تصدير

هذه قصة سنوات لا أخال القارئ الكريم قد نسي شيئًا مما حملته في طياتها من مفاجآت وحوادث سبَّبت للإنسانية آلامًا مبرحة وأدخلت على حياة الأمم تغييرات ظاهرة، ما يزال الجنس البشري يئن من آثارها، وكان لنا — نحن المصريين — نصيب من هذه التجربة المؤلمة. فمن منا لا يذكر ليالي الغارات الجوية الطويلة وحلكة ظلامها! ومن منا لا يذكر الرعب الذي استولى على النفوس عندما كاد العدو يطرق أبواب الإسكندرية أيام معركة العلمين الحاسمة! ومن منا لم يسكن إلى نفسه هنيهة يسألها المصير لو أنه قُدر للنازيين وأحلافهم أن يغمروا وادي النيل بجحافلهم ولو إلى زمن قصير! ومن منا لم يتشوق لمعرفة شيء صحيح عن ذلك النظام الجديد الذي كانت تشيد بذكره أبواق الدعاية النازية من محطات إذاعتها وقتذاك، فتحدثت عنه كأنما كان غاية ما ابتكره إنسان لسعادة إنسان، وكأنما كان الغرض منه بناء عالم مثالي وثيق الأركان تكثر فيه الخيرات وتعيش فيه الشعوب محررة غنية وتحيا حياة مطمئنة رخية!

لقد فاجأتنا جميعًا الحرب الهتلرية الخاطفة في الأيام الأولى من شهر سبتمبر عام ١٩٣٩ فأذهلت هذه المفاجأة الأكثرين وإن كان هناك قلائل ممن كانوا يتوقعون قيام الحرب قبل نشوبها فعلًا ببضع سنوات منذ وصل أدولف هتلر إلى منصب مستشارية الريخ الألماني في شتاء عام ١٩٢٣، وزادت مخاوفهم عندما أحرق النازيون الريخستاج في آخر فبراير من العام نفسه. وشاءت المصادفات أن أكون بإنجلترا في صيف ذلك العام، فألقيت نفسي وسط خضم من النشرات والكتب والمطبوعات والأحاديث والإذاعات، ينقسم أصحابها فريقين: أحدهما يحذِّر العالم مما سوف يتعرض له من أخطار وشرور جسيمة من جراء وصول الهتلريين إلى الحكم، والآخر يحاول أن يجد في الاستجابة لرغبة الشعب الألماني وسيلة مؤاتية تحول دون انتشار المذاهب الهدامة، وتقيم من ألمانيا حاجزًا منيعًا يقف في وجه البلشفية الروسية يمنعها من التغلغل في أوروبا الوسطى والوصول إلى أوروبا الغربية كذلك. على أنه كان مما استلفت نظري في لندن في صيف ذلك العام أن الإنسان أينما سار في شوارعها أو جلس في مطاعمها كان يقابل طائفة من الألمان الهاربين من وجه النازية في بلادهم، وبدأ الحديث من ذلك الحين عن مشكلة اللاجئين ولما يمض على الهتلريين في الحكم أربعة شهور.

وفي صيف عام ١٩٣٤ أتيحت لي الفرصة لمشاهدة بعض العواصم الأوروبية فوجدت عجبًا: باريس لا تزال تتأرجح بين اليسار واليمين، وتكاد تفترسها الفوضى على أثر ما اتضح من أن بعض الوزراء في حكومة المسيو «شوطان Chautemps» كانوا ضالعين مع المحتال الفرنسي «ساشاستافيزكي Sacha Stavisky» في عملية إصدار سندات مالية مزيفة، فانتحر ستافيزكي في فبراير ١٩٣٤ عند افتضاح أمره، وكثرت الإشاعات بأن المسئولين هم الذين رأوا التخلص منه بقتله فاستقال رئيس الحكومة ووقعت التحامات دموية بين الشرطة والمتظاهرين الذين ثاروا ضد حكومة «دلاديه Daladier» الجديدة. وعندما زرت باريس في صيف ذلك العام كان الفاشيون الفرنسيون بزعامة «دي لاروك de la Rocque» يحملون بشدة على الجمهورية، ويثيرون الاضطراب في كل مكان. وكان دي لاروك يدعو لتأييد مبدأ الزعامة المسئولة في فرنسا، أي نفس المبدأ الذي كان يرتكز عليه النظام النازي في ألمانيا.
وفي روما كان «موسوليني Mussolini» قد بلغ ذروة مجده وحتم الفاشيست على كل زائري عاصمتهم من الأجانب وقتذاك أن يزوروا المعرض الفاشيستي الكبير حيث كانوا يعرضون «تاريخ» الحركة الفاشية في صور وأشكال منوعة، ويضعون في أبهاء المعرض عدة آثار تفسر ما حدث وقت ظهور الحركة الفاشية وزحف الفاشيين على رومة. على أن أهم ما استلفت نظري في ذلك الوقت أمران: أولهما أن وزارة الخارجية الإيطالية ما كانت تأذن في تلك الأيام لأحد من الباحثين الذين يدرسون التاريخ بالاطلاع على الوثائق الخاصة بالدبلوماسية الإيطالية في القرن التاسع عشر، فخالفت بهذا العمل ما درجت عليه الحكومات الأوروبية الأخرى، وقد اتضح فيما بعد أن إيطاليا كانت تعد العدة للاعتداء على الحبشة، واعتبرت لذلك الوثائق التاريخية القديمة من أسرار الدولة التي يجب أن يمنع الباحثون من معرفة شيء عنها، وأما الأمر الثاني فهو أنه على الرغم من صلابة بنيان الدولة الفاشستية الظاهري وما كانت تذيعه الدعاية الإيطالية من أن الدوتشي والشعب الإيطالي كانا يدًا واحدة وكتلة متماسكة، فقد قابلت أفرادًا عديدين ينقمون على حكومة موسوليني ويضمرون لها العداء ولا يحملون الشارة الفاشية إلا مرغمين؛ لأنه بدون هذه الشارة التي تدل على أنهم قيدوا أسماءهم في نقابات العمل المتعددة كانوا معرضين للاحتجاز بدوائر الشرطة أو السجن إذا قوي الاشتباه في أمرهم.
وفي فينا كان الحرس الأهلي Heimwehr الذي استندت إليه حكومة «دلفوس Dollfuss» قد قام بحركة واسعة لإبادة الاشتراكيين الديمقراطيين في النمسا فاستمرت المعركة في فينا أربعة أيام (١٢–١٦ فبراير ١٩٣٤)، وكانت انتصارات الحكومة «والهايمفهر» كبيرة، وظن دلفوس أن الأمر قد استتب له ونال مؤازرة إيطاليا الفاشية؛ ولكن دلفوس كان قد أخرج على ما يبدو من حسابه قوة أخرى جديدة بدأت تنمو ويقوى شأنها في النمسا منذ وطد الهر هتلر دعائم الحكم النازي في ألمانيا. وسمع الكاتب عديدين من النمساويين يتحدثون عن تأييدهم للنازية وتعاليمها ويتوقون للانضمام إلى ألمانيا الكبرى وتحقيق «الأنشلوس Anschluss» ويضمرون لليهود عدواة عظيمة، ومع أن هؤلاء كانوا ينظرون إلى إخماد حركة الاشتراكيين الديمقراطيين كعمل مجيد فإنهم ما كانوا يرضون عن دلفوس واعتماده على موسوليني وإيطاليا ويريدون إبعاده من الحكم، وعندما لقى الكابتن روم Roehm وغيره من رؤساء كتائب الهجوم S. A. حتفهم في ألمانيا في آخر يونية ١٩٣٤ في حركة التطهير الواسعة للتخلص من العناصر التي اتهمت بالاعتدال زادت حماسة أنصار النازية في النمسا، واكتنفت حكومة دلفوس الصعوبات من كل جانب، وفي ٢٥ يولية اغتال النازيون وصنائعهم دلفوس وهو بدار المستشارية، فعبأ موسوليني جيشه على الحدود حتى يمنع تدخل ألمانيا الهتلرية في شئون النمسا.
أما ما حدث بعد ذلك من ازدياد بطش النازيين وسطوتهم في أوروبا، فإن القارئ الكريم سوف يجد ذلك مبسوطًا في فصول الكتاب، ويكفي أن أذكر الآن ما كان لهذه الحوادث الجسام من أثر حملني على التفكير في أمر النازية ومعرفة شيء عن أصولها. وقد أتيحت لي في صيف عام ١٩٣٧ الفرصة مرة أخرى لزيارة إنجلترا وفرنسا، فوجدت باريس مشغولة بمعرضها الدولي العظيم، أما لندن فكان الحديث فيها يدور حول ما عُرف وقتذاك باسم سياسة «التهدئة والتسكين»: ومعناها من الوجهة العملية، التسليم بكل ما كان يريده النازيون من توسع على حساب الدول المجاورة وعدم إزعاجهم في شيء؛ حتى لا تتأزم الأمور فتنساق الدول الغريبة مرغمة إلى الدخول في حرب كان لا يرغب فيها أحد من أبناء فرنسا أو إنجلترا. ووجد أنصار التهدئة والتسكين مسوغًا لسياستهم من تلك الوعود التي كان لا يبخل بها الهر هتلر عقب كل حادث من حوادث اعتداءاته المتكررة على الحقوق والالتزامات التي أقرتها وأوجدتها الاتفاقات الدولية، فكان من نتائج هذه السياسة عقد اتفاق «ميونخ Münich» المشهور في ٢٩ سبتمبر ١٩٣٨ لاقتطاع السوديت من تشكوسلوفاكيا وضمها إلى ألمانيا النازية، واعتقد رئيس الوزارة الإنجليزية وقتذاك المستر نيفل تشمبرلين Neville Chamberlain أنه نجح في المحافظة على السلم في العالم؛ لأنه عاد إلى بلاده يحمل في حقيبته تصريحًا مشتركًا وقَّعه الهر هتلر وألغى بمقتضاه الحرب كوسيلة لفض ما قد يحدث من خلاف أو نزاع بين إنجلترا وألمانيا في المستقبل. ولكن هتلر جريًا على عادته ما لبث حتى نبذ وعوده ظهريًّا واغتصب البقية الباقية من تشكوسلوفاكيا في مارس ١٩٣٩. وكان إقدامه على هذه الخطوة منذرًا ببداية تحول الدول الغربية من سياسة التهدئة والتسكين إلى خطة مقاومة القوة بمثلها. ومن ذلك الحين لم يغب عن متتبعي تطور الحوادث في أوروبا أن الحرب لا بد واقعة، وظلت حفنة يسيرة من أنصار التهدئة يبذلون كل جهد لتجنيب العالم ويلات الحرب المدمرة، وحاول رجال المال في لندن وغيرها استمالة النازيين إلى السلم بأن صاروا يعرضون على ألمانيا قروضًا مالية عظيمة، ويعدون بفتح الأسواق لتجارتها، ولكن جهودهم باءت بالفشل. وفي سبتمبر ١٩٣٩ أعلنت إنجلترا الحرب على ألمانيا وتبعها سائر حلفائها وذلك عقب إغارة الألمان على بولندة، ثم أحرز النازيون انتصارات باهرة وافتتحوا معظم بلدان أوروبا الوسطى والغربية وأتاح لهم محور برلين-رومة السيطرة على إيطاليا وإسبانيا، وخشيت كل من السويد وتركيا بأسهم وبقيت إنجلترا وروسيا وحدهما تحملان في أوروبا عبء النضال ضد ألمانيا. وبعد أن بسط النازيون سلطانهم على أوروبا بدأت دعايتهم تتحدث عن النظام الجديد، وعن إنشاء عالم مثالي لا في أوروبا وحدها بل وفي سائر القارات التي كان يطمع النازيون في امتلاكها تحقيقًا لأهدافهم في بسط السيطرة الجرمانية على العالم أجمع.

وفي أثناء ذلك كله عظم الاهتمام بمعرفة شيء مما كان يجري من حوادث خلف تلك الجدران العالية التي شيدها النازيون حول قلعتهم الأوروبية، والتي ظنوا أن أحدًا لن يجد بها ثلمة ينفذ منها ليشهد بناظريه ما كان يفعله النازيون عند تطبيق هذا النظام الجديد الذي بشرت به دعايتهم. وكانت قد أتيحت لي الفرصة قبل ذلك، فدرست شيئًا عن النازية وأساليبها في السنوات القليلة التي سبقت نشوب الحرب الهتلرية، ووجدت في نفسي ميلًا إلى مواصلة هذه الدراسة، لا سيما عندما بدأ «روميل» زحفه في الصحراء صوب الإسكندرية، وحدث في غضون ذلك أن ندبتني وزارة المعارف في أغسطس ١٩٤١ مفتشًا بالتعليم الثانوي فوجدت لدي في أثناء السفر الطويل من بلد إلى آخر متسعًا من الوقت قرأت فيه ما وقعت عليه يداي من مؤلفات ومطبوعات تتناول تاريخ الأمة الألمانية والحركة النازية والسياسة الأوروبية في السنوات التي سبقت قيام الحرب الهتلرية، ووصلت من دراستي هذه إلى نتيجتين: أولاهما أن هذا النظام الجديد الذي روج له النازيون إنما هو شر نظام أنتجته قريحة إنسان، وثانيتهما أن تطبيق هذا النظام في أوروبا سوف يكون الأداة التي يهدم بها النازيون أنفسهم تلك القلعة التي خُيل إليهم أنهم قد أحكموا تأسيس بنيانها، ثم وجدت من واجبي أن أبسط شيئًا مما وصلت إليه من نتائج، فشجعني على إلقاء بحث في هذا الموضوع جميع إخواني من أساتذة مدرسة الزقازيق الثانوية الكرام، وعلى رأسهم حضرة المربي النابه الأستاذ الكريم السيد هاشم عوض ناظرها وقتذاك. وفي مساء ١٠ مايو ١٩٤٣ ألقيت بالقاعة اليونانية بالزقازيق محاضرة موضوعها: (النازي والنظام الجديد في أوروبا)، وقد شجعني ما لقيته من اهتمام حضرات الأفاضل الذين تكرموا بالاستماع إلى هذه المحاضرة على المضي في دراستي منذ ذلك الحين إلى وقت زوال الهتلرية. والآن أقدم إلى القارئ الكريم قصة انهيار ألمانيا السريع، وهي قصة مروعة حقًّا، راجيًا أن أكون قد وفقت في إبراز صورة واضحة لذلك النظام الذي أرادت ألمانيا الهتلرية أن تفرضه على أوروبا فأثارت مقاومة الشعوب ضدها، وكان تطبيقه السبب الذي أدى إلى انهيارها في النهاية.

على أن هذا البحث ما كان يمكن أن يتم في صورته الحاضرة من غير تلك المعاونة الصادقة التي تفضل عليَّ بها حضرات الإخوان الكرام الأساتذة المحترمين عبد المقصود العناني المدرس الأول للمواد الاجتماعية بمدرسة الحلمية الثانوية، وسيد محمد خليل المدرس بالقبة الثانوية، والأستاذ فؤاد بطرس زكي ليسانسيه في التاريخ من كلية الآداب بجامعة الملك فؤاد الأول، وعبد الرحمن محمود عبد التواب مفتش الآثار العربية … فلحضراتهم جميعًا خالص شكري وتقديري.

دكتور محمد فؤاد شكري
القاهرة: ديسمبر سنة ١٩٤٧

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤