسفش. رجليك سُلام، صدرك سليم؟ انت عارف لو كان الله لا يقدَّر جرى لك حاجة كان العوض على الله ف أبوك. إخصي عليك يا مسعد. أنا يا بني باقول إنك عاقل تقوم تعمل كده.
مسعد : أعمل إيه يابا؟ ما هي لو كانت الحكاية بالعقل كان، إلا العقول ساعات بتتوه. لو شُفت الناس وهي بتجري وتصرخ وتتعور وتضِّرِب بالنار ما كُنتش تستحمل.
نصار : ورحت فين؟
مسعد : أهو منين ما كانوا بينزلوا كنا بنروح.
نصار : وإيدك ما لها؟
مسعد : إصابة.
نصار : نار؟
مسعد : أنا عارف. أنا لقيتها بتخر دم.
نصار : رصاصة في إيدك اليمين يا اسطى؟ كده يا مسعد تخرب بيتنا؟ إحنا اللي بنجيب لأرواحنا المصايب. أنا مش قلت يا ناس؟ لو كنت فضلت في الورشة كان حصل لك ده؟ إحنا نروح نضرب فيهم ليه؟
مسعد : عشان بيضربوا فينا … الله!
نصار : ما هم بيضربوا فينا لما نضرب فيهم، إنما لو كل واحد اتكن في بيته وسكت ماحدش حايقرب له. الواحد يدافع عن نفسه بس إنما لزومه إيه نروح نجري وراهم ونزيط؟
مسعد : وحد يابا كان قال لهم تعالوا؟
نصار : إديني انت راخر محاضرات. ما هو كل واحد يشتغل مدرس عليا شوية. كفاية يا خويا فصيح واحد في العيلة. وآدي نتيجة الفصاحة … إيدك اليمين. شُفت يا سي سعد الجبان اللي قفل الباب كان بيعمل كده ليه؟ علشان ماتجيش متشال على نقالة زي أمك ما بتقول.
سعد : لو سبتني كنت عورت إيد اللي عور إيده (يخبط الباب بشدة) افتحوا الباب. افتح الباب يا مسعد حاتجننوني يا مجرمين. افتحوا الباب.
مسعد : وعلى إيه؟ الحكاية بتشطب يا باشمهندس.
نصار (لمسعد) : وهبطت لما خرجت غصب عني يا بطل. جسمك يا خويا ارتاح؟
مسعد : (يهز رأسه.)
نصار : وكان معاك بندقية؟ وديتها فين؟
مسعد : اديتها لواحد. إيدي وقفت.
نصار : وضربت في الإنجليز زي ما انت عايز؟
مسعد : ضربت.
نصار : وحاربت؟
مسعد : وحاربت.
نصار : وما موتش؟
مسعد : وما موتش.
نصار : وحاربت إزاي؟
مسعد : زي الناس ما بتحارب.
نصار : كنت بتضرب نار؟
مسعد : أيوة كنت بضرب نار.
نصار : وعرفت تضرب؟
مسعد : عرفت.
نصار : ضربت إزاي وإنت ما اتعلمتش؟
مسعد : اتعلمت وانا بضرب.
نصار : وقتلت حد؟
مسعد : قتلت.
نصار : جدع. بس إوعى تكون قتلت كتير. قتلت كام؟
مسعد : مش كتير.
نصار : عشرة؟
مسعد : أقل من كده.
نصار : اتنين؟
مسعد : زي كده.
نصار : وماتوا قدامك؟
مسعد : ماتوا.
نصار : كانوا كبار؟
مسعد : قدي كده.
نصار : فرنساويين ولَّا انجليز؟
مسعد : والله ما اعرف.
نصار : حد كان معاك؟
مسعد : ناس كتير.
نصار : جرى لهم إيه؟
مسعد : اللي مات مات واللي عاش عاش.
نصار : وإنت ما موتش؟
مسعد : ما موتش.
نصار : ألف حمد يا رب. ألف حمد.
مسعد : أنا دايخ.
نصار : نزل منك دم كتير؟
مسعد : أنا عارف!
نصار (مشيرًا إلى القميص الذي يربط به يده) : وقميص مين ده؟
مسعد : أي حد.
نصار : اوعى يكون بتاع واحد مات.
مسعد : أنا عايز أنام.
نصار : أيوة يا بني. والصبح نشوف دكتور. وتاخد لك دلوقت قرصين ينيموك. قوم، قوم يا حبيبي، خش نام في أوضتك. اسند على كتفي. سليمة إن شاء الله. سليمة.
نصار (يدخل هو ومسعد إلى حجرة مسعد ويُسمَع صوته من الداخل) : أيوة … نام كده … واتغطى كويس … وابلع دول عشان يخلوك تنام.

(ثم يخرج ويغلق الباب وراءه، ويتجه بسرعة إلى البوفيه ويعسعس في أحد أدراجه ويخرج مفتاحًا ويغلق باب مسعد مرتين.)

الحمد لله (يُقبِّل يديه ظاهرًا وباطنًا) ألف حمد ليك يا رب. ألف حمد. الهوجة دي كلها والولاد لاتنين تحت باطي. آدي سعد (ممسكًا بمفتاح باب الحجرة التي بها سعد) وآدي مسعد (ممسكًا بمفتاح الحجرة التي بها مسعد). رجالتك تحت سقفك يا نصار، والمفاتيح أهم. ألف حمد ليك يا رب. دا ولا ليلة القدر.

(خبط على الباب.)

نصار : مين؟ خش.

(تدخل فردوس.)

فردوس : ياللي هنا. عم الحاج. أمال مسعد فين؟
نصار : مسعد؟ العوض على الله في مسعد يا فردوس.
فردوس (تصوت) : يا مصيبتي السودة هو البعيد جرى له حاجة؟
نصار : بس بس. أعوذ بالله من عقول النسوان. حاتعملي الجنازة قبل ما يموت.
فردوس (فرحة) : هو ما متش؟ هو فين يا عم الحاج. هو فين؟ مسعد فين؟
نصار : أمال لما انتي محروقة عليه كنتي سايباه ومروحة بيت أبوكي ليه؟ عشان تموتي هناك؟
فردوس : يا ريتني مُت. هو أنا قدرت. دا يادوبي قعدت هناك يا عم الحاج وبعدين … وبعدين …
نصار : بعدين إيه؟
فردوس : قلبي كلني ماقدرتش.
نصار : قلبك كلك؟
فردوس : بحبه يا عم الحاج. ما عرفتش كده إلا أما بعدت عنه. على نياته وبحبه. بقبقابه بحبه. بكلامه اللي زي الطوب بحبه. بحبه بحبه بحبه ومستعدية أكنس البيت كله وأمسحه بلاطة بلاطة وأعيش طول عمري خدامته … هو فين؟
نصار (مبتسمًا) : جوة.
فردوس : وما بتقوليش م الصبح ليه؟ وسليم؟ يبقى جوة وما تقوليش.

(تتجه إلى الباب لتفتحه فيتقدم نصار ويفتح لها الباب.)

نصار : أهو يا ستي صاحب المقام الرفيع.
مسعد (من الداخل) : جيتي ليه يا بت؟ هو الهاتف غيَّر رأيه ولا إيه؟
فردوس (بجفاء) : أيوة هناك. كانت البت خدامتك؟ جاية علشان نسيت المشط يا ادلعدي. تسمح من فضلك تناولهوني.

(يدفعها نصار دفعة خفيفة إلى الداخل ثم يغلق الباب بالمفتاح.)

(يمسك بالمفتاحين ويقول.)

نصار : ألف حمد ليك يا رب، الهوجة وطلعنا منها سلام. والنبي لصلي لك ركعتين شُكر.
محمد (يخرج من الباب الآرش مندفعًا) : يا بابا. يا بابا.
نصار : ما لك يا بني؟
محمد : بيقولوا في الشارع إن ضرب النار حيقف بعد ساعة.
نصار : يقف ولَّا يمشي، أنا يهمني إيه ما دام الولاد ف جيبي، خلي اللي يحصل يحصل.
محمد : أخرج بقى ألعب شوية يا بابا؟
نصار : ضرب النار حيقف؟ دا لو كان صحيح اللي بيقوله أطلع أنا راخر ألعب معاك. بقى القيامة تقوم وتنفض ونخرج منها سالمين؟
محمد : أنا رايح يا بابا. آه. أنا رايح.

(يخرج وظهره إلى الباب.)

(دقات على باب الحجرة التي بها سعد.)

سعد : عارف ضرب النار حيقف يعني إيه يا حاج نصار؟
نصار : يعني الغمة انزاحت يا بني.
سعد : يعني الغمة حلت يا حاج. يعني الإنجليز خدوا البلد … يعني ضعنا … ضاعت البلد وضعت انا معاها.
نصار : لا البلد ضاعت يا بني ولا انت ضعت. البلد موجودة وحتفضل طول عمرها موجودة. وضرب النار بيك وقف، من غيرك وقف. إن كنت مُت أهو كان وقف. وأهو وانت عايش أهو برضه وقف. يعني هو ضرب النار كان حايفضل لو كنت انت خرجت ومت … بس لو خرجت انت ومت كنت حاتقضي عليَّ وعلى العيلة. وآدي انت عشت وادي احنا حانعيش معاك، والبلد لسة عايزاك.
(لنفسه) مظبوط الكلام اللي بقوله ده ولَّا مش مظبوط؟ طب لما هو مظبوط … أمال أنا زعلان ليه؟ ما دام الحكاية زي أنا ما بقول كده م الصبح، وأنا زعلان ليه؟ زعلان ليه يا نصار؟ زعلان من نفسك يا ترى؟ ولَّا من سعد؟ ولَّا من الإنجليز؟ ولَّا من الحرب ولَّا من الدنيا؟ يكونشي اللي عملته ده كان غلط يا نصار؟ بس يبقى غلط إزاي؟ مش شغلة الأب في الدنيا إنه يحافظ على أولاده؟ أمال أنا زعلان ليه؟ أنا عملت حاجة أكتر من كده؟

(الباب الخارجي يدق ويفتح فتدخل كوثر وملابسها مقطعة وعلى رأسها خوذة من خوذات العساكر الإنجليز وتحمل فوق الخوذة صفيحة ماء.)

كوثر : إيدك يا بابا.
نصار : إيه ده يا بنتي؟ (يساعدها في إنزال الصفيحة) إيه اللي انتي لابساه ده؟
كوثر : برنيطة واحد إنجليزي إدهالي جودة الفرَّان. أمال إيه يا بابا دا الناس برة زي الوحوش ونازلين فيهم تقتيل. أمال فاكر إيه يا بابا؟ انت ما لك كده، ما لك صحيح؟
نصار : مش عارف يا كوثر … بايني زعلان.
كوثر : زعلان مني؟
نصار : وحازعل منك ليه يا كوثر؟
كوثر : عشان قلت لي ما تخرجيش وخرجت.
نصار : أيوة صحيح دا حصل … إنما أنا مش زعلان من كده.
كوثر : الله! أمال زعلان من إيه؟
نصار : والله مانا عارف يا بنتي … يمكن عشان منعت سعد. بس أنا لازم أمنعه، ولو ما منعتوش كنت زعلت قوي، فإزاي لما منعته أزعل، دي حاجة تجنن … أنا منعته وأَدِّيت واجبي وأرضيت ضميري ونجي سعد وبقت الأشيا معدن والحمد لله، فأزعل ليه؟ حد يزعل لما يكون عمل اللي عليه؟ يمكن فيه حاجة تانية … لازم فيه حاجة تانية هي اللي مزعلاني … ما لك يا بت واقفة تبصي لي كده ليه؟ بتتفرجي عليَّ ولَّا إيه؟ افرشي لي سجادة الصلاة. ما لي؟ بقيت فُرجة يا ست كوثر.

(كوثر تحضر السجادة وتفرشها قريبة من الباب الذي يدق عليه سعد.)

كوثر : حاتصلي إيه يا بابا؟
نصار : أحمِد ربنا يا بنتي. دا أنا طماع قوي. أصلِّي ركعتين شُكر على القيامة اللي قامت دي … وربنا خرَّجنا منها بسلام. زعلان مش زعلان ألف حمد ليك يا رب. (يُقبِّل يديه ظاهرًا لباطن) ألف حمد لك يا رب.
سعد : بقى يرضيك كده إن كل الناس تدافع عن البلد وأنا ما اشتركشي؟ يرضيك انك تعيِّشني بعد كده ذليل؟ أهي المعركة اللي أنا مستنيها انتهت، أجيبها منين دلوقتي؟
كوثر : ما تزعلشي يا باشمهندس. الناس بيقولوا برة إنهم حايفضلوا يضربوا لما الإنجليز تطلع … إبقى اضرب بقى معاهم. ما تفتح له الباب. ده دي! ما تفتح الباب بقى يابا.
نصار : أقول لكم إيه بس؟ هو لو كان بإيدي يا غجر كنت قفلته عشان يبقى بإيدي إني أفتحه؟

(تُسمَع ضجة في الخارج.)

كوثر : الله! لحسن يكونوا جم.
نصار : هم مين دول؟
كوثر : الإنجليز … الله! أصلهم بيخشوا البيوت يفتشوها ويضربوا اللي يلاقوه فيها.

(يبدأ المدخل والسلم يمتلئ بمجموعة من العساكر الإنجليز وهم يرتدون ملابس الميدان، وعلى رأسهم ضابط نحيف قصير القامة ذو كاب أحمر.)

نصار : إيه الكلام الفارغ اللي بتقوليه ده؟ دي حاجة تخش العقل؟ هو طول ما الواحد ملازم بيته إيه اللي يجيب له الإنجليز؟ دا البيت ما خرجشي منه ولا طلقة. ييجوا منين؟ ما هو تعملي حسابك يا بنتي … خديها قاعدة على ميزان المية ما دام ما تأذيش حد … ما حدش يأذيكي.
كوثر : طب أروح أشوف؟
نصار : اعقلي يا بت جك داء يطير عقلك، امشي روحي هاتي شوية مية من الصفيحة وتعالي صبي لي أتوضا.
كوثر : دول باينهم جم صحيح يا بابا.
نصار : هي كلمة! يلَّا يا بت … قلت لك قاعدة على ميزان المية. إيه اللي يجيبهم؟
سعد : يا رب ييجوا. دا تبقى هي اللحظة اللي طول عمري باتمناها … بس لو أطول رقبة واحد فيهم!

(يدخل نصار من الباب الآرش وفي أعقابه كوثر.)

الضابط الإنجليزي : أنتما الاثنين، إلى السطوح. فتشاها بدقة. أطلقوا النار على أي شيء يتحرك.
وأنتما إلى الطابق الأعلى.

سبنسر، جيمس، بيكر. منطقة السلم.

هندرسو. الطابق الثاني.

آرثر، هذه الشقة (مشيرًا إلى باب الشقة المقابلة).

جورج. هذه الشقة (مشيرًا إلى باب نصار) اسمعوا جيدًا. لا بد من تنظيف المساكن في ظرف نصف ساعة. كل مَن يرتدي الكاكي اقبضوا عليه وإذا قاوم اقتلوه. أجل اقتلوه. وكذلك المدنيين. احذروا! قد يأتيكم الخطر من أي مكان. لا تتركوا شيئًا للصدفة. هذا شعب في غاية الدهاء. مَن ينتهي ينتظر على الباب. نلتقي في الخامسة تمامًا. النساء … لا يخدعنكم، حتى النساء هنا ملعونات. وتذكروا! أنتم جنود الملكة. وشرف الإمبراطورية في أيديكم. وعلى ما تفعلون يتوقف مصير الحضارة في الغرب. وأن يفقد أحدكم حياته إهانة فوق أنها خيانة، نلتقي في الخامسة، وحظ سعيد. والآن … اذهبوا!

(يختفي الجميع ما عدا آرثر وجورج.)

جورج (عسكري إنجليزي من مشاة الأسطول في حوالي الثلاثين، قامته تميل إلى القصر وصلعه مبكِّر وله كرش صغير ومعه مدفع كارل جوستاف) : ستدخل هنا يا آرثر (مشيرًا إلى باب الشقة المقابلة).
آرثر : (زميل له، طويل وضخم وملامحه كبيرة وقاسية وعيناه محمرتان ويبدو كما لو كان في حالة سُكر). كما ترى … أتبادلني؟ انت تعلم أني موفور الحظ في هذه المناسبات.
جورج : موفور الحظ؟
آرثر : دائمًا حظِّي من نار … ما دخلت مكانًا كهذا في أي بلد حاربنا فيه إلا وظفرتُ بكبشة فيران.
جورج : أتمنى ألا يظفر بك هذه المرة فأر منهم.
آرثر : هذا كلام خائف يا جورج … هل انت خائف؟
جورج : أنا؟ لست أدري.
آرثر : أنا أدري … أنا مستعد أن أقتل ألفًا من هؤلاء المصريين قبل أن يقتلني أحد.
جورج : أما أنا فمشكلتي أني أخاف أن يقتلني هذا الأحد.
آرثر : أصادق أنت؟ هذا جُبن … انت تعلم أن هذا جُبن.
جورج : لماذا لا تسميه حب الحياة يا آرثر؟
آرثر : ولماذا تحبها هذا الحب الضعيف؟ الحياة في حاجة إلى القوي لينتزعها ويحياها.
جورج : وإذا مات وهو ينتزعها؟
آرثر : كان هذا أروع من حياة خاملة.
جورج : عندك حق … فليس وراءك من يميته قتلك. ليس لك شيرلي كابنتي تنتظرك في سوثهاميتون، ولا تريدك أن تعود إليها مجرد إخطار من وزارة الحرب بوفاتك.
آرثر : أوَتُفضِّل أن تعود جبانًا؟
جورج : الحقيقة أني أفضِّل أن أعود فقط يا آرثر.
آرثر : اسمع يا جورج! طبعًا انت تقول هذا الكلام على سبيل الهزل. أليس كذلك؟ أنت تعلم أننا في الحرب ولا عمل لك إلا أن تَقتل وإلا قُتلت. أنت تعرف أنَّ الحرب هي الحرب، إذا لم تقتل عدوك قتلك عدوك. هل تدرك هذا؟ إذا تراخيتَ ضِعتَ. كم ساعتك؟ إلا بضع دقائق؟ أذكر أن ضابطنا القصير الأحمق قال إن الصفر هو الرابعة والنصف. أتعرف هذا؟ بعد لحظات إما أن تموت أنت أو يموت عدوك، وعليك أن تختار مَن يكون القاتل ومَن يكون القتيل.
جورج : أنا شخصيًّا لا أريد أن أموت.
آرثر : وثِق أن عدوك هو الآخَر لا يريد أن يموت.
جورج : لست أدري لماذا على أحدنا أن يقتل الآخَر! أليست هذه مهزلة؟
آرثر : بل هي سُنَّة الحياة، فالحياة لا تحتمل إلا أحدكما.
جورج : مَن زَيَّف على الحياة هذه السُّنَّة السخيفة؟
آرثر : وهل هذا وقت مراجعة الحقيقي والمُزيَّف يا أحمق؟ راجع كما شئت فستجد نفسك دون أن تحس جثة هامدة حتى قبل أن تصل إلى نتيجة، هذه اللحظة لا خيار لك، إما قاتل وإما مقتول، فماذا تُفضِّل؟

(يدخل نصار وقد توضأ ويقف على السجادة وينوي للصلاة.)

جورج : إذا كان لا بد لأحد أن يموت، فلا أريد أن أكونه على أية حال.
آرثر : أتمنى ألا تكونه، فقد حانت ساعة الصفر وجاءت اللحظة الحرجة يا صديقي فتقدَّمْ، وأتمنى لك حظًّا سعيدًا.
جورج : أجل! تمَنَّ لي أرجوك فإني حقيقة في حاجة إليه.

(يركل باب نصار بقدمه ركلة قوية فيفتحه ويصرخ بصوت مرتفع.)

لا أحد يتحرك أيديكم أعلى. شفت أسكر؟
سعد (يشهق) : دول جم. (ينظر من ثقب الباب) أسكر؟ دا بيدور ع الفدائيين … دا بيدور علينا … آه يا ابن الكلب أقتلك إزاي دلوقتي؟ الباب مقفول؟ أخطر شيء الهدوم. (يخلع ملابسه العسكرية بسرعة ويرتدي جلبابًا من جلابيب أبيه ويُخفي الملابس العسكرية أسفل الدولاب) لازم أستخبى، فين بس يا ناس؟ (ينظر بعينين زائغتين إلى محتويات الحجرة) الدولاب. (يفتح الدولاب) مسدس بابا أهه. تضربه يا واد؟ بس إزاي؟ إذا غلطت في النيشان ضعت انت وضاع أبوك.

(يخفي المسدس مع الملابس أسفل الدولاب ثم يدخل في الدولاب ويقفل على نفسه.)

نصار (ينظر إلى العسكري) : الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ … الله! إيه اللي جاب الراجل دا هنا؟ دا البيت ما طلعشي منه ولا طلقة؟ عايز إيه ده؟ كمل صلاتك يا ولة ولا يهمك. مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.
جورج (بصوت مرتفع جدًّا) : لا أحد يتحرك. أيديكم إلى أعلى. (ثم لنفسه) لماذا أنت عصبي هكذا يا جورج؟ لماذا أنت مضطرب؟ الرجل أعزل كما ترى وليس معه أحد، فماذا يخيفك؟ كف عن ارتعاشك يا جورج. هؤلاء هم الأعداء إذَن. (ثم بصوت مرتفع) شُفت أسكر؟ انطق يا جبان (يصرخ) أيديكم إلى أعلى.
نصار : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ. آمين. ياخويا هو متعفرت كده ليه؟ حد داس له على ديل؟ هم دول اللي بيقول سي سعد عليهم الأعداء؟ والنبي عقلك فارغ يا سعد. مش ده يا ولاد الكوبرال لاصكي اللي كان معانا في طرابلس ولَّا أنا ماباشوفش. ما له متقنزح ليه؟ دا كان بيقول على نفسه نجار وما كانشي يعرف يعشَّق اللوح في اللوح. لاه، دا باينه مش لاصكي. أهو شبهه. لاصكي ولَّا جورج، كمل الصلا يا واد انت حايهمك منه؟ كنت عملت له حاجة؟ بسم الله الرحمن الرحيم وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ.
سعد (يخرج من الدولاب) : أنا اتخنقت … تحت السرير أحسن، أبوك برة مع العسكري لوحده تسيبه كده؟ يمكن يعملها بعقله. بس يعملها ليه هو كان عمل فيه حاجة؟ آه لو كان الباب مفتوح كنت وريتك شُغلك يا ابن اللئيمة. (يدخل تحت السرير.)
جورج : أيديكم إلى أعلى. حركة واحدة وأطلق النار. انطق. شُفت أسكر؟
نصار : عمال يبرطم يقول إيه الراجل ده؟ حد كلمه؟ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ
جورج : انطق يا غبي. لا أفهم لغتك المتوحشة هه. أين الكوماندوز المختفين؟ انطق أيديكم إلى أعلى. حركة واحدة وأُطلق النار.
سعد (خارجًا من تحت السرير) : بسهولة يلاقيك تحت السرير. أحسن طريقة تنام ع السرير ده وتعمل عيان. (يصعد إلى الفراش ويستلقي) بس مش عيبة دي؟ معلش. حاسب إوعى تطلع صوت لحسن يضيع أبوك.
نصار : قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ … وبعدين؟ لازم أركع. والراجل ده باينه مش عايزني أتحرك. تركع؟ يمكن يضربك يا واد. بس يضربك ليه؟ ما دمت ما آزيتوش يأزيك ليه؟ اتوكل على الله واركع. الله أكبر (يرفع يديه إلى أذنيه).
جورج : أيديكم إلى أعلى، احترس يا جورج. إنهم ملاعين. عقولهم مظلمة وقلوبهم أكثر ظلامًا. ولا تعرف ما يحتويه الظلام من مكر (بصوت مرتفع) حركة واحدة وأُطلق النار.
نصار : الله أكبر (يركع).
جورج : يركع! هذه خدعة. لا بد يريد قتلي. حركة واحدة وأُطلق النار. أيديكم إلى أعلى.
نصار : الله أكبر! (يعتدل استعدادًا للسجود) هو اتعفرت كده ليه؟ تسجد يا واد ولَّا ما تسجدش! هو عمل حاجة لما ركعت؟ اتوكل على الله واسجد.
جورج : حركة واحدة وأطلق النار … أيديكم إلى أعلى.
نصار : الله أكبر! (يسجد).
جورج : خذ إذَن أيها المتوحش.

(يطلق النار على نصار في نفس الوقت الذي يدوي في الخارج صوت انفجار قريب. نصار يقع على الأرض ويضع يده على صدره مكان الإصابة، وينظر في ذهول شديد إلى جورج.)

سعد : إيه ده؟ دي رصاصة … في المليان! مش معقول؟ دي برة في الشارع. إوعى تتحرك أحسن أبوك يضيع.
نصار (فجأة يصرخ بصوت مرتفع) : يا كلب! (ثم بصوت منخفض) تأخذني على خوانة يا مجرم؟ تقتلني وأنا مآمن لك! الله! (بصراخ عالٍ) دا انت عدو. دانت عدوي ولا نيش داري (بصراخ). كده تغدر بي يا عدو الله؟
سعد : شوف الراجل يا ناس … أفضل أناقشه سنين وما يقتنعش إلا دلوقتي. يا ترا إيه اللي أقنعه؟
نصار (وهو يهم بالقيام) : دا إنت …
جورج : مكانك!

(يسدد إليه المدفع.)

نصار : إديني … مستني إيه؟ خلَّص عليَّ يا بطل. إديني كمان … إديني وخلِّي الدم ده يسيل (يتأمل يده الملوثة بالدم) دم. دم حقيقي. دم من قلبك سخن. دمك يا نصار. ما له اسود كده ليه؟ (يحدِّق حوله بعينين مفتوحتين) دا الدنيا كلها سودة، أنا عميت … أبدًا! بيتهيألي إني فتحت (بصراخ) أنا شايفك يا كلب. بس يا خسارة بعد فوات الأوان. بقى ما تفتحش إلا على رصاصة يا نصار؟ تستاهل دا الأعمى هو اللي ما يشوفشي عدوه. وأنا عشت طول عمري أعمى ودلوقت بس فتَّحت. إديني كمان والنبي خليني أموت.
جورج (بهمس سريع) : بالتأكيد كان ينوي قتلي … أنا كنت أدافع عن نفسي … ما أدراني أنه لم يكن مُسلَّحًا … المكان لم يعد مأمونًا … الهواء كأن فيه أنفاس ألف رجل. من الواجب أن أذهب بسرعة (يتراجع بخطى حذرة وظهره إلى الباب).
نصار : أموت فطيس كده. حتى ولادي قافل عليهم بإيدي (بشهيق رهيب) أموت فطيس؟
سعد : ليه السكوت ده؟ هم خرجوا؟ تقوم؟ لأ خليك مكانك لحسن تكون خدعة.

(يأتي صوت سوسن من خلال الباب الآرش وهي تبكي وتقول):

سوسن : بابا … بابا.
جورج (وهو عند الباب) : مَن؟ ماذا أسمع؟ أنا أعرف هذا الصوت (يتوقف ويعود إلى الداخل) هذا بكاء ابنتي شيرلي؟ شيرلي هنا؟ لقد تركتها في سوثهامبتون مع عمتها، ماذا أتى بها إلى هنا؟

(تظهر سوسن عند الباب والنوم لا يزال يملأ عينيها وهي تدعكهما وتبكي.)

سوسن : بابا … بابا عايزة حصان.
جورج : من؟ شيرلي مستحيل! ولكنها تشبهها تمامًا. تمامًا. الشَّعر والملامح وطريقة البكاء ونفس الكلمة. بابا.
سوسن : بابا … بابا. الله عايزة حصان يا شيخ!

(تتقدم إلى الداخل بضع خطوات.)

جورج : لا. مستحيل. ليست شيرلي.
سوسن (تتجه إلى أبيها وهي تبكي) : بابا. عايزة حصان يا بابا.
جورج : أنتِ ابنته؟ أنتِ عدوة إذَن؟ (يصوِّب المدفع إليها) لا أحد يتحرك. أيديكم إلى أعلى. حركة واحدة أطلق النار.

(سوسن تتقدم ناحية أبيها ووجهها إلى جورج.)

سوسن : مين ده يا بابا؟ الله عايزة حصان يا أخي (تبكي).
جورج : قلت لا أحد يتحرك. أيديكم إلى أعلى. حركة واحدة وأطلق النار (بصراخ) أيديكم إلى أعلى.

(تنظر إليه سوسن وتتوقف، ثم تخاطب أباها مشيرة إلى المدفع الذي في يد جورج.)

سوسن : باب … عايزة … مش عايزة حصان. عايزة دهه.
جورج : لماذا تشير إليَّ؟ ألا يُحتمَل؟ لا. مستحيل. لا تدع طفلة منهم تخدعك. لا أحد يتحرك. أيديكم إلى أعلى.
سوسن : بابا. هات لي البندقية دي … هاتلي دي.

(بعد أن كانت في طريقها إلى أبيها تتحرك ناحية جورج.)

جورج (بذعر) : قلتُ لكِ قفي … حركة واحدة وأطلق النار.

(سوسن ماضية في التقدم ناحيته)

جورج : هه (يحرك التنك ويضغط على الزناد).
سوسن (تسرع إليه) : الله لأ. خليني أنا أعمل كده. خليني أنا أعمل كده أنا.
جورج : أيديكم إلى أعلى … حركة واحدة وأطلق النار.

(تتقدم سوسن وتمسك ماسورة المدفع فيسدد جورج الماسورة إلى قلبها.)

سوسن : خليه يديهالي يا بابا وأنا أديله بوسة. الله! بابا.

(تقولها وهي تنظر في حب إلى وجه جورج.)

جورج (والعرق يتساقط منه) : يا إلهي! إنها شيرلي. ولكني لا أفهم لماذا تتكلم هذه اللغة المتوحشة. شيرلي؟
سوسن (وهي تنظر إليه ولكنها تخاطب أباها) : بابا … بابا … عايزة ده.
جورج : بحق الشياطين إنها ابنتي … مستحيل … إنها ابنته هل أنتِ ابنتي أم ابنته؟ تكلمي … تكلمي وإلا أطلقت النار.
سوسن (تجذب منه المدفع) : إديني ده.
جورج (يدفعها بعيدًا ويقول بجفاء) : لا أنتِ ابنته. أنتِ عدوة. مَن يحاول أخذ سلاحي فهو عدوي. أيديكم إلى أعلى.

(سوسن تجري مذعورة إلى أبيها وتحتضنه بشدة وهي تنظر إلى جورج.)

سوسن : بابا. بابا. قوم يا شيخ. قوم الله! قوم حوش الراجل … ده.
جورج : أخَفْتَها يا جورج. تبًّا لك. أنت فظ.
سوسن (في احتضانها لأبيها تكتشف الدم) (تنظر إلى جورج وتتوقف عن الكلام، ثم تقف وتشبك يديها فوق رأسها وتواجهه.) :

(تنظر إلى جورج وتتوقف عن الكلام، ثم تقف وتشبك يديها فوق رأسها وتواجهه.)

كده تعور بابا. عورته ليه؟ عورت بابا ليه؟ (تبكي).
جورج (وهو لا يزال مُسدِّدًا إليها المدفع) : يا إلهي ماذا تقول …؟ رأسي ينفجر. أكاد أفهم ما تقول. أكاد أفهمه كلمة كلمة. لغتهم لم تعُد متوحشة. إنها على لسان الأطفال مفهومة. لكأنها شيرلي التي تُكلِّمني.
سوسن (بحدة) : عورت بابا ليه يا بايخ؟
جورج (بانبهار) : تمامًا. تمامًا. أعرف ما تقولين. أنتِ تعاتبينني. أنتِ تحاكمينني. (بصوت عالٍ) بحق الشياطين أكاد أُجَن. فلو كنتُ واقفًا أمام الله يوم القيامة لما أحسستُ بخجلٍ كهذا. سامحيني يا صغيرتي، لقد كنت في حالة دفاع شرعي عن النفس.
سوسن : هو بابا كان عمل لك حاجة؟ تعوره ليه؟ انت مش عارف إن ده بابا؟
جورج : يا للهول! سامحيني يا صغيرتي … لم أكن أعرف أنه أبوكِ. كنت أظن أني جئت لأقاتل جنودًا … والجنود لا يظهر لهم أطفال … وإذا بي …
سوسن : وإيه اللي جابك هنا يا بايخ؟ دا بيتنا، جاي بيتنا ليه يا بارد؟ حد كان قال لك تعالَ؟
جورج : عفوك يا صغيرتي، هم الذين أتوا بي إلى هنا رغمًا عني وقالوا: اقتل كل مَن يتحرك. وحين تحرَّك أبوك قتلته … أنا لم أكن أريد هذا … أنا لم أكن أريد ترك ابنتي. حتى الخطابات يمنعونني من كتابتها إليها حفظًا لأسرار العملية … أنتِ لا تعرفينها … هي مثلكِ تمامًا، واسمها شيرلي. إنكِ هي، أليس كذلك؟ يا إله السموات، خذني إلى جحيمك فورًا … فأهوَنُ عندي أن أموت مائة مرة ولا أواجه هذه الطفلة.
سوسن : وواقف هنا ليه يا تلم؟ امشي من بيتنا. هو ده بيتكم دا بيتنا احنا. امشي! روح بيتكم! إنتم مالكوش بيت؟ سايب بيتكم وجاي بيتنا ليه يا تلم؟ يلَّا (تذهب إليه وتجذبه من بنطلونه وتدفعه إلى الخارج) يلَّا … روح بيتكم … يلَّا … إنتم مالكوش بيت؟
جورج : لا تدفعيني أرجوك، شيرلي ابنتي لا تفعل هذا.
سوسن : حاتمشي ولَّا أضربك بالبندقية؟ هه (تجذب منه المدفع).
جورج (بزعيق هائل) : لاه. أفِق يا جورج … ابعدي يا عدوة … أيديكم إلى أعلى … حركة واحدة وأطلق النار.
سوسن (تتراجع مذعورة من صراخه وتبكي ثم تنتابها حالة غضب طفولي جامح وتبحث عن الأحذية والقباقيب وتقذفه بها) : امشي يلعن أبوك ابن كلب. يلَّا على بيتكم يا ابن الكلب. امشي انجر من بيتنا … امشي!
جورج : بحق الشياطين سأقتلك. فلتلحقي بأبيكِ إذَن (يأخذ وضع استعد ويحرِّك الزناد) فلتلحقي به … أنا فقط أدافع عن نفسي، فلتلحقي به.

(الضابط يدفع الباب ويدخل ومعه عسكريان.)

الضابط : لماذا تأخرت يا عسكري؟ ما الذي أخَّرَك؟ تكلَّم.
جورج (لنفسه وهو يُغيِّر من وضع المدفع) : أنت؟ بحق العذراء لقد جئت في الوقت المناسب (ثم للضابط) سيدي اقبض عليَّ.
الضابط : أقبض عليك؟ لماذا؟
جورج : لقد ارتكبت جريمة.
الضابط : جريمتك الوحيدة الآن أن تكون قد أهملت في تنفيذ الأوامر وإطلاق النار.
جورج : جريمتي يا سيدي أني نفذت الأوامر.
الضابط : إذَن ليست هناك جريمة … ماذا فعلت؟
جورج : قتلت هذا الرجل.
الضابط : وما الجريمة هنا؟ لقد قتلت عدوًّا.
جورج : لا يا سيدي، لقد قتلت أبًا.
الضابط : هذا عدو.
جورج : هذا أب.
الضابط : أب مَن؟
جورج : أب شيرلي.
الضابط : شيرلي مَن؟
جورج : شيرلي ابنتي.
الضابط (بابتسامة صفراء) : قتلت نفسك إذَن؟
جورج : أجل يا سيدي، هذا بالضبط ما حدث. لقد قتلتُ نفسي.
الضابط (للجنديين) : صدمة حرب. أف! تبًّا لوزارة الحرب هذه. هراء وسخف. لماذا يأتون بهؤلاء الضعفاء الحمقى لكي يقاتلوا؟ الحرب يلزمها رجال أقوياء، وهؤلاء مجرد أطفال يفقدهم مرأى الدماء عقولهم. جرِّداه من السلاح.

(يحاول العسكريان انتزاع المدفع من جورج.)

جورج : اذهبوا يا كلاب! تريدونه لتنفيذ الأوامر وقتل أنفسكم. اذهبوا عني.
الضابط : قلت لكما جرِّداه من السلاح.

(يحاولان مرة أخرى ويفشلان.)

حسنًا، دعوه! تحرَّك يا عسكري … باسم الملكة تحرَّك.
جورج : كيف أتحرك يا سيدي؟ لقد قتلتُ نفسي … أنا رجل ميت فكيف أتحرك؟
الضابط (وهو يهدِّده بمسدسه) : تحرَّك يا عسكري وإلا أطلقت النار. تحرَّك. أيديكم إلى أعلى … حركة واحدة وأطلق النار.تحرك يا عسكري.
جورج : الموتى لا يتحركون يا سيدي.
الضابط : حسن؛ احملاه قسرًا واذهبا به فورًا إلى مستشفى الميدان.

(يتعاون العسكريان على حمله فيما بينهما.)

جورج : لا، لا، لا أريد الذهاب إلى المستشفى. لا أريد. بحق السماء خذوني إلى سوثهامبتون بلدي وواروني بالتراب هناك، ولا تخبروا شيرلي. بالله لا تخبروها.

(يخرج العسكريان وهما يحملان جورج وخلفهما الضابط.)

سوسن (وهي ترفع رأسها من حضن أبيها) : بابا! يأخي قوم بقى الإنجليز ماشيين قوم تفرج عليهم قوم.
قوم يا شيخ! طب أعمل لك البيضة وتقوم؟ (تمسك أصابع يده) آدي البيضة. وآدي اللي شواها وآدي اللي قشرها. وآدي اللي قال هات حتة، لحسن أقول لأصحابها. زغزغزغ (تزغزغه) الله! طب والله إن ما ضحكت لمخاصماك. هه! (تخاصمه بأصابعها) أنا مخاصماك (تبكي.)
سعد : سوسن، سوسن، هم مشيوا؟ (يهبط من فوق السرير). الهدوء ده مريب قوي. أنا حاسس إن فيه حاجة. (ينظر من ثقب الباب ويهمس بصوت خطير) سوسن، سوسن. (يهمس لنفسه) أنا سامع حاجة أنا شامم حاجة. (يخبط على الباب بشدة) افتحوا الباب، افتحوا الباب.
سوسن (تكف عن البكاء) : أفتحه أنا يا أبيه؟
سعد (بعصبية) : ما تعرفيش انتي يا سوسن … افتحوا الباب.
سوسن : لا، أنا أعرف. ماما بتقول إني أقدر أفتحه … أوريك؟ هه.

(تترك أباها وتتجه إلى الباب وتتردد هنيهة. ثم تدير الأكرة وتدفع الضلفة فينفتح الباب.)

سعد : مين اللي فتح يا سوسن؟
سوسن : أنا.
سعد : فتحتيه إزاي. جبتي المفتاح منين؟
سوسن : أنا ما لي هه، أنا عملته كده (تدير الأكرة) راح مفتوح.
سعد : راح مفتوح؟ (تائهًا بعينيه في أنحاء الصالة) يعني كان مفتوح م الأول، وإزاي ما أعرفش دي؟ الباب كان مفتوح. الباب كان مفتوح. أخبَّط والباب كان مفتوح؟

(يتقدم وفي عينيه رعب وغضب وذهول، ويقترب من أبيه ويحدِّق فيه، ويتحسَّس جبهته، ويمسك يده وهو يتمتم بكلمات غير مسموعة. يتحرك رأس نصار في بطء ويفتح عينيه.)

نصار : سعد؟
سعد : بابا الباب كان مفتوح، الباب كان مفتوح … وجرى لك إيه يا بابا؟
نصار : واحد إنجليزي ابن كلب هزر معايا يا سعد هزار تقيل.
سعد : عورك يا بابا؟
نصار : لا … قتلني.
سعد : قتلك إزاي يا بابا؟ مش معقول. دا الباب …
نصار (مقاطعًا) : معلهش! ضحكت عليك أنا في حكاية الباب دي … دا كان مقفول على سِنَّة، يعني سوسن تقدر تفتحه، وانت اتهيأ لك إني قفلت عليك. ضحكت عليك في دي يا باشمهندس.
سعد : ما يمكن أنا كنت عارف يا بابا؟
نصار : هو ده معقول يا بني.
سعد : ما يمكن خفت يا بابا؟
نصار : هو ده معقول؟
سعد : أنا اللي قتلتك يا بابا.
نصار : اللي قتلني يا بني واحد إنجليزي.
سعد : كنت أقدر أفتح الباب بطلقة وأخرج له.
نصار : كنت قتلت نفسك وقتلتني.
سعد : بس يرضيك إني أشتري حياتي بالخوف؟
نصار : معلهش! وفيها إيه دي؟ أصل اللي ربَّاك يا بني كان ميت م الخوف عليك، ما تطلعشي ليه إنت ميت م الخوف على نفسك. يلعن أبو اللي ربَّاك. يلعن أبويا أنا.
سعد : انت دايمًا تخلي نفسك مسئول عن كل حاجة يا بابا؟ حتى عن خوفي.
نصار : ياخيه يابو السعود! معلهش خلاص أنا انتهيت. إنما تعرف دلوقتي بس نفسي الأيام ترجع تاني وأعيش تاني عيشة تانية غير اللي عشتها. أعيش ما أخافش. أعيش ما استحملشي إهانة وأربيكم تاني … أربيكم وأنا مش خايف عليكم. عليَّ الطلاق بالتلاتة إن اللي يرضى يعيش ذليل حلال فيه الموت.
سعد : بابا. بابا، أنا عمري ما شفتك زعلان كده. دي، دي أول مرة أشوفك فيها زعلان بجد.
نصار : أيوة يا سعد زعلان. من ساعة ما قلت لك خش الأودة ودخلت وقفلت عليك وأنا زعلان. وماكنتش عارف أنا زعلان ليه؟ كأن سهم الله نازل عليَّ ومش عارف ليه؟ يتهيأ لي إني دلوقت بس عرفت أنا كنت زعلان ليه؟
سعد : ليه؟ ليه؟
نصار (وقد بدأ نفَسه يصبح غير منتظم) : زعلان … عشان … انت … طاوعتني … أنا كان لازم … أقول لك … ادخل وأقفل عليك. إنما إنت … إنت … تطاوعني ساعتها ليه؟ تعرف … لو كنت خالفتني … وخرجت غصب عني … يمكن ما كنتش زعلت … كنت يمكن … بيني وبين نفسي فرحت … والله … كنت ح … أفرح إن شاء الله ينقطع دراعي … مش من هنا … من … (يسقط ذراعه بجانبه، وتنحدر رأسه على كتفه، ويتصاعد منه شخير غير منتظم … شخير الموت. ثم لا يلبث أن ينتهي).
سعد (يحدِّق في أبيه طويلًا ويضع أذنه على قلبه، ثم يلوِّث إصبعه بالدم وينظر إلى إصبعه الملوثة، ثم ينتقل بنظره إلى سوسن، التي ما تكاد تراه ينظر إليها حتى تبكي ويستمر بكاؤها هنيهة … وسعد يقول بهمس يكاد لا يُسمَع) … : طاوعته ليه؟ صحيح طاوعته ليه؟ دا الباب كان مفتوح، كان مفتوح، كان مفتوح.
(يستمر يردِّد الكلمة وصوته ينخفض وينخفض حتى تتحول الكلمات إلى مجرد حركات من شفتيه المرتعشتين، وفجأة يقفز من مكانه كالملسوع ويصرخ بأعلى صوته «آي. أبويا مات». سوسن التي كانت تتفرج عليه وهي تنشج تتراجع مذعورة لدى سماعها الصرخة ويرتفع بكاؤها وتستمر تبكي بكاءً متصلًا إلى آخِر المشهد. يقترب سعد مرة أخرى من جثة أبيه ويواصل كلامه في همس مذهول). أبويا مات. أبويا مات. مات … مات … مات!

(يكرِّر الكلمة وصوته يرتفع بها من الهمس إلى الصراخ) مات … مات … مات … والباب مفتوح. (يجري ويتحنجل في الصالة ويكلم الجدران وقطع الأثاث) أبويا مات والباب مفتوح، أبويا مات والباب مفتوح، أبويا مات والباب مفتوح. (يتوقف ويدق على الحائط دقات منتظمة) أبويا مات، أبويا مات، أبويا مات، أبويا مات. (يصرخ فجأة) هأو أو … (يجري رائحًا غاديًا في الصالة) هيه … يا حلاوة يا ولاد … أبويا مات، أبويا مات، أبويا مات!

(ينحني ويواجه سوسن ويمسكها من كتفَيها وهي سادرة في بكائها) أبويا مات يا سوسن. مات. وأنا باخبط ع الباب والباب مفتوح، الباب مفتوح، الباب مفتوح. (يقف فجأة وكأنه يخاطب السماء) نظرية الضغوط العالية في عمل الأفران. نموت وتحيا مصر أنا هيمان ويا طول هيامي. عاش الطلبة مع العمال الكفاح كفاح الشعب. (ينهال على باب مسعد خبطًا) افتح يا مسعد بابك افتحه. أبوك مات يا خويا. قافل على نفسك ليه؟ (يخبط الباب بقدمه خبطة قوية فيحطمه ويفتحه) افتحوا الأبواب … أيها الناس افتحوا الأبواب. (يُسمع صوت انفجار مروع قريب وينهار المنزل المجاور وينهار معه المثلث الأعلى الداخلي لحائط الصالة الأيمن ويمتلئ الجو بغبار ودخان) إديله … أيوة كده. انهاري يا بيوت، واندكي يا بلد، واتزلزلي يا سما، وافتحي بطنك يا أرض وابلعي الدنيا. (ثم يختنق صوته بالبكاء) دا أبويا مات، دا أبويا مات.
مسعد (يظهر على بابه خائر القوى في غاية الشحوب) : إيه اللي جرى يا سعد!

(فردوس تخرج وراءه وتقبل كوثر من الداخل ويبكيان معًا ويندبان نصار صامتتين ويفردان فوقه ملاءة بيضاء.)

سعد : إحنا جدعان قوي يا مسعد … أبويا مات.

(يدخل جريًا إلى حجرة النوم التي كان مختبئًا فيها. يتقدم مسعد كالمأخوذ إلى الجثة ويركع بجوارها وتهطل من عينيه الدموع. ويرفع يد أبيه إلى شفتَيه ويُقبِّلها.)

مسعد : الله يرحمك يا بابا.

(يخرج سعد من حجرة النوم مندفعًا وفي يده مسدس.)

سعد : (يلحظه مسعد فيثب عليه ويوقفه).
مسعد : رايح فين يا سعد؟
سعد : إوعى سيبني.
مسعد : انت اتجننت؟ دا قبل ما تضرب طلقة واحدة تكون مت.
سعد : انت اللي اتجننت … إوعى سيبني آخد بتاره.
مسعد : هو ده وقت التار؟ الناس بتحارب وانت عايز تاخد بالتار.
سعد : يعني قصدك تقول إني مش قادر أحارب؟ ما تقولها وتسكت. قولها يا جبان … خايف تقولها؟
مسعد : يا سعد عيب!
سعد : والله عال! مسعد العبيط بقى يقول عيب. إيش فهمك انت في العيب؟ هو العيب إني ما خدشي بتار أبويا. عيب إني باحبه؟ عيب إنه كان أحب واحد لي في الدنيا؟ دا انت تلقاك فرحان … دا كلام واحد فرحان ده. افرح يا عم بقيت ريس العيلة، افرح.
مسعد : العيب إنك تقول كده وأبوك لسة دمه سايح يا سعد.
سعد : ما تتكلمشي انت عنه … ما تمثلشي إنك زعلان … ما يخلشي عليَّ الكلام ده.
مسعد : يا سعد أنا أبويا مات النهارده قُصاد عيني ميت مرة. الناس بيموت لها أب واحد وأنا مات لي النهارده ميت أب. كلهم، كلهم ماتوا قدام عيني. كلهم اللبس دهه، والوش الأسمر دهه، والدم الأحمر ده … دا أنا مات لي النهارده ميت أب.
سعد : وأنا مات لي النهارده أب واحد … إنما قد كل الأبهات. دا أبويا أنا ده، دا يسوى عندي الدنيا كلها. إوعى تجيب سيرته على طرف لسانك …
مسعد : يا سعد اختشي واسكت قاعد تهطرش في الكلام ليه؟ عَمَّال تقول أبويا أنا بس … ما هو كان أبونا كلنا، وكلنا كنا بنحبه … وده وقت الكلام في حبه؟
سعد : بقى الكلام عن حُبه هطرشة يا جاهل يا مجرم. دا إجرام ده.
مسعد : أقول لك إيه بس؟ اسكت بقى. انت كنت تعرفه منين عشان تحبه؟ حيالله كنت بتيجي كل أجازة زي الضيف وتمشي. أنا عشت معاه وعاشرته … أنا شفته لما كان بيشتغل بمنطلون مقطع، وشفته لما لبس الحرير وقعد في المكتب. شفته وهو بيتخانق، وهو بيتوضا، وهو بيكذب وبيزود عيني عينك في الأسعار، عشت معاه وياما ضربني وقبَّحت فيه وجري ورايا وحدفني بالعِدة، ودا كله خلاني أحبه أكتر. عليَّ الطلاق حبيته أكتر. مش لأنه ولي ولَّا صاحب كرامات ولَّا حاج؛ لأنه أبويا اللي قوي وشفته ضعيف وشفته مزنوق وشفته جبار. اسكت ما تخلنيش أتكلم دا مش وقت الكلام. اسكت.
سعد : أمال وقت إيه يا جعر؟
مسعد : عيب يا سعد أنا أخوك الكبير.
سعد : اخرس بلا أخويا بلا عمي. أنا بعد أبويا مليش لا أخ ولا أم ولا خال. أنا لي أعداء بس.
مسعد : أنا أخرس؟ أنا اللي كنت أقول لأبوك إديني صاغ أشرب به شاي، فيقول لي ما فيش الفلوس كلها رايحة لأخوك سعد … فأحس ساعتها كأني شربت شاي. صحيح أنا لازم أخرس … أنا لازم أخرس قوي.
سعد : اللي ما يعرفش قيمة أبوه لازم يخرس.
مسعد : واللي ما يعرفش قيمة أخوه ما يعرفشي قيمة أبوه.
هنية (داخلة) : جابت ولد يا نصار وسموه علشان خاطري على اسمك. الله! خير يا ولاد كفا الله الشر (تلحظ نصار) نصار! ما له؟ حبيبي؟ لازم مات؟ مت يا أعز الحبايب؟ نصار؟ الله! كده! إوعى تكون عملتها. إوعى تكون خدتني غدر ومت (فردوس وكوثر تحاولان إمساكها ومنعها ولكنها تدفعهما وتجلس بجواره. ثم تتمدد بجانبه وتحتضنه وتظل ملتصقة به وهي لا تتكلم).
سعد (يتجه إلى الباب فيعترضه مسعد مرة أخرى) : إوعى سيبني لحسن وديني أسيح دمك … سيبني آخد بتاره وبطلوا جُبن بقى.
مسعد : أنا اللي جبان يا سعد؟
سعد : بتقول إيه؟ سامعين، سامعين بيقول عليَّ إيه؟ سامعة يا سوسن بيقول إيه، السافل بيقول إيه؟
مسعد (بغضب) : ما تخرس بقى … كفاية بقى لحد هنا، وكفاية ما تخليش الواحد يتكلم.
سعد : تتكلم تقول إيه؟
مسعد : مش حاتكلم أنا. خلي الباب يتكلم.
سعد : باب إيه يا عبيط؟
مسعد : الباب اللي كان مفتوح وقاعد تخبط عليه وتقول افتحوا الباب.
سعد : وأنا كنت أعرف إنه مفتوح؟ يا ريت كنت أعرف.
مسعد : أيوة كنت عارف.
سعد : انت كداب. ستين كداب في أصل وشك.
مسعد : مش حارد عليك. مش انت اللي كنت دايمًا تقول إزاي نبقى أصحاب ورشة نجارة وكل أبوابنا بتقفل ع الفاضي.
سعد : أنا عمري ما قلت كده … انت كداب … عمري ما قلت كده (يتوجه إلى الباب فيحاول مسعد مرة أخرى أن يعترض طريقه، فيوجه سعد إليه لكمة يتحاشاها مسعد) انت خفت؟ (ينفجر ضاحكًا) هئ هئ هئ. إنت خفت؟ أسيح صحيح؟ هئ هئ (يضرب طلقة من المسدس في الهواء) صدقت إني حاسيَّح دمك؟ (يضرب طلقة أخرى) صدقت إني حاسيَّح دمك؟ (يضرب طلقة أخرى) صدقت إني رايح آخد بتار حد؟ (يضرب طلقة ثالثة).
مسعد : عيب يا سعد اعقل، بلاش الرصاص اللي ف الهواء ده يمكن ينفع.
سعد : هئ. الرصاص ينفع؟ (يضرب طلقة أخرى) دا الباب كان مفتوح وكانت واحدة من دي كفاية (يضرب طلقة أخرى) واحدة كانت كفاية عشان أبويا يعيش. الرصاص ينفع؟ (يفتح خزانة المسدس وينظر فيها ثم يغلقها) باقي واحدة … واحدة بس. (يخاطبهم جميعًا) عارفين الرصاصة الأخيره دي لمين؟ لي … للبطل كي تنتهي المأساة. لي وحدي … سأستمتع برصاصها المغلي وهو يخترق جمجمتي.

(ينتحي ركنًا من المسرح ويصوِّب المسدس إلى أذنه اليمنى. تهب هنية واقفة وتندفع معها فردوس ومحمد وسوسن وكوثر ويحاولون منعه.)

مسعد (يدفعهم بعيدًا ويصرخ بصوت كالرعد) : ابعدي انتي وهي. سيبوه … إوعى حد يقرب له (يخاطب سعد الذي يقف وحيدًا في الركن وفوهة المسدس إلى أذنه) إن كنت جدع اضربها.
هنية (تصرخ في فزع) : الحقونا يا هوه … حوشوا يا ناس نصار مات والبيت حايخرب.
مسعد : بس يا ولية؟ سيبيه. اضرب يا بطل، اضرب.
سعد : أيوة سيبوني. ساعة الجد سقطت في امتحان الرجالة، ولازم أنجح غصبن عنكم، حانجح. أهه. شايفين؟ حانجح. حابقى راجل ملو هدومي وقد كلمتي أهه. (يغمره العرق وهو يضغط على الزناد وتتشنج عضلات وجهه ثم لا يلبث أن يلقي بالمسدس جانبًا وينهار) مش قادر. حتى دي مش قادر عليها. إذا كان ما قدرتش أضرب الغريب أقدر أضرب نفسي؟
(يتجه إلى مسعد ويعانقه ويخفي رأسه في صدره ويقول بصوت مخنوق بالبكاء) أنا خفت يا مسعد خفت ومانيش عارف إيه اللي خلاني أخاف. إيه اللي قيدني وكتفني وشل حركتي مش عارف، مع إني والله والله مانا جبان.

(ينخرط في نشيج صامت.)

(يبدو جورج مُتسلِّلًا على السلم في المدخل حافي القدمين عاري الرأس وهو يحمل المدفع.)

جورج : شيرلي … شيرلي … أين أنتِ يا شيرلي؟
سوسن (تكف عن بكائها المتصل وتندفع تحتضن سيقان أخويها المتعانقين مذعورة) : حوشوا … حوشوني. الإنجليز جم.
مسعد : الإنجليز؟
سعد (رافعًا رأسه من على كتف مسعد بدهشة شديدة) : جايين هنا؟
جورج : شيرلي يا حبيبتي. لقد غافلتهم وهربت. كانوا يريدون إبعادي عنكِ ولكني لم أستطع يا شيرلي. سآخذك وسنذهب معًا إلى عمتك في سوثهامبتن، وهناك ماما يا شيرلي.
سوسن : دا اللي كان هنا … دا اللي عَوَّر بابا … هم راجعين تاني بعد ما عوروا بابا؟ دول جايين. أنا خايفة قوي (تخفي رأسها في ساقَي مسعد وتبكي.)
مسعد (يدفعها جانبًا وقد انقلب شخصًا آخَر وينقض على المسدس المُلقَى على الأرض ثم يأمر الجميع) : على جوة كلكم.
جورج : لماذا تبكين يا شيرلي؟ هذا صوت بكائكِ أعرفه تمامًا. ماذا يُبكيكِ يا حبيبتي؟ هل يضايقك أحد؟ هل عندك أحد؟ أنا قادم يا شيرلي لا تخافي. هم يحاولون إبعادكِ عني ولكني سأقتلهم جميعًا لأنقذكِ. بابا قادم لينقذكِ … أنا قادم يا شيرلي فكُفِّي عن بكائكِ.
مسعد : اعملوا لكم مروة … خدهم يا سعد وخُش انت العيلة عايزاك … خُش.
سعد : عيلة مين وعوزة مين؟ هات المسدس (يغافل مسعد ويختطف منه المسدس) دا باقي فيه رصاصة يا طِلعت من إيد راجل وخدت تار راجل، يا ما طلعتشي ويموت كلب. يا حاتطلع الأول وتقتل عدو، يا حاتطلع الآخر وأموت جبان. كلمة واحدة ما فيش غيرها خُش جوة خُش.
جورج (وكأنه يحدِّث نفسه) : صه! هذا صوت الزعيم. تبًّا لك كيف تجرؤ على لمس ابنتي. وأنا بطل في ضرب النار. أنا قادم يا شيرلي وسأقتل الزعيم (ثم لنفسه) خذ حذرك يا جورج وأنت تتسلل. لا بد من مفاجأته. تحرَّك ببطء وبجوار الحائط.
سعد (يدفع مسعد وبقية إخوته إلى الداخل) : ما تضيعش الوقت يا مسعد.
مسعد : أنا فداك يا خويا … وحياة رحمة أبونا تديني المسدس.
سعد : والله لما يصحى ويطلبه مني هو ما اديهولك. خُش!
جورج (لنفسه بهمس) : خذ حذرك يا جورج فلا بد أنه ينتظرك في الداخل، وإذا لم تقتله قتلك. (ثم بصوت مرتفع) سأعطيك يا زعيم درسًا لن تنساه. جَهِّز نفسك للموت. (حين يصبح سعد وحده، يرتبك ويرتجف المسدس في يده ويغمره العرق وهو جالس في وضع استعد بجوار جثة أبيه).
سعد (ملتفتًا إلى أمه التي كانت قد عادت إلى احتضان جثة نصار) : إنتي هنا؟ أنا راخر بقول لسه إيدي بترجف ليه؟ إنتي السبب … إنتي السبب في كل حاجة. قومي من هنا: ابعدي عني بقى.
هنية : أنا يا بني، أنا عملت لك حاجة؟ أنا قاعدة أدعي لك في سري.
سعد (بعصبية شديدة) : ما هي المصيبة في دعاويكي … دي تعديد. طول عمرك تدعي لي وتندبي عليَّ. طول عمرك ندابتي مش أمي. إنتي أم الخوف. إنتي مش أمي. كفاية بقى، قومي من هنا، حاتقتليني بدعاويكي زي ما كنتي حاتقتليني لما رفضتي أتعلم العوم وأنا صغير، فكنت حاغرق لما كبرت ووقعت في المية. قومي من هنا يلَّا.
هنية : كده! هو انت فاكرني إيه؟ بقى يقتلوا نصار وتقول عليَّ ندابتك؟ نصار يقتلوه يا سعد؟ (ثم بصوت خطير) اسمع، انت عايزني أبقى أمك صحيح؟
سعد : نفسي مرة في عمري.
هنية : خُد بتار أبوك.
سعد : يا سلام! أول مرة في حياتي أحس إني مش مكسوف إن لي أم. أول مرة أحس إن ضهري مَحمي وإني راجل أقدر أحارب مليون. تعالَ يا كلب قرب عليَّ … تعالوا كلكم … تعال يا جيش الإمبراطورية بحاله … أنا قدكم … أنا أكبر منكم … الدم ده دم أبويا، مش حاشيله من هنا، وكل ما أشوفه حاغضب، وكل ما أغضب حاضرب. تعالوا يا كلاب. وحق أبويا الشهيد.
(يظهر جورج فجأة عند الباب. وفي نفس الوقت يصرخ مسعد من الداخل «اضرب يا سعد!» وتنطلق رصاصة من مدفع جورج ورصاصة من مسدس سعد، ويواصل جورج إطلاق المدفع ولكن فوهته تعلو فتصيب الطلقات ترابيزة السفرة ثم ترتفع الفوهة وتصيب حقيبة النجار المُعلَّقة على الحائط فتُسقِطها ثم تصيب السقف، ثم يسقط جورج على ظهره والمدفع لا يزال لاصقًا بكتفه والطلقات تخرج منه إلى السقف.

تتوقف طلقات المدفع فجأة، وبعد جزء من الثانية تنطلق رصاصة أخيرة وتنفرد ركبة جورج المثنية ويفتح ذراعيه وهو يتأوه قائلًا.)
جورج : لا تخبروا شيرلي، بالله لا تخبروها. (ينثني رأسه ويموت).
مسعد (خارجًا من الباب الآرش ووراءه بقية العائلة) : تسلم إيدك يا سعد … تسلم إيدك يا خويا.
(ثم يتوجه إلى جثة جورج ويحملها ويلقي بها من الفجوة التي حدثت نتيجة لانهيار الحائط)، إلى حيث ألقت يا جورج.

(أثناء هذا الوقت يظل سعد مُحدِّقًا إلى المسدس برهة، ثم إلى جثة أبيه.)

سعد : يعني كان لازم تموت عشان أبطل خوف؟ آه يا حبيبي يا بابا.

(يعانق أباه ثم يكفكف دموعه، ويتوجه بخطوات ثابتة ناحية الباب الخارجي.)

هنية : على فين يا بني؟ حاتعمل إيه؟
سعد : أعمل اللي كان لازم أعمله من ساعتها.
مسعد : طب استنى شوية.
سعد : أنا اتأخرت يومين، وكفاية تأخير.
هنية : طب مش ناسي حاجة؟
سعد : أبدًا.
هنية : غلطان؛ مش المرة اللي فاتت كنت عايزني أزغرت لك وانت ماشي؟ (يتكسر صوتها) نسيت دي ليه؟ روح! (تزغرد) ربنا يا بني يحميك لشبابك. روح! خُدها من قلبي وروح! (تزغرد وتختنق زغاريدها بالدموع) روح اتحنَّى بدمهم روح! معايا يا بنات. النهارده فرحه، والليلة ليلة دخلته ودي زفته روح دانت الليلة عريسنا. هو نصار مات عشان نحزن؟ نصار أهه يا بنات … راجلي أهه … زغرتوا له، روح! (بنفس الخطوات الثابتة يغادر سعد المنزل وزغاريد هنية وكوثر وفردوس تودعه مختلطة بطلقات المدافع الرشاشة المتقطعة في الخارج).
(ستار)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤