أنور المعداوي ومحنة العصر

يبدو أنَّ المعارك العنيفة التي خاضها جمال عبد الناصر في بداية حكمه ضد الأعداء في الداخل وفي الخارج، لم تدَع مجالًا للقائد لرعاية الكتَّاب والأدباء!

بالطبع كان هناك أدباء وكتَّاب يحتلون موقع الصدارة، ولكن هؤلاء كانوا في موقع الصدارة دائمًا. فهم الأدباء والكتَّاب الرسميون في كل عهد، وهم كانوا يتمتعون بنفس الحظوة أيام الملك فاروق، وظلُّوا يتمتعون بها أيام جمال عبد الناصر. ولكن غير هؤلاء الأدباء الرسميين لم يستطع أحد آخر أن ينفذ من الحصار المضروب إلَّا في النصف الثاني من الستينيات. ولكن قبل هذا التغيير النوعي كان معظم الأدباء غير الرسميين قد حلُّوا ضيوفًا على السجون الحربية والمدنية. وبعضهم ذاق التشرد والفصل من الوظيفة، وكان أنور المعداوي واحدًا من هذا الصنف الأخير!

ولكن مأساة أنور المعداوي ستظل فريدة في تاريخ المآسي؛ لأنَّ أنور المعداوي لم يكن ضد الثورة، ولم يكن ضد جمال عبد الناصر، ولكنَّه كان ضد نوع من الأدباء احتلوا القمة في الساحة الأدبية، وهم في الأصل كانوا ضباطًا في القوات المسلحة، ثمَّ اعتزلوا السلك العسكري واحترفوا العمل الأدبي، وأصبحوا هم مندوبي القيادة … في الشعر والأدب والفن! وكان «س» هو عميد هؤلاء الأدباء، فهو لواء بالجيش، وقائد بسلاح الفرسان، وهو كان يُمارس كتابة القصة قبل الثورة، وهو كان يُمارسها من باب الهواية ولشَغل أوقات الفراغ!

ولكن بعد الثورة اندفع فجأة إلى الصدارة، وصار واحدًا من الكُتَّاب الرسميين، وأصبح رئيسًا لنادي القصة، وسكرتيرًا عامًّا للمجلس الأعلى للآداب والفنون، وسكرتيرًا لنادي الأدباء!

ولقد تحمَّل أنور المعداوي واتسع صدره لكل هذا الذي حدث. وكان من الممكن أن يتحمَّل إلى النهاية، لولا أنَّ «س» أصبح فجأة — وبقدرة قادر — رئيسًا لتحرير مجلة «الرسالة»! ولأنور المعداوي علاقات وثيقة وتاريخية وعاطفية بمجلة «الرسالة» القديمة. فقد كان واحدًا من أبرز كُتَّابها، وكان هو أول من سلَّط الضوء فيها على أشعار نزار قبَّاني، وكان أول من بشَّر على صفحاتها بأدب نجيب محفوظ!

وكانت مجلة «الرسالة» القديمة، التي كان يرأس تحريرها الأستاذ أحمد حسن الزيَّات، هي أعظم وأرقى المجلات الأدبية في الوطن العربي. وكان لا يُنشر فيها غير إنتاج كبار الكُتَّاب والأدباء والشعراء، وأصبحت بمرور الزمن مدرسة تربى فيها جيل كامل من الأدباء من طنجة إلى حلب. ثمَّ اضطرت المجلة إلى الاحتجاب فترة من الزمن.

وعندما عادت «الرسالة» إلى الصدور في بداية الخمسينيات، كان شكلها وإنتاجها يُعبِّر عن التغيير الذي طرأ على الحركة الأدبية في مصر. كانت من حيث الشكل تُنافس مجلة «الكواكب»، ومن حيث المضمون كانت نسخة مُكرَّرة من مجلة «آخر ساعة»، مع فارق بسيط هو أنَّ مجلة «آخر ساعة» يُحرِّرها صحفيون محترفون، بينما مجلة «الرسالة» يتولاها هواة لا خبرة لهم ولا حيلة. كان «س» — الضابط السابق — يرأس تحريرها، و«ص» — الضابط المتقاعد — يُشرف على إدارة التحرير، بينما يتولَّى تحريرها نفر من أشباه الكُتَّاب، الذين حاولت الأجهزة فرضهم على الحركة الأدبية! وكانت هذه أكبر ضربة وُجِّهت إلى أنور المعداوي. هبَّ كالإعصار يُهاجم مجلة «الرسالة»، وبالطبع هاجم «س» وبطانته؛ هاجمه كأديب، ولكن «س» اعتبر الحملة موجهة ضده كمندوب للقيادة. ولمَّا كانت المعركة غير مُتكافئة بين أنور المعداوي وسلاح المدرعات، فقد آثرتُ أن أتدخَّل في الموضوع لإصلاح ما يُمكن إصلاحه. وبالفعل رتَّبت موعدًا بين «س» وأنور المعداوي، وكان «جروبي» عدلي باشا مكان اللقاء، وأبدى «س» رغبته في أن يتولَّى أنور المعداوي إدارة تحرير «الرسالة» بدلًا من «ص». وقَبِلَ أنور المعداوي؛ ولكن بشروط، ولم يُفصح عن هذه الشروط، ولكنَّه وعد بالكشف عنها عند لقائه بالسيد «س».

كان اللقاء في الخامسة بعد الظهر في «جروبي» عدلي باشا كما قلت، وذهبت أنا في الخامسة إلَّا ربعًا وجلست أنتظر. وفي الخامسة تمامًا وصلت سيارة حربية ترفع علم القيادة، ونزل منها الأديب «س» في ملابس جنرال. ورُحنا نتجاذب الحديث لمدة ساعة، ولم يظهر أي أثر لأنور المعداوي. وفي السادسة والربع أهلَّ علينا بقامته السامقة وكبريائه المعهودة، واعتذر عن التأخير لارتباطه بموعد سابق مع «فلَّاح من بلدنا». ورمقني «س» بنظرة حادة، وكأنَّه يقول: «عذر أقبح من ذنب». وبلع «س» الإهانة وواصل الحديث بهدوء مع أنور المعداوي. وعرض عليه إدارة تحرير مجلة «الرسالة». ووافق أنور بشروط. ولكن الشروط كانت أكثر مِمَّا يَحتمل «س». كان أول شرط هو فصل جميع المحررين الذين يعملون بها. وكان آخر شرط هو عدم نشر الكلام الفارغ الذي ينشره «س». وانتهت الجلسة إلى لا شيء.

وافترقنا، «س» إلى مجلة «الرسالة»، وأنور المعداوي وأنا إلى قهوة عبد الله. وفي الطريق سألني أنور المعداوي عن رأيي في الحديث الذي دار، وقلت له بصوت خفيض: لا بأس بالحديث، ولكني أعتقد أنَّه سيكون بداية المتاعب. وقال أنور — وهو يهز رأسه الكبير: مرحبًا بالمتاعب! ولكن الذي حدث بعد ذلك لم يكن من نوع المتاعب؛ بل كان من نوع المصائب. أطيح بأنور المعداوي، ففُصِل من وظيفته بطريقة خبيثة، وانقطع صرف مرتبه، وضيَّقوا الخناق عليه؛ فلم يعد يستطيع أن ينشر حرفًا من إنتاجه، ومع ذلك لم يهدأ أنور المعداوي، ولم يستسلم، ولم يُهادن. استعان على مواجهة مطالب الحياة بمعونة مالية من صديقه الأديب الطيب محمود شعبان — وهي قصة سنتعرَّض لها بالتفصيل فيما بعد — وقد لجأ إلى القضاء عارضًا القضية بكل أبعادها أمام المحاكم. ولكنَّه بالرغم من المحنة والصدمة، لم يتخلَّف يومًا واحدًا عن مكانه في قهوة عبد الله. ولم يقطع صلته بالندوة بالرغم من وجود عدد من مندوبي السلطة والمخبرين كل ليلة. ولم يتوقَّف عن إبداء رأيه في الحال السيئ الذي انتهى إليه الأدب في مصر، وطال الزمن بالقضية أمام المحاكم، ثمَّ صدر الحكم بإنصاف أنور المعداوي وإعادته إلى وظيفته. ولكن الجهاز البيروقراطي المُدرَّب نفَّذ حُكم القاضي، وضاعف من غيظ أنور المعداوي، فقد كان أنور يعمل مستشارًا بالمكتب الثقافي بوزارة التربية والتعليم، ولكنَّهم أعادوه بوظيفة مدرس بمدرسة ابتدائية مغمورة في حي من أحياء القاهرة المُعِزِّية. وكانت الضربة شديدة هذه المرة. ولم يحتمل أنور القوي؛ فقد أدركه ضعف الإنسان الفرد أمام جبروت الحكومة. وأنَّه لا مناص أمام الإنسان الفرد من الركوب في عربة النظام، أو مرور العربة على جثته. فاستقال أنور من الوظيفة، وبدأ صراعه مع المرض الرهيب الذي قضى عليه!

ولم تكن هذه قصة حياة أنور المعداوي، ولكنَّها قصة نهايته، أردت أن أبدأ بها ليعلم القُراء كيف مات ناقدٌ لم تُنجب مصر من طرازه إلَّا عددًا أقل من أصابع اليد الواحدة! وكيف انتهت حياة مُفكر عظيم لو أُتيحت له الظروف المناسبة لترك في مصر أثرًا ربما فاق الأثر الذي تركه العقاد! ولكنَّها الظروف السياسية التعيسة حين تفرض على السلطة أن تؤثر الولاء الأعمى على النصيحة الخالصة، وأن تقبل بالذيول وترفض الأنداد. وأن تطرد أهل الخبرة لتحل محلهم أهل الثقة! وأن تحجب عن القُرَّاء قلم أنور المعداوي، بينما تُطلق العنان لأقلام استُخدِمت أغلب الوقت في كتابة تقارير كاذبة!

إنَّها ليست محنة أنور المعداوي، ولكنَّها محنة العصر، وهي مأساة تتكرَّر كثيرًا؛ ولكن أحدًا لا يستفيد منها، ولا أحد يتعظ بها، لأنَّه هكذا الحياة، اعملوا فكلٌّ مُيسرٌ لِمَا خُلِق له!

•••

وأغرب شيء أنَّني عندما رأيت أنور المعداوي لأول مرة في حياتي على قهوة محمد عبد الله، حسبته ضابطًا بالقوات المسلحة، فقد كان طويل القامة متين البنيان، رافع الرأس على الدوام. ولم يكن وحده حين رأيته أول مرة، ولكن كان بصحبته صديقان قُدر لهما أن يشتهرا فيما بعد. أحدهما كان يساريًّا اشتغل بالسياسة في البداية ثمَّ طلَّق يساريته نهائيًّا بعد أن ذاق مرارة السجن، واحترف الصحافة في النهاية ومات مقهورًا، فقد كانت نهايته عكس بدايته، وكان سلوكه عكس معتقداته، وذهب دون أن يترك أثرًا في حجم موهبته!

والآخر كان اشتراكيًّا إسلاميًّا، واشتهر بعد ذلك كأحد زعماء جماعة الإخوان المسلمين، ثُمَّ قُدِّر له أن يدفع حياته ثمنًا لكتاب أصدره في الستينيات هو «معالم الطريق»، وبالرغم من غيابه عن دنيانا كل هذه السنين، إلَّا أنَّه لا يزال يُعتبر الأب الروحي لكل الجماعات الدينية المختلفة التي ظهرت في مصر، وربما في العالم الإسلامي! كان الأول هو «ر» وكان الرجل الآخر هو سيد قطب. وكان الثلاثة يجلسون في قهوة عبد الله، وكان الحديث بينهم يدور حول مجلة جديدة في طريقها إلى الصدور، هي مجلة «الفجر الجديد». الغريب أنَّ الثلاثة تجرَّعوا الموت قهرًا، وإن اختلفت الوسائل. لقد اكتشف «ر» أنَّ الكفاح طريق ليس له نهاية فآثر أن يبتعد، وارتاد طريقًا آخر هو طريق أكل العيش. ولكنَّه اكتشف بعد فترة أنَّه كسب عَيشه وخسر موهبته! وكانت النتيجة الإحساس بالقهر والمرارة ثمَّ الموت بعد ذلك. وكان موته الأدبي قد سبق موته الرسمي بفترة طويلة.

وكان سيد قطب نموذجًا يختلف كل الاختلاف عن «ر»، اكتشف منذ البداية أنَّ الطريق الذي يسلكه يؤدي إلى السجن وإلى القتل، فأسرع الخُطى على الطريق الذي اختاره، وعندما صعد على حبل المشنقة أدرك أنَّ طريقه المادي قد انتهى ليبدأ طريقه اللانهائي، وهو الذي أدى به إلى الخلود وإلى الأبدية! وكان أنور المعداوي نموذجًا ثالثًا. لم يكن سلبيًّا مُتعايشًا مع الظروف مثل «ر»، ولم يكن فدائيًّا كسيد قطب رفض الخضوع مع العيش الناعم، ورفض الثورة حتى الموت. وعندما اكتشف أنَّ قوى البطش أعتى وأعنف، انفجر في داخل نفسه شيء ما، ولم يلبث أن قاطع الحياة كلها ومات.

ولعل هؤلاء الثلاثة هم مصر كلها في تلك الفترة. ولن تجد بين طائفة المثقفين نماذج خارج هذا المثلث: «ر»، المعداوي، سید قطب!

وقد يقول قائل: هناك نماذج أخرى انسجمت أهدافها مع أرزاقها، فعملوا وأنتجوا ولمعوا في كل عهد، وتضخموا وتضخمت أرصدتهم في كل وقت!

وأُجيب هؤلاء بأنَّني أتكلم عن طبقة المثقفين، ولأنَّ الثقافة ليست معلومات، ولا هي حرفة، ولا هي فهلوة أو عملية تفتيح عين. ولكن الثقافة هي وجهة نظر، وهي موقف، وهي طريق يختاره المثقف ويكون مُستعدًّا لأن يدفع حياته ثمنًا له! ولقد كان هؤلاء الثلاثة من خيرة المثقفين في مصر. كان «ر» من أهالي البر الشرقي في الصعيد، وهي أفقر منطقة في مصر؛ وربما في العالم. وعندما تخرَّج في كلية الآداب كان قد وضع كتابه عن «الأدب الشعبي» — هو العمدة حتَّى الآن في هذا المجال، وهو المرجع الوحيد عند علماء الغرب عن الفن الشعبي المصري الحديث. ومن خلال هذا الكتاب كان «ر» قد حدَّد موقفه تمامًا من الأشياء والناس وصراع الحياة، ولقد ساقه هذا الموقف إلى السجن، فقضى خلف أسواره عدة سنوات كانت كفيلة بتغييره من الضد إلى الضد. وعندما اجتاز بوابة السجن كان شخصًا آخر هو الذي خرج. واضطر من شدة الخوف أن يُؤلِّف كُتبًا ضد رفاق الطريق السابقين، وأن يُقاطع شلة شبابه المبكر. حتَّى قهوة عبد الله لم يعُد يتردَّد عليها. وفي النهاية قطع صلته بأقرب الناس إليه، ولم يشاهده أحد خارج دائرة عمله مدة عشرين عامًا متصلة!

سيد قطب كان شيئًا آخر يختلف.

كان اشتراكيًّا إسلاميًّا، ومع ذلك لم يتردَّد لحظة في أن يُشارك «ر» في إصدار مجلة ضد حكومة ذلك الزمان! وكان يختلف عن كل الذين يُجالسهم في قهوة عبد الله، ويختلف معهم، ولكنَّه أبدًا لم يقطع حبل الود بينه وبينهم. كان يُحب الجميع ويحترم الجميع أيضًا، وبالرغم من مشاغله الكثيرة كان حريصًا على التردد على قهوة عبد الله بين الحين والآخر. لم ينقطع عنها إلَّا بسبب سجنه … وعندما غادر سجنه كانت القهوة قد زالت من مكانها! بل لقد حرص خلال فترة سجنه الطويلة على أن يُسرِّب خطابًا من خلف الأسوار إلى صديقه أنور المعداوي، بعكس «ر» الذي استوقفتُه ذات مرة في الشارع وأبلغته بأنَّ المرض قد اشتد على أنور المعداوي، وأنَّه في طريقه إلى الموت. عندئذٍ نظر إليَّ «ر» بلا مبالاة وقال في هدوء: «ما احنا كلنا عيَّانين يا عم سعدني»، ولم يزِد حرفًا بعد ذلك!

وإذا كان سيد قطب قد مات شهيدًا، و«ر» قد مات ضائعًا، فإنَّ أنور المعداوي كان يقف في المنتصف تمامًا بين «ر» وسيد قطب. فهو لم يكن من طبقة الشهداء، كما أنَّه لم يكن من النوع الذي يأكل عيشه بالجُبن، لذلك مات مقهورًا، وانفجرت شرایین دماغه من شدة الغيظ. ولكنَّه — حتَّى برغم المحنة — لعب دورًا رئيسيًّا في حياة الجيل الذي سبقنا والجيل الذي ننتمي إليه. ذات مساء كانت القهوة عامرة بنخبة من الأدباء والشعراء والفنانين. وكان زكريا الحجاوي يتحدَّث عن مجلته الجديدة «الميزان» التي في طريقها إلى الصدور! وراح زكريا الحجاوي يتحدَّث بحماس عن الواقعية الجديدة التي سترفع شعارها مجلة «الميزان». وفى النهاية طلب من جميع الحاضرين أن يُساهموا في المجلة بأقلامهم وإنتاجهم. ثمَّ خص أنور المعداوي برجاء؛ أن يكتب افتتاحية «الميزان»؛ ولكن أنور المعداوي أبدى فتورًا شديدًا واعتذر بحسم، ووعد زكريا بالتفكير في الأمر بعد صدور المجلة. وبعد أيام تقدَّمتُ بأصول قصة قصيرة لتُنشر في «الميزان». وانتظرت على نار موعد صدور المجلة. فلمَّا صدرت أصابني إحباط شديد؛ فقد خلت صفحاتها من قصتي، وكانت بعنوان «الواعظ»، وهي عن واعظ كفيف مهمته إلقاء خطبة الجمعة في مسجد ليمان طره الرهيب، ولم يكن يؤم مسجد الليمان إلَّا المحكوم عليهم بالسجن مدى الحياة. وبالرغم من ذلك لم يخرج الواعظ الضرير عن خطبة واحدة كان يُكرِّرها كل أسبوع، وكانت عن مناسك الحج إلى بيت الله الحرام، وشروط الزكاة! وزاد من همي أنَّني قرأت بحثًا في «الميزان»، منشورًا على ثماني صفحات للأستاذ بكر الشرقاوي. وبالرغم من كل الجهد الذي بذلته لم أفهم حرفًا واحدًا من البحث المنشور! وشعرت بأنَّني لست أديبًا ولن أكون! لأنَّ كلامي مفهوم يفهمه أي طفل وأي إنسان — ولو كان حظه يسيرًا من التعليم! وقلت لنفسي: هذا هو الأدب الصحيح، لا يفهمه إلَّا الأديب الذي كتبه، وربما حلقة ضيقة من الكُتَّاب والأدباء. كان البحث حافلًا بتعبيرات من نوع: «الاستبطان الاستغلاقي، والشواشي العليا للبرجوازية الكومبرادورية التي تُحقِّق مصالح طفيلية من أجل ضرب النمو الاستاتيكي والديناميكي على السواء»! وفي المساء كنت أجلس حزينًا مهمومًا على قهوة محمد عبد الله، وحين جاء أنور المعداوي أدرك أنَّني مهموم، وإن كان لم يُدرك السبب، وعندما سألني عمَّا إذا كنت قد قرأت الميزان أجبته بنعم، ونطقتها بأسى شديد. وراح أنور المعداوي يُبدي رأيه في مجلة الميزان. وانزاح همي كله عندما اكتشفت أنَّ أنور المعداوي — وهو أديب لا شك في ذلك — لم يفهم هو الآخر حرفًا واحدًا من بحث بكر الشرقاوي. كما أنَّ المجلة بلا هوية وبلا اتجاه … كما أنَّ كُتَّابها أقل من المستوى، وبعضهم لم ينضج على الإطلاق! وشكوت لأنور المعداوي ما حدث لقصتي واستبعادها من النشر! وطلبها أنور المعداوي، وبعد أن قرأها وضعها في مظروف وكتب بضعة سطور لصاحب مجلة أدبية شهيرة تصدر حتَّى الآن في بيروت! وقلت له: بيروت؟! مستحيل، إنَّهم لم يسمعوا باسمي قط، فكيف سينشرونها؟ وابتسم المعداوي وقال في هدوء: بل سينشرونها … أولًا: لأنَّها قصة جيدة، وثانيًا: لأنَّني قدَّمتك إليهم! ولا أستطيع الآن أن أصف مدى سعادتي حين اشتریت نسخة من مجلة الآداب لأكتشف أنَّ قصتي — التي رفضت «الميزان» نشرها — منشورة في «الآداب»، وكانت أكثر المجلات الأدبية احترامًا في الوطن العربي. وهذا الموقف الذي اتخذه أنور المعداوي مني، تكرَّر كثيرًا في حياته القصيرة. أدباء مغمورون لم يسمع بهم أحد، وكُتَّاب يزحفون في سراديب عالم الأدب، أخذ أنور المعداوي بيدهم إلى عالم الأضواء، ولم يكن له شروط إلَّا أن يكون الكاتب واعدًا ومبشرًا وموهوبًا بحق. وأمَّا الآخرون فلم يكن يسخر منهم؛ ولكنَّه كان يتجنبهم فقط، وأحيانًا كان يُسدي لهم النصيحة في لين شديد، وفي حب أشد! مرة واحدة فقط، ضبطت أنور المعداوي في موقف حادٍّ نوعًا ما تجاه أحد الأدباء. كان الأديب إياه ثقيلًا ويفرض إنتاجه على الآخرين دون مراعاة لظروف وأحوال الجالسين! ذات مرة جاء وجلس معنا في القهوة، ثمَّ راح يُحدِّثنا عن قصيدته الجديدة العصماء، وكيف ستُحدث هزة في عالم الشعر والأدب، ثم استأذن الحاضرين في أن يُسمعهم القصيدة، وردَّ أنور المعداوي بهدوء: «بلاش دلوقت، خصوصًا إن عندي صداع ودماغي مش رايقة»! ولكن اعتذار أنور المعداوي الرقيق لم يُقنع الأستاذ الشاعر، وفجأة سحب قصيدته من جيبه، وراح يخطب على طريقة خطباء الأسواق، وعندئذٍ هبَّ أنور المعداوي واقفًا كمن لدغته عقرب، وقال وهو يسرع الخطى: «عن إذنكم أنا ورايا ميعاد»!

وكانت هذه هي المرة الأولى والأخيرة التي رأيت فيها أنور حادًّا على نحوٍ ما!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤