مُحارب بلا سلاح!

أول مرة رأيت فيها الخميسي كانت في الأربعينيات … حضر إلى قهوة عبد الله ذات مساء، وقضى السهرة في ركن أنور المعداوي، وأشاع جوًّا من البهجة والمرح، وعزم الشلة كلها على العشاء، ومنح جرسون القهوة مبلغًا كبيرًا من المال، ودسَّ في يد الولد الذي قام بتلميع حذائه جنيهًا كاملًا، وأعطى عبادة مجنون قهوة عبد الله مبلغًا من المال اكتشفنا في الصباح أنَّ المبلغ كان خمسة جنيهات صحيحة … المهم أنَّه غادر المقهى في ساعة متأخرة من الليل وقد وهب السعادة للجميع، حديثًا، وطعامًا، وهبات.

وغاب الخميسي طويلًا عن قهوة عبد الله، وعرفت من زكريا الحجاوي أنَّه عاد إلى مقر عمله في فلسطين، فقد كان يعمل في إذاعة الشرق الأدنى مع مجموعة من الفنانين والمثقفين العرب من بينهم: سامي داود، وسيد بدير، وسليم اللوزي، وعميد الإمام.

ولم ألتقِ بالخميسي بعد ذلك، إلَّا في جريدة الكتلة وكان قد بدأ ينشر فيها قصصًا من تأليفه شدتني إليها كثيرًا، فقد كانت مختلفة عمَّا ينشره محمود كامل ومحمود تيمور، كانت شخوص قصص الخميسي أكثر حياة وأحداثها أكثر حرارة، وكان أسلوب الخميسي نابضًا بالحياة، موسيقيًّا وشاعريًّا وأشبه ما يكون بأسلوب كاتب فرنسي من العصر الرومانسي … الساحر الغامض المثير!

وأحببت الخميسي منذ أول لقاء، كان نموذجًا للفنان الذي رسمته في خيالي، كان شديد الزهو، شديد البساطة، وعظيم الكرم، دائم الفلس، وكان يمشي دائمًا في الطريق يتبعه أكثر من شخص يلازمونه كظله، ويطيعون إشارته، وكان حريصًا على أن يرتدي ملابس أنيقة وغالية الثمن، وعلى العموم كان الخميسي في مظهره وسلوكه يختلف عمَّن عرفت من الشعراء والأدباء والفنانين. وأحببت الخميسي من أول لقاء، ولكن صلتي به لم تتوثق إلَّا بعد ذلك اللقاء بمدة طويلة، قدَّمني له زكريا الحجاوي وهو جالس مساءً في جريدة «المصري» وناقشني في بعض ما عرضته عليه من كتابات وكان ودودًا للغاية، وأبدى اهتمامًا شديدًا بي، وبما كتبت، وكأنَّه صديق انقضت على صداقتنا أكثر من عشر سنوات.

ولم تمضِ أيام قليلة على معرفتي به حتَّى كنت قد عرفت قصة حياته كاملة، وأدق أسراره، وتفاصيل مشاكله، وأحسست بصدقه، ومسح بحديثه على جروح في نفسي؛ فقد كانت نشأته الأولى شبيهة بنشأة العبد لله، وبقدر ما مسح حديثه من جروح في نفسي، بقدر ما أمدني بشحنة هائلة من التفاؤل والأمل، وإذا كان الخميسي — ورغم كل هذه الظروف — استطاع أن يقهرها ويطفو على السطح، فحتمًا سيكون في مقدوري أنا الآخر أن أصل يومًا ما إلى ما وصل إليه الخميسي من مكانة وشهرة وانتشار.

كان الخميسي في ذلك الوقت الذي حكى لي فيه قصة ضياعه وتشرده في البلاد، وهروبه من مدرسة المنصورة الثانوية بحثًا عن نفسه وعن فنه في عاصمة فرعون، أقول: كان الخميسي واحدًا من أشهر الكُتَّاب في مصر على الإطلاق — إن لم يكن أشهرهم — كان ينشر قصصًا مسلسلة في جريدة المصري، واستطاع بقصصه أن يرفع توزيع الجريدة إلى ما فوق المائة ألف نسخة، وعندما دخل معركة مع محمد التابعي — وكان عميد كُتَّاب الصحافة المصرية وقتئذ — استطاع الخميسي أن يقهر التابعي وأن ينتصر عليه، وكان يتقاضى مُرتبًا عن عمله في جريدة المصري يسيل له لعاب كل الأدباء الجالسين على قهوة عبد الله، وكان لا يتردَّد على قهوة عبد الله كل ليلة، ولكنَّه كان يسهر كل ليلة من ليالي الأسبوع مع شلة مختلفة، وكانت كل الشلل خليطًا من الكُتَّاب والشعراء والفنانين، وكان حريصًا على أن تظل صلاته بالجميع موصولة، فهو يتردَّد على الدكتور لويس عوض بين الحين والآخر، ويُفاجئ نبوية محمد أحيانًا بالزيارة، ويحرص على رؤية الشُّجاعي وعبد الحليم نويرة.

وبقدر استمتاع الخميسي بالسهر مع الأحبة والخلان، كان حريصًا أيضًا على إنجاز ما عليه من أعمال. كان يتولَّى بنفسه تصحيح قصصه في المصري، وكان يقضي الساعات الطوال في استوديوهات الإذاعة يعد بنفسه برنامجه الأسبوعي الذي كان يتناول بالعرض والتحليل قصص مشاهير وأعلام الموسيقى في التاريخ، وكان برنامجه الموسيقي من أعظم البرامج التي قدَّمتها إذاعة مصر في تلك السنين. وعندما قامت الثورة أيَّدها الخميسي بحماس واعتبر نفسه واحدًا من رجالها، ويبدو أنَّ الثورة التي غيَّرت نمط الحياة في مصر غيَّرت الخميسي أيضًا، فتحوَّل من كتابة ألف ليلة وليلة إلى كتابة قمصان الدم!

كانت قصص الخميسي الجديدة مختلفة تمامًا عن قصصه القديمة، وامتلأت قصصه الجديدة بنماذج من عامة الناس، وأصبحت البطولة في قصصه للرجال العاديين، واختفى قصر السلطان وحلَّ محله الشارع والمقهى والدكان، وانحاز الخميسي إلى الضعفاء من الناس والمستضعفين من البشر، واختفت من ثنايا سطوره شاعريته القديمة، وعذوبة أسلوبه.

هجر الخميسي الشعر، وأقلع عن الغناء، وصار رجلًا واقعيًّا، وتحوَّل من كاتب تقليدي إلى مناضل من طراز خاص، وانتهى به الحال إلى دخول السجن، وغاب الخميسي خلف الأسوار ثلاث سنوات، ثمَّ عاد وانضم إلينا ككاتب بجريدة الجمهورية، ولكن الخميسي الذي جاء بعد السجن كان شخصًا آخر يختلف، صار أكثر حذرًا، وأقل جهدًا. وتصوَّرت أنَّها خطة من الخميسي لكي ينجو بنفسه من رقابة العسس، ويختفي بنفسه عن عيون البصاصين، ولكن يبدو أنَّ تجربة السجن كانت مريرة إلى الحد الذي أحدث شرخًا في نفس الخميسي، لم يعد يُبالي كثيرًا بنشر إنتاجه على الناس، وتحوَّل من الشعر التقليدي إلى الشعر الحديث، ولكن شعره الجديد لم يكن في مستوى شعره القديم، وسرعان ما هجر الشعر والقصص، وألقى بنفسه في بحر المسرح، كتب أوبريت «مهر العروسة» وانشغل بها أيَّما انشغال، وفرض نفسه على العمل المسرحي، يُشارك في الإخراج والموسيقى، وانتهى به الحال إلى خلاف حاد مع الموسيقار محمود الشريف، الذي ترك العمل في الأوبريت وحلَّ الموجي محله. وعندما ظهرت «مهر العروسة»، على المسرح، وبعد شهور طويلة من الإعداد، بدا واضحًا بصمات الخميسي على العمل كله، ولاقت الأوبريت نجاحًا كبيرًا، وتألق الخميسي أثناء عرض المسرحية، ثمَّ عاد إلى بياته الشتوي من جديد.

وغرق الخميسي في حب جديد، وخُيِّل إلى أصدقائه أنَّه انشغل بحبه الجديد عن أي شيء وكل شيء، ولكن الخميسي، الذي لا يقهره شيء ولا يمكن لشيء أن يستحوذ عليه، انفجر من جديد، وفي الإذاعة هذه المرة وبرواية شغلت مصر شهرًا بأكمله؛ لدرجة أنَّ شوارع القاهرة كانت تضيق بالمستمعين لحظة إذاعة حلقة من رواية «حسن ونعيمة» التي كانت بحق أعظم ما قدَّمت الإذاعة من مسلسلات في حقبة الخمسينيات. وعاد الخميسي إلى تألقه من جديد، وكأنَّما نجاح المسلسل قد حفزه على العودة إلى الأضواء، فقرَّر أن يسبح في التيار الجديد، ولكنَّه اختار المسرح هذه المرة ليعاود نشاطه الفني، فكوَّن فرقة مسرحية، واستعان بعدد من الشُّبَّان، صار لبعضهم شأن عظيم بعد ذلك: عادل إمام، وسعاد حسني، وصلاح السعدني، وحلمي هلالي، والشقيقان أبو الفتوح وفاطمة عمارة.

ولكن سرعان ما تلبَّدت غيوم السياسة على الساحة العربية، وناصبت بغداد القاهرة العداء، ولم تكن القاهرة عاصمة مصر وقتئذ، ولكنَّها كانت عاصمة الجمهورية العربية المتحدة. وانفتحت أبواب السجون والمعتقلات من جديد واختفى داخلها مئات من شباب مصر، صحفيين وأدباء وكُتَّاب وفنانين، وآثر الخميسي أن يُوقف نشاطه المسرحي، واختفى فترة، ليظهر من جديد في أحد استوديوهات السينما، ليُقدِّم «حسن ونعيمة» على الشاشة، مُكتفيًا بدوره كمؤلف وكمكتشف لاثنين من الوجوه الجديدة، سعاد حسني التي تربَّعت على عرش السينما فترة طويلة من الزمان، ومحرم فؤاد الذي لمع فترة كمطرب ذي صوت متميز، ثمَّ لم يلبث أن أصابه البَهتان بعد حين، كان العبد لله من بين الذين غابوا وراء الأسوار فترة امتدت عامين بالكمال والتمام، وعندما خرجت من السجن كانت أشياء كثيرة قد تغيَّرت من القاهرة، فانهدمت قهوة عبد الله، وانزوى أنور المعداوي في مقهى ديانا بالدقي، وانشغل زكريا الحجاوي بالفن الشعبي، وسرح وراء أولاد «رمز» في البراري والحقول، وتفرَّغ نعمان عاشور للمسرح وغرق فيه، واشتغل يوسف إدريس بالسياسة حينًا، ثمَّ عاد إلى كتابة القصة من جديد، وبحثت عن الخميسي وعثرت عليه … في مكتب صغير بعابدين، واستقبلني بحفاوة، وهوَّن على نفسي أيام السجن الكئيبة، وألحَّ عليَّ في أن أشترك معه في مسرحه، وطلب مني أن أُكمل روايتي «عزبة بنایوتي»، وكنت قد فرغت من كتابة فصلها الأول، قبل أن أذهب في رحلة الأغلال والقيود، وأمدَّني الخميسي بطاقة هائلة، وخرجت من عنده إلى منزلي وعكفت على كتابة الفصل الثاني من المسرحية التي قُدِّرَ لها أن تظهر بعد ذلك على مسرح الخميسي من إخراج الخميسي وبطولة الخميسي، وأحدث ظهورها على المسرح دويًّا هائلًا، وعُرضت في مصر عدة سنوات، وشهدها الملايين من شعب مصر، من أسوان وحتَّى العريش.

•••

وعلى خشبة المسرح وجد الخميسي نفسه، ولأول مرة في حياته يخضع ويمتثل! كان أول من يحضر وآخر من ينصرف. وكانت مسرحية … «عزبة بنايوتي» … من تأليفي ومن إخراج وبطولة عبد الرحمن الخميسي.

والحق أقول: إنَّ الخميسي كان يُمكن أن يتألَّق كمُخرج مسرحي لو أنَّه سلك هذا الطريق؛ فقد أضاف إلى النص بإخراجه أبعادًا جديدة … وأثرى فهمه للنص جو المسرحية وبروز شخصياتها العديدة، واستطاع المخرج الخميسي أن يصنع نجومًا من شباب حديث السن يضع قدمه لأول مرة على خشبة المسرح. وكان دور «القلش» هو أعظم دور لعبه أبو الفتوح عمارة في حياته بالرغم من أنَّه ازدهر واشتهر بعد ذلك.

وكان مسرح الخميسي هو الذي لفت أنظار الحكومة إلى خطورة الدور الذي يمكن أن يقوم به المسرح، وأقطع بأنَّه كان السبب في إنشاء مسارح التليفزيون التي أسَّسها أمين حمَّاد، ثمَّ نسب الفضل بعد ذلك إلى غيره من الدكاترة!

وكانت فرصة كبيرة عندما طفت ريف مصر وصحاريها مع مسرح الخميسي نعرض «عزبة بنايوتي» على الجماهير، أحيانًا في مسارح، وأحيانًا في الحقول، وأحيانًا أخرى في سرادقات أُقيمت خصيصًا لهذا السبب. ولم أرَ الخميسي في حياتي متألقًا وراضيًا وسعيدًا كما رأيته في تلك الفترة التي امتدت حوالي العام. كان يُحب الصياعة، وقد بدا مسرورًا لهذه الرحلة التي جمعته مع فرقة من الصياع! وكان يعشق الريف، وخصوصًا في لحظات الفجر، وهو الوقت الذي يتأهب فيه الخميسي للنوم. وقد عاش تلك اللحظات كثيرًا خلال عام التجوال.

واكتشفت شجاعة الخميسي خلال رحلة المسرح، لم تقف في طريقه عقبة، ولا صده عن هدفه حاجز. ذات مساء غاب ممثل ولم يحضر في موعده. واقترحت على الخميسي تأجيل العرض تلك الليلة، ولكنَّه أطرق قليلًا، ثمَّ طلب مني الصعود على المسرح لأداء الدور باعتباري المؤلف وأحفظ المسرحية عن ظهر قلب. ورفضت في البداية، ثم وافقت. ومرت الليلة بسلام رغم ارتباكي على المسرح. وذات مساء اكتشف المنظمون للحفل صعوبة إقامة مسرح، ولكن الخميسي وجد الحل. وقدَّمت الفرقة المسرحية على مصطبة فسيحة من مصاطب القرية.

كان الخميسي في تلك الأيام في حالة حب، كان غارقًا لشوشته في حب فاتن الشوباشي، نجمة الفرقة … وزوجته فيما بعد. وأعتقد أنَّ فاتن الشوباشي كانت حب الخميسي الوحيد خلال حياته الطويلة. وأعتقد أنَّ هذا الحب كان سر الالتزام والنشاط والإقبال الشديد على الحياة.

ولكن حماس الخميسي للمسرح وللفرقة فتر بعد زواجه من فاتن. وتعلَّق الخميسي بالموسيقى فجأة، وانهمك في دراسة النوتة الموسيقية، وانشغل في دراسة العزف على البيانو. وانتهى خلال وقت قصير من تأليف ثلاث قطع موسيقية سجَّلها على أسطوانات وباعها لشركة من شركات القطاع العام. ولكن موسيقاه لم تكن في مستوى الفنون الأخرى التي أبدعها الخميسي. واضطر إلى هجر الموسيقى بعد أن تولاه كامل الشناوي بتشنيعاته.

وقد روى كامل الشناوي أنَّ الخميسي دعاه لسماع أسطوانة لومومبا … وكان شهيد أفريقيا قد لقي مصرعه على يد قوات موبوتو منذ وقت قصير. وجلس الشناوي وأصدقاؤه يستمعون إلى موسيقى «لومومبا» بينما الخميسي يشرح لهم بعض الحركات الموسيقية في القطعة. فهذه الجملة الموسيقية تشرح بداية مجد «لومومبا»، وهذه تعكس كفاح «لومومبا» بين صفوف شعبه، وهذه تحكي مدى المعاناة التي لقيها أثناء فترة كفاحه … ثمَّ انتصار «لومومبا» ووصوله إلى السلطة، ثمَّ المؤامرة ضده، وانتصار الثورة المضادة، ثمَّ مصرع «لومومبا» في النهاية!

ويحكي كامل الشناوي وهو يضحك ضحكته العالية: «وعندما انتهت الموسيقى انبعث من الأسطوانة صوت المذيع يعلن: والآن استمعتم إلى قطعة موسيقية من تأليف الأستاذ عبد الرحمن الخميسي بعنوان شارع الهرم!» وكان الخميسي هو مؤلف القطعتين، وأخطأ عند وضع الأسطوانة، فوضع «شارع الهرم» بدلًا من «لومومبا»، ولكنَّه لم يُفرِّق بين القطعتين!

وسواء كانت تشنيعة كامل الشناوي حقيقة أم مجرد افتراء، إلَّا أنَّها كانت تعكس حقيقة موسيقى الخميسي. فلم يكن الخميسي مؤلفًا موسيقيًّا، وإن كان من أكثر الناس تذوُّقًا لها. وهجر الخميسي الموسيقى واتجه إلى السينما … مؤلفًا ومخرجًا وواضعًا للموسيقى التصويرية وكاتبًا للسيناريو والحوار! وأخرج الخميسي فيلمه الأول «الجزاء»، وهو فيلم وطني جيد لولا فقر الإنتاج. فقد ظهر في الفيلم عساكر إنجليز في لون أهل النوبة! وعندما أبديت ملاحظتي للخميسي، كان جوابه: مفيش فلوس!

ولكن الفيلم رغم فقر الإنتاج كان جيد الإخراج، والقصة كانت من النوع الذي تتحاشاه السينما المصرية … فهي عن كفاح الشعب المصري ضد الاحتلال. وكان هذا أفضل أفلام الخميسي؛ لأنَّ فيلمه «عائلات محترمة» كان أشبه بأفلام حسن الإمام. أمَّا فيلم «زهرة البنفسج» والذي قام عادل إمام ببطولته، فقد عُرِضَ في دار للسينما لمدة ثلاثة أيام فقط لا غير!

لم تكتمل تجربته السينمائية. وتوقَّفت لأسباب في الخميسي نفسه. فالوقت في السينما قيمة كبرى. وهو يُتَرجَم إلى فواتير تُضاف إلى حساب الإنتاج. والمُنتِج الجيد هو الذي ينتهي من إعداد الفيلم في فترة معقولة. ولكن لأنَّ البساط أحمدي عند الخميسي، فقد استغرقته الديون. وامتنع كبار الممثلين عن العمل معه. والسبب أنَّ الخميسي ليس تاجرًا، ولكنه فنان. وهو يُريد أن يُنتج أفلامًا ويعيش حياته في نفس الوقت. وهي معادلة صعبة فشل الخميسي في تحقيقها. وخرج من مولد السينما بفيلم جید، وفيلم هزيل، وفيلم سيئ للغاية!

وعاد الخميسي من جديد عند مفترق الطرق لا يدري أين المسير … والمصير! وفجأة هزَّته فاجعة رهيبة، هي وفاة زوجته فاتن في حادث أليم. ولا أعتقد أنَّ الخميسي اهتز في حياته إلَّا مرتين: مرة عندما خاض تجربة السجن، ومرة عندما واجه كارثة وفاة فاتن.

ولا أقصد أنَّ السجن هزَّ الخميسي بأن خلع قلبه من مكانه، بالعكس … لقد كان الخميسي ثابتًا طوال فترة السجن، وواجه المحنة بشجاعة وصمد لها حتَّى النهاية؛ ولكن السجن ترك في نفس الخميسي أثرًا لا يُمحى. وكان يُردِّد دائمًا بمناسبة وبلا مناسبة: «كل شيء مكلبش في السجن يا ابني؛ الشمس مكلبشة، والنهار مكلبش، والهواء مكلبش، والحياة كلها مكلبشة!» وظلَّ بعد السجن يضيق بالجلوس في الأماكن المغلقة والأماكن الضيقة. وكان يحب الخلاء والهواء الطلق والبيوت الفسيحة.

وكانت فاجعة موت فاتن أقسى على نفسه من أي حادث وقع له في الحياة. انطوى الخميسي على نفسه فترة من الوقت، وتفجرت في داخله ينابيع الشعر بعد أن خُيِّل للناس أنَّها جفت. وكانت قصيدته في فاتن الشوباشي هي أعظم ما كتب بعد شعره الرومانسي الحالم القديم. كانت قصيدة شاعر حزين ومكلوم بالفعل. وإذا كانت النظرية تقول: «إنَّ أجمل الشعر أكذبه» … فقد أثبت الخميسي العكس، وأكَّد على أنَّ … أجمل الشعر أصدقه!

ولكن لأنَّ الخميسي قوي، وحبه للحياة أكبر من أي حب وأبقى من أي حب، فقد تغلَّب على المحنة بعد فترة، ومارس تجربة الشعر، فنه الأول والأصيل؛ ولكن شعره الجديد كان يختلف عن شعره القديم كل الاختلاف. كان شعرًا منثورًا أقرب إلى الشعر الأفرنجي منه إلى الشعر العربي. كان شعرًا فاقد الروح والحرارة. وكان الخميسي يؤرِّخ به لأحداث يومية. وكان يحتل في خانة الشعر المعاصر مكانًا في الذيل.

ومن هنا بدأت مأساة الخميسي!

فقد سبقه في هذا اللون من الشعر فرسان احتلوا ذُرًى عالية وقممًا شاهقة. كان هناك صلاح عبد الصبور، وحجازي، وأمل دنقل. فانصرف الخميسي بكل مواهبه الاجتماعية لينقل شعره إلى العالمية. ونجح في ترجمة شعره إلى لغة أجنبية. واهتمَّ به بعض المستشرقين وبعض هواة الأدب العربي من الخواجات، وتخصَّص بعض التلاميذ في معاهد موسكو وبرلين في دراسة أدب الخميسي وشعر الخميسي، وتخصَّص بعضهم في الخميسي نفسه، وحصل طلبة من هؤلاء على درجة الدكتوراه في الخميسي وأدبه.

واستهوت الحركة الجديدة الخميسي، فانحاز بشعره إلى العمل السياسي من أجل التقدُّم والتطور والسلام. ولم يُعجِب السلطة الحاكمة الموقف الجديد للخميسي، فبدأ الحصار. وأحسَّ الخميسي بأنفاس العسس ووقع خطوات المخبرين. وشعر بأنَّ قضبان السجن تطبق عليه … ففرَّ هاربًا ولجأ أول الأمر إلى بيروت.

والحق أقول: إنَّ الخميسي كان من أشد الناس ثورة على الأوضاع المتردية في مصر في السبعينيات. ولذلك كان خط الرجعة إلى مصر مقطوعًا أمامه … وكان المنفى مفروضًا عليه؛ ولكن لأنَّ الخميسي كان له رأي في لبنان، وكانت له قصيدة شهيرة في وصف بيروت، حيث كل شيء معروض للبيع، فقد غادر الخميسي بيروت ذات يوم واختار بغداد منفًى له.

وهكذا أصبح الخميسي منفيًّا، وصار قدره أن يعيش خارج مصر … وهو الأمر الذي لم أكن أتصوَّره، ولا أعتقد أنَّ الخميسي كان قادرًا على تحمُّله، ولكن هكذا شاءت الأقدار … الخميسي في المنفى، وبعيدًا عن مصر!

•••

وقصة حياة عبد الرحمن الخميسي واحدة من أعجب وأغرب قصص الفنانين والشعراء في تاريخ مصر، ولكن الباحث المُدقِّق سيكتشف أنَّ تاريخ مصر الأدبي والفني، حافل بقصص كثيرة من هذا الطراز مع اختلافات في التفاصيل وفي النهايات. فعبد الرحمن الخميسي هو ابن سيبويه المصري الذي كان يركب حماره بالمقلوب ويطوف في الأسواق ويهجو الشعراء المعاصرين ويرميهم بأشنع التهم ويصفهم بأقذع الألفاظ، وهو عبد الله النديم لو كانت الظروف مناسبة والريح مواتية، وهو بيرم التونسي لو كانت القضية في زمنه هي المحتل المستعمر والاستقلال التام أو الموت الزؤام!

وعلى أيَّة حال، ستجد في الخميسي شيئًا من كل هؤلاء، وستظل من أبرز حسناته اهتمامه بالزهور الجديدة والمواهب الصاعدة، فهو الذي اكتشف سعاد حسني وكانت مجرد طفلة لا تعرف القراءة والكتابة، وهو الذي جاء بمحرم فؤاد وانتشله من شارع محمد علي إلى الشهرة والأضواء.

وهو الذي وقف إلى جانب عادل إمام، وصلاح السعدني، وفاطمة عمارة، وفاتن الشوباشي، ومحسنة توفيق، وكان له الفضل في الأخذ بيد عبد الرحمن شوقي، ويوسف إدريس، وعشرات آخرین اختلفت حظوظهم وتشعَّبت المسالك بهم في الحياة.

ولكن عيب الخميسي أنَّه كان لا يستمر، كان يرعى الموهبة ثمَّ ينساها فجأة وينشغل بشيء آخر، وكانت هموم الحياة ومطالبها وكثرة العيال والأتباع هي التي تفرض عليه الهروب أحيانًا من مكان إلى آخر، والقفز أحيانًا من عمل إلى آخر، ولعل عدم الاستقرار كان هو الصفة التي لازمت الخميسي منذ نشأته وحتَّى الآن. حتَّى البيوت التي سكن فيها تنوَّعت أحياؤها حسب الظروف والأحوال. ذات مرة كان يسكن في عمارة شاهقة تطل على حديقة الأزبكية، وكان في الشقة شرفة واسعة يحلو للخميسي أن يجلس فيها في ليالي الصيف، وذات ليلة مقمرة جذبني الخميسي من يدي ووقف ينظر إلى الحديقة، وقضى وقتًا طويلًا وهو صامت لا يتكلَّم، وفجأة، قال لي وهو يضغط على ذراعي: «شايف الجنينة دي!» «وشايف الدكة اللي هناك! أنا نمت عليها كتير … وكانت برد، لا غطاء ولا أكل ولا مستقبل ولا أي شيء!»

ولم ينتظر مني ردًّا أو تعليقًا، تركني عند حافة الشرفة وعاد إلى مكانه الذي اعتاد أن يجلس فيه، وخُيِّل إليَّ أنَّ الخميسي كان يُحدِّث نفسه ولا يتحدَّث معي، وظننت أنَّه اختار هذه الشقة بالذات لأنَّها تطل على هذه الحديقة، وعلى هذه الدكة، ولكن ظني لم يكن في محله، فلم يلبث أن هجرها وذهب إلى حي السيدة زينب وسكن في عمارة حديثة هناك، وقضى في هذه الشقة سنوات قبل أن يهجرها إلى شقة أخرى في حي عابدين تطل على قصر عابدين، ولكنَّه سرعان ما تركها، وذهب ليعيش في شقة في حي «معروف» على مقربة من نقابة الصحفيين، ثمَّ تركها هي الأخرى إلى شقة أخرى في شارع عدلي، وهي الشقة التي قضى فيها أيامه الأخيرة في القاهرة قبل أن يغادرها إلى بلاد الله.

ولعل علاقة الخميسي بالشقق تعطينا فكرة عن علاقة الخميسي بالناس وبالأشياء. فهو يتعلَّق بشلة ثمَّ يختفي فجأة ليظهر في شلة جديدة، وقد ينغمس في عمل ما حتَّى يُخيَّل إليك أنَّ الخميسي لا بد غارق فيه إلى النهاية، وفجأة يهجر الخميسي العمل لينغمس في عمل آخر بنفس الحماس ونفس النشاط. وهو في هذا الأمر يختلف عن زكريا الحجاوي مثلًا، الذي عاش في الجيزة حياته كلها، ورفض أن يغادرها بعد أن انهار بيته، ورفض شقة عرضوها عليه في مدينة نصر قائلًا: «يُمكنني أن أمتلك شقة في مدينة نصر ولكنِّي لا أستطيع أن أسكن فيها، لأنَّ مدينة نصر هي مقبرة للأحياء.»

وهو أيضًا يختلف عن عبد الحميد قطامش، الذي عاش ومات في شقته بالسيدة زينب، ويختلف عن طاهر أبو فاشا الذي عاش العمر كله — ولا يزال — في شقته في حي الحسين. وحتَّى عندما غادر الخميسي مصر إلى الخارج، عاش الخميسي في بيروت فترة ثمَّ تركها وذهب إلى بغداد، وعاش فترة طويلة في بغداد كان فيها زينة المحافل الفنية والأدبية، ولكنَّه لم يلبث أن غادر بغداد إلى غير عودة، وذهب ليعيش في أوروبا حيث هو الآن.

وأيًّا كانت الأسباب التي من أجلها ترك الخميسي بيروت إلى بغداد ثمَّ ترك من أجلها بغداد إلى أوروبا، فإنَّها حتَّى لو لم تكن موجودة لاختلقها الخميسي اختلاقًا، فالاستقرار عند الخميسي یعني الجمود والموت.

وإذا كان الخميسي قد تنقَّل ببساطة بين الشقق والأحياء، فقد تنقَّل وبالبساطة نفسها بين أبواب الأدب والفن، فهو كاتب القصة القصيرة، والرواية، والمسرحية، والأوبريت، والتمثيلية الإذاعية، والرواية السينمائية، واشتغل بالإخراج المسرحي، وبالتمثيل المسرحي، وبالإخراج السينمائي والتمثيل السينمائي، كما اشتغل بتأليف الشعر، وتأليف الموسيقى، وتأليف الأغاني، وهو الشيء الذي قد يجهله أغلبية القراء. ولقد شاعت للخميسي أغنية للمطربة مها صبري يقول مطلعها «ما تزوَّقيني يا ماما، دا عریسي هياخدني بالسلامة.»

وهناك عشرات من الأغنيات التي ردَّدها الشعب المصري في فترة الثلاثينيات وبداية الأربعينيات كانت من تأليف الخميسي، وإن أُذيعت بأسماء مؤلفين آخرين. ولقد ذكر لي الخميسي يومًا ما أنَّه عندما جاء إلى القاهرة قادمًا من المنصورة وجد نفسه ضائعًا في المدينة الكبيرة، كانت القاهرة أكبر من إمكانياته، وإن كانت أصغر من طموحاته، ولكن الطموحات لا تُفيد مع واقع يومي لشاب ريفي يريد أن يعيش ويحتاج إلى مأكل وملبس ومسكن، وكان على الخميسي أن يتصرَّف. كان يقضي أغلب أوقاته على مقهى في حي الحسين، وعلى غير ميعاد جاءه مؤلف أغاني شهير وكان قد سمع بموهبة الخميسي وقدرته على تأليف الأغاني، ولم يستغرق الاتفاق بينهما سوى دقائق معدودة، الخميسي يُؤلِّف والشاعر الشهير يبيع باسمه ويتقاسمان الثمن.

ولا أعتقد أنَّ الاتفاق بين الشاعر المغمور والشاعر المشهور قد تمَّ بحذافيره، صحيح أنَّ الخميسي ألَّف، وصحيح أنَّ الشاعر المشهور باع، ولكن الثمن الذي تقاضاه الخميسي عن تلك الأغنيات كان شيئًا ضئيلًا بالنسبة لما دخل جيب الشاعر المشهور، ولكن الخميسي كان راضيًا على أيَّة حال، فهو يستطيع الآن أن يتنقَّل في المدينة وأن يسهر وأن يقرأ، ويستطيع أيضًا أن يُواجه مطالب الحياة. وفي فترة أخرى من فترات حياته اضطر الخميسي إلى الاشتغال كممثل في فرقة مسرحية متجولة، كان يُشرف عليها فنان شعبي أصيل هو أحمد المسيري، ولعل هذه الفترة كانت أخصب فترة في حياة الخميسي، فقد طاف الريف المصري في فرقة مسرحية كان لها تقاليد وطقوس، وصاحبها «أحمد المسيري» كان فنانًا حقيقيًّا، يُؤلِّف المسرحيات المرتجلة ويؤدي أدوار البطولة، ويُؤلِّف الأغاني لنفسه وللآخرين.

يُحكى أنَّه كان يجلس على مقهى في شارع عماد الدين أثناء الحرب العالمية الأخيرة، وكان عاطلًا عن العمل ويُعاني من البطالة والفَلَس، وفجأة دخل المقهى الفنان الشعبي محمود شكوكو، فنادى عليه أحمد المسيري، وسأله: معاك عشرة جنيه یا محمود؟ وردَّ محمود شكوكو: ليه؟ وقال المسيري: عندي ليك أغنية هتعمل هزة في البلد، وأخرج شكوكو الجنيهات العشرة ودسَّها في يد أحمد المسيري، فرجاه المسيري أن يجلس معه خمس دقائق فقط ليُدوِّن له الأغنية في ورقة. وفي الواقع لم يكن في رأس أحمد المسيري أي فكرة عن الأغنية التي باعها لمحمود شكوكو بعشرة جنيهات، ولكنَّه بدأ يُؤلِّف الأغنية أمام محمود شكوكو وعلى الفور، وانتهى من تأليفها بالتمام والكمال، وكان مطلعها «ورد عليك فل عليك، يا مجنني بسحر عنيك» … وقد شاعت هذه الأغنية وتردَّدت على ألسنة المصريين فترة طويلة من الزمان. وبالقطع استفاد الخميسي من تجربة أحمد المسيري، وكان الخميسي دائمًا يذكُره بالخير، ويحكي عن أيامه مع المسيري بعاطفة طيبة ومشاعر قوية، ولكن وبالرغم من كل الفنون التي مارسها الخميسي، إلَّا أنَّ الذي سيبقى من الخميسي في النهاية هو شعره العظيم القديم الذي كتبه قبل أن يتحوَّل إلى شاعر واقعي، وهو في هذا الشعر بلغ قِممًا عالية، ويقف مع علي محمود طه، وإبراهيم ناجي، وأحمد فتحي وغيرهم من شعراء هذه المرحلة. ويبقى معه أيضًا دوره المتميِّز في فيلم الأرض «دور الشيخ يوسف الذي شارك في معارك ثورة ١٩١٩م ثمَّ تدحرجت به الأحوال في النهاية، فافتتح لنفسه دكانًا في القرية وانضم إلى عساكر الهجانة التي جاءت لضرب الفلاحين وقهرهم، ثمَّ تطلَّع إلى منصب العمدة عارضًا خدماته على السادة الذين أذاقوا الفلاحين كل أنواع الهوان»، ولقد تفوَّق الخميسي في هذا الدور على نفسه، فقد قدَّم نموذجًا بشريًّا موجودًا بشكل أو بآخر في الحياة السياسية المصرية، وعلى طول التاريخ وخصوصًا في العصر الحديث! ويبقى منه أيضًا دور «إسماعيل بيه» في مسرحية «عزبة بنايوتي»؛ المجاهد القديم الذي واجه السجن والنفي وحبل المشنقة إبان ثورة ١٩١٩م، ثمَّ اكتشف بعد الثورة أنَّ كل شيء قد عاد إلى ما كان عليه؛ الثوار تحوَّلوا إلى وزراء، والمناضلون اشتغلوا بأعمال المقاولات، فأغرق نفسه في الوهم؛ ولكنَّه ظلَّ شوكة في جنب شقيقه حسنين بيه، الذي اشتغل مُقاولًا مع الجيش الإنجليزي، ودخل البرلمان نائبًا عن الجماهير!

وتبقى تحفته الشعبية الرائعة «حسن ونعيمة» التي أضفى عليها طعمًا جديدًا وبساطة متناهية، وقدَّم لنا لوحة ريفية باهرة ليس لها نظير. ثمَّ تبقى قصة حياة الخميسي نفسها، قصة الفنان الذي تُحاصره ظروف أقوى من إرادته، وأعتى من طاقاته، ولكنَّه يقهرها جميعًا، ويهرب من ريف مصر إلى القاهرة المزدحمة الصاخبة، يفرض عليها نفسه بعد حين، ويفرض نفسه بعد ذلك على وطنه العربي كله، وعلى مناطق أخرى في العالم خارج وطنه.

ولقد عاش الخميسي حياته كفنان وأنتج في بعض فترات حياته فنًّا، ولو كان الخميسي تفرَّغ لفنه كنجیب محفوظ أو توفيق الحكيم، لترك لنا الخميسي مكتبة عامرة، ولكن الخميسي آثر أن يعيش حياته بفن على أن ينتج فنًّا، ولهذا قد تُصبح حياة الخميسي نفسها فنًّا تستفيد من ورائه أجيالنا الصاعدة، ولو أنَّ الخميسي تفرغ لكتابة تاريخ حياته كما حدثت وبالتفصيل، فبالتأكيد سنحصل على سيرة فنان تقترب من طفولة جوركي، واعترافات جان جاك روسو، وأيام طه حسين؛ فالظروف التي صارعها، والتجارب التي خاضها، والأهوال التي صادفها لا بد ستُنتج في النهاية عملًا فنيًّا رائعًا ومدهشًا وغريبًا. قصة فنان وحيد واجه أعداء كثيرين، ولكنَّه لم ينسحب ولم يتوارَ، بل قرَّر أن يخوض المعركة ضد الجميع، وأن يُقاتل بلا سلاح، والأغرب أنَّه انتصر!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤