الساخر العظيم

عبد الحميد قطامش واحد من أعلام قهوة محمد عبد الله … وهو بالقطع وحيد زمانه وفريد أوانه، ولم أُصادف في حياتي شخصية أخرى من نفس الطراز. وهو واحد من فحول الأدباء، وإن كان لم يكتب أدبًا، ولكن موهبته الحقيقية كانت في الكلام.

كان مُحدِّثًا ربما لم يُخلق مثله، وهو يمزج الفصحى بالعامية في مهارة الصائغ العظيم، فيأتي حديثه كأنَّه مسبوكة عظيمة تضم أغلى الجواهر وأندر الأحجار! وكان حساسًا وذوَّاقة وصاحب نكتة ومعقدًا إلى حد كبير! كان يبدأ الناس دائمًا بالعدوان، وبعد سهرة واحدة يُصبحون من أعز الأصدقاء! وكان يكره النساء ويُحبهن في آن واحد، وهو لأنَّه كان شيخًا مُعمَّمًا في صباه، وأيضًا لأنَّه كان من طبقة الفقراء، فقد كان مرفوضًا لدى النساء. ولعل ذلك هو سر حقده عليهن وسر شغفه بهن أيضًا! وقد عاش الشيخ قطامش حياته منفصلًا عن زوجته، وتفرغ لتربية أبنائه، والسهر طول الليل مع أحد الأصدقاء. والطواف فترة الصباح على المحاكم، فقد كان واحدًا من أقدر المحامين على الإطلاق. وكان يكسب كثيرًا ويُنفق قليلًا، ولم يُشاهَد قط خارج مكتبه أو بعيدًا عن نطاق قهوة عبد الله، إلَّا نادرًا. وكانت له صلات عريضة، وأصدقاؤه يُعَدون بالألوف، ومن كل الطبقات! وكان هذا يُتيح له سهرة في كل ليلة؛ من الزمالك إلى سوق السلاح! ولكنَّه أبدًا لم يتنكَّر لانتمائه الطبقي، ولم يقطع صلته بأصوله الأولى، وظلَّ شبحٌ رهيب يُطارده طول العمر، وهو خوفه من العودة إلى أيام الفقر الأولى وزمن التعاسة المتناهية!

وكانت تلك الأيام المُبكِّرة من حياته لا تُفارق ذاكرته، وكان يعود إليها في كل سهرة، وكان باستطاعته دومًا أن يلوي عنق الحديث إلى نشأته الأولى في ريف الجيزة، حيث كان أهل قريته يُصيبون وجبات الطعام بالصدفة، ويعيشون بلا مناسبة، ويموتون بلا سبب! وكان من الطبيعي أن يكون فلاحًا يعيش مغروزًا في الطين والبؤس واليأس أيضًا! ولكنه قاتل قتال المستميت لكي يرسله أخوه إلى الأزهر. وكان أخوه بينه وبين الأزهر عداء، فهو نفسه كان طالبًا في معهد القاهرة الديني وقضى سنوات في دراسة النحو والفقه والشريعة. ولكنَّه سئم حياة التلمذة، فهجر معهده وعاد إلى القرية ليعمل فلاحًا في الأرض، ولكنَّه ظلَّ يتميز عن زملائه في القرية بلقب «شيخ» واحتفظ لنفسه بالعمامة حتَّى آخر يوم من حياته! ولذلك رفض الاستجابة إلى رغبة عبد الحميد قطامش، ولكنَّه رضخ في النهاية استجابةً لشفاعة بعض الأقرباء وإلحاح عبد الحميد. وفجأة وجد عبد الحميد نفسه طالبًا في الأزهر، وفي القاهرة، لا قريب له هنا ولا حبيب، وليس معه شيء إلَّا نصف جنيه، وعليه أن يُدبِّر أموره بنصف الجنيه هذا خلال السنة الدراسية! ولو كتب عبد الحميد تلك الفترة كما كان يحكيها لترك لنا عملًا أروع من طفولة جوركي، وأكثر ألمًا من أيام طه حسين! وأكتفي هُنا بلمحة رواها لي عبد الحميد حين كان طالبًا. وفي نهاية العام الدراسي كان عليه أن يعود إلى قريته، ولم يكن معه نقود، فقرَّر أن يذهب إلى بلدته سيرًا على الأقدام. ولأنَّه كان يرتدي زي مشايخ الأزهر وهو لم يتجاوز الخامسة عشرة فقد كان موضع سخرية الأطفال الذين يمر بهم في شوارع القاهرة، ولأنَّه كان مُفلسًا فقد شعر بالضياع، ولأنَّه كان ضائعًا بالفعل فقد بكى عندما وصل إلى إمبابة في طريقه إلى المنصورية قريته. وسار قطامش في التراب والغبار، وأحيانًا في الوحل، خمسة عشر كيلومترًا تحت شمس محرقة ورطوبة لزجة حتَّى وصل أخيرًا إلى الدار. ويقول: عندما جلست على المصطبة وخلعت حذائي، اكتشفت أنَّ الجورب الذي كنت أرتديه لم يكن مكانه في قدمي! وليس هناك صورة أكثر صدقًا وسخرية من تعليق عبد الحميد! وحكى لي ذات مرة عن قصة غريبة حدثت له عندما كان في كلية الشريعة، فقد ذهب ببطاقة توصية حصل عليها واحد من أهل الخير موجهة إلى أحد باشوات زمان، هو محفوظ باشا رشوان. ويبدو أنَّ بطاقة التوصية كانت من رجل مُدعٍ لا علاقة له بالباشا، ولذلك رفض محفوظ رشوان مقابلة عبد الحميد، إلَّا أنَّه عاد فقبل مقابلته تحت إلحاح وإصرار واستماتة عبد الحميد! وعندما وصل عبد الحميد نفسه أمام الباشا راح يحكي ظروفه، والغريب أنَّه، وهو الشديد اللماضة، فقد تلعثم وأُصيب بالكتمة أمام الباشا العجوز. المهم أنَّ عبد الحميد نطق ببعض الكلمات: «وأنا طالب علم وأبحث عن أي عمل يُعينني على طلب العلم»! ولم ينسَ طبعًا ترديد بعض العبارات المحفوظة مثل: جعلك الله يا سعادة الباشا ذخرًا للفقراء والمتعلمين! وألقى عليه الباشا نظرة حائرة ثمَّ طلب منه أن يعود في الغد. ولم ينَم عبد الحميد تلك الليلة. فقد تصوَّر نفسه كاتبًا منفوشًا كالديك الرومي في إحدى المحاكم الشرعية، أو مستوظفًا في إحدى دوائر الحكومة، أو مُصحِّحًا للغة في إحدى دور الصحف. إنَّ نفوذ الباشا باتع، وهو حتمًا سيجد له وظيفة تكون حلًّا لجميع مشاكله في الحياة، وفي الموعد المحدد ذهب عبد الحميد مُسرعًا إلى مكتب الباشا محفوظ رشوان، واستقبله السكرتير بلا اهتمام. وناوله مظروفًا صغيرًا وقال له: الباشا ترك لك هذا المظروف. وتناول عبد الحميد المظروف. وأدَعُ الوصف لعبد الحميد قطامش: «حملت المظروف على أكف الراحة كأنَّني أحمل أمنية طال اشتياقي إليها، ورحت أهبط الدرج وقلبي يسبقني وتكاد دقاته المرتفعة تُغطي على وقع أقدامي، وعندما أصبحت في الشارع لجأت إلى أقرب عامود نور لكي أتمكَّن من قراءة بطاقة التوصية التي تركها لي الباشا، وربما هي موجهة إلى أحد الوزراء أو أحد العظماء، ولا بد أنَّها بالقطع ستكون بوابة الخير إلى عالم الاستقرار والحياة المنشودة. وفتحت المظروف برِقة ولم أجد بطاقة توصية، ولكن وجدت ورقة مالية من فئة الخمسة والعشرين قرشًا، وانتفض جسمي كله، وأرعشت المفاجأةُ جلدي ووقفت ساهمًا، أُفكِّر في ما يجب عليَّ أن أفعله، ووجدت نفسي في حيرة شديدة، هل أعود إلى مكتب الباشا وأرد له المظروف وأُلقنه درسًا في احترام أولاد الناس، خصوصًا عندما يكونون طلاب علم في الأزهر؟ أم …؟ أم أمضي في طريقي وأحتفظ بربع الجنيه؟ وهو كافٍ لكي أركب الترام بدل السعي على الأقدام، والحصول على عشوة فاخرة عند الكبابجي وعلبة دخان من صنف ممتاز، أو شرب الشاي على مقهى العُمَّال مع الحجاوي بالسيدة زينب! وترددت لحظات بین كرامتي ومصلحتي، بین شموخي وجوعي، بين أنفتي وحاجتي. ولم يطل ترددي، عدت أدراجي بقوة إلى القهوة والكباب وركوب الترام وتدخين السجاير. وأدركت لحظتها أنَّ الفقراء ليس لهم كيان وليس لهم كرامة. وأنَّ التشبث بهذه الخرافات بالنسبة لمن كان مثلي، أشبه بمحاولة الطيران بأجنحة من طراز عباس بن فرناس!»

إنَّها صورة من حياة عبد الحميد قطامش أيام التلمذة رواها لي بنفسه. وقد أخذتها من بين صور كثيرة للدلالة على ما صادفه عبد الحميد من عَنَت، وما عاناه من مكاره، وما ابتُليَ به من أهوال. ولذلك كان حصوله على شهادة العالمية من جامعة الأزهر، أشبه بوصول أول رائد فضاء إلى القمر. ودفعه هذا الإنجاز الذي لم يكُن يتوقعه إلى طبع بطاقات تحمل اسمه على النحو التالي: «عبد الحميد قطامش، عالمية الأزهر. وعبد الحميد الديب ليست له مؤهلات»! وقد ردَّ عبد الحميد الديب على قطامش فيما بعد، فطبع بطاقة هو الآخر كتب عليها: «عبد الحميد قطامش المحامي الشرعي … وولده رمزي»! والغريب أنَّ عبد الحميد قطامش رغم انطلاقه إلى أبعد الحدود، ورغم ولعه الشديد بالمرح، إلَّا أنَّه كان غاية في الانضباط خلال ساعات العمل، وكمحامٍ شرعي كان واحدًا من الأعلام، وكان يدخر تسعة أعشار دخله، ليس بُخلًا من عبد الحميد، ولكن الفلوس تحوَّلت في نظره إلى درع الأمان، والسد العالي ضد الفقر والجوع وأيام الضياع. وبالرغم من عصريته، وكمحامٍ، كان لا يؤمن بالبنوك. وكانت نقوده كلها تحت البلاطة، وحافظته كانت دائمًا متخمة بالنقود! وغالبًا ما كنت أراه يتحسَّس حافظة نقوده وهو جالس معنا في المقهى، وكان يبدو سعيدًا للغاية كلما مرَّ بيده على الحافظة المنتفخة، فقد كانت هذه الحافظة هي علامة السيادة والقوة في دنيا الناس. وكان يتمتَّع بقدرة فائقة على إضحاك الحجر. ونكتته كانت لاذعة، وتعليقاته كانت جارحة، ولسانه كان أشبه بسيف مسلول، وبالرغم من ذلك كان يبدو ضعيفًا إلى حد الانسحاق أمام رجال السلطة؛ من الوزير إلى الخفير. ولذلك آثر طول العمر أن يبتعد عن أي عمل جاد ضد السلطة. وكان يُطلق لسانه أحيانًا ببعض النكات ضد الحكومة، فإذا تأزَّمت الأمور لزم داره وقبع في سكون. ولذلك نجا عبد الحميد من المقصلة التي قطعت رءوس كل أبناء جيله، فلم يُسجن يومًا ولم يُقطع رزقه يومًا، ولم يعانِ على أي نحو، وفي كل العهود!

وما أشد عُقد عبد الحميد قطامش، وما أعقد تناقضاته. فبالرغم من نشأته الفقيرة إلَّا أنَّه كان يكره الفقر والفقراء أيضًا! وبالرغم من نشأته الريفية إلَّا أنَّه كان يكره الفلاحين، ولم يقُم بزيارة واحدة لقريته خلال الأعوام الثلاثين الأخيرة من حياته. وكان يُحب السهر في بيوت الأثرياء، ويعشق الحياة المترفة والأنيقة، ويسعى للتعرُّف على طبقة الضباط والقضاة ورجال الإدارة؛ ولكنَّه كان يكره المشاهير من الأدباء والفنانين ويحتقرهم، وكان يُردِّد دائمًا: «المشاهير هم مجرد فقاقيع على وجه المجتمع»! وبالرغم من بخله الشديد على الأصدقاء إلَّا أنَّه كان على استعداد لإنفاق آخر قرش من ثروته إذا وجد لمسة حنان عند امرأة جميلة! ولكن هذه كلها تبقى صفات شخصية لعبد الحميد، أمَّا الجانب العام فيه — وهو الذي يشغلنا في الأصل — فلا شك أنَّ عبد الحميد قطامش كان واحدًا من أعظم الظرفاء الذين أنجبتهم مصر في هذا القرن. وكانت له جولات وصولات مع عشرات من رجال الأدب والفن والظُّرف في مصر، وسهراته مع زكريا الحجاوي وعبد الحميد الديب وعباس الأسواني تصلح مادة لتدريس الفكاهة في جامعات الظرف. ونكاته لم تكن قفشات لفظية فقط؛ ولكنَّها كانت أشبه بمسرحية صغيرة، الحوار فيها مُركَّز، والحركة مرسومة، وأحيانًا يستخدم الديكور ويحرص على وجود مشاهدين! ذات مساء في أواخر الأربعينيات خرج معنا — زكريا الحجاوي وأنا — من منزله في السيدة زينب ليُرافقنا بعض الطريق ونحن في طريق عودتنا إلى الجيزة؛ ولكن لأنَّ الحديث ذو شجون فقد نسي عبد الحميد نفسه، ليكتشف فجأة أنَّه ذهب معنا إلى الجيزة. ولم يكن يرتدي إلَّا جلبابًا وفي قدميه نوع رخيص من الشباشب. وفكرنا في أن نعود معه إلى السيدة، ولكن الرأي استقر على أن نوفر له ربع جنيه مصري يكفي لتوصيله بالتاكسي إلى منزله في السيدة، وبعد أن استقل التاكسي وودعنا بإشارة من يده، أمر السائق بالتوقف فجأة، ونزل مسرعًا ليهمس في أذن زكريا: «خد رقم التاكسي يا زكريا.» ولمَّا سألناه عن السبب أجاب بجدية متناهية: «أحسن السائق يقتلني ويسرق الفلوس»!

هذه كانت عينة من نكاته، قصة قصيرة موحية ولها أبعاد، وتقطر سخرية من الموقف كله، ولا ترحم أحدًا، وكان أحيانًا يقسو بشدة على نفسه، ربما ليتسنى له الحصول على إذن بالقسوة على الجميع.

•••

وعاش الشيخ قطامش ومات، لا يُصدِّق شيئًا، ولا يؤمن بشيء، فالحياة أكذوبة، والناس مجرد أكاذيب، والنجاح صدفة، والفشل قدر، والأعمار بيد الله صحيح؛ ولكن في أمر الحياة والإنسان سر ما لا يفهمه قطامش.

وكان شديد الإيمان بالله، ولكنَّه كان مؤمنًا متعاظمًا في الوقت نفسه، ويعتقد أنَّه قريب جدًّا من الله، إلى الحد الذي ليس محتاجًا بعده لتقديم الدليل على صدق إيمانه.

وكان أحيانًا، عندما يخلو لنفسه، أو إلى صديق حبيب … كان يبكي بكاءً شديدًا، وكنت أشعر في تلك اللحظات بعمق جراح الشيخ عبد الحميد، وغزارة نزفه.

وكان في ساعات صفوه يردد حكمة أثيرة لديه: «لن يغفر الله لأمثالنا.» وعندما أسأله عن السبب يقول: «لأنَّنا خالفنا ما جاء في اللوح المحفوظ!» وأسأله: ماذا في اللوح المحفوظ بالنسبة لنا؟ فيجيب: «نأكل مرة واحدة في اليوم، ولكنَّنا خالفنا الأمر، وأصبحنا نأكل ثلاث مرات. ونبقى أميين، ولكنَّنا تعلَّمنا. ونظل فقراء، ولكنَّنا أصبحنا أثرياء»! وأقول له ساخرًا: أثرياء؟! فيجيب: نعم، إنَّك تملك سيارة فولكس فاجن، وترتدي بدلة، وتدخن، وتسافر للخارج في مهمات صحفية، وهذا بالنسبة لِمَا هو مكتوب لك ثراء فاحش. وأسأله: وعلى ذلك سنخلد في النار؟ … فيُجيب ساخرًا: لا أظن، لأنَّ المحسنين سيدخلون الجنة، والمخطئين سيدخلون النار، ولكن أمثالنا — أنا وأنت وزكريا الحجاوي — لا مكان لهم في الدنيا ولا في الآخرة بإذن الله.

وكان يؤمن إيمانًا عميقًا بأنَّ ضربة حظ أصابت أصدقاءه، فأصبح زكريا الحجاوي فنانًا شعبيًّا، وأصبح نعمان عاشور كاتبًا مسرحيًّا، ومحمود الشريف مُلحِّنًا مشهورًا، وأنَّ هذا الذي حدث، كان من باب سخرية الأقدار! ولذلك لم يقرأ قطامش حرفًا واحدًا من إنتاج أصدقائه. لم يُشاهد مسرحية لنعمان، ولم يقرأ حرفًا لزكريا، وبالرغم من احترامه الشديد لأنور المعداوي، إلَّا أنَّه لم يُكلِّف نفسه عناء قراءة مقال واحد له.

ويبدو أنَّ طريقة التعليم في الأزهر — على زمانه — طغت على أي رغبة عنده للقراءة، فقد كان عليه أن يحفظ عن ظهر قلب كتبًا تزن عدة أطنان، وكان عبد الحميد يُعلِّق على ما حدث قائلًا: «لقد قضيت زهرة العمر في حفظها ثم اكتشفت في النهاية أنَّني لم أستفِد شيئًا.» وساعده على عدم القراءة إصراره على الهروب من الوحدة وتجنبها، وإلقاء نفسه في بحر الناس، فلم أُشاهده وحيدًا قط، ولم يكن يلزم داره إلَّا إذا كان عاجزًا عن الحركة، وعندئذ كان يقوم باستدعاء الأصدقاء، ليقضوا الليل حول فراشه.

ولكن أخطر نقطة في حياة عبد الحميد هي علاقته بالجنس الآخر، فقد عاش أعزب بالرغم من أنَّه كان متزوجًا، ولكن زواجه تحطَّم في أولى مراحله، وبقيت الزوجة في الريف على ذمته، وعاش هو وحيدًا مع أولاده في القاهرة. وكان يكره المرأة كراهية شديدة، والأكيد أنَّ هذا الموقف كان راجعًا إلى فترة شبابه، حيث كان شيخًا مُعمَّمًا، ولم يكن طلاب الأزهر في قائمة فتيان الأحلام لبنات ذلك العصر، ولذلك لم يجرؤ مرة واحدة في حياته على مغازلة امرأة، ولم يكن لديه الشجاعة للإفصاح عن شعوره للطرف الآخر، وكان يحلم دائمًا بامرأة تُغازله، وتُطارده، وتقع في هواه. وكان إحساسه بالحب إحساسًا سينمائيًّا، فهو يبحث دائمًا عن حب من هذا النوع الذي يظهر في أفلام السينما، وينتهي غالبًا بمأساة!

وكان يكتب خطابات غرامية أحيانًا ويُرسلها لنفسه، وكان حريصًا على قراءة هذه الخطابات لي، وعندما كان يبدو عليَّ أحيانًا أنَّني غير مُصدق، وعندما يغلب عليَّ الضحك، يقوم الشيخ قطامش وينهال عليَّ شتمًا. وكنت أُحاول تهدئته، وأقول له مُداعبًا: إنَّ الخطاب يا عبد الحميد مكتوب بأسلوب لا يُمكن أن يكون لامرأة، فهو مستوفٍ لكل الشروط التي وصفها الفراهيدي وابن مَنظور، وصاحبة الخطاب لا بد وأن تكون خريجة كلية اللغة العربية بالأزهر (لم يكن في الأزهر طالبات في ذلك الحين).

وكان يضحك بعمق عندما أسأله: هل وقع سِيبَوَيه في غرامك؟ ولكنَّه بالرغم من هذا الموقف الحاد من الجنس الآخر، كان يبدو سعيدًا للغاية إذا ضمَّه مجلس به سيدات. وكان على استعداد للزحف على ركبتيه ليُلبِّي إشارة من امرأة تُعامله بشيء من الحنان، أو تُبدي نحوه شيئًا من الود! وبالرغم من حرصه الشديد، كان على استعداد لأن يُنفق آخر قرش في جيبه لتلبية أي طلب يأتي من جانب امرأة.

وهذه النفس المعقدة الحساسة إلى درجة شديدة، كانت هي حجر الزاوية في ظاهرة قطامش، فقد كان لا يفتح فمه بكلمة إذا ضمَّ مجلسه فردًا واحدًا لا يعرفه معرفة وثيقة، وكان لا يسُبُّ إلَّا من يُحبهم من أصدقائه. وكان يخشى الحكومة، ولكنَّه لا يستطيع الكف عن نقدها. وكان مثاليًّا، ولكن تصرفاته الشخصية أكثر من واقعية. وكان يتجنَّب رؤية الدماء والأشلاء، في الوقت الذي كان فيه شديد القسوة لا يرحم.

صندوق المتناقضات الذي في داخله، هو الذي أنتج في النهاية هذا الرجل الساحر الساخر، الذي لم يكن له مثيل في زمانه على الإطلاق.

وكان دائم المزاح مع أصدقائه، ويلجأ أحيانًا إلى مزاح من نوع ثقيل، يؤلم ويجرح، إذا عاتبه صديق أجاب بأنَّه لا يقصد شيئًا إلَّا المزاح، وأنَّ النكتة «حبكت»، وأنَّ الفرق بين الصديق والعدو هو أنَّ الصديق يبلع لصديقه أخطاءه المقصودة، فما بالك بالخطأ غير المقصود. ولكن الويل لمن تُسوِّل له نفسه المزاح مع عبد الحميد بنفس الطريقة، لقد قاطع صديق عمره زكريا الحجاوي ثلاث سنوات متصلة بسبب مزاح بدأه عبد الحميد فرد عليه زكريا بنفس الأسلوب، فكانت القطيعة!

وأصل الحكاية أنَّ زكريا الحجاوي كان جالسًا في مقهى عبد الله مع مجموعة من أصدقائه وتلاميذه، ولم يكن من بينهم أحد من أصدقاء عبد الحميد، وفجأة دخل عبد الحميد المقهى، وألقى نظرة على الجالسين، فهبَّ زكريا في احترام مُبالغ فيه — وهي عادته عندما يكون في جلسة مع بعض معارفه الجدد — ورحَّب زكريا بعبد الحميد بكلمات تحمل كل الاحترام والتقديس. ووقف قطامش بعيدًا عن زكريا وهو في غاية الجد وقال: «لسه قاعد بتنصب يا زكريا، يا حقير بني أمية، يا ابن اﻟ …» ثم بصق على زكريا وانصرف!

موقف — لا شك — عانى منه زكريا بعض الوقت، وبالتأكيد لم يجد تبريرًا لهذا الموقف، وخصوصًا أنَّ الذين كانوا يجلسون معه كانوا يعرفون زكريا قليلًا، ولا يعرفون قطامش على الإطلاق.

ومرت شهور طويلة بعد ذلك، ثمَّ سنحت فرصة لزكريا الحجاوي لينتقم، فقد صعد زكريا إلى «الباص» عند محطة الباشا في منيل الروضة، وكان «الباص» مزدحمًا والجو خانقًا، وشديد الحرارة. ولمح زكريا وسط الركاب الشيخ قطامش يقف مع مجموعة من المحامين الشرعيين، واقترب زكريا من أحدهم وسأله: «هوه الأستاذ اللي واقف هناك ده يبقى عبد الحميد قطامش المحامي الشرعي؟» فأجاب الشيخ بالإيجاب، وصرخ زكريا صرخة شديدة: «يا لص، يا كذاب، يا منافق يا قطامش، تذهب إليك زوجتي بتوكيل خاص، لترفع لها قضية طلاق مني فتغازلها غزلًا معيبًا يا منافق يا شیطان.» وبُهت المشايخ جميعًا، فقد كانت هذه التهمة هي أم الكبائر في مهنة تقوم أساسًا على احترام أعراض وأسرار الناس، ولم يكن للقصة أصل من الحقيقة طبعًا، ولكن زكريا اندفع في تمثيل الدور، وعبثًا يُحاول المشايخ تهدئته دون جدوى، وثار الركاب الآخرون على الشيخ قطامش وكادت تحدث كارثة، وانتهز زكريا فرصة الهرج الشديد الذي حدث فقفز من «الباص» واختفى.

وعبثًا حاولت الصلح بينهما دون نتيجة. كان قطامش شديد الغيظ مِمَّا حدث، وكان يُقسم كلما فاتحته في الموضوع أنَّه لن يُخاطب زكريا حتَّى الموت، ولكني انتهزت فرصة مواتية، وتعمدت استفزاز قطامش عندما قلت له: يُخيَّل إليَّ أنَّ هناك سببًا لا ندريه في موقفك المتشدد والغريب من زكريا. وقال قطامش عندك حق، فأنا وجدتها فرصة لأقاطع زكريا الحجاوي إلى الأبد، ولمَّا سألته عن السبب الحقيقي، تنهد في أسى وقال: إنَّ زكريا يحقد عليَّ حقدًا شديدًا. وارتسم شبح ابتسامة على شفتيَّ، ولكنَّه واصل حديثه في جد شديد: لا تظن أنِّي أمزح أو أعبث یا محمود، الحقيقة أنَّ زكريا يحقد عليَّ حقدًا شديدًا، والسبب أنَّه عديم الأصل وفقير، وهو لم يتعلَّم شيئًا ولم يستفِد شيئًا، كما أنَّه ضائع وصائع … ثمَّ هدأ انفعاله قليلًا، وصمت لحظة، ثم قال في هدوء: وأنا كمان كده يا أخويا، وهو عاوز يبقى كده لوحده! عشان كده بيحقد عليَّ. وضحك قطامش ضحكة عميقة وصافية نابعة من القلب، ونهض معي إلى بيت زكريا الحجاوي، وكانت سهرة لا تُنسى.

ولقد ظللت خلال رحلة ضياعي بعيدًا عن مصر، أشعر بحنين شديد إلى أربعة من الأصدقاء: زكريا الحجاوي، وعبد الرحمن الخميسي، ومحمد عودة، وعبد الحميد قطامش. وقد رأيت «الخميسي» كثيرًا في المنفى، وسعدت برؤية محمد عودة مرات، وسافرت إلى الدوحة خصيصًا لرؤية عمنا زكريا الحجاوي، ومن غرائب الصُّدف أنَّه مات بعد زيارتي له بالدوحة بأشهر قليلة، غير أنَّ الفرصة لم تُتَح لي أبدًا لرؤية عبد الحميد قطامش، فهو لم يخرج من مصر قط وأنا لم أذهب إلى مصر طوال مائة شهر وشهر. ولذلك كنت أحيانًا أتذكر قطامش في غربتي، وأشعر بخوف شديد أن يموت قطامش دون أن أراه.

ومنذ أشهر قليلة التقيت بالمستشار الثقافي الكويتي بالقاهرة، واكتشفت أنَّه كان يبحث عني بشدة، فقد كان يحمل خطابًا من قطامش إلى العبد لله، وقرأت سطوره وبكيت: «يا محمود عُد بسرعة، فأنا في حاجة إليك، لقد مات كل الأصدقاء ولم يبقَ إلَّا أنا وأنت. لقد رحل أنور المعداوي، ورحل محمود حسن إسماعيل، ورحل زكريا الحجاوي، ورحل عبد العظيم بدوي، وهاجر محمد علي موافي والخميسي، واختفى نعمان عاشور، لا أدري أين؟ … عُد حتَّى أراك، فأنا أشعر في داخلي أنَّ العمر قد ولَّى، فأخشى أن أموت دون أن أراك!»

وأمسكت بالقلم وكتبت كلمات قليلة لعبد الحميد: «اثبت أيها الرجل، فسيكون في استطاعتي أن أراك قريبًا عندما يأتي الفرج من عند الله، وأنت تعرف الظروف التي تمنعني من العودة، ولكني واثق أنَّها ستزول قريبًا بإذن الله الواحد القهار. اثبت يا عبد الحميد ولا تكن نذلًا كعهدي بك فترحل قبل أن أراك!»

وبعد شهور قليلة من تحريري هذا الخطاب، عثرت على ورقة من صفحة قديمة من جريدة الجمهورية المصرية تحوَّلت في النهاية إلى قرطاس يحوي بعض الفاكهة. ولا أدري ما الذي جعلني أتفحَّصها وأقرأ سطورها، وخفق قلبي بشدة على نعي الشيخ عبد الحميد قطامش منشورًا على استحياء.

يا لها من لحظة خاطفة تجسدت وتبلورت فيها ذكريات عشرات الأعوام. والغريب أنني انفجرت باكيًا بشدة عند سماعي نبأ وفاة زكريا الحجاوي، ولكن مع قطامش كان الأمر يختلف، لم أبكِ ولم تختلج عضلة واحدة في جسمي، كأنَّما أصابني شلل مُفاجئ، وبقيت هكذا في حالة انعدام وزن عدة أيام.

لقد انطوت بوفاة الرجل، صفحة كاملة خطيرة ومُثيرة وحافلة، فما كان أعرض حياته وأعمق صلاته! وكم شهدت ليالي القاهرة سهراته التي كانت تُجلجل فيها ضحكاته، وتطيش خلالها تعليقاته ولذعاته وقفشاته، ونكاته التي تجرح وتُسيل الدم. ولا أعتقد أنَّ رُكنًا في مدينة القاهرة لم يشهد سهرة لقطامش، ولا أعتقد أنَّ أحدًا من الذين عاشوا في القاهرة خلال نصف القرن الأخير هذا لم يتعرَّف على قطامش أو لم يسمع به.

وبالرغم من ذلك مات في هدوء وانسحب من الحياة في صمت، ونعيه نُشر في جريدة الجمهورية في عدة سطور لا تلحظها العين.

مسكين عبد الحميد قطامش … عاش كالمهراجا ومات كالصعلوك، لأنَّ الزمن الذي مات فيه، هو أردأ زمن مرَّ على مصر، زمن لمع فيه الطين، واختفت فيه النجوم. لم يكن هذا زمان قطامش، ولكنَّه كان زمن توفيق عبد الحي، ورشاد عثمان. ولعل الموت كان أعظم هدية لقطامش الذي لم يستطع احتمال الحياة في مصر، ولم يستطع أن يغادرها، وقنع أخيرًا بعدة أشبار في تراب مصر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤