عقلاءُ المجانين ومجانين العقلاء

تنبه العرب من قديم إلى نوعٍ من الناس «مجنون عاقل»، تصدر منه أعمال جنونية بحتة في بعض تصرفاته، فإذا حدثته فأديب ظريف، أو صوفي واصل، أو فيلسوف عميق، أو قلْ: إنه مجنون في ناحية، عاقل في عدة نواح؛ وهذا الضرب هو ما يسميه المحدثون بالجنون الفرعي، كالذي يعتقد أن له إصبعًا من زجاج؛ فهو مجنون في كل ما يتصل بهذه العقيدة، يخاف أن تقرّب حجرًا إلى إصبعه حتى لا تنكسر ونحو ذلك، ثم هو فيما عدا ذلك عاقل ككل الناس.

وكان لي معلمة إنجليزية في غاية من العقل والحكمة والعلم، سألت عنها مرة بعد غيبة، فأُخبرت أنها في مستشفى المجاذيب، فزرتها فحدثتني كما كانت تتحدث من قبل، في عقل وحكمة، فسألتها: لمَ تقيم في هذا المكان؟ فقالت: إنها فقدت إرادتها حتى لو فتحوا لها باب المستشفى لا تعرف أين تتجه. فعجبت من عقلها وتشخيصها لمرضها، وإدراكها لنفسها ونوع مرضها، وهي مع ذلك تعيش في مستشفى المجاذيب!

وقبل ذلك كان سيدنا «الشيخ سيد عبد الرحمن» — فقيه كُتَّابنا — يجري في الشارع والأطفال يصيحون وراءه: «الشيخ سيد أبو جنونة»، فإذا حضر الكتَّاب فكلنا هيبة واحترام، ثم إذا حدثته فعاقل حكيم، يحدثك فيروعك حديثه لحكمته وصدق نظره.

والعرب لم يعنوا بهذا الضرب من الناس إلا أن يكونوا مجانين ممتازين في ناحية من النواحي الفنية، كأن يكونوا شعراء مجيدين، أو حكماء بارعين، أو فلاسفة ممتازين، أو كانوا ينطقون بالحكمة الرائعة، أو النكتة الصريحة اللاذعة أو نحو ذلك.

وقد أفرد بعض الكتب بابًا بهذا الصنف من الأدباء كما فعل ابن عبد ربه في «العقد الفريد» سماه «أخبار الممرورين والمجانين». والممرور: من غلبت عليه المِرَّة، وهي خلط من أخلاط البدن يغلب على المرء حينًا فيهذي، وهو أخف حالًا من المجنون.

وحَكَى في هذا الباب عن قوم من هؤلاء كان العلماء يجاذبونهم الحديث ليسمعوا جوابهم وكلامهم فيعجبوا به أي إعجاب، كعليان بن أبي مالك، ممرور البصرة، الذي كان يجري في الشارع والصبيان يصيحون وراءه، فالتجأ إلى بيت فأشفق عليه صاحبه وأطعمه وحماه، والصبيان يرجمون الباب. وهو يقول: «فضُرِب بينهم بسورٍ له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قِبَلهِ العذاب». وسئل عن أيّ بيت أشعر، فقال:

ندمْتُ على ما كان مني — فقدْتَنِي —
كما نَدِمَ المغبونُ حين يبيع

إلى آخر ما سئل، وآخر ما أجاب.

وقد ألف النيسابوري صاحب التفسير المشهور كتابًا سماه «عقلاء المجانين» ترجم فيه لهذا النوع من الناس وأفاض.

•••

وفي الحق أن هذا الصنف حبيب إلى الناس، يحبون أن يسمعوا حديثه ويتحروا أخباره؛ ولعل السر في ذلك أنه صنف فيه طرافة؛ لجمعه بين المتناقضات من عقل وجنون، وسفه وحكمة، وطيش ورزانة، ونقص وقوة؛ ولأنه مثار الشفقة والرحمة مع الإعجاب والاستحسان؛ فجنونهم يستدعي رحمتهم، وحكمتهم أو نوادرهم تستدعي الإعجاب بهم؛ وإذا اجتمع في النفس بواعث الشفقة والإعجاب ومظاهر التناقض فهناك الطرافة والجدة واللذة.

وعلى العكس من ذلك مجانين العقلاء، فلعل أكثر الناس في الواقع ينقسمون إلى عقلاء المجانين، وإلى مجانين العقلاء، فعقلاء المجانين هم من عرفت؛ أما مجانين العقلاء فعلى العكس من ذلك، يتظاهرون بالعقل وهم في سخفهم وسوء تصرفهم أولى أن يكونوا في عداد المجانين؛ وهؤلاء لا ترتاح النفس إليهم؛ لأنهم لا يثيرون شفقة ولا إعجابًا، وإنما يثيرون سخطًا ونفورًا، وهذا مثار ألم لا لذة.

ولم أجد من ألَّف في مجانين العقلاء كما ألفوا في عقلاء المجانين؛ ولعل السبب في ذلك كثرة عددهم وثقل روحهم، وقد أدرك هذا أحد عقلاء المجانين، وقد قيل له: «عدّ لنا مجانين البلد» فقال: «كيف وهم لا يُحْصَوْن؟ فإن شئتم عددت لكم العقلاء».

•••

والآن أعرض لصورة من صور هؤلاء (عقلاء المجانين)، وهي صورة طريفة حقًّا، ممتعة حقًّا، هي صورة بُهلول الكوفي الذي كثيرًا ما اتصل اسمه بالرشيد وملأ الكوفة وما حولها نوادرَ وطرفًا.

•••

أما اسمه «بُهْلُول» فاسم ظريف يطابق مدلوله، فمن معانيه الضَّحّاك وقد كان البهلول ضحاكًا.

وأما منظره وحركاته وسكناته وتصرفاته، فكانت تُغري الأطفال بالضحك عليه، والسخرية منه، والصياح وراءه، ورميه بالحجارة؛ ومع هذا فكل ذلك لا يثير حفيظته، ولا يخرجه عن طوره، بل يقابل بنظرة الفيلسوف الهادئ، ويثير فيه العطف والشفقة على هؤلاء الأطفال الذين يجدّون في إيذائه؛ فقد رموه مرة بحجر فأدموه فقال:

حسبيَ الله توكلن عليْه
ونواصي الخلق طُرًّا بيديه
ليس للهارب في مهربه
أبدًا من رَوْحَةٍ إلا إليه
رُبَّ رامٍ لي بأحجارِ الأذى
لم أجد بدًّا من العطف عليه

والبيت الأخير مَثَل راق من أمثال الإنسانية السامية، والرفق الذي بلغ الغاية في اللطف.

وقال له العقلاء يومًا: لِمَ لا تشكو هؤلاء الأطفال لآبائهم؟ فقال لهم: اسكتوا — أيها المجانين — فلعلي إذا مِت يذكرون هذا الفرح فيقولون: رحم الله ذلك المجنون.

وقال له عاقل آخر: تناول الحجارة وارمهم كما يرمونك. فقال له بهلول: مه يا مجنون، إني إن فعلت شيئًا من هذا رجعوا إلى آبائهم فقالوا لهم: هذا المجنون بدأ يحرك يديه فيجب أن يُغَل ويقيَّد، فلا يكفيني ما ألقاه منهم حتى أُغل وأقيَّد.

وله ناحية أخرى غاية في الطرافة، هي تستره وراء مظهر جنونه، ونصيحته الخلفاء والأمراء بأقوى لفظ وأصرح بيان؛ فقد زهد في مالهم وجاههم، وأمَّنه جنونه أن ينالوا منه، ووثق بربه فلم يخف أحدًا؛ وله في هذا الباب نوادر رائعة وأقوال غالية.

رووا أن الرشيد خرج إلى الحج فمر بالكوفة، فرأى بهلولًا يعدو على قصبة وخلفه الصبيان. فقال الرشيد: كنت أشتهي أن أراه، فادعوه من غير ترويع. فلما حضر بين يديه قال: يا بهلول، كنت إليك مشتاقًا.

بهلول : لكني لم أشتق إليك.
الرشيد : عظني.
بهلول : وبم أعظك؟ هذه قصورهم، وهذه قبورهم.
الرشيد : زدني.
بهلول : من أعطاه الله مالًا وجمالًا، فعف في جماله، وواسى في ماله، كتب في ديوان الأبرار.
الرشيد : قد أمرنا بقضاء ديونك إن كانت.
بهلول : لا. إنه لا يُقضى دين بدين، اردد الحق إلى أهله، واقض دين نفسك.
الرشيد : ألك حاجة؟
بهلول : أنا وأنت عيال الله. فمحال أن يذكرك وينساني.

ثم ركب قصبته وجرى.

ووقفه الأمير يومًا في طريق الرشيد ليدعو له إذا مر به، فما حاذاه الرشيد قال: يا أمير المؤمنين أسأل الله أن يرزقك ويوسع عليك. فضحك الرشيد وقال: آمين. فلما جازه الرشيد صفعه الوالي وقال له: أهكذا تدعو لأمير المؤمنين يا مجنون؟ فقال بهلول: اسكت يا مجنون، فما في الدنيا أحب إلى أمير المؤمنين من الدراهم؛ فبلغ ذلك الرشيد فضحك وقال: والله ما كذب.

وبنى بعض الخلفاء قصرًا، فتناول بهلول قطعة من الفحم وكتب عليه: «رفعتَ الطين ووضعت الدين، ورفعت الجِصَّ ووضعت النَّص».

وهكذا قصَّر العقلاء في نصيحة الخلفاء والأمراء، فقام بهذا الواجب المجانين.

وتنتابه لوثة فيلعب في التراب، ويمر عليه الناي فلا يعبأ بهم؛ لأنه يرى نفسه العاقل وهم المجانين، وكيف يوقر عاقل مجنونًا؟

ويجلس بين المقابر فينطق بالموعظة الحسنة والحكمة البالغة، فيقول: «أما ترى هذه الأعين السائلة، والمحاسن البالية، والشعور المتمعطة، والجلود المتمزقة، والجماجم الخاوية، والعظام النخرة، لا يتقاربون بالأنسانب، ولا يتواصلون تواصل الأحباب، قد صارت الوجوه عابسة بعد نضرتها، والعظام نخرة بعد قوتها، تجر عليهم الرياح ذيولها، وتصب عليهم السماء سيولها».

ثم له الفكاهة الحلوة، والنادرة الطريفة، والجواب المسكت، فقد بلغه عن أمير الكوفة أنه ولد له بنت فساءه ذلك، فذهب إليه بهلول وقال له: أيسرك أن لك مكانها ابنًا مثلي؟ فقال له: ويحك، فرَّجت عني.

وصحبه مجنون آخر مثله، فقابلهما الخليفة الهادي، فقال للبهلول: لم سُميت بهلولًا. فقال له: ولمَ سميت أنت موسى؟ فسبه الهادي سبًّا شنيعًا؛ فنظر بهلول إلى صاحبه وقال له: كنا اثنين فصرنا ثلاثة. ورُؤي جالسًا بين المقابر وهو يلعب في التراب فقيل له: ماذا تصنع؟ قال: أجالس قومًا لا يؤذونني١.

•••

وهكذا ملأ بهلول عصره فكاهة وموعظة، وأضحك الكبار وأفرح الصغار؛ وكان في الكوفة نظيرَ صاحبه عليان بن أبي مالك في البصرة؛ وأمثالهما كثير، منهم من عرف بالشعر الظريف، ومنهم من عرف بالنوادر الطريفة، ومنهم من كان مجنونًا حقًّا، ومنهم من رأى العالم مجنونًا فجن حتى لا يتعبه عقله. ومن العلماء والرواة من خاف قول الحق، والجهر بالصدق، فخلق بخياله مجنونًا نَسب إليه ما كان يجب أن يكون وما كان يجب أن يقال، وتستر وراء ذلك حتى لا يؤخذ به. ومنهم من رأى أن الحكمة إذا صدرت عن عاقل فأمر مألوف لا يسترعي النظر، ولا يستوجب العجب؛ ولكن إذا صدرت عن مجنون كانت أوقع في النفس وأدعى إلى التفكير والاعتبار، فحمله عقله على أن يستصدرها من مجنون. وقديمًا قالوا: الجنون فنون.

وأيًّا ما كان فهذا الباب طرفة من طرف الأدب العربي تستخرج الضحك والعجب والتفكير.

•••

أما مجانين العقلاء فعددهم أوفر، وجنونهم أكثر، ونواحيهم أعقد، وتصرفاتهم أسمج. ونحن نستعرض لك بعضهم، إذ يعجزنا القول في كلهم؛ ولعلك تشاركني القول بأن في طليعة مجانين العقلاء هؤلاء الذي دفعوا هذا العالم الآن إلى هذه الحرب الطاحنة الفتاكة، المخربة الهدامة؛ وأنت لا شك متبين مدى جنونهم إذا تساءلت: فيم يتحاربون وكانوا يعيشون عيشًا رغدًا، وينعمون بما خَلَقوا من مدنية، وما أسسوا من حضارة، وطعام أفقرِهم اللحم والزبد والمربى، وأرض الله واسعة، وخيراته تكفي لأضعاف من على ظهرها؛ ففيم إذًا القتال، وفيم هذا التدمير والخراب؟ أللأكل والطعام وفير؟ أم لامتلاك الأراضي؟ وما قيمة امتلاكها إذا كانت غلتها مشتركة؟ أم لاستبعاد الإنسان في المستعمرات؟ ولِمَ يستعبَد وأولى أن يؤخذ بيده لينهض ويعمل؛ ويزيد في خيرات الأرض التي تثمر للجميع؟ أم للمجد. وأي مجد هذا الذي يؤسس على جبال من رءوس القتلى وأنهار من دمائهم؟ أم لفخر أُمَّة وتيهها وخيلائها وتعاظمها على مثيلاتها؟ فلم هذه العظمة وهم ينادون بالمساواة بين الأفراد؟ فيجب أن تكون النتيجة الطبيعية المساواة بين الأمم؟

قلَّب المسألة على كل وجوهها، وسائل نفسك عن سبب هذه الحرب المعقول، يعجزك الجواب، وتسلم معي بعد طول البحث أن الأمر لا يعدو الجنون؛ ولو شاهَدَت أُمَّة الحمير أو أمة الكلاب هذه المناظر وكان لها لسان ينطق لصرخَتْ: ما أشد جنون الإنسان! ونعوذ بالله أن نمسخ ناسًا.

ولعل أغرب ما يستوجب الأسى ويقنعك بالجنون أن هذا الإنسان يحاول أن يخضع كل مظاهر الطبيعة لقدرته، ويحاول أن يستكشف سر المادة وسر ما وراء المادة، ويحاول أن يعرف حقيقة العالم وخالق العالم، وينشئ الفلسفات المعقدة المربكة المرتبكة، وأن يضع النظم الدقيقة للعالم وشئونه، وهو يعجز أن يضع نظامًا يمنع هذه المجازر التي تَخْجل السباع الضارية أن تمثلها.

أليس هذا جنونًا؟ فإن لم يكن فما الجنون إذًا؟

هذا — من غير شك — جنون محزن، ولست تتصور مبلغ ما يثير من حزن حتى تتصور الأسر التي لا تحصى وقد فقدت عميدها وعائلها وبعض أبنائها أو كلهم، وحتى تتصور الأسر التي فقدت عائلها في الحرب الماضية، ثم فقدت أبناءها في الحرب الحاضرة، ثم برّح بها الحزن والفقر والبؤس معًا. لماذا؟ — لا أدري.

•••

ثم تعال معي نطلّ على طائفة أخرى من مجانين العقلاء، وهؤلاء جنونهم أظرف ومظهرهم ألطف، وهم «طائفة المحبين» الذين لوَّعهم الحب، وألح عليهم العشق، فهم في هزال وضنك وبكاء، وحنين وهيام، وما شئت من أغراض.

ما هي إلا نظرة حتى تعقبها حسرة، وإذا الدنيا كلها لا تساوي شيئًا بجانب نظرة تنظرها أو كلمة تتحدث بها؛ وتمحي الدنيا وسعادتها من الوجود إلا وجودها، ووصلها وهجرها، وحركاتها وسكناتها، وتتركز سعادته وشقاوته فيها، ففي يقظته ذكراها، وفي حلمه خيالها؛ إن نظرَتْ إليه فسهم صائب، وإن أعرضت فسهم أيضًا، يشكو من قربها ويشكو من بعدها، ويبكي إن وصلت خوفًا من هجرها، ويبكي إن نأت جزعًا من فرقتها، وتحدثه نفسه بالانتحار إن أعرضت؛ ويعادي فيها أهله، ويركب المخاطر والأهوال، ويترك الدنيا الحقة ليعيش في دنيا خيال وأوهام، ويهجر العالم الفسيح ليعيش في دنيا ضيقة كل الضيق، ويملأ الجو كله حزنًا وألمًا وتحسرًا وأسفًا؛ فإن كان شاعرًا صب ذلك كله في شعره، وإن كان موسيقيًّا ففي موسيقاه؛ وإن كان فنانًا ففي فنه؛ والمجانين أمثاله يجاورنه في جنونه، فيبكون إن بكى، ويطربون إن طرب، وتبدو عليهم الأعراض من أعراضه، ثم عما قليل يشعر المحبون بجنونهم، فيأسفون على زمن أضاعوه، وألم تجرعوه، وخيالات وأوهام عاشوا فيها وعاشوا لها، ولا يدركون ذلك إلا بعد أن تضيع صحتهم، وتتقدم سنهم، فيقعون في جنون من نوع آخر.

•••

فإن سرت معي نستعرض أصناف المجانين الأخرى، أريتك «مجانين المال» الذين نسوا أن المال وسيلة فجعلوه غاية، وأنفقوا عمرهم وأنفقوا صحتهم في جمعه، وعندهم ما يكفيهم وفوق ما يكفيهم؛ ومنهم من باع شرفه وخلقه للدينار يجمعه ويورثه، ومنهم من سخّر آلاف الناس يجمعون له ثروته، فجنوا جنونه، ولكن قد جن لنفسه، وجنوا هم له، فكان في جنونه أحسن حالًا منهم في جنونهم، ثم ربكوا أنفسهم في تدبير المال، وربكوا الحكومات بما نظمت من محاكم ووضعت من قوانين، فالنزاع دائم والمعيشة ضنك. ونتيجة الخصومات لا تساوي تعب النفس بالخصومات؛ ثم ملأوا الجو حسدًا وبغضًا وشحناء من أجل المال واستحواذ المال، وقسموا أنفسهم إلى فقراء لا يجدون ما يأكلون، وأغنياء يتخمون من كثرة ما يأكلون؛ هذا شقي بفقره، وهذا شقي بغناه؛ وكان في الإمكان أن يسعد الجميع لو عقل الجميع، ولكن أنَّى ذلك والداء مستحكم، والجنون معضل؟

•••

وهناك على مقربة من هؤلاء طائفة أخرى غريبة حقًّا، هم مجانين الشهرة، هذا يود أن يحرق الدنيا ليشتهر، ويخالف الناس والعقل ليشتهر، ويمشي على جثث من يصرعهم ليشتهر، ولا يهمه أن يذكر بخير أو بشر ما دام اسمه يردَّد على الألسنة وتلوكه الأفواه؛ وهذا يبيع راحته وصحته ويتلف ماله ويتلف نفسه ليحظى بالجاه وينال الشهرة؛ وهذا يدبر المكايد ويدس الدسائس ليصرع من أمامه، ويحل محله ويترأس ويشتهر.

وكل هؤلاء يقفون — ولو وقفة قصيرة — يسائلون أنفسهم: ما الشهرة وما الجاه، وما قيمتها الحقيقية في ضوء الحياة الواقعة التي تنتهي بالموت، ثم لا يجازَى الإنسان بعدُ إلا على ما قدم من عمل غير ملحوظ فيه إلا قيمته الذاتية؟ وما هذا الذي يدفع الناس إلى كل هذا السخف الذي يسمونه جاهًا ويسمونه شهرة؟ وكيف عَمُوا عن تقويم الأشياء بقيمتها الحقة من غير نظر إلى الأعراض الفانية؟

لا شيء إلا الجنون.

•••

الحق أني إن أدرت أستعرض أنواع الجنون طال العرض وقصر الشرح.

•••

ثم انظر معي للناس كافة على اختلاف أممهم وبيئاتهم تر العجب العاجب؛ في عاداتهم في مآكلهم ومشاربهم وملابسهم وسائر تصرفاتهم؛ وخلاصتها أنهم يخترعون من العادات ما يشقيهم ويذهب بسعادتهم، إن شئت مثلًا لذلك فانظر إلى الممدنين، كيف يخنقون أنفسهم بملابسهم في حفلاتهم، وكيف يكون تصرفهم في أفراحهم ومآتمهم، وكيف يفسدون صحتهم بنظامهم في مآكلهم، إلى ما لا يحصى من مواضعات غريبة يضيق عنها الحصر، قد وجدوا أنفسهم أحرارًا، فوضعوا ما يسلبهم حريتهم، وأصحاء فاعتادوا ما يذهب بصحتهم، واحكم بعد ذلك معي بِمَ تسمي من يفعل هذا كله؟ أعاقل أم مجنون؟

يخيل إليّ أن الذي يخفف من حكمنا على الناس بالجنون أننا ننشأ أطفالًا لا عقل لنا، ثم ننظر إلى أعمال الناس ولَمَّا ينشأ عقلنا، ثم يتكون العقل فينا شيئًا فشيئًا، ونحن نرى أعمال الجنون ولا نرى غيرها فلا يكون لنا مجال في التفكير فيها؛ لأننا نألفها قبل أن نعقل، فإذا عقلنا لم نستغرب؛ لأنها ألفت من قبل، وعدت أعمال عقل من قبل. ولو قدِّر لإنسان أن يولد في جزيرة وحده، وينمو عقله على طبيعته، حتى إذا اكتمل رأي الناس وتصرفاتهم، لدهش من تصرفاتهم أشد الدهش، وعجب من جنونهم كل العجب، ولهرب منهم إلى حيث لا ناس ولا جنون؛ وإلا فحدثني كيف يستطيع عاقل أن يفسر طربوشهم وزرَّ طربوشهم، وكيف يفسر الأزرار التي توهم أن لها عروة وليس لها؟ وكيف يفسر مظاهر حفلاتهم ومظاهر خصوماتهم! إلى ما لا يحصى.

لو رأى ذلك كله لأول مرة وهو عاقل لم يجد فرق كبير بين ناس داخل المستشفى وناس خارجه.

ويعجبني ما قرأت في كتاب الأغاني من حكاية بدوي رأى عرسًا حضريًّا لأول مرة فأعياه تفسير مظاهره، وكاد يجن من تصرف أهله.

•••

الحق أن العقل والجنون في هذه الحياة أمران نسبيَّان؛ فكل إنسان فيه كمية من عقل وكمية من جنون، وتختلف صغرًا وكبرًا؛ ولذلك يتقارب جدًّا عنوان المقالتين، ويكاد يتساوى عقلاء المجانين بمجانين العقلاء.

ومن حسن الحظ أن كل مجنون يعدُّ نفسه العاقل بل مثال العقل، ويهد ما خالف نموذجه جنونًا، وكلما بعد إنسان عن نموذجه كان أشد إمعانًا في رميه بالجنون.

وفي رأيي أن «العقلاء» وضعوا المجانين في المستشفى؛ لأن «العقلاء» أقوى وأشد، ولو كانت القوة في صف المجانين لوضعوا العقلاء في المستشفى، ولله في خلقه شئون.

١  انظر كتاب أعيان الشيعة جزء ١٤.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤