البَرَكة

من ألذ الأشياء للباحث اللغوي مراقبته للكلمات وتطور معانيها؛ فالكلمة يبدأ معناها ماديًّا ساذجًا، ثم يأخذ في النمو والتطور على اختلاف العصور وتقدم الزمان؛ حتى ليعجب الناظر إذا هو وازن بين المعنى الخير للكلمة والمعنى الأول لها، لِبُعد العلاقة بينهما، وكلما تجلَّت لي هذه الفكرة عجبتُ من الجامدين الذين يتخذون شعارهم «ليس في القاموس». كأنهم يريدون أن تقف اللغة على ما كانت عليه في القرون الأولى، يوم دُوِّنَت المعاجم، ويريدون أن يتجاهلوا فعل الزمان في كل شيء، وفي اللغة نفسها، من أثر دائم وتطور مستمر. ولا زلتُ كلما كشفتُ عن مادة في اللغة الإنجليزية في معجم أكسفورد، وأراه يؤرخ الاستعمالات المختلفة للكلمة الواحدة، فيقول: إنها استعملت في معنى كذا سنة كذا، ثم استعملت في معنى كذا سنة كذا، أتمنى أمنيتين في اللغة العربية: إحداهما أن يؤمن الناس معي أن اللغة في تطور مستمر، وأن من الإجرام أن يريد اللغويون قصر معاني الكلمات على ما جاء في معاجم اللغة القديمة، متناسين كل عمل الأجيال التي أتت بعدها. وثانيتهما أن ينشط علماؤنا فيستطيعوا أن يخرجوا لنا معجمًا مؤرّخًا تُدَوّن فيه كل كلمة، ومنشأ استعمالها، وتطور معانيها مع الزمان إلى الآن.

•••

خَطَر لي هذا الخاطر وأنا أبحث في كلمة «البركة» من أين أتت، وكيف وصلت إلى ما نستعمله اليوم، فنقول: «رجل مبارك» و«المرتب ليس فيه بركة» و«ذرية مباركة» و«ذرية غير مباركة» و«زمنه مبارك» و«عمره لا بركة فيه» إلخ … وهكذا.

وقد عجبت إذ رأيت بعض علماء اللغة يعودون بهذه المعاني كلها إلى المعنى الأساسي وهو «برك البعير إذا أناخ في موضع فلزمه»، ثم نقله العرب من هذا المعنى إلى معنى النمو والزيادة، أو معنى السعادة، كأن البعير إذا أناخ استراح ونما وسعد. واشتقوا من هذا المعنى بارك الله الشيء، وبارك فيه، وبارك عليه، أي: أكثر خيره وأسعد به، ومنه قالوا: طعام مبارك، ومال مبارك، ورجل مبارك، وجاء في القرآن الكريم: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إلخ.

•••

قفز ذهني بعد ذلك من البحث اللغوي إلى البحث الاجتماعي أو البحث النظري: ما معنى «البركة»؟

يرى الناس رجلًا يتقاضى مئة جنيه في الشهر، وليس له إلا ولد أو ولدان، ومع ذلك مرتبه لا يكفيه، ويستدين، وتضطرب ماليته، فيقولون: «إن مرتبه لا بركة فيه». ويرون آخر مرتبه ثمانية جنيهات أو عشرة، ومعه أربعة أولاد أو خمسة، وهو يعيش عيشة حسنة بمرتبه الضئيل، لا يستدين، ولا تضطرب ماليته، فيقولون: «إن مرتبه فيه البركة».

ويرون رجلين في يد كل منهما جنيه، فأما أحدهما فخرج من بيته وعاد وليس معه شيء، وذهب جنيهه في أشياء تافهة لا قيمة لها، فيقولون: «إن جنيهه لم يكن فيه بركة». وأما الآخر فاشترى أشياء وأشياء نافعة لنفسه ولبيته، وعاد معه بقية من جنيهه، فيقولون: «إن في جنيهه بركة».

ويومُ كل الناس أربع وعشرون ساعة، وشهرهم ثلاثون يومًا، وأيام سنتهم متساوية؛ ومع هذا تجد الفروق بينهم في استخدام الزمن واسعة؛ فهذا تمر عليه الأيام والشهور والسنون وليس له إنتاج علمي ولا أدبي ولا مالي ولا صناعي؛ وهذا دائم الإنتاج كثيره، كأن أيامه سنون، وكأن عمره مئة عمر، فيقولون: «إن عمر الأول غير مبارك، وعمر الثاني مبارك».

ونرى رجلًا رزق الحظوة في أولاده، فبناته زوجن خير الأزواج، وأبناؤه ما شئت من استقامة ونجاح، هذا زراعي ناجح، وهذا عالم ناجح، وهذا صانع ناجح؛ ورجلًا آخر خاب كل الخيبة في أولاده، فبناته مع أزواجهن مصدر نزاع دائم، وقضاياهن في المحاكم لا تنتهي، وأبناؤه بين سكير ومقامر ومحتال، فيقولون في الأول: «إن في ذريته البركة» وفي الثاني: «لا بركة له في أولاده».

فما هي هذه البركة؟ أهي حجر الفلاسفة وكيمياء السعادة، وسرٌّ مكنون كالروح، نرى أثره ونعجز عن إدراك كنهه؟ أم هي قوانين الطبيعة التي يشرحها عالم الاقتصاد في شئون المال؟ وعالم الأخلاق في شئون الأخلاق، وعالم التربية في شئون التربية، وأن الأمر ليس سرًّا مكنونًا، وإنما هي قوانين طبيعية مكشوفة، لها مقدماتها ونتائجها المحتومة، من سار على المقدمات وصل إلى النتائج المعينة حتمًا، ومن لم يسر عليها لم ينل نتائجها حتمًا؟

أما بعد، فإني أمْيَلُ إلى الرأي الثاني «ورزقي على الله».

فالموظف الذي يتقاضى مئة في الشهر ويستدين، سبب انعدام بركته عدم سيره على قوانين الاقتصاد الطبيعية المعروفة؛ والموظف الذي يتقاضى عشرة ويعيش عيشًا رغيدًا، سبب بركته سيره على قوانين الاقتصاد الطبيعية المعروفة؛ فقد وضع الاقتصاد قوانين واضحة، يتطلب أمورًا: منها أن يكون إيجار منزله بنسبة كذات من مرتبه، وحاجات منزله كذا إلخ، وأن تقدم الضروريات على الكماليات، وأن يحسب حساب ما يشتري ويوازن بينه وبين المال الذي ينفق فيه، إلى غير ذلك من القوانين؛ فكلها إذا سار عليها سائر انتظمت ماليته وكانت مباركة، وإن لم يسر عليها اختلت ميزانيته وكانت غير مباركة، والاقتصاد يسمِّي من يسير على القوانين «مقتصدًا» أو سائرًا على قوانين الاقتصاد، ومن لم يسر مسرفًا أو مبذرًا أو مخالفًا للقوانين الاقتصادية؛ والناس يسمون المال مباركًا أو غير مبارك، وفيه بركة أو انتزعت منه البركة؛ والاختلاف ليس إلا في التعبير والمعنى واحد.

وكل ما يمكن أن يقال: أن العلم بهذه القوانين وعدم العلم بها ليس له كبير شأن في الموضوع؛ فقد يكون الرجل ماهرًا في علم الاقتصاد، درس في مصر ودرس في إنجلترا، وحاز أكبر شهادة في الاقتصاد، ومع ذلك لا يسير في حياته العملية وفق قانون الاقتصاد؛ فلا ينفعه علمه في حياته اليومية، وتطبق عليه قوانين الخيبة حتمًا رغم علمه. وقد لا يدرس الرجل الاقتصاد ولم يسمع بهذا الاسم مطلقًا، ولكنه يسير بطبيعته وفق تعاليمه، فتطبق عليه قوانين النجاح رغم جهله بالعلم؛ والشأن في ذلك شأن كل القوانين الطبيعية؛ فمن أخذ سكّرًا على أنه سم لم يضره السكر؛ ومن أخذ سمًّا على أنه سكر قضى عليه السم، ولم ينفع العلم ولم يضر الجهل؛ فالبركة وعدم البركة هي السير على قوانين الطبيعة أو عدم السير.

وعلى هذا الأساس مال الحكومة، قد يكون مباركًا وقد يكون غير مبارك على هذا المعنى؛ فالحكومة التي تبعثر أموالها فيما لا يفيد، وتقدم الكمالي على الضروري، وتنفق الأموال الطائلة في فتح شارع للترف، وتغدق على المؤتمرات للشهرة، وتتلف الأموال الكثيرة في الإكثار من عدد الموظفين ورفع درجاتهم، وتنشئ المشروعات الكبيرة للفخفخة قبل أن تعد العدد لفلاحيها ليشربوا ماءً نظيفًا، وقبل أن تعد العدد لعمالها ليجدوا الكفاف، ميزانيتها لا بركة فيها، ومعنى خلوها من البركة عدم سيرها على قوانين الاقتصاد الطبيعية. وإذا رأينا أمة أخرى ميزانيتها أقل من الأولى وهي بها أسعد من الأولى كانت ميزانيتها «فيها البركة» بهذا المعنى.

وحينئذٍ يكون معنى البركة التوفيق في أن يسير المرء أو المرأة أو الحكومة حسب قوانين الاقتصاد.

والرجل ذو الذرية المباركة بركته عبارة عن أن أولاده ورثوا من آبائهم وأمهاتهم بذورًا صالحة، ثم تربوا تربية صالحة، فكانوا في الحياة ناجحين موفقين، وهذا معنى البركة؛ فإذا هم ورثوا وراثة سيئة أو ربوا تربية فاسدة كانوا لا بركة فيهم، والذرية المباركة وغير المباركة خاضعة لسنة الله في خلقه وهي القوانين الطبيعية.

والعمر المبارك هو الذي عرف صاحبه كيف يستغله، والعمر غير المبارك هو الذي جهل صاحبه كيف يستغله، وهكذا.

•••

ولكن مما لا شك فيه أن المسألة ليست بهذا القدر من البساطة والوضوح؛ ففي الحياة أمور معقدة خفية تجعل الأمر أعقد من هذا وأصعب.

فقد يكون المرء سائرًا على قوانين الاقتصاد في دقة وإحكام كما ترسم قوانين الاقتصاد، ومع ذلك تضطرب ماليته، وتسوء حالته لأسباب لا دخل له فيها، كأن يصاب هو أو أحد أفراد أسرته بمرض يتطلب مالًا كثيرًا فتختل ميزانيته وتذهب بركتها، ولا دخل له في ذلك، أو يحدث حادث سماوي يتلف زراعته، أو يصاب بكارثة مالية ليست في الحسبان، أو تدهمه سيارة تكسر رجله بخطأ من السائق، أو نحو ذلك من تصاريف القدر؛ فكل هذه وأمثالها قد تفسد عليه نظامه المالي وتربكه ارتباكًا شديدًا، مع أنه الحريص في تصرفاته الحكيم في تدبير ماله؛ وكذلك نرى في الدنيا عكس هذا، نرى المسرف المبذر الساخر من قوانين الاقتصاد، ومع ذلك يأتيه الرزق من حيث لا يحتسب، فيبارك له في معيشته رغم تبذيره ورغم القوانين الطبيعية والاقتصادية.

وكذلك الشأن في الأولاد، قد ينشَّأون خير تنشئة، ثم يصابون بصحبة من يفسدهم، مع أن الآباء قد بذلوا في تربيتهم كل جهد، وساروا على قوانين التربية بكل دقة، والعكس صحيح. ويعجبني في ذلك قول الشاعر:

فموسى الذي رباه جبريل كافر
وموسى الذي رباه فرعون مرسل

هذا كله صحيح، وهذه أمور تستوجب التفكير، وليست الإجابة عنها يسيرة؛ ولكن ألست معي في أن هذه أمور استثنائية في الحياة؟ وربما كانت هي الأخرى خاضعة لقوانين لم تستكشف بعد؟ أليس من الخير أن نسير من القوانين على ما علم ونلتزمه، ونؤمن بالقوانين القليلة التي لم نعرفها حتى نعرفها؟ أو الخير أن نهمل كل القوانين؛ لأننا نجهل بعضها؟

أظن من الخير أن نسَيِّر حياتنا على ما علم، فإذا أردنا البركة فلنسر على قوانين الطبيعة، ولا يَضيرنا أن يكون جزء من حياتنا في يد القدر.

وعلى حسب تفسيرنا، إن كان هذا المقال سائرًا على قوانين الفن مثيرًا للنظر، ناجح الأثر، ففيه البركة، وإلا فلا بركة فيه، والعلم عند الله.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤