الفصل السابع والعشرون

بيركليس

حرب بيلوبونيسوس والسيادة البحرية، أجر القضاة

ثم تولى بيركليس رئاسة الحزب الديموقراطي، وكان قد اشتهر؛ لأنه اتهم وهو شاب «كيمون»، بينما كان هذا يؤدي حسابه بعد أن خرج من منصب الاستراتيجوس، فأصبح النظام في عصره أقرب إلى الديموقراطية، فقد سلب شيوخ الأريوس باجوس بعض ما كان قد بقي لهم من الحقوق وحول الأتينيين إلى السيادة البحرية فاشتدت جرأة الشعب، وأضاف لنفسه معظم أعمال الحكومة شيئًا فشيئًا.

لثمان وأربعين سنة مضت من وقعة سلامين حين كان بوثودوروس أركونًا شبت حرب بيلوبونيسوس التي اضطر الشعب في أثنائها إلى أن يظل في المدينة، وتعود ما كان يعطى له من الأجر في كل غزوة، فقرر من غير تردد ولا تفكير أن يستأثر وحده بتدبير الأعمال.

وكان بيركليس أيضًا أول من أعطى للقضاة أجرًا، وتلك خصلة ديمقراطية اتخذها معارضة لكرم كيمون، فقد كان كيمون ذا ثروة ضخمة تعدل ثروة الطغاة، فكان لا يكتفي بأن يقوم بما تكلفه الدولة على حسابه مع كرم وسخاء، بل كان يغذو عددًا غير قليل من مواطنيه، فلم يكن على كل «لكيادي» إلا أن يذهب إلى داره في كل يوم ليضمن رزقه، وأكثر من هذا أنه لم يتخذ سياجًا ما حول ما كان يملك من أرض، فكان لمن شاء أن يطأ هذه الأرض ويأخذ منها ما احتاج إليه من ثمرات، ولم تكن ثروة بيركليس من الضخامة بحيث تُمكنه من أن يجاري غنيًّا كهذا الرجل، فتبع نصائح دامونيديس الأويي — وهو الذي ألهمه أكثر ما قام به من الإصلاح فيما يظهر وقضى عليه أخيرًا بالأوستراكيسموس — كان دامونيديس يقول: إذا كان بيركليس ليس ذا ثروة ضخمة فمن حقه أن يُنفق مال الشعب على الشعب، وكذلك أقر بيركليس أجر القضاة، وقد أنكروا عليه هذه القاعدة كأنها خطرة، وفي الحق أن دهماء الناس وسفهاءهم كانوا فيما بعد أشد حرصًا على أن يتقدموا إلى الصندوق من أولي الرأي والاعتدال، ومن هنا جاء الفساد الذي كان أنيتوس أول قدوة فيه بعد أن كان استراتيجوس لبيلوس، فقد اتهم بأنه أضاع هذه المدينة فأفسد القضاة وحملهم على أن يبرءوه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤