الفصل الثالث

المفاوضات على أعلى مستوًى

ما الموقفُ بشأن المفاوضات التي يُفترض أن تؤديَ إلى التخلِّي عن الأسلحة النووية؟

كثيرًا ما نقرأ ونسمع أن نجاحَ مؤتمر القمة المرتقَب يجب أن يعتمد كليًّا على أن تكون تفاصيلُه كافةً قد أُعدَّت سلفًا بأسلوبٍ دبلوماسي. والدبلوماسية المثلى تتمثَّل في الموضوعية. فالإعداد الملائم سيكون ملحوظًا وواضحًا (إذا كان النقد المحترم وحُسن الظن مسموحًا بهما) إذا عمد السياسيون وغيرهم من المعنيِّين بالأمر إلى تغييرِ أسلوبهم غير الدبلوماسي الحاليِّ في التعامل أحدهم مع الآخَر والعودة إلى النهج الدبلوماسي. فالكثير من التصريحات التي لا داعيَ لها، والتي تتَّسم بالتهوُّر والفظاظة والحماقة والعدائية تناقلَت بينهم، سواءٌ أكانت كتابةً أم قولًا، ولم تكن تصبُّ في صالح المناخ السياسي.

سيكون من الصواب إذا انتهى الأمر بتحاورٍ بين أولئك الذين لديهم السلطةُ لتحمُّل المسئولية؛ وليس أولئك الذين لديهم مجردُ سلطةٍ اسمية ولا يستطيعون التحرُّك قِيدَ أنملةٍ تتجاوز تعليماتهم.

سيكون من الصواب المضيُّ قُدمًا بالمؤتمر. فعلى مدارِ نحوِ أربعة أشهر، دارت أحاديثُ ومُكاتَبات بين الشرق والغرب دون أي نتائج تُذكَر فيما يتعلق بالتوصُّل إلى موعدٍ أو برنامج محدَّد. والرأي العامُّ في كلِّ مكان يجد صعوبةً في تقبُّل هذا الوضع، وبدأ في التساؤل عما إذا كان المؤتمر الذي يُعاني من أجل الخروج إلى الوجود ينطوي على أي قدرٍ من الأمل لتحقيق أي شيء حقًّا.

سيكون من الصواب عقدُ المؤتمر في مدينةٍ ما في دولةٍ أوروبية محايدة، كجنيف على سبيل المثال، كما حدث في عام ١٩٥٥.

سيكون من الصواب في هذا المؤتمر الاقتصارُ على مناقشةِ الأمورِ ذاتِ الصلة المباشرة بالتخلِّي عن الأسلحة النووية.

سيكون من الصواب ألا يحضر اجتماعَ القمةِ عددٌ أكبر من اللازم من الشخصيات. فقط الشخصيات الأبرز الممثِّلة للقُوى النووية الثلاث، بمشاركةِ خُبرائهم ومستشاريهم، هم مَن ينبغي أن يُشاركوا فيه.

كذلك يمكن السماح بالحضور لممثِّلي تلك الشعوب المعنيَّة بالقضايا النووية — مثل دول حِلف الناتو المرتبطة بأمريكا — إذ يمكنهم عندئذٍ الإدلاءُ برأيهم حول القرارات التي تحمل تَبِعاتٍ وخيمةً عليهم أيضًا.

إن مطالبةَ الشعوب الأخرى بأن تكون ممثَّلةً في القمة سيكون مجردَ تصرُّف تعسُّفي لا أكثر. إما أن يكون الجميعُ مؤهلًا للوجود هناك أو لا. علاوةً على ذلك، تُعلِّمنا التجرِبةُ أن الحضور الكبير غيرَ الضروري لا يجلب أيَّ فائدةٍ لأي مؤتمر.

لذلك، فإن مؤتمرَ القمةِ ليس دوليًّا أو شبهَ دولي بأي حال، على الرغم من أن قراراته تُشكِّل أهميةً كبرى للبشرية جمعاء.

إن القُوى النووية الثلاث هي من يجبُ أن تُقرِّر وبمفردها، في ضوء إدراكِها مسئوليتَها تجاه شعوبها ونحو البشرية بأسْرها، ما إن كانوا سيتخلَّون عن اختبار الأسلحة النووية واستخدامها أم لا.

•••

أما فيما يتعلَّق بالتخطيط للمؤتمر، فالحيادية تُزكي ملاحظةً واحدة، وهي أن هذا التخطيط قد تمَّ حتى الآن بلا موضوعية، ومن ثَم لم يؤدِّ إلى أيِّ شيء. وهذا يقود إلى الاعتقاد بأن اجتماع القمة سيؤدِّي إلى المحصِّلةِ نفسِها إذا أُجري بالأسلوبِ ذاتِه.

أين يكمُن الاختلاف بين المتحيِّز والمنصِف، بين الملائم وغير الملائم في هذا الصدد؟ يكمُن الاختلافُ في الإجابةِ على السؤال فيما يتعلَّق بالأساس الذي تُقرِّر بموجبه القوى النوويةُ الثلاث ما إذا كانت ستتخلَّى عن اختبار الأسلحة النووية واستخدامها أم لا.

إن الجواب غيرَ الموضوعي على هذا السؤال هو أن القرار سيتوقَّف على التوصُّل إلى اتفاقٍ بشأن نزع السلاح من عدمه. وهذا منطقٌ زائف. فهو يفترض أنه كان يمكن أن يكون ثمة اتفاقٌ مقبول لكلٍّ من الشرق والغرب بشأنِ هذه القضية. ولكن المفاوضات السابقة أظهرَت أن هذا ليس متوقَّعًا؛ فقد تعثَّرَت منذ البداية لأن الشرق والغرب لم يتمكَّنوا من التوصُّل إلى اتفاقٍ حتى على الشروط التي ينبغي بموجبها إجراءُ مثل هذه المناقشات.

الإجراءُ المرتقَبُ ذاتُه بطبيعته ليس محايدًا. فهو يقوم على منطقٍ كاذب. إن القضيتين الأساسيتين لوجود البشرية — إيقاف التجارب والتخلُّص من الأسلحة النووية — لا يمكن أن يكونا قائمَين على تحقيق العناية الإلهية المعجزة السياسية المستحيلة التي تستطيع بمفردها ضمانَ عدم وجود اعتراض من أيٍّ من القُوى النووية الثلاث على اتفاق كامل بشأن نزع السلاح.

والحقيقة هي أن اختبار الأسلحة النووية واستخدامها يحملان في حدِّ ذاتهما الأسبابَ المطلقة التي تدعو إلى التخلُّص منها. والاتفاق المسبق على أي شروطٍ أخرى لا يمكن أن يعتدَّ به. فكلاهما له أشدُّ الضرر على حقوق الإنسان. يكمن ضرر التجارب في كونها تُضِرُّ بالشعوب البعيدة عن أراضي القوى النووية وتُهدد حياتهم وصحتهم، وهذا في وقت السلم؛ أما الحرب النووية، فيكمُن ضررها في النشاط الإشعاعي الناتج الذي سيجعل أراضيَ الشعوب غيرِ المشاركة في مثل هذه الحرب غيرَ صالحة للسُّكْنى. وستكون أكثرَ الوسائل حماقةً وقسوة إلى حدٍّ لا يمكن تصوره لتهديد وجود البشرية. وهذا هو السبب في أنها لا تجرؤ أن تُصبح حقيقة واقعة.

وتَدين القوى النووية الثلاث بالفضلِ لنفسِها وللبشرية في التوصُّل إلى اتفاقٍ على هذه الأساسيات المطلقة، دون تناول الشروط المسبقة أولًا.

لذا فالمفاوضات بشأن نزع التسليح ليست هي المدخلَ لمثل هذه الاتفاقية، بل حصيلتُها. فقد كانت النقطةُ التي بدأت منها هي التوصُّلَ إلى اتفاقٍ بشأن القضايا النووية، والهدف منها هو الوصول إلى النقطة التي يتعيَّن فيها على القُوى النووية الثلاث والشعوب المرتبطة بها الاتفاقُ على ضماناتٍ سيكون من شأنها السعيُ إلى تجنُّبِ خطرِ ظهورِ تهديدٍ ذي طبيعة غير نووية ليحلَّ محلَّ الخطر السابق. وكل شيء سيفعله الدبلوماسيون بموضوعيةٍ لإعداد المقدمات التمهيدية للمؤتمر سيحتفظ بمَغْزاه حتى إذا لم يكن سيستخدم قبل التخلِّي عن التجارب النووية، ولكن كنتيجةٍ لها.

حال التوصُّلِ إلى اتفاقٍ بشأن حظر الأسلحة النووية، فإن هذا بمفرده، دون أيِّ مفاوضات، سيؤدي إلى تحسُّنٍ كبير في الموقف السياسي؛ فنتيجةً لمثل هذا الاتفاق، سيُصبح الوقت والمسافة مجددًا حقائقَ في سياقهما الصحيح. فالأسلحة النووية تمنح الحربَ عن بُعد تأثيرَ الحرب عن قرب. فالاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة يُمكنهما على الرغم من المسافة الشاسعة التي تفصل بينهما، إبادةُ أحدهما الآخَر بالقذائف الذرية بطريقةٍ مخيفةٍ وفي مدةٍ زمنية قصيرة كما لو كانا متجاورَين. أما وقد أصبحا جيرانًا، فهما في خوفٍ دائمٍ على حياتهم في كل لحظة.

ولكن إذا لم تَعُد الأسلحة النووية محلَّ نقاش، فإن الصواريخ والقذائف لن تُشكِّل الخطرَ المهلِكَ ذاتَه. فالقرب الذي يُهدِّد الوجودَ سيكون قد توقَّف عن أن يكون كذلك. إذا لم تَعُد الصواريخ أسلحةً نووية، فلن تعود أوروبا ساحةَ قتالٍ لحربٍ عن بُعد لها تأثيرُ الحرب عن قربٍ بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة.

إن الولايات المتحدة اليوم بمخزوناتها من الصواريخ النووية تُمثِّل قوةً عسكريةً عُظمى في أوروبا. وقد أصبحت أوروبا أرضًا وسيطةً بين أمريكا وروسيا، كما لو أن أمريكا أصبحت أكثرَ قربًا منها بفعل بعض الإزاحة لإحدى القارَّات. ولكن إذا لم تَعُد الصواريخ الذرية محلَّ نقاش، فإن هذا الوضع غيرَ الطبيعي سينتهي. فستصبح أمريكا مجددًا أمريكا قلبًا وقالبًا، وستعود أوروبا مجددًا أوروبا قلبًا وقالبًا، وسيعود المحيط الأطلسي مجددًا المحيط الأطلسي قلبًا وقالبًا.

وبهذه الطريقة، يمكن أن تبدأ النهايةُ للوجود العسكري للولايات المتحدة في أوروبا؛ ذلك الوجود الذي نشأ جرَّاء الحربَين العالميتين. والتضحيات الكبرى التي قدَّمتْها الولايات المتحدة من أجل أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، وفي السنوات التي تلَت ذلك؛ لن تُنسى، والمساعدة الكُبرى والمتنوِّعة التي تلقتها أوروبا منها، وما تَدين به لأوروبا جرَّاء ذلك؛ لن يُنسى. ولكن الوضع غير الطبيعي الذي خلَقَته الحربان العالميتان والذي أفضى إلى خلقِ وجودٍ عسكري مسيطِر في أوروبا، لا يمكن أن يستمرَّ إلى ما لا نهاية. لا بد أن ينتهيَ وجوده تدريجيًّا؛ من أجل أوروبا ومن أجل أمريكا على حدٍّ سواء.

الآن ستتعالى الأصوات المصدومة من الأطراف كافة. ماذا سيحدث لأوروبا المسكينة إذا لم تَعُد الأسلحة الذرية الأمريكية تُدافع عنها من الداخل ومن الخارج؟ ماذا سيحدث إذا سُلِّمت أوروبا إلى السوفييت؟ ألا ينبغي عليها إذن أن تكون مستعدةً للتخاذل والضعف في سجن شيوعيٍّ-بابلي لسنوات مديدة؟

ينبغي القول هنا إن الاتحاد السوفييتي ليس خبيثًا لدرجةِ أن يُفكِّر فقط بالانقضاض على أوروبا مع أول فرصةٍ تُتاح لها لكي يلتهمَها، وربما ليس بالحماقة لكي يُخفق في رؤيةِ ما إذا كانت هناك أيُّ ميزة لملء مَعِدته بهذه الوجبة العسيرة الهضم.

إن ما يتعيَّن على أوروبا والأوروبيِّين الاتفاقُ بشأنه هو أنَّ انتماءهم واحد، وأنهم متشاركون في السراء والضراء. وهذه حقيقة تاريخية جديدة لم يَعُد ممكنًا التغاضي عنها سياسيًّا.

ثمَّة عاملٌ آخرُ يجب الاعتراف به سياسيًّا، وهو أن المسألة لم تَعُد تتعلق بإخضاع الشعوب، بل بمعرفةِ كيفيةِ التناغُم معها عقليًّا وروحيًّا. وأوروبا القائمةُ على ذاتها ليس لديها ما يدعو إلى اليأس.

•••

إن مباحثات نزع السلاح بين القوى النووية الثلاث يجب أن تُعنى بإيجاد ضمانات للتخلُّص الفعلي والكامل والنهائي للأسلحة النووية. كذلك يجب توقُّع مشكلةِ الرقابة الفعَّالة. وسيتعيَّن التوصُّل إلى اتفاقٍ متبادَل بشأن السماح للوكالات الدولية بالتفتيش على الأسلحة على التراب الوطني.

هناك مَن يتحدث عن منْحِ طائراتٍ تابعةٍ لقوة شرطية دولية الحقَّ في التحليق على ارتفاعاتٍ متوسطة ومرتفعة لأغراض التجسُّس. وهناك مَن يتساءل، إلى أيِّ مدًى ستكون دولةٌ ما على استعدادٍ لتُلزِم نفسَها بهذه الرقابة على أراضيها. فالحوادث المؤسفة يمكن أن تحدثَ بسهولةٍ في هذا الإطار. وماذا عن القُوى التي ينبغي أن يُعهَد لها بمثلِ هذه الرقابة الدولية؟ حتى أقصى رقابة دولية تصل إلى أبعد الأنحاء لن تكون قادرةً على تقديمِ ضمانٍ بأن هذه الثقة ستكون محقَّقةً في كل بلد وفي جميع الاتفاقيات. فالشرق والغرب، في النهاية، يعتمدان على افتراضِ قدْرٍ معيَّن من الثقة المتبادلة كلاهما في الآخر.

يَسري هذا أيضًا في شأنٍ آخر. فنتيجةً للتخلي عن الأسلحة النووية، ستكون القوةُ العسكرية للاتحاد السوفييتي، فيما يتعلَّق بأوروبا، أقلَّ تأثُّرًا من نظيرتها الأمريكية. فسيتبقَّى للسوفييت الفِرَقُ العسكرية العديدة المسلَّحة بالأسلحة التقليدية، التي من خلالها تستطيع بسهولة اكتساحَ دول حلف شمال الأطلسي في أوروبا الغربية — لا سيما ألمانيا الغربية — دون أن يكون ممكنًا لأحدٍ أن يأتيَ لنجدتهم. ومع وضع ذلك في الاعتبار، يتعيَّن على الاتحاد السوفييتي أن يُوافق في سياق مفاوضات نزع السلاح على تخفيض جيشه، وأن يُلزم نفسَه بعدم التحرُّك مطلقًا ضد ألمانيا. ولكن هنا أيضًا، لا يوجد نسَقٌ من الاتفاقات التفصيلية واتفاقيات نزع السلاح ذات الضمان الدولي من شأنه أن يكون كافيًا؛ فالأطراف المعنيَّة ما زالت تُعوِّل على ثقةِ بعضِها ببعض.

ولكننا نعيش في عصرٍ تُحيط فيه الشكوكُ بالنوايا الحسنة للشعوبِ أكثرَ من أي وقتٍ مضى. فالتصريحات التي تُلقي بظلالِ الشكِّ على مصداقيةِ كلٍّ منها ماضيةٌ بينهم جَيئةً وذَهابًا. وهي تستند إلى ما حدَث في الحرب العالمية الأولى عندما عانت الأممُ الخيانةَ والظلم والوحشية؛ بعضُها من بعض. فكيف يمكن لثقةٍ جديدة أن تُبنى؟ ولكن ذلك أمرٌ حتمي.

لا يمكننا الاستمرارُ في هذه الرِّيبة المعرقلة. إذا أردنا أن نشقَّ طريقنا للخروج من الوضع اليائس الذي نجدُ فيه أنفسنا، فلا بد من بثِّ روحٍ جديدةٍ داخل نفوس الشعب. ولا يمكن لذلك أن يتحقَّق إلا إذا كان الوعيُ بضرورته يكفي لمنحنا القوةَ للإيمان بقدومها. وعلينا أن نفترض سلفًا وجودَ الوعي بهذه الحاجة لدى جميع الشعوب التي عانت طويلًا معنا. لا بد أن نتعامل معهم بروحِ أننا جميعنا بشَر وأننا نستشعرُ أنفسنا جديرين لشعورِ بعضنا ببعض؛ للتفكير والاختيار معًا بالطريقةِ ذاتِها.

لقد أصبح الوعيُ بأننا جميعًا بشرٌ مفقودًا في ظل الحرب ومن جرَّاء السياسة. لقد وصلنا إلى حدِّ اعتبار كلٍّ منَّا الآخَرَ مجردَ أفراد شعبٍ إما متحالفٌ معنا أو ضدَّنا وضد منهجنا؛ فالتحيز، أو التعاطف، أو الكراهية جميعها مشروطة بهذه الرؤية. علينا الآن أن نُعيد اكتشافَ حقيقة أننا — جميعًا معًا — بشر، وأن علينا أن نُجاهد لمنحِ بعضنا بعضًا ما لدينا من مقدرةٍ أخلاقية. وبهذه الطريقة فقط يُمكننا أن نبدأ في الإيمان بأن الحاجة إلى روحٍ جديدةٍ ستنشأ في الشعوب الأخرى وكذلك في أنفسنا، وهو ما يمكن أن يكون بدايةً لشعورٍ بالثقة المتبادلة بيننا. فالروح قوةٌ هائلة لتغيير الأشياء. لقد رأيناها فِعليًّا متجسِّدةً في الروح الشريرة التي أقصَتْنا عن السعي نحو ثقافة الروح إلى الهمجيَّة. الآن دعونا نُقِمْ آمالنا على أن تُعيد هذه الروحُ الشعوبَ والأمم إلى الوعي بالثقافة.

في هذه المرحلة، لنا الخيار في المجازفة بشيءٍ من اثنين: الأول يكمُن في استمرارية جنون سباق التسلُّح الذرِّي بخطورته المتمثِّلة في نشوبِ حربٍ ذرية لا مفرَّ منها في القريب العاجل، والآخَر في التخلِّي عن الأسلحة النووية، وفي الأمل بأن الولاياتِ المتحدة، والاتحادَ السوفييتي، والشعوبَ المرتبطة بهما، سيتمكَّنون من العيش في سلام. الخيار الأول لا يحمل أيَّ أملٍ في مستقبل مزدهر، والثاني يتمسَّك بذلك الأمل. ولا بد لنا أن نُجازف بالخيار الثاني.

في خطاب الرئيس أيزنهاور الذي ألقاه في السابع من نوفمبر ١٩٥٧، بعد أيامٍ قليلة من إطلاق القمر الصناعي سبوتنيك ٢، قال: «إن ما يحتاج إليه العالَمُ أكثرُ من قفزةٍ هائلة في الفضاء، هو قفزة هائلة في السلام.» وهذه القفزة الهائلة تنشأ من إيجادِ الشجاعةِ كي نتمنَّى بزوغَ روح الحكمة والعقل لدى الأفراد والشعوب، وأن تكون روحًا قوية بما يكفي للتغلُّبِ على الجنون واللاإنسانية.

•••

إذا جرَت المفاوضات بشأن نزع التسليح، ليس كإجراء تمهيدي للتخلي عن الأسلحة النووية، ولكن كنتيجةٍ لها، فسيكون لها دلالةٌ أكبرُ بكثير. وستكون خطوةً كبيرة في اتجاه التصفية النهائية للوضع المربِك الذي أعقبَ الحرب العالمية الثانية.

إن نزْع السلاح وجميع المسائل التي تؤدي إلى استقرار الوضع — على سبيل المثال، عودة الوحدة بين شرقِ وغرب ألمانيا — كان يمكن أن تُطرح على نحوٍ أفضلَ بكثيرٍ بعد التوصُّل إلى اتفاقٍ بشأن التخلي عن الأسلحة النووية. كما كان يمكن تناول العديد من القضايا التي لم تُحلَّ بعدُ في معاهدات السلام بعد الحرب العالمية الثانية في مؤتمرٍ لاحق.

وحالما يتمُّ الاتفاق على التخلي عن الأسلحة النووية، ستكون الأمم المتحدة مسئولةً عن ضمان عدم تصنيع هذه الأسلحة أو استخدامها الآن مثلما في المستقبل. ويجب الوضع في الاعتبار لوقتٍ طويلٍ نوعًا ما خطرَ أن تُفكِّر دولةٌ أو أخرى في تصنيع الأسلحة النووية. لا بد أن نعتبرَ أنفسنا محظوظين لأنها ليست في حوزةِ شعوبٍ أخرى في أي مكان آخر في العالَم بعدُ.

سيكون لِزامًا تَقصِّي مشكلةِ المدى الذي سيصل إليه نزعُ التسليح والتخلي عن جميع الأسلحة؛ لأن الحرب العالمية الثانية أظهرت ما يمكن أن تُسبِّبه الأسلحة التقليدية من دمار هائل، وهو الدمار الذي ربما ازداد إلى حدٍّ هائلٍ على أثرِ تطوُّرِ الصواريخ. نتمنى أن يتم التوصل إلى اتفاقٍ فوري للتخلي عن الصواريخ والقذائف، ولكن هذا لا يمكن أن يتحقَّق إلا نتيجةً للتقدُّم الروحي في كلِّ مكان الذي لا يزال حتى الآن من الصعب تصوُّرُه.

من بين جميعِ المشكلاتِ البالغةِ الصعوبةِ التي يحملها المستقبل، فإن أصعبها سيكون متعلقًا بحقوقِ حريةِ الوصول للبلدان المزدحمة بالسكان إلى الأراضي المجاورة. لكن إذا تخلَّينا عن الأسلحة النووية في وقتنا هذا، فسنكون قد اتخذنا الخطوةَ الأولى على الطريقِ نحوَ الهدف البعيد المتمثل في إنهاء جميع الحروب. وإذا لم نفعل ذلك، فسنظلُّ على الطريق الذي يؤدي في المستقبل القريب إلى الحرب الذرية والشقاء.

يجب على أولئك الذين سيجتمعون في مؤتمر القمة أن يكونوا مدركين لذلك، حتى يُمكنهم التفاوضُ بلياقة، وبدرجةٍ كافية من الجدية، وبإحساس كامل بالمسئولية. إن مؤتمر القمة يجب ألا يُخفق؛ فالبشرية لن تتحمَّل الفشلَ مجددًا. والتخلي عن الأسلحةِ النوويةِ أمرٌ حيويٌّ للسلام.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤