مقدمة الجزء الأول

الملوك التَّبَاعِنَة

خلال إقامتي في بريطانيا التي امتدت نحو ثماني سنوات، كنت أتردد خلالها على مكتبة المتحف البريطاني، عثرت على مخطوطة هذه السيرة الملحمية الكبرى «للملوك التَّبَاعِنَة» الذين ورد ذكرهم بالقرآن الكريم بضع مرات، ولا نعرف عنهم شيئًا، إلى أن وقعت هذه السيرة بين يديَّ، فعكفت على دراستها، وتعرفت من خلالها على ذلك التاريخ الغابر لأقوام وكيانات وقبائل جنوب الجزيرة العربية في اليمن ودول الخليج وعدن وحضرموت وسبأ وذي نسور، لسير الملوك التَّبَاعِنَة الذين كانت لهم حضاراتهم الغابرة أو المندثرة، جابوا ربوع الشرق الأقصى وأواسط آسيا، ووصلت جحافلهم حتى تخوم الصين، وأوصلوا التعريب إلى مناحي القارة الآسيوية، متضمنة: شبه القارة الهندية وأفغانستان، والباكستان، وتركستان وأذربيجان وبلوخستان، وعشرات الكيانات الإسلامية التي تنتهي بما هو متعارف عليه بكلمة «ستان» داخل منظومة الاتحاد السوفييتي القديم، كما نجدهم في الشيشان وغيرها.

ومن هنا — وبلا جدال — كان التعريب أسبق من الإسلام، بل هو الذي مهد الطريق له ليواصل فتوحاته وانتشاره في المشرق والمغرب، وعلى رأس من لعبوا واضطلعوا بهذا الدور هم ملوك التبابعة أو «التَّبَاعِنَة» الذين كان يحلو للتبع منهم القول: «قد دعتني نفسي أن أنطح الصين.»

وبالفعل كان يعد الجيوش الزاحفة إلى تخوم الصين، ويواصل فتوحاته داخلها، وهو ما كشفت عنه الحفائر الأركيولوجية التي أثبتت، بما لا يترك مجالًا للشك، وصول تلك الأقوام العربية المحاربة إلى تلك البلاد الموغلة في البعد، والتي خلفت آثارها وتراثها الحضاري والإثني في هذه البلاد، ويكفي القارئ معرفة أن من بين أولئك الملوك «التَّبَاعِنَة» «بلقيس ملكة سبأ» ومعاصرتها للملك الحكيم سليمان بن داود، وهذا في أحقاب لاحقة، كما يكفي معرفة أن حضارات بكاملها كانت موجودة ومتعارف عليها حفريًّا في ربوع الشام وفلسطين، وتعرف باسم «تدمر» وهو اسم إحدى الملكات اللائي ينتمين للملوك التَّبَاعِنَة، فهي ابنة حسان اليماني المتعارف عليه شعبيًّا باسم «ذو اليمنين» وهو ما كان يطلق عليه.

كما أن من بين أولئك الملكات المنتميات أيضًا للملوك التَّبَاعِنَة الملكة المعروفة: «زانوبيا» التي قاومت الإمبراطورية الرومانية طويلًا إلى أن وقعت في الأسر وسحبت كأسيرة هي وعرشها إلى روما في حوالي عام ٢٠٠ قبل الميلاد.

أما آخر الملوك التَّبَاعِنَة فهو الملك «ذو اليزن» المعروف بسيرته الكبرى، وكذلك ابنه الملك «سيف بن ذي يزن»، وهذان الملكان بالذات لعبا الدور الأكبر في التعريب داخل القارة الأفريقية، بدءًا بمصر والسودان، أو بالأصح بدءًا بالقرن الأفريقي المتاخم لليمن وإثيوبيا والسودان ومصر، وبقية ربوع القارة الأفريقية بشكل عام، حتى إذا ما جاءت الفتوحات الإسلامية وجدت الأرض ممهدة لاستنبات وانتشار الإسلام في القارة الأفريقية أو جانبها الأعظم الذي لم يندحر إلا مع بداية رحلات الاستكشاف الأوروبية وما تبعها من رحلات تبشيرية، وتحول بعض هذه البلدان والأقوام الأفريقية إلى المسيحية.١

كذلك ترد مأثورات التَّبَاعِنَة في قصة أوفابيولة «زرقاء اليمامة»؛ تلك الأميرة واسعة البصيرة، والتي حذرت قومها من غزو الملوك التَّبَاعِنَة، حين صعدت إلى أعلى أبراج المدينة وظلت تهيب بقومها صارخة:

يا جديس يا قوم، لقد مشت إليكم الأشجار وجاءتكم حِمْيَر.

يا جديس يا قوم، لقد مشت إليكم الأشجار وجاءتكم حِمْيَر.

وبالفعل أنهى أولئك الملوك التَّبَاعِنَة حضارات وأقوامًا أو كيانات سابقة، مثل قبائل: عاد وثمود وجديس وطُسم والعماليق ورائش؛ أي حوالي اثنتي عشرة قبيلة وكيان فنيت بكاملها من الوجود في ذلك الوقت المبكر السابق للإسلام أو ما تعارفنا عليه بالجاهلية، وإن كانت تلك الجاهلية تزخر بالعديد من الأحداث والحضارات والفتوحات الموغلة في القدم، وفي العصبيات والتطاحن العرقي والقبلي، واعتبار الحروب والقتال، نوعًا من الرياضيات القومية؛ اتساقًا مع مقولة الأب السالف لهذه الأقوام الحِمْيَرية، وهو يعربُ بن قحطان — أو يقطان — أبو العرب أول من تكلم العربية.

– أيها الناس إن لم تقاتلوا الناس قاتلوكم، وإن لم تسبوهم سبوكم؛ فقاتلوهم قبل أن يقاتلوكم؛ فليس جمعٌ خيرًا من جمع، ولكن جَدٌّ خير من جد.

•••

وفي الجزء الثاني من هذا الكتاب، نتعرض لآخر الملوك التَّبَاعِنَة، وهما: الملك ذو اليزن وابنه الملك التَّبْع سيف بن ذي يزن.

فقد لعب الملك «ذو اليزن» وابنه الملك سيف الدور الهام في التعريب داخل ربوع القارة الأفريقية، وتذكر سيرتهما أن كلًّا منهما كان يبحث عن «كتاب النيل»، وهو ما يمكن أن يكون مرادفًا للبحث عن منابع النيل؛ ذلك أنهما كانا متفوقين إلى أقصى حد في تلك الفترة الموغلة في القدم بالنسبة للسدود المائية والتحصينات الزراعية، ويكفي أن نعرف أن سد مأرب كان واحدًا من بين ثمانية وثلاثين سدًّا منتشرة في ربوع اليمنين وبلدان الجنوب العربي، فقد كانت حضارة زراعية هائلة بما يُسِّرَ لها من الحركة والتجوال والفتوحات، وخاصة وأن هذه البلدان أيضًا هي التي كانت تشكل الجنوب العربي، وكانت بلدانًا أو شعوبًا ذات صفة بحرية نتيجة لوقوعها على بحر العرب أو الخليج العربي، واتصاله بالمحيط الهندي، من هنا كان يطلق عليهم «فينيقيو البحر الجنوبي».٢
فإذا ما كان هناك فينيقيو البحر الأبيض المتوسط في الشام وفلسطين، فأولئك كانوا فينيقيي البحر الجنوبي وكانوا كشعوب بحرية، تمكنوا من التوغل في ربوع آسيا الوسطى والشرق الأقصى حتى تخوم الصين ذاتها، والأكثر أهمية ما يذكره التاريخ — المندثر — لأولئك الملوك «التَّبَاعِنَة» أن سبعة فراعنة خرجوا منها وحكموا مصر.٣
ولعلني أسوق افتراضًا بسيطًا لا أعرف بالتحديد مداه، وهو أن باليمنين والجنوب العربي وعمان، توجد جبال نحاس هائلة، فهم يمتلكون إلى اليوم أكبر احتياطي نحاس في العالم كله، بمعنى أن العالم يمتلك جزئية صغيرة، ولكن الغالبية العظمى لاحتياطي النحاس في العالم ما زالت موجودة في اليمنين والجنوب العربي، بما ستكشف عنه الأبحاث المستقبلية، وهو ما كان يساعد على صناعة الأسلحة المستخدمة في ذلك الوقت من سيوف وخناجر ما تزال ماثلة إلى الآن.٤

خلاصة القول أن هؤلاء الملوك «التَّبَاعِنَة» هم أسلاف حضارة أكثر سبقًا، وهي حضارة قحطان أو يقطان كما يذكر في العهد القديم، هي حضارة لا أغالي إذا ما قلت: إنها انتقلت مبكرًا ربما منذ الألف الثاني قبل الميلاد إلى أمريكا الوسطى والجنوبية، وعُرِفَت بنفس الاسم فيما بين المكسيك وبيرو، والملفت للنظر أن بها معظم الجسد الشعائري والعقائدي والفولكلوري أو التراثي — بعامة — للعرب، كما أن بها أهرامات يبدو أنها نقلت بكاملها من مصر، وربما هذا ما دعا أحد المستكشفين أو الرحالة النرويجيين منذ حوالي عشرين سنة إلى محاولة إثبات كيف انتقلت هذه الحضارة وبخاصة أهرامات مصر إلى أمريكا الجنوبية، وكان المقصود بها حضارة قحطان أو يقطان أسلاف الملوك «التَّبَاعِنَة».

أما بالنسبة لسيرتنا عن هؤلاء الملوك فتبدأ بإعداد الملك التَّبْع «أسعد اليماني» لتسعة ملوك متحالفة تحت إمرته مثل أجاممنون في حرب طروادة متخذًا قراره القائل: «قد دَعَتْني نفسٌ أن أنطح الصين.»

وهكذا واصل الزحف كملك الملوك — أجاممنون — إلى تخوم الشرق الأقصى والصين، إلا أنه وقع فريسة لخيانة أحد ملوك الصين، الذي أوعز إليه بالمساعدة وتعرف الطرقات والمسالك، بينما كان يضمر له خيانة كبرى أوقعت به وبجيوشه في الكثير من المآزق والخسائر حتى إنه فقد أربعة من أبنائه في تلك الغزوة، اعتاد كل مساء أن يُحضر رءوسهم على صينية من الذهب الخالص مغطاة بالرماد ويظل يبكيهم نادبًا قبل أن يأوي إلى فراشه.

وعندما تعرف على خيانة الملك الصيني استقدمه وقطع لسانه من دابره، ثم وضعه في قفص ضخم من الذهب الخالص وأجلسه مقربًا من مجلس حكمه كما كان يتعامل معه من قبل في كل اجتماع من اجتماعاته، حتى مجالس حربه ليصبح بلا فائدة تذكر، فلا يتكلم أو ينطق وجعل منه عبرة للخيانة على هذا النحو، إلى أن قرر مجلس حربه العودة بالملك التَّبْع أسعد اليماني والانسحاب من مجاهل الصين والرجوع إلى اليمن والجنوب العربي.

وقبل أن توافي المنية ذلك التَّبْع المتجبر أسعد استقدم ابنَه التَّبْع الذي سيخلفه على عرش حِمْيَر وعلى التَّبَاعِنَة، وهو «حسان اليماني» الذي عرف في الوجدان الشعبي من المحيط إلى الخليج بذي اليمنين، قائلًا له: لا تُضْجِعُوني فَيَضْطَجِع مُلْكُكم، بل ادفنوني واقفًا ليظل ملكُكم شامخًا.

وهكذا دُفن ذلك التَّبْع السلف أسعد واقفًا في أعماق الصخر.

وعادت الجموع إلى عدن وسبأ وذي النسور وحضرموت بعد أن وزعت الغنائم التي أشرفت عليها الكاهنة الأم الكبرى أو قائدة الجيوش التي كان لها ثلث المشورة، كما هو متفق عليه بالنسبة للكاهنات المحاربات كأثينا في حرب طروادة، والجازية في حروب الهلالية، وهي «البسوس».

وحين مات استدعت البسوس حسان بن أسعد ليكمل مشوار التَّبْع والده، بضرورة الالتزام بوصيته وهي الذهاب إلى كاهنة «جبل ضهر» وتنفيذ كل ما تشير عليه من مشورة؛ قائلة: في كل ما تشير عليك به كاهنة جبل ضهر اسمع لقولها. حتى إذا ما ذهب إلى كاهنة جبل ضهر بادرته قائلة: لقد تأخرت كثيرًا، فقال: عن ماذا؟ قالت: عن حكم حِمْيَر، فمن مغارة جبل ضهر هذه خرج سبعة فراعين عظام حكموا مصر، وأجلسته على كرسي من الذهب الوهاج مغطى بالحيات والعقارب؛ قائلة له آمرة: اجلس، فجلس، وأشارت عليه بقتل أول من يصادفه حين خروجه من باب مغارتها خارجًا، وكان أول من صادفه هو أخوه الوحيد المدعو «عمرو ذو الأزعار» إلا أنه تردد في قتله وأصابته حمى حاوطته إلى أيام، وما إن فاق منها حتى احتضن أخاه عمرو ووضع خنجره في جنبه وقتله.

وهكذا حكم ذلك التَّبْع حسان اليماني ولقبه ذو اليمنين حِمْيَر وتوابعها، واتخذ وزيرًا له اشتهر بالحكمة والعدل يدعى «يثرب» فقربه منه إلى أن استقدمه ذات مساء وأنشد قائلًا:

يقول التَّبْع اليمني المسمى
بحسان فما للقول زورا
ملكت الأرض غصبًا واقتدارا
وصرت على ملوك الأرض سورا
وطاعتني الممالك والقبائل
وفرسان المعامع والنسورا
لقد أُخبرت عن بطل عنيد
شديد البأس جبارًا جسورا
وقالوا إنه يدعى ربيعة
أمير قد حوى مدنًا ودورا
تولى الأرض في طول وعرض
فكم أخرب وكم شيد قصورا
فقصدي اليوم أغزوه بجيشي
وأترك أرضه قفرًا وبورا
أسير بهم إلى تلك الأراضي
وأملك للقلاع وللقصورا
ويبقى الحكم لي برًّا وبحرًا
ويصفو خاطري بعد الكدورا

وهكذا أمر ذلك التَّبْع حسان بدق الطبول النحاسية العملاقة المعروفة لدى «تباعنة» اليمن «بالرجروج» وهو أعظم الطبول، كان يدقه عشر من العبيد الفحول، وهو من صنعة ملوك التَّبَاعِنَة العظام، وهكذا سار بالجيش إلى أن افتتح الشام وفلسطين.

وكما هو معروف تتشابك — أو تتزاوج — هذه السيرة المندثرة على طول البلدان العربية، التي لم أعثر لها على أثر خلال سنوات جمعي للمأثورات الشفهية والسير على مدى أربعين عامًا، مع سير أخرى إلا في مخطوطة مكتبة المتحف البريطاني تتشابك مع سيرة أخرى تؤرخ لحرب البسوس القبائلية الشهيرة، التي امتدت ٤١ عامًا على طول ربوع لبنان والشام وفلسطين.

أما الجزء الثاني من هذه السيرة فيتضمن تاريخ آخر التَّبَاعِنَة، وهو الملك ذو اليزن وابنه الملك سيف.

شوقي عبد الحكيم
القاهرة، يوليو ١٩٩٦
١  بدءًا من القرن الثامن عشر.
٢  أي شعوب وكيانات البحر الجنوبي.
٣  وهو ما يرد ذكره في سيرتنا.
٤  كشعار طوطمي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤