العصر الذهبي للموسيقى

انتهى العصر المزهر في زمن الأُمويين، ويُكوِّن مَن سبَق ذكرهم هم وغيرهم من معاصريهم المذهب القديم l’ecole classique.
ولقد أخذت الموسيقى في عصر العباسيين تخطو خطوات واسعةً نحو التقدم، وتتطور إلى الكمال، حتى جاء إسحاق الموصلي فأبلغها ذروة الكمال، وزاد المقامات، وأوجد الطرائق الجديدة للضرب، ونوَّع في مجرى الأصابع — وسنفصله في موضعه — وأنشأ المذهب الحديث l’ecole romantique حتى أصبح له مبتدعًا وزعيمًا، وكان له الفضل العظيم في نشر الموسيقى لا سيما بين القيان؛ إذ كان بيته يحوي دائمًا ثمانين قينةً ممن يرسلهن مواليهن للتعليم.

إبراهيم الموصلي

هو إبراهيم بن ميمون، أو ابن ماهان بن بهمن، وهو من عائلة عريقة في النسب بفارس. وقد هرب جَدُّه من جَور بعض عمال بني أمية فنزل بالكوفة، واسم أبيه الأصلي ماهان، ثم غيَّره بميمون.

ولد بالكوفة سنة ١٢٥ هجريةً، ومات ببغداد سنة ١٨٨، ولما نشأ وأدرك صحب الفتيان واشتهى الغناء فطلبه، فغضب أخواله عليه، فهرب منهم إلى الموصل، فصحب جماعةً من الصعاليك كانوا يُصيبون الطريق ويُصيبه معهم، ويجمعون ما يفيدونه فيقصفون ويشربون ويغنون، فتعلم منهم شيئًا من الغناء وشدَا، فكان أطيبهم وأحذقهم، فلما أحس بذلك من نفسه اشتهى الغناء وطلبه، وسافر إلى المواضع البعيدة فيه، فذهب إلى الري وتعلَّم بها أيضًا الغناء العربي والفارسي، وتزوج امرأته دوشارَ، ثم شاهكَ — أُم إسحاق ابنه وسائر أولاده. وقد تلقى الغناء أخيرًا عن سياط، ثم طلبه محمد بن سليمان بن علي. ولمَّا وُصف أمام الخليفة المهدي أمر بإحضاره، وكان المهدي لا يشرب، فكان يأتيه في بعض الأحيان منتشيًا، فأمر بضربه وحبسه، وحظر عليه أن يدخل على موسى وهارون ولَدَيْه، ثم بلغه أنه دخل عليهما وشرب معهما، فأمر بضربه ثلاثمائة سوط بعد أن جُرِّد من ثيابه، ثم لفَّ في جلد شاة بعد ذبحها مباشرةً لتسكين ألم الضرب، ثم حبسه في قبر.

ولما ولي موسى الهادي طلب إبراهيم وأعطاه في يوم واحد ١٥٠٠٠٠ دينار، وقال إبراهيم: لو عاش الهادي لبنينا حيطان دورنا بالذهب والفضة.

وقد قدر إسحاق الموصلي أموال أبيه فوجدها ٢٤٠٠٠٠٠٠ درهم، ما عدا أرزاقه الجارية، وهي ١٠٠٠٠ درهم كل شهر خلاف غلات ضِياعه والصلات الوافرة. وكان جوادًا يذبح كل يوم ثلاث شياهٍ؛ واحدةً معلقة في القدور، وأخرى مسلوخة ومعلقة، وأخرى حية، فإذا أتاه قوم طعموا ما في القدور، فإذا فرغت قُطِّعت الشاة المعلقة، ونصبت القدور، وذُبحت الحية فعُلِّقت وأُتيَ بأُخرى، فجعلت وهي حية في المطبخ. وكان في بيته ثمانون جاريةً من اللائي يرسلهن مواليهن إليه للتعليم خلاف قيانه الخاصة.

وقال إسحاق ابنه: ما سمعت أحسن غناءً من أربعة: أبي، وحكم الوادي، وفليح بن أبي العوراء، وسياط. كانوا يصنعون فيحسنون، ويؤدون غناء غيرهم فيجيدون، وكان إبراهيم الموصلي — كرجل مُفوَّه — إذا خطب أجزل، وإن كتب رسالةً أحسن، وإن قال شعرًا أجاد، ولم يكن فيهم مثله. وقال فيه ابن سيابة:

ما لإبراهيم في العلـ
ـم لهذا الشأن ثان
إنما عمر أبي إسـ
ـحاق زين للزمان
جنة الدنيا أبو إسـ
ـحاق في كل مكان
فإذا غنى أبو إسـ
ـحاق أجابته المثاني
منه يجنى ثمر اللهـ
ـو وريحان الجنان

وحدث إسحاق فقال: صنع أبي تسعمائة صوت: منها دينارية، ومنها درهمية، ومنها فلسية، فأما ثلاثمائة منها، فإنه تقدم الناس جميعًا فيها، وأما ثلاثمائة فشاركوه وشاركهم فيها، وأما الثلاثمائة الباقية فلعب وطرب. وقد أسقط ابنه الأخيرة.

إسحاق الموصلي

لقد ذكرنا نسبه في نسب أبيه، وموضعه من العلم، ومكانه من الأدب، ومحله من الرواية، وتقدمه في الشعر، ومنزلته في سائر المحاسن أشهر من أن يُدلَّ عليه فيها بوصف، وأما الغناء فكان أصغر علومه، وأدنى ما يوسم به، وإن كان الغالب عليه وعلى ما كان يحسنه؛ فإنه كان له في سائر أدواته نظراء وأكفاء، ولم يكن له في هذا نظير؛ فإنه لحق بمن مضى فيه، وسبق من بقي، وأوضح للناس جميعًا طريقه، وسهل عليهم سبيله وأنارها، فهو إمام أهل صناعته جميعًا ورأسهم ومعلمهم.

وكان المأمون يقول: لولا ما سبق على ألسنة الناس وشهر به عندهم من الغناء لوليته القضاء بحضرتي، فإنه أولى به وأعفُّ وأصدق، وأكثر دينًا وأمانةً من هؤلاء القضاة. وهو الذي صحَّح أجناس الغناء وطرائقه، وميزه تمييزًا لم يقدر عليه أحد قبله، ولا تعلق به أحد بعده، ولم يكن قديمًا مميَّزًا على هذا النمط، إنما كان يقال: الثقيل، وثقيل الثقيل، والخفيف، وخفيف الخفيف. وهذا عمرو بن بانة، وهو من تلاميذه، يقول في كتابه الرمل الأول، والرمل الثاني، ثم لا يزيد في ذكر الأصابع على الوسطى والبنصر، ولا يعرف المجاري التي ذكرها إسحاق في كتابه مثل ما ميَّز الأجناس، فجعل الثقيل الأول أصنافًا، فبدأ فيه بإطلاق الوتر في مجرى البنصر، ثم تلاه بما كان فيه بالبنصر في مجراها، ثم بما كان بالسبَّابة في مجرى البنصر، ثم فعل هذا بما كان منه بالوسطى على هذه المرتبة، ثم جعل الثقيل الأول صنفين: الصنف الأول منهما الذي ذكرناه، والصنف الثاني القدر الأوسط من الثقيل الأول، وأجراه المجرى الذي تقدم من تمييز الأصابع والمجاري، وألحق جميع الطرائق والأجناس بذلك، وأجراها على هذا الترتيب.

تناظر المغنُّون يومًا عند الواثق، فذكروا الضُّراب وحذقهم، فقدَّم إسحاق زلزلًا على ملاحظ، ولملاحظ في ذلك الرئاسة على جميعهم، فقال له الواثق: هذا حيف وتعدٍّ منك، فقال إسحاق: يا أمير المؤمنين، اجمع بينهما وامتحنهما؛ فإن الأمر سينكشف لك فيهما، فأمر بهما فأُحضرا، فقال إسحاق: إن للضراب أصواتًا معروفةً، أفأمتحنهما بشيء منها؟ قال: أجل، افْعَلْ! فسمَّى ثلاثة أصوات كان أولها:

عُلِّق قلبي ظبية السيب

فضربا عليه، فتقدم زلزل وقصَّر عنه ملاحظ، فعجب الواثق من كشفه عما ادَّعاه في مجلس واحد، فقال له ملاحظ: فما باله، يا أمير المؤمنين، يحيلك على الناس؟ ولِمَ لا يضرب هو؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنه لم يكن أحد في زماني أضرب مني إلا أنكم أعفيتموني، فتفلَّت مني، وعلى أن معي بقية لا يتعلق بها أحد من هذه الطبقة، ثم قال: يا ملاحظ، شوِّش عودك وهاته! ثم فعل ذلك ملاحظ، ثم قال: يا أمير المؤمنين، هذا يخلط الأوتار تخليط متعنِّت، فهو لا يألو ما أفسدها، ثم أخذ العود فجسَّه لحظةً حتى عرف مراجعه، فغنَّى، ثم قال: يا ملاحظ، غن أي صوت شئت، فغنى ملاحظ صوتًا، وضرب عليه إسحاق بذلك العود الفاسد التسوية، فلم يخرجه عن لحنه في موضع واحد حتى استوفاه عن نقرة واحدة، ويده تصعد وتنحدر على الرساتين، فقال له الواثق: لا، والله ما رأيت مثلك ولا سمعت به، ولئن متَّ لتموتنَّ هذه الصناعة معك، وأمَر له بثلاثين ألف درهم.

وقال إسحاق الموصلي: دعاني المأمون وعنده إبراهيم بن المهدي، وفي مجلسه عشرون جاريةً، وقد أجلس عشرًا عن يمينه، وعشرًا عن يساره، معهنَّ العيدان يضربن بها، فلما دخلت سمعت من الناحية اليسرى خطأً فأنكرته، فقال المأمون: «يا إسحاق، أتسمع خطأً، فقلت: نعم والله يا أمير المؤمنين، فقال لإبراهيم: أتسمع خطأً؟ فقال: لا! فأعاد عليَّ السؤال فقلتُ: بلى والله يا أمير المؤمنين، وإنه لفي الجانب الأيسر، فأعاد إبراهيم سمعه إلى الناحية اليسرى ثم قال: لا والله ما في هذه الناحية خطأ، فقلت: يا أمير المؤمنين، مُر الجواري اللواتي على اليمين أن يُمسِكن.

فأمرهنَّ فأمسكن، فقلت لإبراهيم: أتسمع خطأً؟ فتَسمَّع ثم قال: «ما ها هنا خطأ، فقلت: يا أمير المؤمنين، يُمسكن وتضرب الثامنة، فأمسكن وضربت الثامنة، فعرف إبراهيم الخطأ، فقال: نعم يا أمير المؤمنين، ها هنا خطأ، فقال له المأمون: لا تُمارِ إسحاق بعدها، فإن رجلًا فهم الخطأ بين ثمانين وترًا وعشرين حلقًا لجدير أن لا تماريه، فقال له: صدقت يا أمير المؤمنين!

وقد مات إسحاق الموصلي في زمن المتوكل، ورثاه كثير من شعراء العصر.

ابن جامع

هو إسماعيل بن جامع بن إسماعيل، وكان صالحًا متفقهًا في الدين أديبًا محبًّا لاقتناء أنواع الكلاب. أخذ الغناء عن سياط، وقد غنى للهادي، وأعطى له مرةً في جلسة ثلاثين ألف دينار، وكان جميل الصوت ملحنًا مغنيًا من الفحول. وكان يُفضُّله إسحاق الموصلي على جميع المغنين في عصره؛ لحسن صوته، وتَمكُّنه من فنه.

فليح بن أبي العوراء

من أهل مكة، وكان مولًى لبني مخزوم، وهو أحد مغني الدولة العباسية، له محل كبير من صناعته وموضع جليل، وكان إسحاق الموصلي يقول: ما سمعت أحسن غناءً من فليح وابن جامع. وهو أحد الثلاثة الذين اختاروا المائة الصوت للرشيد. وقال إسحاق الموصلي عنهما أيضًا: كان أبي إبراهيم الموصلي لا يفضلهما في صناعة الغناء، بل يزيد عليهما فنونًا من الأدب والرواية لا يداخلانه فيها.

حكم الوادي

هو الحكم بن ميمون، مولى الوليد بن عبد الملك، وأصله من الفرس. أخذ الغناء عن عمر الوادي، وكان يسميه الوليد «جامع لذتي»، وقال إسحاق الموصلي: أحذق من رأيت من المغنين أربعة: أبي، وحكم الوادي، وفليح بن أبي العوراء، وسياط. وقد غنى الوليد وعاش إلى زمن الرشيد، وغناه أيضًا، ومات في خلافته.

بذل

إحدى مولَّدات المدينة، وربِّيت بالبصرة، وهي إحدى المحسنات المتقدمات الموصوفات بكثرة الرواية، ويقال: إنها كانت تغني ثلاثين ألف صوت، ولها كتاب في الأغاني منسوب الأصوات غير مجنَّس، يشتمل على اثني عشر ألف صوت، عملته لعلي بن هشام، وكانت مليحة الوجه، ظريفةً، ضاربةً، متقدمةً، وابتاعها جعفر بن موسى الهادي، فأخذها منه محمد الأمين. وأخذت الغناء عن أبي سعيد مولى قائد ودحمان وفليح وابن جامع وإبراهيم الموصلي.

وكانت من أحسن الناس غناءً في دهرها، وكانت أستاذة كل محسن ومحسنة، وكانت أروى خلق الله تعالى للغناء.

المائة صوت المختارة «الثلاثة أصوات المختارة»

كلَّف الرشيد إبراهيم الموصلي وإسماعيل بن جامع وفليح بن أبي العوراء أن يختاروا له من الغناء كله مائة صوت، ثم أمرهم أن يختاروا عشرةً منها، ثم أمرهم أن يختاروا ثلاثةً من العشرة، وهذه الثلاثة أصوات منها لحن معبد في شعر أبي قطيفة، وهو من خفيف الثقيل الأول:

القصرُ فالنخلُ فالجمَّاء بينهما
أشهى إلى القلب من أبواب جيرون

ولحن ابن سريج في شعر عمر بن أبي ربيعة، ولحنه من الثقيل الثاني:

تشكي الكميت الجري لما جهدته
وبيَّن لو يسطيع أن يتكلما

ولحن ابن محرز في شعر نصيب، وهو من الثقيل الثاني أيضًا:

أهاج هواك المنزلُ المتقادمُ
نعم وبه ممن شجاك معالمُ

وقال إسحاق الموصلي: جرى حديث المائة صوت المختارة عند الخليفة الواثق بالله، فأمرني باختيار أصوات من الغناء القديم، فأخذت له من غناء كل عصر ما أجمع علماؤه على براعته وإحكام صنعته، ونسبته إلى من شدا به، ثم نظرت إلى ما أحدث الناس بعدُ ممَّا شاهدناه في عصرنا وقبيل ذلك، فاجتنبت منه ما كان مُشبهًا لما تقدَّم أو سالكًا طريقه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤