الفصل الثامن

غرام الأخوين

عادت ألن بعد خيبتها إلى المنزل وهي ناقمة على أولئك الأشراف الذين صدقوا رواية بولتون، وأيقنت أن مساعيها لم تخب إلا بمكايد النَّوَر. ومع ذلك فإن جان لم يكن معهم؛ فإنه قتيل لا شك في البئر.

وقد خطر لها أن تتفقده، فأخذت مصباحًا فعلقته بحبل طويل ونزلت إلى الحديقة، فدخلت إلى المغارة وفتحت باب البئر وأدلت المصباح فرأت جثة خامدة في الأرض والجرذان من حولها، فتراجعت منذعرة لهذا المشهد الفظيع؛ إذ عرفت وشاح جان وأيقنت أنه مات.

ثم عادت إلى المنزل وهي تقول في نفسها: لقد هلك عدوي الآن، ولم يبق لي إلا أن أختار بين روجر وليونيل وأجعله مركيزًا؛ فإن ذلك منوط بالمحادثة التي ستجري بيني وبين السير روبرت.

وبعد هنيهة دخل السير روبرت وهو مصفر الوجه مضطرب.

فقالت له: ما هذا الاضطراب؟

قال: أظن أن النور قد عبثوا بنا.

– كيف ذلك؟

– إني عائد من نادي الحسان، وكنت فيه لألتقط أخبار الجمعية السرية كما أوصيتني إذ قلت لي إن النورية ستقول أمام أعضاء تلك الجمعية إن المركيز روجر ولدها، وكنت أتوقع أن الأعضاء يتهامسون حين عودة المركيز، ولكن الأمر كان على الضد فقد عاد الأعضاء يصحبهم المركيز وصداقتهم أمتن مما كانت من قبل.

– أصغ إليَّ يا عماه فسأخبرك بكل ما حدث.

ثم أخبرته بكل ما جرى، فقال لها: إذن إن هذه المرأة مجنونة.

– كلا. ولكن هؤلاء النَّوَر كانوا أشدَّ منا.

– بل إني سأفوز عليهم ولو اضطررت إلى أن أقول في البرلمان: إن المركيز روجر مزوِّر.

– كيف السبيل إلى إقناع البرلمان؟

– بالعلامة الموشوم بها.

– لقد ذهب أثرها تمامًا، ولم يبق من البراهين الدالة على أصله غير أمه التي أذاع الطبيب بولتون أنها مجنونة، وهو قد أبعدها الآن لا محالة.

فضرب الأرض برجله مغضبًا وقال: ولكن لا بد من جلاء الحقيقة.

قالت: هذا صعب كما يظهر، ولا بد لنا من التسليم وتصديق ما صدقه سوانا.

– كلا. إن ذلك لا يكون.

– إني أتزوج ليونيل، ويبقى في عيون الناس ابن ضابط فقير.

– كلا كلا. وسأقتل ابن النورية.

فنظرت إليه نظرة منكرة وقالت: ألعلك نسيت أني أحبه.

– إذن. ماذا تريدين أن تصنعي؟

– أصغ إليَّ جيدًا يا عماه أُثْبِتْ لك أني قادرة على مقاومة هذه الطائفة.

– هو ذاك.

ولكنَّ حربًا كحربنا لا تنتهي بمعركة واحدة.

– ألعلك تريدين العود إلى المعترك؟

– دون شك، فقد استعملت العنف، والعنف ليس سلاح النساء؛ ولذلك وضعت خطة أخرى.

– ما هي؟

– ألم تقل لي إنك سافرت مرة إلى الصين.

– نعم، ولكن أية علاقة للصين بما نحن فيه؟

– ألم تر الصينيين يبيعون بضائعهم للأوربيين، فإنهم يبسطون بضائعهم فإذا أراد الأوربي شراء حاجة عَدَّ الصيني الثمن على أصابعه، فإذا أراد الأوربي المساومة أرجع الصيني بضاعته، فلو أمره الإمبراطور أن يبيع ذلك الذي ساومه لأبى، وأنا مثل ذلك الصيني.

– ماذا تعنين؟

– أعني أني أستطيع حمل المركيز على التنازل عن لقبه وثروته لليونيل، فلا تسألني لماذا.

– وماذا تريدين مني مقابل ذلك؟

– أريد أن تسافر غدًا للصيد في جبال إيكوسيا.

– إني أوافق على هذا السفر وأطلق لك الحرية، فماذا تصنعين في غيابي؟

– أجعل ليونيل لوردًا.

– إذن سأسافر غدًا.

فعرضت له جبينها كي يقبلها حسب عادته ولكنه لم يفعل، واكتفى بمصافحة يدها، فلما ذهب إلى غرفته نزع القفاز من يده التي صافحها بها وألقاه في النار، ثم تنهد تنهدًا طويلًا وقال: إنها فتاة مسترجلة متهتكة، ولكنها ستجعل ليونيل لوردًا.

•••

ولنعد الآن إلى الطبيب بولتون، فليست هي الصدفة التي أوقفته على سر ألن وجعلته يضربها هذه الضربة القاضية.

ولا بد لنا في كشف هذا السر من أن نعود إلى الليلة التي ألقت فيها ألن جان دي فرانس في البئر، فقد كانت واهمة في اعتقادها أنه مات؛ فإنه لم يقتل حين سقوطه، بل أصيب برضوض بسيطة لوقوعه على أرض رطبة، وجرحت جبهته جرحًا خفيفًا.

وقد نهض بعد سقوطه، وامتحن أعضاءه بالتمرين؛ فوجد أنها غير مصابة بكسر، ولكنه قال في نفسه: لا شك أن هذه الشيطانة قد انتصرت عليَّ هذه المرة.

وقد أقام نحو ربع ساعة دون حراك، ثم جعل يفحص الأرض فعلم أنه في جوف بئر، فاستعان بعلبة الكبريت الشمعي وأنار ذلك المكان المظلم، فرأى البئر مستديرة وأن جدرانها ملساء وهي بعيدة الغور بحيث يستحيل عليه الخروج منها بتسلق الجدران، فقال في نفسه: ترى أقُضي عليَّ أن أموت من الجوع؟

ثم جعل يفكر في أمره فقال في نفسه بعد الإمعان: لا شك أن هذه البئر غير مخصصة لجمع المياه فإنها محفورة في وسط مغارة ولها باب يفتح بلولب خفي وليس هذا شأن الآبار العادية، فلا بد أن تكون حفرت خصيصًا للالتجاء إليها في أيام المخاوف والثورات، أي إنه لا بد أن يكون فيها منفذ يخرجون منه إلى خارج هذا القصر.

وكانت أرض البئر ضيقة لا تتجاوز مترين، وقد أصبح ترابها وُحولًا لشدة الرطوبة، فأخذ يرفع تلك الوحول بخنجره ويديه حتى انكشف له بلاط الأرض، فرأى حلقة من الحديد في وسط رخامة فرقص قلبه فرحًا، ونزع تلك البلاطة، فانكشفت له حفرة أخرى رأى على نور الشمعة أن علوها لا يزيد عن مترين فألقى نفسه فيها وراء مدخل دهليز ضيق لا يستطيع المسير فيه واقفًا فسار فيه نحو عشر دقائق فسمع صوت عجلات مركبة فوق رأسه فأيقن أنه باب خارج القصر، وأنه تحت أحد الشوارع.

وما زال يسير في هذا الدهليز، وهو كلَّما توغل في السير شعر بهواء بارد يهب على وجهه حتى بلغ سطح الأرض من منفذ كان مخفيًّا بين أدغال كثيفة رآها على نور القمر.

ولكنه لم يكد يزيح هذه الأدغال حتى رأى مكانًا فسيحًا كثرت فيه الأشجار والصلبان السود، فعلم أنه في مقبرة وطاف فيها فوجد أنها مسوَّرة بسورٍ عال لا يمكن تسلقه ونظر في مكان القمر من الأفق فعلم أن الساعة قد بلغت الثالثة بعد انتصاف الليل، وقال في نفسه: سأختبئ وراء هذه القبور إلى أن يفتح الحفار باب المقبرة في الصبح فأخرج منه.

وقد اختبأ وراء شجرة كبيرة وهو يبتسم ابتسام الظافر ويتوعد ألن بالانتقام الفظيع.

وفيما هو في مكمنه رأى أن باب المقبرة قد فتح ثم رأى على نور القمر رجلين مقنعين دخلا إلى التربة ودنوا من موقفه وهما يتحدثان فسمع أحدهما يقول لرفيقه: لقد عزمتم على قبول المركيز دي إسبرتهون بينكم؟

قال: نعم. وهل يوجد في نادي هرمين من يفضله؟ وغدًا سيقابله رسولنا، وبعد غد نحتفل بإدخاله في الجمعية.

وقد سمع جان هذا الحديث، ثم رآهما وقفا عند ذلك القبر الذي دخل منه المركيز إلى الجمعية كما تقدم بيانه ففتحاه ودخلا.

أما جان فقد عرفهما من صوتهما، وأيقن أنهما من أعضاء تلك الجمعية السرية التي لم يستطع الاندماج فيها لأنه لم يكن من أشراف الإنكليز، ثم أيقن أن حارس المقبرة متفق مع أعضاء الجمعية بدليل أنهم يدخلون إليها في ظلام الليل متى شاءوا.

وقد مشى إلى الباب وكان الخادم يهم بإقفاله؛ فأشار إليه جان أن لا يقفله وانحنى الحارس أمامه؛ إذ حسبه من الأعضاء.

أما جان فإنه نظر إلى وجهه الأسمر ثم وضع يده على كتفه وقال له: أرني كتفك الأيسر فإنك من النور.

فاضطرب الرجل وقال له: رحماك يا مولاي لا تفضحني؛ فإن كاهن هذه الكنيسة إذا علم أني من النور طردني.

قال: ماذا تُدعى؟

قال: أُدعى في لندرا باستر.

– وفي المضارب؟

– رهامر.

فنزع جان القناع عن وجهه وقال له: انظر إليَّ أتعرفني؟

فركع أمامه وقال له: كيف لا أعرف ملكنا؟

– إذن. لقد وجبت عليك طاعتي، فاذهب بي إلى مكان يمكن أن نتحدث به دون أن يسمعنا أحد.

ثم دلَّه على القبر الذي دخل منه الرجلان؛ فارتعش النوري وقال له: ألعلك عارف يا مولاي؟

قال: نعم. لقد رأيت رجلين دخلا إليه، فمتى يخرجان منه؟

– إنهما لا يخرجان من هنا، بل من طريق آخر.

– إذن. نحن وحدنا الآن؟

– نعم؛ إذ لا يدخل أحد إلى التربة قبل الساعة الثامنة من الصباح، والآن فإني مضطر إلى حفر قبر.

– لمن؟

– لرجل من العمال توفي في المساء وسندفنه في الصباح.

– أريد جثته.

فنظر إليه النوري بملء الانذهال وقال له جان: هل تستطيع أن تخبئني إلى المساء؟

قال: نعم في هذه الغرفة التي نضع فيها الآلات.

فقال جان في نفسه: إني سأرسل هذا الحفار إلى شمشون عند الصباح كي يطمئن عليَّ.

ثم تبع الحفار إلى تلك الغرفة، فتداول وإياه مدة طويلة وأطلق سراحه، وأقام في تلك الغرفة ينتظر الليلة التالية بجازع الصبر.

وفي الليلة التالية جاءه الحفار فقال له: إن الجثة حاضرة يا سيدي، فماذا تريد أن تصنع بها؟

قال: إني أريد أن أدفنها في المكان الذي أعد لدفني فاحملها واتبعني.

فحملها وعاد جان بها إلى تلك البئر التي ألقته فيها ألن، فوضعه فيها وألقى وشاحه فوقها.

وبعد ذلك بساعة كان جان عند الطبيب بولتون، فقال له الطبيب: من أين أتيت؟

قال: من عالم الأرواح. وقد بعثت بعد الموت أمامك وأمام شمشون، ولكني ميت أمام جميع الناس.

– ماذا تعني؟

– أعني أنه يجب أن يعلم الجميع منذ اليوم أني ميت، وهذه هي الطريقة الوحيدة لإنقاذ روجر من براثن تلك النمرة التي يدعونها ألن.

وقد قصَّ عليه كل ما جرى، وأقام عنده فوضعا تلك الخطة التي نجحت كل النجاح وقضت على آمال ألن.

وعلى ذلك؛ فإن إنقاذ سينتيا في الجمعية السرية وإنقاذ روجر إنما كان بفضل جان الذي كانت تحسبه ألن من الأموات.

•••

على أن الأخطار المحدقة بالمركيز روجر لم تقف عند هذا الحد، فإنه إذا كان نجا من ألن فلا يزال له عدو أشد خطرًا منها، وهذا العدو إنما هو ابن عمه السير جيمس الذي كان يتوهم أنه قتل في أميركا حين ألقى نفسه من شرفة الحصن إلى البحر.

ويذكر القرَّاء ذلك الرجل الذي جاء إلى دابي ناتا الهندية، واشترى منها حبة من سبحة إذا أذيبت بكأس من الخمر كانت سمًّا زعافًا.

أما هذا الرجل فإنه كان السير جيمس فإنه لم يكن يعلم أن ليونيل هو ابن اللورد إسبرتهون الشرعي لاعتقاده أنه مات وهو في المهد، فلم يكن له هم غير قتل المركيز روجر؛ لأنه وريثه الوحيد، فلما فرغت جعبة مكايده عزم على قتله بالسم.

وقد عاد إلى لندرا متنكرًا فيها باسم رجل من عظماء الإسبان، وعلم أن المركيز مشترِك في نادي الحسان، فدخل فيه وبات واحدًا من أعضائه، وإنما فعل ذلك كي يتمكن من دس السم للمركيز بحيلة سوف تظهر.

وأما ألن فقد اعتقدت أن الجو خلا لها بعد موت جان وبعد سفر السير روبرت، فأخذت تتمعن في أمرها وتقول في نفسها: إن هؤلاء النور قد ورثوا الحقد عن زعيمهم جان، فإذا تزوجت روجر لا آمن شرهم، وخير لي أن أغتنم فرصة غياب السير روبرت فأتزوج ليونيل، ثم أرى رأيي في فضيحة روجر.

وقد قامت من فورها فكتبت إلى ليونيل رسالة موجزة قالت له فيها: إنها تريد أن تراه لشأن خطير، فأسرع إلى موافاتها وقابلها بملء البرود، فجزعت لما رأته وقالت له: لماذا تنظر إليَّ هذه النظرات يا ليونيل؟

فأجابها بلهجة الساخر قائلًا: أخاف أن تكوني مع الذي تُؤْثِرينه عليَّ، وأن أكون نغصت عليك هذا اللقاء.

– ليونيل … ما هذا الذي أسمعه منك؟ ألم تعد تحبني؟

– لماذا أحبك وأنت لا تحبينني؟

– إنك تكذب يا ليونيل. فقد انتظرتك في الحديقة فلم تحضر. وفي اليوم التالي علمت أنك جرحت في مبارزة.

– نعم إني بارزت الرجل الذي تحبينه، والذي دخل إلى الحديقة مكاني، أي المركيز روجر.

– ألعلك جننت! إن المركيز لم يأتِ إلى هنا.

– لا أثق بشيء مما تقولين.

فوقفت وقد تكلفت الغضب وبرقت عيناها فقالت له: اخرج من هنا فإنك تهينني.

وقد قالت له ذلك بلهجة الآمر، فطاش صواب ليونيل وخرج خروج القانطين وهو يقول: إني سأقتل المركيز روجر.

•••

كان المركيز دائم الاضطراب بعد تلك المحادثة التي جرت له في تلك الجمعية السرية، فكانت سينتيا تتمثل له بكل مخيل ويسمع صوتها تقول: إنه ولدي. بلهجة لا تخرج إلا من أفواه الأمهات.

وكان الطبيب بولتون كتب إليه في اليوم التالي يخبره أنه سافر إلى أرلندا لشأن عائلي مستعجل، فخامر المركيز شك، وأراد أن يستجلي الحقيقة، فركب مركبته وذهب إلى مستشفى المجانين في بلدام وهو يقول في نفسه: إني أريد أن أرى هذه المرأة التي تدَّعي أنها أمي.

وهناك قابل المدير وقال له: هل أستطيع مقابلة الطبيب بولتون أحد أطباء المستشفى؟

قال: إنه ليس من أطبائه يا سيدي، وليس له به أدنى اتصال.

فذهل المركيز وقال له: ألا يوجد عندكم امرأة مجنونة تدعى سينتيا؟

قال: لا أعلم؛ إذ يوجد عندنا تسعمائة امرأة، وسأراجع السجل. كم يبلغ عمرها؟

– نحو الأربعين.

– ما هو نوع جنونها؟

– إنها تتوهم كونها أمي.

– هذا محال يا مولاي. فلو دخلت إلى المستشفى امرأة تدعي هذه الدعوى على فخامتكم لعلمت بأمرها في الحال، ومع ذلك فسأرى.

وقد أخذ ينظر في سجل ضخم بينما كان المركيز يناجي نفسه فيقول: ترى ألعل هذه المرأة قالت الحق؟

وعند ذلك خطرت له بسرعة التصور كل حوادث حياته، فذكر الوشم الذي كان على كتفه، واهتمام بولتون بإزالته، ومخاطرة الناباب عثمان بحياته في سبيل حمايته، واحتجاب بولتون بعد تلك الحادثة، ونظرات تلك المرأة الحنونة التي كانت تدعي أنها أمه، وصياحها تلك الصيحة المنكرة حين سمعت الأعضاء يحكمون عليه بالموت؛ فزاد به الشك، ولا سيما بعد أن أخبره المدير أن هذه المرأة لم تدخل إلى المستشفى، وعاد إلى منزله وهو في أشد حالات اليأس، وقد خجل من نفسه حتى إنه لم يعد يجسر على الذهاب إلى النادي، وكتب إلى نائبه في قيادة الفرقة أن يتولى عنه شئونها، وبحث بحثًا دقيقًا عن عثمان فلم يجده.

فبينما هو جالس في غرفته في تلك الليلة دخل إليه خادم ينبئه بقدوم ليونيل، فقال له: ليدخل.

فدخل، وعرف المركيز من اصفرار وجهه وتوهج عينيه أنه قادم إليه بزي عدو لا بزي صديق.

أما ليونيل فإنه انحنى أمامه وقال له: إني قادم لألتمس من فخامتكم إقالتي من الخدمة في الفرقة.

قال: لماذا تريد الاستقالة؟

– لأني أريد مبارزة قائد أرقى مني في الفرقة، ولا يحق لي مراقبته ما زلت خاضعًا لأمره.

فقطَّب المركيز حاجبيه وقال: إذا كان ذلك فقد رضيت استقالتك، والآن قل لي من هو هذا الذي تريد مبارزته؟

– هو أنت أيها المركيز.

– أنا؟

– نعم أنت. فإني أريد أن آخذ بثأري.

– تأخذ بثأرك؟

– نعم. ورجائي من فخامتك أن لا تتقنع بذلك القناع الذي أخفيت فيه وجهك حين بارزتني منذ عشرة أيام وتركتني شبه ميت على بلاط لندرا.

فجعل المركيز ينظر إليه بعين الانذهال ويقول: أقسم بشرفي إنك فقدت صوابك.

قال: كلا أيها المركيز، فما أنا بمجنون.

– أتدَّعي أني بارزتك ثم تقول إنك من العاقلين؟

– إني لا أعلم بأنك تنكر لتصون سمعة التي بارزتني من أجلها. والآن أرجوك أن تعيِّن موعد مبارزتنا، وأن تردَّ لي ذلك المفتاح الذي سلبته مني كما يسلب لصوص الليل.

فمد المركيز يده ليقرع الجرس وهو لم يبق شك أن هذا الفتى مجنون.

فقبض ليونيل على يده وقال: كلا. إنك لن تقرع الجرس، وسترد لي ذلك المفتاح الذي أعطتني إياه مس ألن.

وقد وقعت هذه الكلمة من فؤاد المركيز وقع شرارة في برميل بارود، فدفع ليونيل بعنف وقال له: إنك مجنون ونذل؛ لأنك تحاول تدنيس سيدة جديرة بالاحترام كانت تحبني وتشفق عليك.

ثم امتشق حسامه واقتدى به ليونيل، ولكنهما قبل أن يتقارعا فُتح باب الغرفة ودخلت منه امرأة فحالت بينهما وهي تقول: كلا إنكما لن تتقاتلا.

وكانت هذه المرأة اللادي سيسلي، فصاح ليونيل قائلًا: أمي. وانحنى المركيز أمام هذه المرأة التي لم يكن يعرفها، وقال لها: شهد الله يا سيدتي أني تجاوزت مع ولدك حد الصبر، ولكنه أهانني كما يهينون المتشردين.

قالت: ألا يوجد في القاعة الكبرى في هذا القصر صورة اللادي سيسلي زوجة اللورد إسبرتهون الميتة منذ اثني عشر عامًا.

قال: بلى.

قالت: إذن انظر إليَّ.

فحدق المركيز بها وقال: إن الشبه عظيم.

فأخذت بيده وذهبت به إلى تلك القاعة ووقفت بجانب الصورة وقالت: انظر إليَّ وإلى هذه الصورة.

قال: ماذا أرى؟ ألعلك أمي؟

قالت: لا أعلم إذا كنت أمك، ولكني أعلم أني أدعى اللادي إسبرتهون زوجة أبيك، وأن هذا الذي تقاتله إنما هو ولدي الثاني، أي ابن أبيك اللورد إسبرتهون.

وكان روجر أمام التي توهم أنها أمه، فلما علم أن ليونيل أخوه نهض، فمشى إليه وضمه إلى صدره وهو يقول: اغفر لي يا أخي.

ثم عاد إلى اللادي وأخذ يقبل يديها، فسالت دمعتان من عينيها على جبينه وقالت بصوت يتهدج: لا شك أن السير روبرت خدعني فإنه ولدي.

ثم قبلت جبينه قبلة حادة أخص ما يقال في وصفها إنها قبلة أم.

•••

وفي اليوم التالي ذهب المركيز إلى النادي وهو فرح القلب باسم الثغر، فتسابق الأعضاء للسلام عليه؛ فإنهم لم يروه منذ أسبوع، وقال له واحد منهم: إنك لو أتيت أمس لرأيت عجبًا.

قال: لماذا؟

قال: لأنك كنت رأيت رجلًا عجيبًا في أطواره؛ فإن إحدى عجائبه أن له خمسة عشر اسمًا تبتدئ بالدون رودرو بيدرو دانتس … إلخ، وهو من عظماء الإسبان. يلبس في أصبع من أصابعه خاتمين من الماس وغيره من الحجارة الكريمة، ولا شك أن له مناجم ذهب؛ فقد خسر أمس ألفين وخمسمائة جنيه وهو يضحك كأنه من الرابحين أو كأنه الناباب عثمان.

فارتعش المركيز لذكر عثمان، وقال لهم: هل لكم أيها السادة أن تخبروني عما تعلمونه عن الناباب عثمان؟

فقال أحدهم: يقال إنه يتنزه في أراضيه في إيكوسيا. وقال آخر: إن هذا الرجل عجيب أيضًا في أطواره، فإنه بينما نراه هنا وهو مرتدٍ بملابس الأعيان نراه يتجول في أقبح أزقة لندرا وهو بملابس البحارة.

فأجابه أحدهما قائلًا: ألعلها حكاية تقصها؟

قال: بل حقيقة رأيتها؛ فقد رأيته في الليل داخلًا إلى وبنغ وهو يحدث رجلًا من عامة الشعب ويحدثه الرجل دون كلفة كأنهما صديقان.

فارتعش المركيز لذكر النوري وأراد أن يغير الحديث فقال: لقد كنتم تتحدثون عن هذا الإسباني، فمن أين أتى؟

فقال واحد منهم: إنه قادم من أميركا وهو يقول: إنه لقي ابن عمك السير جيمس فيها.

– متى؟

– منذ ثلاثة أشهر.

– هذا محال أيها السادة؛ فإن ابن عمي سقط من أعلى الحصن منذ ستة أشهر.

– هذا الذي قلناه له، ولكنه أثبت مدعاه، وفوق ذلك فهذا هو قد حضر، وستقف منه على الحقيقة.

وبعد هنيهة دخل الإسباني فعرَّفوه بالمركيز فقال: إني عرفت رجلًا من أسرة إسبرتهون كان أسيرًا لدى الجنرال جاكسون — زعيم الثائرين في أميركا — وهو يدعى السير جيمس.

فقال له المركيز: متى كان ذلك؟

قال: منذ ثلاثة أشهر تقريبًا.

قال: إذن. لقد عرفت رجلًا انتحل هذا الاسم؛ فإن السير جيمس قد مات.

فابتسم الإسباني وقال: تريد أنهم حسبوه ميتًا.

قال: إن من يسقط من علو خمسين مترًا ويصاب برصاصتين لا يعود إلى التنزه في أرضنا.

قال: هو ما تقول، ولكن السير جيمس أصيب بجراح وقد التقطه الأميركيون وحملوه على قارب إلى معسكر العصاة؛ فشفي وبات أسيرهم، ودليل صدقي أنه عهد إليَّ بمهمة لدى فخامتكم.

– أهي خطية أم شفاهية؟

– شفاهية. وإني ما دخلت إلى هذا النادي إلا على رجاء فيه؛ فقد عهد إليَّ السير جيمس أن أخبرك بشأن خطير.

قال: إذا لم يكن ذلك مما يقال أمام الحاضرين فعين موعدًا لاجتماعنا.

قال: إذا شئت فاقترح عليَّ عند انتصاف الليل أن نلعب بالشطرنج؛ فإننا نختلي في غرفة ونتحدث.

قال: هو ذاك، وسنجتمع في الساعة الأولى بعد انتصاف الليل؛ فإني مضطر إلى الذهاب الآن في بعض الشئون.

وقد أقام المركيز ساعة بينهم، ثم خرج من النادي فركب مركبته على أن يعود بعد ساعة.

•••

عندما دخلت اللادي سيسلي إلى الغرفة التي كان المركيز وليونيل يتبارزان فيها لم يكن قدومها من قبيل الصدفة والاتفاق، بل كان من تدبير مس ألن؛ فإنها حين رأت ليونيل خرج من عندها وهو يتوعد المركيز قالت في نفسها: إنه ذاهب الآن لمقابلة المركيز، وقد دنت النتيجة التي أنتظرها، فلأسرع بإخبار أمه.

وكان منزل اللادي بجوار منزلها؛ فخرجت مسرعة من الحديقة وسارت.

اركضي يا سيدتي إلى قصر إسبرتهون ولا تتأخري لحظة؛ فإن ولديك يقتتلان.

وقد عرف القراء ما جرى؛ فإن اللادي سيسلي وصلت قبل فوات الأوان، ومنعت حدوث المبارزة، وكان ما تقدم لنا بيانه من أنها باتت تعتقد أن المركيز ولدها حقيقة؛ فإن السير روبرت كان قد قال لها قولًا مبهمًا مفاده: أن المركيز روجر ابن غير شرعي للورد إسبرتهون، ولكنه لم يقل هذا القول بصفة جازمة، فلما رأت ما كان من مروءة المركيز حين قابلها وحين رأى صورتها وقال لها: إنك أمي، لم تتمالك عن أن تصيح قائلة: نعم. إنك ولدي.

وعند ذلك نسي المركيز ما جرى له في الجمعية السرية وما كان من صياح سينتيا، حتى إنه نسي تلك الحماية الخفية التي كان يتولاه بها الناباب عثمان، وعاد إلى الاعتقاد بأنه ابن اللورد إسبرتهون الحقيقي الشرعي.

وقد أقام ساعة بين أمه وأخيه لم يجد أهنأ منها في حياته، فكان يسأل أمه أسئلة مختلفة وهو يعجب كيف أنها أذاعت خبر موتها، بحيث اضطرت إلى أن تخبره بكل التفاصيل عن حياتها المحزنة وما كانت تلقاه من ظنون زوجها وعنفه، وكيف أن أخاه السير جاك وشى بها وشايات سافلة حتى بات يعتقد أن ليونيل ليس ولده، بحيث اضطرت أن توهمه أيضًا أن ولده ليونيل قد مات كي تنقذه من غضبه.

فقال لها المركيز: ولكن أبي قد مات، فلماذا لم تأتي إليَّ بعد موته فتقولي لي: أنا هي أمك، وهذا هو أخوك.

قالت: ذلك لأني كنت أخاف هذه الشرائع الإنكليزية الظالمة التي تخص كل شيء بالابن الكبير وتحرم بقية الأولاد؛ فآثرت أن يبقى ليونيل كما هو على أن يظهر وأثير عوامل التحاسد بينكما.

قال: إن هذه الشرائع التي تخافينها لا تسري إلا على الأشراف الذين يريدون أن يلجَئوا إليها أما أنا فلا فرق عندي بين الأولاد ولا أميز بين البكر عنهم في شيء.

ثم مد يده إلى ليونيل وقال له: إننا سنقتسم إرث أبيك يا أخي بالسواء، وسألتمس من الملك في أول مقابلة أن يأذن لنا بالاشتراك.

فضمت اللادي روجر إلى صدرها وقالت: إنك شريف كريم يا بني.

وقد اتفقوا على أن يكتموا هذا الأمر إلى أن يعقد مجلس اللوردات أول جلسة.

ثم أوصلهما المركيز إلى منزلهما، وقبل أن يفارقهما همس في أذن ليونيل قائلًا: إني تخليت لك عن مس ألن، فأنت الذي تتزوجها، وقد تركه وانصرف مسرعًا إلى منزله، فبكى بكاءً أليمًا لهذه التضحية التي ضحَّاها.

وفي اليوم التالي كتب إلى مس ألن يقول:

إني مضطر إلى مقابلتك اليوم لشأن تتعلق عليه راحتي في حياتي.

فأجابته مس ألن قائلة:

في الساعة العاشرة من هذه الليلة في منزلي الصيفي.

وبعد أن تلقى هذا الجواب ذهب إلى النادي وجرت تلك المحادثة التي بسطناها بينه وبين السير جيمس المتنكر بشكل إسباني، ثم برح النادي في الساعة التاسعة على أن يعود إليه في الساعة الأولى بعد انتصاف الليل كي يجتمع بالإسباني.

وقد خرج في مركبته، فذكر ما سمعه في النادي بشأن الناباب عثمان، فعاوده الشك، وجعل يحدث نفسه فيقول: ترى لماذا هذا الرجل يحميني؟ وما هذه العلائق السرية التي له مع النَّوَر؟

وقد عاد إلى التفكير بالطبيب بولتون وذلك الوشم الذي محاه عن كتفه وبسينتيا. وعلى الجملة فقد عاوده الشك القديم، ولكنه لم يخجل هذه المرة بل قال في نفسه: إذا ثبت لي أني ابن النورية، فإني أسافر سفرًا لا أرجع منه، وأجعل ليونيل وريثي.

وما زالت المركبة تسير به حتى وقفت عند باب منزل ألن الصيفي، فدخل وهو خافق القلب؛ فإنه سيضحي أعظم تضحية يضحيها قلب إنسان.

ولما دخل إليها ضبط نفسه وقال لها: أسألك المعذرة يا سيدتي، فقد مضى عشرة أيام دون أن أخبرك بشيء من أمري.

فأطرقت رأسها إلى الأرض وقالت: وا أسفاه! لقد فهمت أيها المركيز. فارتعش وقال: ماذا فهمت؟

فأجابته بصوت منخفض متقطع قائلة: لقد فهمتُ أنك لا تحبني.

قال: إنك مخطئة؛ فإني أحبك اليوم كما كنت أحبك من قبل. وإذا كنت اليوم أضحي هذه التضحية العظمى فلأن رجلًا أخلق مني بحبك.

وهنا توقف؛ إذ رأى أن ألن تكاد أن تسقط عن كرسيها، ثم تجلد وقال لها: إن ليونيل يحبك.

قالت: إني أعلم.

– وإنه يحبك حبًّا لا يوصف.

– ولكني أحبك.

– وإن ليونيل أخي.

فتكلفت الانذهال العظيم كأنها لم تكن عارفة بشيء من هذا، وقالت له: ليونيل أخوك؟

قال: نعم. إنه ابن اللورد إسبرتهون الأصغر، وهو فتى جميل، وسيكون غنيًّا لأني سأقاسمه ثروتي، فلا بد أن تكوني امرأته، وسيعقد قرانكما بعد ثلاثة أيام في كنيسة قصرنا.

فصاحت ألن صيحة قنوط وألقت نفسها بين ذراعي المركيز كأنها أغمي عليها.

وعند ذلك فتح الباب ودخلت خادمتها، فقال لها المركيز بصوت يتهدج: احمليها إلى غرفتها وعالجيها حتى تستفيق؛ فإن قواي قد تلاشت، ولا أستطيع الوقوف أمامها.

وخرج وهو يشهق بالبكاء ويقول: رباه لقد تمت التضحية، فهبني من لدنك قوة تعينني على التجلد؛ فإن الانتحار حرام.

حتى إذا سارت به المركبة استفاقت ألن من إغمائها، فأطلقت سراح الخادمة، ثم جعلت تبتسم وتقول: أظن الآن أن المهمة قضي معظمها؛ فإن السير روبرت حين يعود يجدني زوجة ليونيل.

أما اللادي سيسل فستكون معي لا عليَّ؛ لأنها تعتقد الآن أن روجر ولدها، وهي لا ترى رأي ولدها من أن النورية لا يجب أن تكون امرأة لورد، فلا تعترض في زواج تتوقف عليه حياة ولدها.

ومتى تم عقد الزواج يسهل عليَّ إقناع روجر أنه ابن سينتيا وهو من أهل المروءة والكبرياء فلا يرضى بعد ذلك أن يتمتع ساعة للغيب وثروته هما لسواه، ويتنازل عن حقه لليونيل، فأصبح المركيزة دي إسبرتهون.

وفيما هي تناجي نفسها بهذه المطامع أنصتت مصغية؛ إذ خيل لها أنها تسمع وقع خطوات، ففتحت النافذة بسرعة وأطلَّت منها ولكن الظلام كان حالكًا فلم تر أحدًا، فقالت في نفسها: لا شك أن الذي سمعته كان حفيف الشجر أو صوت مسير قارب في النهر.

وبعدُ فما هذا الجنون وممَّ أخاف، إذا كان جان دي فرانس قد مات؟!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤