الفصل الثاني

اليونان القديمة

  • الحروب الفارسية: (٥٥٩–٤٨١ق.م.).

  • هيرودوتس: ٤٨٤ق.م. – العصر الذهبي: القرن الخامس ق.م.

  • أفلاطون وأرسطو: القرن الرابع ق.م. - الإسكندر ٣٣٤ق.م.

***

شهدت القرون التالية ﻟ «هومير» سقوطَ ما يمكن أن نطلِق عليه «حضارات القصور» في العصر البرونزي المتأخِّر، لكي تحلَّ محلها أنظمةٌ أكثر انفتاحًا وأكثر عددًا وديمقراطية نسبية. كانت الحضارة التي قامت في مدينة «كورنتة Corinth» إحدى تلك الحضارات الأولى الأكثر قوة، وقد نمَت بسرعة لتصبح قوةً بحرية هائلة في اليونان. كان الكورنتيون يتباهون بالموقع الجغرافي المتميز لمدينتهم الرابضة على البرزخ الذي يحمل اسمها — برزخ كورنتة — الذي يمكِّنهم من الوصول إلى البحر الأيوني وبحر إيجه؛ ولذا فقد تحكَّموا في طرق التجارة المؤدية إلى إيطاليا وأنشئوا المستوطنات التي امتدَّت إلى «سيراكوزا Syracuse» في صقلية، و«أبولونيا Apollonia»، في ليبيا اليوم، وإلى جزيرة «كورفو Corfu»، وذلك بعد أول معركة بحرية سجَّلها التاريخ اليوناني. (حدثت هذه المعركة في سنة ٦٧٠ق.م. تقريبًا وتحقَّق فيها الانتصار بفضل السلاح السري الجديد لكورنتة، وهو السفينة ثلاثية المجاذيف. إلا أن تفوُّق كورنتة كان قصير المدى نسبيًّا.) بحلول القرن السادس ق.م.، كان نجم أثينا قد بدأ في الصعود بسرعة. في ذلك الوقت كان اليونانيون قد احتلوا كلَّ الحوض الشرقي من البحر الأبيض حتى صقلية غربًا. (كانت مجموعة من مدينة فوكايا Phocaea في آسيا الصغرى قد ذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك وأنشأت مستوطنةً في إمبوريون Emporion (إمبيوريس Empuries الآن) على ساحل قطالونيا، وهي المستوطنة اليونانية الوحيدة في إسبانيا، التي يوجد بها أثرٌ يدل عليها). حملوا إليها الحضارة، بما كان لديهم من فنٍّ ومعمار وآداب وفلسفة وعلوم ورياضيات، إلى جانب مهاراتهم الصناعية. لا بد من أن نكون ممتنِّين لهم كذلك لإدخالهم النبيذَ الفاخر وطقوس تناوله والممارسات الاجتماعية المصاحِبة من حفلاتٍ وولائم. إلا أن اليونانيين لم يكونوا — قط — إمبراطوريةً بالمعنى الذي ستكون عليه روما فيما بعد.
سياسيًّا، كانوا مجرَّد عدد كبير من الدول-المدن، كما كانوا معظم الوقت في حالة حرب مع بعضهم البعض. كانوا أحيانًا يشكِّلون روابطَ وتحالفات مؤقتة، إلا أن تلك الدول-المدن كانت مستقلة بالضرورة. في تلك الأيام لم تكن أثينا عاصمةً بأي معنًى، أكثر من «هاليكارناسوس Halicarnassus» في آسيا الصغرى مثلًا؛ حيث وُلد هيرودوتس، أو سيراكوزا في صقلية، مسقطِ رأس «أرشميدس Archimedes»، أو جزيرة «ساموس Samos» موطن «فيثاجوراس Pythagoras». كان القديس بولس (سان بول St Paul) يتباهى بأنه مواطن روماني، ولم يكن بالإمكان أن يقال مثلُ ذلك عن اليونانية التي — لا تختلف عن اليهودية اليوم — كانت مفهومًا أكثرَ منها جنسية. لم يكن هناك تعريفٌ دقيق. إذا كنت تشعر بأنك يوناني وتتحدَّث اليونانية، فأنت إذن يوناني.
إحدى نتائج هذا الشتات الكبير، وجودُ كثير من المواقع اليونانية في إيطاليا وصقلية وحول السواحل الغربية والشمالية لآسيا الصغرى مثلما على البر الرئيسي لليونان. ربما كان للبارثينون Parthenon١ مستواه الفريد الذي لا يضارَع،٢ إلا أن الشيء نفسه يمكن أن يقال عن التحف المعمارية في «أولمبيا Olympia» و«باساي Passae». غير أن تفكير المرء سوف يذهب إلى المعابد العظيمة في «بايستم Paestum» جنوبي نابولي، أو تلك في «سيجستا Segesta» و«أجريجنتو Agrigento» في صقلية، أو فيما وراء بحر إيجه، وإلى المسرح اليوناني الكبير في «إفسيوس Ephesus»، وتلك المعابد الصغيرة المطلة على البحر في «سيد Side» و«كاس Kas»، أو الآثار المثيرة للعواطف والذكريات في «برين Priene»، إحدى المدن اليونانية القليلة من بين مدن الساحل التي نجت من «الرومنة Romanizaton» أو إضفاء الطابَع الروماني عليها، أو البوليتريون (قاعة الاجتماعات) الصغير؛ حيث كان ممثلو الشعب المختارون يجتمعون لإدارة شئون المدينة. ربما لا يكون ذلك كله هو «اليونان» بمنظورنا الحالي لمعنى «دولة»، ولكنه العالَم اليوناني … الأكثر أهمية.
كان هناك كذلك عدد من الممالك الصغيرة في آسيا الصغرى التي رغم تأثُّرها المتزايد بالثقافة اليونانية حتى أصبحت هيلينية تمامًا، كان لها جذورٌ قديمة قبل أن يسمع أحدٌ باليونانيين: «برجامم Pergamum» على سبيل المثال، التي كانت مزارًا للحج عدة قرون بسبب وجود «أيسكلابيوس Aesculapius»، إلهِ الشفاء بها، قبل أن تكون لها السيادة السياسية في القرنين الثاني والأول ق.م.؛ أو «فريجيا Phrygia» التي حكمَ ملِكها الشهير «ميداس Midas» — صاحبُ اللمسة الذهبية الأسطورية — في القرن الثامن ق.م.٣ أو «ليديا Lydia» التي حكمها في القرن السادس ق.م. الملكُ «كرويسوس Croesus» الأغنى حتى اليوم، وهو الذي اخترع عمليةَ سك النقود، ولعْب القمار! (ربما في الوقت نفسه). هذه المملكة — ليديا — سيكتب هيرودوتس عن سكانها: «لولا أنهم يدفعون بناتهم دفعًا للعَهْر والبِغاء، لاعتبرنا أخلاقَ أهلها مثلَ أخلاقنا إلى حدٍّ بعيد».
كان افتقاد الوحدة السياسية هذا مفيدًا تمامًا لتطور الفن والثقافة والفكر اليوناني. هذا الغياب شجَّع التنوع، كما كان سببًا في ظهور قدرٍ كبير من المنافسة الصحية، إلا أنه كشف في الوقت نفسه عن ضَعف شديد وخطير في وجه قوةٍ إمبراطورية هائلة كانت تتزايد على مدى معظم سنوات القرن السادس ق.م. كانت الإمبراطورية الفارسية من صنع «قورش الأكبر Cyrus the Great»، الذي استطاع خلال حكمه الذي استمر ثلاثين عامًا (٥٥٩–٥٢٩ق.م.) أن يجمع ويوحد عددًا من القبائل المتباينة في دولةٍ واحدة ويجعلها أقوى دولة على وجه الأرض. كان الفرس جنودًا بارعين ومقاتلين مهرةً يمكنهم أن يمطروا أعداءهم، دون توقُّف، بوابل من السهام: بفضل هؤلاء الجند والخيَّالة المهرة تمكَّن قورش من هزيمة كرويسوس سنة ٥٤٦ق.م. وبسط سلطانه على ساحل الأناضول إلى «كاريا Caria» و«ليسيا Lycia». هكذا بضربة مفاجئةٍ أصبحت فارس قوة متوسطية. تحت «داريوش Darius» العظيم، الذي اعتلى العرش في سنة ٥٢٢ق.م. بعد أن قتل «قمبيز Cambyses»، أصبحت فارس قوةً أوروبية تقريبًا. قام داريوش بأول حملة كبيرة على اليونان في ٤٩٠ق.م.، عندما أرسل أسطولًا ضخمًا يحمل ما لا يقل عن خمسة عشر ألف جندي بقيادة «داتيس Datis»، ابنِ أخيه. عبرت الحملة بحرَ إيجه لتشن هجومًا كاسحًا على أثينا. في محاولة للتصدي لها، قام الجنرال اليوناني «ملتيادس Miltiades» فورًا بحشدٍ من مدينة «بلاتيا Plataea» الصغيرة، وانتظمهم متراصين في خطٍّ طويل عبْر سهل ماراثون خارج المدينة بنحو اثنين وعشرين ميلًا. لم يتمكَّن جيش إسبرطي من الظهور في الوقت المناسب ولم ينتظره ملتيادس. حُسمت المعركة سريعًا. نجحت القوات اليونانية في اختراق الفرس واندفعت متقدمة لكي تطوِّق الوسط. استدار جيش داتيس ولاذ بالفرار أمام اليونانيين الذين كانوا يطاردونه. بلغت خسائر الفرس نحو ٦٤٠٠ قتيل وفقد الأثينيون ١٩٢ جنديًّا وأسروا خمس سفن فارسية في تلك المواجهة.٤
كسبت أثينا معركة، ولكنها لم تكسب الحرب. كان كلُّ ما كسبته هو «فضاء للتنفُّس» لكي تستعد للهجوم التالي. كان قائدها «ثيميستوكليس Themistocles»، المنتخَب حاكمًا ورئيسًا شرفيًّا للمدينة في ٤٩٣ق.م.، كان مقتنعًا بأن أفضلَ أملٍ لها هو أن يكون لها قوة بحرية … وشرع في بناء أسطولٍ بحري. بضربة حظ غير عادية، كان قد تم اكتشاف عِرقٍ سميك من الفضة في مناجم «لوريوم Laurium» القريبة، وعليه لم يكن التمويل مشكلة. لحسن الحظ، كذلك، أن الفرس كانوا مشغولين بإخماد تمردٍ في مصر، كما أن موت داريوش في ٤٨٦ أَخَّرهم أكثرَ من ذلك. وأخيرًا، على أية حال، انطلقت حملةٌ جديدة قوامها مائة ألف مقاتل بقيادة «خشيرشاي Xerxes» ابن داريوش وخليفته. عبرت الحملة «هيلزبونت Helleespont» (الدردنيل) على جسرٍ من القوارب، وتقدَّمت نحو «تراقيا Thrace» إلى «تيسالي Tessaly»، ويقال إن الحشد كان ضخمًا لدرجةِ أن الرجال ودواب حمْل العتاد والمؤن شربوا مياه البحر حتى جف. الأثينيون، القلقون، استشاروا الكهنةَ في «دلفي Delphi»، فنصحوا أن يضعوا ثقتَهم في جدرانهم الخشبية، ولكن أحدًا لم يكن يعرف ما إذا كان ذلك إشارةً إلى تحصينات الأكروبولوس أو إلى السفن الحربية، ولم تُجدِ النصيحة. الأثينيون تجاهلوها على أية حال، فتقدموا شمالًا لملاقاة العدو، مصحوبين هذه المرة بفرقةٍ متوسطة الحجم من إسبرطة تحت قيادة الملك الإسبرطي «ليونيداس Leonidas».
قرَّروا أن يتخذوا مواقعهم عند ممر «تيرموبايلاي Thermopylae» الضيق الذي يعتبر بوابةً إلى «بويتيا Boetia» و«أتيكا Attica». قاتل الأثينيون والإسبارطيون ببسالة جنبًا إلى جنب لمدة ثلاثة أيام، ثم أرشد أحدُ الأدلاء المحليين «خشيرشاي» إلى ممرٍّ ضيق عبر الجبال يمكنه أن يهاجم منه الإسبارطيين من الخلف. بينما كانت القوة الرئيسية لليونانيين تتقهقر في اتجاه الشمال، كان ليونيداس ونحو ثلاثمائة مقاتل يخوضون حربًا يائسة في المؤخرة، كان أن قضوا فيها كلهم. الآن كان الطريق إلى أثينا قد أصبح مفتوحًا. قام «ثيميستوكليس» بإخلاء المدينة ووضع قيادة على جزيرة «سالاميس Salamis» المجاورة واستدعى كلَّ السفن المتاحة (وصل عددها إلى ٣٧٨ سفينة) لتتجمع في خليج «سارونيك The Saronic Gulf»، وبمجرد أن وصلت السفن وجدوا أنفسهم محاصرين بواسطة الأسطول الفارسي الذي كان قوامه نحو ستمائة سفينة. إلا أنهم بدلًا من محاولة فك الحصار، انسحبوا ببراعة في المياه الضيقة في سالامس مما أغرى الفرس بمطاردتهم. في القتال المتلاحم الذي دار، كانت السفن اليونانية ثلاثية المجاذيف أكثرَ سرعة وكفاءة، وأكثر قدرة على المناورة من السفن الشراعية الفارسية الثقيلة. كانت السفن اليونانية تدقُّ السفن الفارسية دون رحمة، بينما خشيرشاي — غاضبًا — جالس على عرشٍ أقدامُه من الفضة تحت مظلةٍ مذهَّبة، يراقب سيرَ الاشتباك من شاطئ أتيك. عندما انتهت المعركة كان اليونانيون قد أغرقوا نصف سفنه تقريبًا، بينما خسروا أربعين من سفنهم. سيعود خشيرشاي إلى عاصمته في «سوسا Susa» ولن تطأ قدمُه اليونان مرة أخرى. ترك في تيسالي جيشًا قوامه نحو ثلاثين ألف مقاتل تحت قيادة جنرالٍ يُدعى «ماردونيوس Mardonius»، لقي هو الآخر هزيمةً في العام التالي في معركة «بلاتيا Plataea»، وفي اليوم نفسِه كان هناك اشتباكٌ آخر بالقرب من «كيب ميكالي Cape Mycale» في آسيا الصغرى؛ حيث تم تدميرُ ما كان قد تبقَّى من السفن الفارسية. هكذا انتهت الحرب بانتصار اليونانيين.
كانت نتيجة الحرب — بالتأكيد — تعتبر انتصارًا للحرية الغربية على الأوتوقراطية والاستبداد الشرقي: الملك العظيم بكل آلته العسكرية الهائلة لم يكن قادرًا على تدمير حَفنة من المدن-الدول اليونانية؛ وهنا قد يعنُّ لنا أن نسأل: ولماذا حَفنة؟ كانت أثينا وبلاتيا وإسبارطة والمدن القليلة الأخرى التي تشكِّل الرابطة البيلوبونيزية بقيادة إسبارطة، كانت تتميز بأنها أسمى منزلة، ولكن ماذا عن المدن الأخرى؟ الحقيقة أن أحدًا من معظم المدن اليونانية الأخرى لم يرفع إصبعًا. بعضها تعاون مع الفرس بدافعٍ من الخوف، وبعضها، بكل بساطة، قبِل البقاء دون مبالاة تحت «مرزبان Satrap»٥ ربما متسامح أو غير مستبد؛ برغم كل ذلك كانت مدن الساحل الأيوني الكبرى — برجامم وإفيسيوس وميليتوس وبرين — قد عاشت تحت راية الملك العظيم على مدى الأربعين سنة السابقة دون شكوى. كان هناك الكثير من اليونانيين من أبناء الطبقة العليا المحافظة في كل منطقة بحر إيجه، الذين يخشون الخطوات الراديكالية نحو الديمقراطية الشعبية التي كانت قد نشأت في القرن السابق — في أثينا قبل غيرها على يد مصلحين مثل «سولون Solon» و«كليستينيس Cleisthenes» — وكانوا يفضِّلون النظام القديم صراحة. ولأنه لم يكن لهم جنسية حقيقية، لم يكونوا ضد أي سيادةٍ أجنبيةٍ ما دامت ودية ومعتدلة.
كانت «هاليكارناسوس Halicarnassus» (بودروم Bodrum الحديثة) كذلك تحت السيطرة الفارسية عندما وُلد هيرودوتس في ٤٨٤ق.م. عندما كان في العشرين تقريبًا، عارض استبداد المرزبان الفارسي «ليجدامس Lygdamis» ونجا بصعوبة من حكمٍ بالإعدام. بعد طردِه من الإمبراطورية أقام في «ساموس Samos» التي أصبحت مستقرَّه الرئيسي حتى تورُّطه في الاحتلال الأثيني ﻟ «توري Thurii» جنوبي إيطاليا في ٤٤٤ق.م. يبدو أنه كان دائمَ الترحال طوال حياته، والمؤكَّد أنه أمضى فترةً في أثينا — حيث أصبح صديقًا مقربًا من «سوفوكليس Sophocles»، وتنقَّل في أرجاء اليونان وآسيا الصغرى ولبنان وفلسطين، كما أخذته رحلاتٌ أخرى إلى «قورينة Cyrene» في ليبيا وبابل في بلاد الرافدين وعلى النيل إلى أسوان في مصر العليا. أينما حلَّ هيرودوتس، كان يطرح الأسئلة، وليس عن التاريخ فحسب. كان يسأل عن الجغرافيا والميثولوجيا والعادات الاجتماعية … وكلِّ ما يعنُّ له.
التاريخ الذي كتبه — أول عمل أدبي أوروبي مهم كُتب نثرًا — سجَّله في أواخر حياته، وبعد موته تم تقسيمه إلى تسعة كتب، كل منها على اسم إحدى الإلهات Muses.٦ وبالرغم من أنه كتبها قبل ألفيتين ونصف الألفية، تبقى مثيرةً للدهشة إلى اليوم عند قراءتها لامتلائها بالاستطرادات العديدة والنوادر الطريفة والمعلومات التي جمعها أثناء أسفاره، وتضفي عليها حيويةً شديدة. العمل كله يرفده حبُّ استطلاع شديد ودهشةٌ وافتتان بجمال العالم وتنوُّعه من حوله. وهكذا فإن هيرودوتس يوناني قلبًا وقالبًا. إنه يجسِّد الروح الإغريقية تمامًا مثل التراجيديات الإغريقية في القرن الخامس، وربما مثل هوميروس.
لقد نشأنا كلنا ونحن ننظر إلى القرن الخامس ق.م. في أثينا باعتباره عصرًا ذهبيًّا، عصرًا لم يشهد تقدمًا غير مسبوق في العلوم والفنون كما في الفلسفة والنظرية السياسية فحسب، بل إنه كذلك، في حالات كثيرة، حقَّق في هذه المجالات نفسها مستوًى من الإتقان لم يتجاوزه عصرٌ آخر إلى الآن. يمكن أن يكون ذلك بشكل عام؛ إذ إننا نرى بدايةَ الظاهرة قبل ذلك بمائة عام تقريبًا، أما أصحابها فكانوا كلهم أثينيين فحسب. كان في أيونيا أن تنبأ «تاليس Thales» (من ميليتوس Miletus) بكسوف الشمس ٥٨٥ق.م. وصدق توقُّعه. كان أرسطو يعتبره أولَ فيلسوف طبيعي. وكان في أيونيا كذلك أن أنتج زميله «أنكسماندر Anaximander» أولَ خريطة للعالم المأهول. بعد نصف قرن، وعلى جزيرة ساموس سينتج «فيثاجوراس Pythagoras» نظريتَه عن المثلثات قائمة الزوايا. ولكن كان في أثينا أن بدأ «بيزيستراتوس Peisistratus» معبد زيوس الأولمبي في ٥٤٠ق.م. عندما كان فن الفخار في ذروته. وكان في أثينا أيضًا أن اجتمع كلُّ هذا الإبداع والتفوق والتألق — بعد انتهاء الحرب الفارسية — في حالة عبقرية واحدة جاءت بموجة هائلة من الثقة والتفاؤل. كان يبدو أن الإنسان قد حرَّر نفسَه من الخرافات البدائية التي كانت ملازمةً للماضي، بدأ أخيرًا يفهم الكونَ من حوله ويدرك أنه — بالتأكيد — سوف يتمكَّن من السيطرة عليه. في الوقت نفسه كان يكتشف الحقائقَ الأساسية للفلسفة السياسية التي علَّمته كيف يعيش في المجتمع الذي وُلد فيه؛ وبواسطة هذا المزيج من القوة والمعرفة، لن يستمتع بعصره الذهبي فحسب، وإنما سيجعله مستمرًّا إلى الأبد.
كانت الروح المهيمنة على ذلك كلِّه هي روح «بيركليس Pericles» التي سادت أثينا منذ ٤٦١ق.م.، عندما كان في الرابعة والثلاثين، حتى وفاته بالطاعون في ٤٢٩ق.م. كل شيء قاله أو فعلَه كان من وحي وإلهام حبٍّ شديد لمدينته الأم. كان قد بذل كلَّ ما في وُسعه لكي يجعلها جميلة، وبشتى الوسائل؛ بتجديد المعابد التي هدمها الفرس وتنظيم بناء أخرى جديدة على الأكروبوليس؛ حيث كان مسئولًا مسئوليةً مباشرة عن «البروبلاي Propylaea» والأوديون والإرخثيوم والبارثينون نفسه؛ إلا أن بيركليس كان كذلك قائدًا عسكريًّا وإمبراطوريًّا لا يُشق له غبار؛ إذ ينبغي ألا نفترض أن القرن الخامس ق.م. كان زمن سلام في أثينا. على العكس، كان هناك تقريبًا قتالٌ مستمر مع إسبارطة، كما هو مع دول يونانية أخرى رافضة أو مقاوِمة لسياسات أثينا التوسعية. هذه الظروف الضاغطة كانت آخذةً في التصاعد حتى ٤٣١ق.م. لكي تنفجرَ في حرب البيلوبونيز. كان أحد الأسباب الرئيسية لتلك الحرب التي استمرت لفترةٍ تزيد عن ربع القرن الخامس المجيد، هو إصرار كل طرف على التحكم في طرقِ التجارة التي تصل اليونان بالبحر الأدرياتيكي؛ ومَن يريد أن يعرف قصة هذه الحرب كاملة فعليه أن يقرأ ثيوسيديديس. أما هنا فكلُّ ما يمكن قوله أنها انتهت بحصارٍ شتوي طويل لأثينا (٤٠٥–٤٠٤ق.م.)؛ حيث ضاق الخناق على المدينة وتضورت جوعًا … فاستسلمت. ولكن العصر الذهبي لم يكن عصرَ سياسة فحسب، ولعل وصفه بالذهبي يأتي لعلاقته بالفن والفكر. في مجال الأدب بشكلٍ عام، والدراما على نحوٍ خاص، وهي موضع قوة اليونان، كان الاسم العظيم الأول هو اسم «أيسخيلوس Aeschylus» المولود في ٥٢٥ق.م.، ولا بد أن يكون قد حارب في «ماراثون Marathon»، وربما في «سالاميس Salamis» و«بلاتيا Plataea» كذلك. كتب على مدى حياته الطويلة أكثرَ من ثمانين مسرحية، بقيت منها سبع بما فيها الثلاثية الإغريقية الوحيدة الباقية: «أورستيا Oresteia». كان أيسخيلوس رائدًا في أمورٍ عدة. كانت تراجيدياته هي الأولى التي تستكشف الشخصية الإنسانية، والأولى كذلك التي تستخدم ممثلًا ثانيًا، وبذلك تقلِّل من أهمية «الكورس Chorus» إلى حدٍّ ما. قام أيسخيلوس بزيارتين طويلتين لجزيرة صقلية — كانت حتى ذلك الحين جزءًا لا يتجزأ من العالم اليوناني — وكان أن مات هناك في ٤٥٦ق.م. (قُتل على نحوٍ مؤسف عندما ظن نسرٌ رأسَه الأصلع صخرةً فأسقط عليها سلحفاة لكي يكسر ظهرها العظمى).
«سوفوكليس Sophocles»، الأصغر سنًّا من أيسخليوس بنحو ثلاثين عامًا، كان أكثرَ إنتاجًا. كتب ١٢٣ مسرحية لم يصلنا منها كذلك سوى سبع تراجيديات، بما في ذلك ثلاث تتناول أسطورة «أوديب Oedipus». بصرف النظر عن هذه المسرحيات الثلاث: «عقدة أوديب Oedipus Rex» و«أنتيجون Antigone» و«أوديب في كولونوس Oedipus at Colonus»، فإن تحفته هي «إلكترا Electra»، التي تروي قصة قيام إلكترا وشقيقها «أورستيس Orestes» بقتل أمِّهما «كلايتمنسترا Clytemnestra» — زوجةِ أجاممنون — وعشيقها «أيجستوس Aegisthus». كان سوفوكليس كذلك مبدعًا كبيرًا. يخبرنا أرسطو بأنه أضاف ممثلًا ثالثًا، ووجد الوقت، إلى جانب ذلك كله لكي يشاركَ في الحياة العامة في أثينا. خدم مرتين في المجلس العسكري الذي كان مكونًا من عشرة جنرالات وكان قسًّا في «هالون Halon» وأشبه بإلهٍ آخرَ للشفاء. مات سنة ٤٠٦ق.م. وكان في التسعين من العمر. قبل وفاته بفترةٍ قصيرة أخذه أبناؤه إلى المحكمة للحجْر عليه على أساس أنه كان قد بلغ من العمر عتيًّا، ولم يَعُد قادرًا على إدارة شئونه بسبب ظروف الشيخوخة. كان ردُّه أن قام بتلاوةِ مقطعٍ طويل — من الذاكرة — من أحدثِ مسرحياته «أوديب في كولونوس»، وخسر أبناؤه القضية.
ثالث وآخر كُتَّاب التراجيديا العظام هو «يوربيديس Euripides» المولود في ٤٨٤ق.م. كان إذنْ أصغرَ من سوفوكليس باثني عشر عامًا ومات قبله بأشهر قليلة في سنة ٤٠٦ق.م. (في مهرجان ديونيسيوس Dionysus في ذلك العام، جعل سوفوكليس الكورس والممثلين يرتدون السواد إحياءً لذكراه). في العصور التالية سيكون الاحتفال ﺑ «يوربيديس» باعتباره من رجال النهضة. إلى جانب الكتابة المسرحية كان رسامًا رائعًا وموسيقيًّا بارعًا، وكانت مكتبته واحدةً من أفضلِ مكتبات أثينا. يعتقد أنه كتب ٩٢ مسرحية بقي منها تسع عشرة من بينها: «أندروماك Andromache»، و«هيبولتيوس Hippolytus»، و«ميديا Medea»، و«نساء طروادة The Trojan Women»، وهي تتناول الأساطير القديمة نفسَها التي استخدمها سابقوه، ولكنها تأخذ منحًى معاصرًا وغير متوقَّع.
كاتب الدراما الوحيد الآخر في تلك الأيام، الجديرُ بالذكر هنا بنفس الاطمئنان مثل الثلاثة السابقين، لم يكن كاتبَ تراجيديات وإنما كوميديات، أكثر المسرحيات سخريةً في ذلك الزمان، «أريستوفانيس Aristophanes» المولود — تقريبًا — في ٤٤٥ق.م.، كان أصغر من يوربيديس بجيل، وكما يمكن أن نتوقَّع ما يزال أكثر واقعية. كتب نحو ٥٤ مسرحية وصلَنا منها إحدى عشرة، رسم فيها — بلا أدنى شفقة — صورًا كاريكاتورية للشخصيات السياسية والثقافية والاجتماعية الرئيسية في أثينا بمن فيهم سقراط (في مسرحية: «السُّحب The Clouds»)، وكليون Cleon (في مسرحية: «الفرسان The Knights»)، ولاماخوس Lamachus أحدُ أبرز جنرالات أثينا في حرب البيلوبونيز (في مسرحية: «الأخارنيون The Acharnians»). في مسرحية: الضفادع يهبِط ديونيسيوس — إله المسرح — إلى حادس،٧ ليأتيَ ﺑ «يوربيديس»، وبعد مشهد محاكمةٍ هزلي يأتي ﺑ «إيسخيلوس» بدلًا منه. لعل «ليسيستراتا Lysistrata» هي أشهر مسرحياته، التي تمتنع فيها نساء المدن اليونانية عن معاشرة أزواجهن جنسيًّا إلى أن يعود السلام.
لعل سقراط وحده من بين فلاسفة أثينا العظماء، هو الذي يمكن أن يقال إنه ينتمي إلى القرن الخامس ق.م. عاش سقراط من ٤٦٩ق.م. إلى ٣٩٩ق.م. لم يكتب شيئًا؛ لأنه بكل بساطة كان يزعم أنه لا يعرف شيئًا؛ ولذلك لم يكن يشعر بأنه يمكن أن يكون معلِّمًا. كان بدلًا من ذلك يناقش كلَّ شيء وأيَّ شيء: الخير والشر، والحقيقة والعدل، والفضيلة والدين، وكان الموضوع الأخير هو سبب سقوطه. في مطلع ربيع ٣٩٩ق.م. اتُّهم بالعقوق؛ لأنه — كما قيل — قدَّم آلهةً غريبة لا تعترف بها الدولة؛ واتُّهم إلى جانب ذلك بأنه كان يغوي الشبان رغم أنه كان له زوج «زانتيبي Xanthippe» ولديه منها ابنان. اتهامان كانا كافيين لإدانته قضيا بإعدامه. عرض أصدقاؤه عليه تقديمَ رشوة لسلطات السجن لتهريبه، ولكنه رفض لأسباب أخلاقية. بعد شهر تجرَّع — علنًا — كأسًا من السُّم ومات.
أفلاطون الذي كان ليخلده، كان في الثامنة والعشرين عندما شهد محاكمته وتأثَّر بشدة لموته، الذي قضى بعده عدة سنوات في مصر وإيطاليا وصقلية. على خلاف صديقه كتب كثيرًا، وكثيرًا ما كان يفصِّل نظرياته الفلسفية في شكل حوارات درامية يلعب فيها سقراط دورًا مهمًّا؛ وبالرغم من أنه كان يجادل بذكاء شديد، لم يكن يلزم نفسه بمبدأ خاصٍّ به. في مرحلةٍ ما من ثمانينيات القرن الرابع ق.م.، أسَّس مدرسةً خارج أثينا عُرفت بالأكاديمية Academy، وهي الكلمة التي تبنَّتها فيما بعد كلُّ لغات أوروبا تقريبًا.
تلميذ أفلاطون اللامع — الذي كان يصفه بعقل المدرسة — كان شابًّا يونانيًّا أيونيًّا من تراقيا Thrace يُدعى أرسطو، من مواليد «ستاجيرا Stagira» بالقرب من تيسالونيكا في ٣٨٤ق.م. عندما استقرَّ في «أسوس Assos» في آسيا الصغرى أسَّس مدرسةً هو الآخر. في ٣٤٢ق.م. تلقى دعوةً من «فيليب الثاني المقدوني Philip II Macedon» ليكون معلِّمًا خاصًّا لابن الملك الشاب، الإسكندر، البالغ من العمر أربعة عشر عامًا، وهي الوظيفة التي بقي فيها لمدة عامين. بعدها سيعود أرسطو إلى أثينا ليؤسِّس مدرسةً أخرى خاصة به — هذه المرة في بستانٍ كان مكرَّسًا لعبادة «أبوللو ليكيوس Apollo Lykeios» مما أعطاها اسم «الليسيوم Lyceum». كان أرسطو أكبرَ من مجرد فيلسوف، آثاره الباقية تضم أعمالًا في الأخلاق والتاريخ والعلم والسياسة والنقد الأدبي والمسرحي والطبيعة والميتيورولوجيا (الظواهر الجوية) والأحلام وعلم الحيوان، أما المجال الأخير فكان اهتمامًا شخصيًّا منه. باختصار … كان أرسطو موسوعيَّ الثقافة، ولعله الأول في التاريخ. ترك وراءه أولَ مكتبة حقيقية، مجموعة واسعة من المخطوطات والخرائط كانت النموذج البدئي لمكتبات «برجامم Purgamum» والإسكندرية وكل المكتبات العامة القديمة الأخرى.
بعد انتهاء حرب البيلوبونيز، حكمت إسبرطة الطائر اليوناني بضع سنوات، إلا أن الأضواء تحوَّلت في مطلع القرن التالي إلى مكانٍ آخرَ غير مألوف، غير متوقَّع. في تلك الأيام القديمة لا بد أن مقدونيا كانت تبدو مثلما كانت اسكتلنده بالنسبة لإنجليز العصور الوسطى: أرض برابرة بدائيين، همج وأجلاف، منقسمين إلى جماعات متحاربة، لا يضاهي فقرَهم الثقافي سوى قدرة مذهلة على تعاطي الكحول. كان ذلك يصدُق تمامًا على النِّجاد المقدونية، أما الأراضي المنخفضة التي كانت تضم مدينة «بيللا Pella»، التي خرجت منها أسرةٌ تُعرف ﺑ «الأرجيد Argeads»، فقد ملكت زمام الحكم والسيطرة على البلاد كلها، على الأقل من الناحية النظرية.
بالنسبة لنا هنا فإن القصة تبدأ بالملك «فيليب الثاني King Philip II» الذي اعتلى العرشَ بعد موت أخيه في ٣٥٩ق.م. كان البلد الذي ورِثه فقيرًا ومفككًا فقام من فوره بتكوين جيش احترافي أخضعه لتدريبٍ شامل وأبقاه في حالة تعبئةٍ على مدار العام وليس في الصيف فقط كما كانت العادة. في غضون عشرين عامًا، أصبحت مقدونيا أقوى دولة في شرق أوروبا، وقلبَ فيليب الثاني موازينَ القوى في العالم اليوناني بكامله. في سنة ٣٣٨ق.م. قاد جيشه في اتجاه الجنوب ليجبر الدول-المدن في جنوب اليونان — التي كانت تقودها أثينا وطيبة Thebes — على الدخول في تحالف سريع معًا. أرسلوا جيشًا لمواجهته حيث تلاقت القوى المتنافسة في الرابع من أغسطس في «كايرونيا Chaeronea» في «بويتيا Boetia». أسفرت المعركة عن انتصار حاسم للملك فيليب.

كان الإسكندر ابن فيليب، أحدَ السفراء الذين أرسلهم إلى أثينا لعرضِ شروط التسوية، ورغم أنه كان ما زال في الثامنة عشرة، كان الأمير الصغير قد أظهر بسالةً كبيرة في القتال في كايرونيا حيث كان قائدًا لخيالة ميسرة الجيش. منذ طفولته، كان يتم إعداده لكي يكون خليفةً لوالده. كان معلِّمه أرسطو ينمي فيه شعورًا غريبًا وقويًّا بحقه المقدَّس في أن يحكم، وكان يشتطُّ في نصحه له لدرجةِ أنه كان يريده أن يكون «قائدًا لليونانيين ومستبدًّا مع البرابرة، أن يعامل اليونانيين كأصدقاء وأقارب، والآخرين كما لو كانوا نباتات أو حيوانات». التهمَ الطموح الصبي. كان متعجلًا لتولي مقاليد الأمور لدرجةِ أن فيليب بدأ يشك في وجود مؤامرة عليه. ربما كان محقًّا في ذلك؛ ففي سنة ٣٣٦ق.م. أثناء الاحتفالات المقامة بمناسبة زواج شقيق زوجته من أخته (أخت شقيق الزوجة نفسه)، تم اغتيال الملك بيد أحد حراسه.

هل كان الإسكندر متورطًا في الجريمة؟ لم يثبُت ذلك، إلا أن الدلائل تشير إليه وإلى أمه «أولمبياس Olympias» التي كان فيليب قد طلَّقها قبل فترة قصيرة. المهم أن اغتيال الملك جاء في لحظةٍ مواتية تمامًا. بموافقةٍ إجماعية من الجيش تولَّى الإسكندر الحكمَ بعد أبيه. وبعد أن انتظر حتى ينتهيَ من حملة سريعة على طيبة — التي لم يترك فيها حجرًا فوق الآخر — عبَر هيلزبونت (الدردنيل) ليبدأ حملته الكبرى التي سوف تشغَل ما بقي من حياته القصيرة المدهشة: حملة شنَّها بهدف تحرير المدن اليونانية في آسيا الصغرى من السيادة الفارسية، وإقامة إمبراطورية عظيمة له بعد ذلك في المشرق. وبينما كان ما يزال في البحر الأبيض انتصر على الملك الفارسي «داريوش الثالث Darius III» في معركتين تاريخيتين؛ الأولى على نهر جرانيكوس Granicus على بُعد نحو ثلاثين ميلًا شرقي طروادة، والثانية في العام التالي على هضبة إيسوس Issus بين ألكساندريتا Alexandretta وأنتيوك Antioch (الإسكندرية ثم أنطاكية على التوالي). بعد ذلك لم يكن أمامه سوى مقاومة قليلة وهو يقود جيشه جنوبًا على امتداد ساحل فلسطين، وعبر شمال شبه جزيرة سيناء إلى مصر، حيث أمضى شتاء ٣٣٢–٣٣١ق.م.؛ ثم انطلق شرقًا مرة أخرى مع مقدَم الربيع: إلى صور أولًا، ثم عبر الجبال إلى دمشق، وهنا سيخرج من قصتنا.
مات الإسكندر في بابل في ١٣ يونيو ٣٢٣ق.م. وهو في الثانية والثلاثين، مخلفًا وراءه فوضى عارمة. ابنه الحي الوحيد «هيراكليس Heracles» كان غير شرعي، وعندما مات كانت زوجته «روكسان Roxane» حاملًا، إلا أن المولود كان يمكن أن يكون أنثى، ولم يكن أحد مستعدًّا للانتظار ستة أسابيع أخرى حتى تتم الولادة. نشب قتال عنيف بين كبار ضباطه ونبلاء المقدونيين الذين كانوا يشكِّلون بلاطه، وسرعان ما اتسع نطاق الصراع وامتد إلى المتوسط، وقبل مرور وقت طويل كان كل العالم اليوناني قد أصبح ممزقًا بسبب جشع المتنافسين. كان كل شيء يمضي في مساره الحتمي، فكان لا يمكن أن تستمر إمبراطورية الإسكندر. كانت مترامية الأطراف ومن الصعب السيطرةُ عليها فسقطت سريعًا. كان المغامر الشاب الذي افترسه طموحه الشخصي لا يفكر سوى في الزحف والتوسع، ولم يفكر قط في تثبيت دعائم إمبراطوريته وتماسكها. تشظِّي الإمبراطورية بعد موته جعل اندثارها حتميًّا.
كان الإرث الثقافي الذي تركه الإسكندر أهمَّ من إمبراطوريته قصيرة العمر. المدى الذي وصلت إليه الثقافة اليونانية حتى أفغانستان ووادي الإندوس Indus، وامتزاجها بتراث فارس وإن كان ذلك خارج نطاق هذا الكتاب، إلا أن تأثير المرحلة الهلنستية Hellenistic٨ كان كبيرًا في أرجاء المتوسط. ظهرت هناك كذلك مدنٌ على شاكلة المدن اليونانية، بمعابدَ وساحات عامة ومسارحَ ومنشآت للألعاب الرياضية، ولكن معظم تلك المدن لم تبقَ مدنًا-دولًا مستقلة كما كان شأنها في الماضي. الآن كانت قد أصبحت جزءًا من دولة كبيرة أقوى وأغنى، قادرةٍ على أن تطلق مشروعات لبناء السفن على نطاقٍ لم يكن ليخطر على بالِ أحد في القرون الماضية. كانت، فوق ذلك كلِّه، تمهِّد التربة لانتشار دين جديد ينبثق من قلب اليهودية، بينما لا يعترف بشيء من حصريتها. كان هذا الدين الجديد هو المسيحية كما نادى بها وطوَّرها «سان بول St Paul».
بعد أن انقشع دخان إمبراطورية الإسكندر المحتضرة — بعد عشرين سنة تقريبًا — انبعثت ثلاث قوى من بين الرماد. كانت الأولى هي مملكة مقدونيا القديمة التي لم تَعُد سيدًا على غرب آسيا إلا أنها كانت تسيطر على شمال اليونان، فكانت قوة كبيرة في العالم اليوناني؛ وكانت القوة الثانية هي الإمبراطورية التي بناها «سيليوكوس Seleucus» (جنرال الإسكندر — القائد السابق لحملة التروس وقائد حرس الشرف الشخصي) بدءًا ﺑ «بابل» ثم سرعان ما بسط نفوذه على ما بين النهرين وسوريا، إلى أن امتدَّ ملكه من عاصمته في أنتيوك Antioch (أنطاكية) إلى الحدود الشرقية للخليج الفارسي. استمرَّت سلسلة الملوك السلوقيين Seleucid التي بدأها نحو أربعة قرون إلى أن محتها روما في عام ٧٢م.
القوة الثالثة كانت مصر؛ حيث قام صديقٌ للإسكندر (عسكري ومؤرِّخ) يُدعى «بطليموس Ptolemy» ليعلن نفسه ملِكًا. أظهر بطليموس تفوقًا كبيرًا. كان يحكم من الإسكندرية التي بناها الإسكندر — مدينة أعظم مكتبات العصور القديمة، المدينة التي كان يوجد بها أكبر مجتمع يهودي سيقرأ التوراة بانتظام … ليس بالعبرية وإنما باليونانية — ومن مدينةٍ أخرى بناها في مصر العليا (مدينة Ptolemais). هذا المقدوني المخادع، انتحل شخصية — وسلطة — الفراعنة القدامى، وخلال فترة حكمٍ دامت نحو أربعين سنة امتدت ممتلكاته إلى فلسطين وجنوب سوريا وقبرص وآسيا الصغرى وجزر السيكلاديس. بدأ هو الآخر سلسلةً من حكام لمصر شملت ما لا يقل عن خمسة عشر من أسرة واحدة، وهو عدد لافت لأن كلَّ واحد منهم — تقريبًا — كان يتزوج أخته أو أخته غير الشقيقة أو ابنة أخيه أو ابنة أخته. كان بطليموس الرابع عشر Ptolemy XIV الذي اعتلى العرش في عام ٤٧م، هو الذي تزوَّج شقيقته كليوباتره التي كانت في الحادية والعشرين من عمرها.

رغم أن البطالمة، ربما، كانوا من أصولٍ يونانية، فإن العالَم الذي عاشوا فيه، وخاصة الأجيالَ المتأخرة منهم، كان عالَمًا رومانيًّا. والآن، أعتقد أنه قد حان الوقت لكي نعودَ القهقرى قرنًا أو قرنين لنتحرى كيف تسنَّى لمدينة إيطالية صغيرة عديمة الأهمية، أن تجعل من نفسها سيدةً على العالم المتحضِّر في فترة وجيزة.

هوامش

(١) هيكل الإلهة أثينا في مدينة أثينا.
(٢) بالرغم من أن المهندس المعماري هاري جودهارت–رندل Hary Goodheart-Randel قال لأوسبرت لانكستر Osbert Lancaster عندما رآه لأول مرة: حسنًا. لا أعتقد أننا يمكن أن نعتبره إنجازًا كبيرًا.
(٣) سباق الماراثون الحديث ومسافته ٢٦ ميلًا و٣٨٥ ياردة يقوم على قصة الرسول فيديبيديس Pheidippeds الذي يقال إنه قطع تلك المسافة ركضًا لتوصيل خبرِ الانتصار إلى أثينا. إلا أن هذه القصة بدورها مبنيةٌ على فكرة خطأ. يروي هيرودوتس — وهو المصدر الثقة الوحيد — أن فيديبيدس قطع المائة والأربعين ميلًا من أثينا إلى إسبرطة لكي يطلبَ النجدة، كما يقال إنه قطعها في يومين.
(٤) كان أحد أولئك المزربانات «موسولوس Mausolus»، حاكم مقاطعة «كاريا Caria» من ٣٧٧–٣٥٣ق.م.، الذي بنت له أخته/ زوجته، المقبرةَ العظيمة في هاليكارناسوس Halicarnasus، وهي الضريح الذي كان أحدَ عجائب الدنيا السبع. في أواخر القرن الخامس عشر قام فرسان سان جون بإزالة بقاياه لبناء قلعةٍ تشرف على الخليج، إلا أن تمثال موسولوس بقي، وهو موجود الآن في المتحف البريطاني.
(٥) كان أحد أولئك المزربانات «موسولوس Mausolus»، حاكم مقاطعة «كاريا Caria» من ٣٧٧–٣٥٣ق.م.، الذي بنَت له أخته/ زوجته، المقبرة العظيمة في هاليكارناسوس Halicarnasus، وهي الضريح الذي كان أحدَ عجائب الدنيا السبع. في أواخر القرن الخامس عشر قام فرسان سان جون بإزالة بقاياه لبناء قلعةٍ تشرف على الخليج، إلا أن تمثال موسولوس بقي، وهو موجود الآن في المتحف البريطاني.
(٦) بنات زيوس كبير آلهة الإغريق (أو رب الأرباب) من عشيقته منيموزين Mnemosyne إلهةِ الذكاء. عدد بنات زيوس تسع ويُعرفن بالموزاي Musae أو ربات الفنون التسع: أورانيا ربة الفلك، وكليو ربة التاريخ، ويوتيربي ربة الموسيقى، وتيرسيخوي ربة الرقص، وميلبوميني ربة شعر البكائيات والمراثي، وبوليمنيا ربة الشعر الغنائي، وكاليوبي ربة الشعر الحماسي، وتاليا ربة الكوميديا. (المترجِم)
(٧) حادس Hades، مثوى الأموات في الميثولوجيا اليونانية.
(٨) «الهلنستية» هي الكلمة التي تُطلق عادةً على الفترة التي تلت موت الإسكندر مباشرةً.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤