الفصل الثالث

أوروبا «الحرة»

طُبق «النظام الجديد» أول ما طُبق في البلدان المحتلة، وكان ينطوي على ضروب من السلب والنهب حرص النازيون على أن يصبغوها بصبغة قانونية؛ ولذلك فقد بات من المتوقع ألا تخضع الشعوب المقهورة لسيطرة النازيين، وأن تعمل على تقويض أركان النظام الجديد الذي فرضه الألمان عليهم بشتى الطرق، وقد سبق القول إنه كان من أهداف الدعاية النازية استمالة بعض العناصر في البلدان المحتلة إلى التعاون مع النازيين في سياسة النظام الجديد بدعوى المساهمة في تشييد صرح ذلك العالم المثالي، الذي يكفل تحت زعامة الريخ الثالث كل طمأنينة وعيش سعيد للشعوب الأوروبية كافة. ومع أن النازيين قصدوا من هذه الدعاية دعم السيطرة الجرمانية على أوروبا، ثم على العالم أجمع، ومع أن تطبيق النظام الجديد أسفر قبل كل شيء عن نهب هذه الشعوب المقهورة وتسخيرها في خدمة «السادة» الجرمان، فقد أفلح النازيون في تصيد طائفة من المغامرين الذين قبلوا التعاون معهم في كل بلد فتحوه، فقد وجدوا في فرنسا أنصارًا يؤيدونهم بزعامة «لافال» و«دارلان» و«مارسيل ديا Déat»، ثم في النرويج الميجر «فيدكون كويسلنج Vidkun Quisling»، وفي تشيكوسلفاكيا الكولونيل «مورافيش Moravec» والدكتور «فوسيك Fousek»، وغيرهما، وفي يوغسلافيا الجنرال «نديش Nedié» عن سربيا، والدكتور «بافليش Pavélie» عن كرواتيا، وفي هولندة الدكتور «مسرت Mussert»، ثم في الدانمرك كلًّا من «فريتز كلوسن Frits Clausen»، والدكتور «سكفينوس Scavenius» وزير الخارجية، و«بيترسن Petersen» وزير العدل، ثم في اليونان «تسولاكجلو Tsolakoglu».
غير أنه إذا استُثنيت فرنسا، حيث كان يحاول الماريشال «بيتان» و«لافال» و«ديا» استمالة شطر كبير من الشعب الفرنسي للتعاون مع الريخ الثالث؛ لأصبح عدد الكويسلنجيين في كل بلد من البلدان المفتوحة والمحتلة لا يزيد في الحقيقة على ٥٪ من مجموع سكانها، بل إن هذه النسبة تقل كثيرًا في بولندة وتشيكوسلفاكيا وسربيا واليونان والنرويج ودول البلطيق، فلا يزيد في هذه الدول عدد المتعاونيين مع النازي على ١٪ من السكان، وفي بولندة على وجه الخصوص لم يستطع النازيون استمالة أحد إليهم، فلم يجدوا بها غير الجرمان الأقارب Volksdeutsche على استعداد لمؤازرتهم. والأوكرانيون وحدهم هم الذين كانوا يميلون إلى التعاون مع الهر هتلر.

ولذلك لم يكن سواد الشعب في هذه الدول المغلوبة على أمرها يومًا من الأيام قانعًا بالعيش الذليل في ظل الاستغلال النازي المرهق، والأدلة على ذلك متوفرة؛ فهناك الصحف النازية نفسها في الريخ وفي البلدان المحتلة والمفتوحة كانت تشكو مر الشكوى من امتناع الشعوب المقهورة عن التعاون مع الريخ في دعم أركان النظام الجديد، كما كانت هذه الصحف تنشر بعض أخبار المقاومة المنظمة لتعطيل الإنتاج الاقتصادي على وجه الخصوص، ثم هناك الأخبار والنشرات التي كانت تتسرب إلى العالم الخارجي، هذا إلى جانب ما يقصه عدد من سعداء الحظ الذين أفلتوا من معسكرات الاعتقال أو من قبضة الجستابو الملطخة بالدماء.

ومن هذه المعلومات كافة يتبين أن مقاومة هذه الشعوب المقهورة كانت على نوعين: إيجابية وسلبية.

فقد اهتم الغزاة الألمان دائمًا من بداية الفتح في البلدان التي سقطت في قبضتهم بتجريد الجيوش الوطنية والمدنيين من الأسلحة؛ لأن النازيين الذين يعرفون حق المعرفة مقدار كراهية هذه الشعوب المغلوبة لهم لم يطمئنوا إلى العيش بين وطنيين مسلحين؛ ولذلك تشدد النازيون في جمع الأسلحة وكُلف الجستابو ورجال الشرطة بهذه المهمة، ووقَّع النازيون عقوبة الإعدام فورًا في البلدان المفتوحة على كل ممتنع عن تسليم ما لديه من أسلحة وذخيرة. ومع ذلك أخفق النازيون فيما أرادوا إخفاقًا ملموسًا؛ إذ استطاع أهل الدول المهزومة إخفاء عدد لا يُستهان به من الأسلحة سرعان ما ظهر أثرها في حوادث الاغتيال المتكررة التي ذهب ضحيتها كثيرون من الألمان، ومن صنائعهم الذين قبلوا التعاون معهم. ومع أن الألمان عمدوا إلى اتباع طريقة أخذ الرهائن ثم إعدام المئات منهم عند وقوع حوادث الاغتيال، فإن هذه القسوة لم تفد شيئًا في ردع الوطنيين أو تخفيف وطأة هذا النوع من المقاومة الإيجابية؛ بل إن هذه البلدان المفتوحة والمحتلة سرعان ما أصبحت مراكز شديدة الخطر للمقاومة الإيجابية ضد السيطرة النازية.

وكان تنظيم أول مراكز المقاومة الإيجابية في تشيكوسلفاكيا، وسبب ذلك أن حكومة هذه البلاد أدركت من أيام «ميونخ» المعروفة أن الحرب لا محالة واقعة، وأن الوطن سوف يسقط عاجلًا أو آجلًا تحت نعال الألمانيين، وأن الاحتلال الأجنبي لبلادهم سوف يطول أمده؛ فعمدت الحكومة منذ سبتمبر ١٩٣٨ بوضع الإرشادات والتعليمات المفصلة لتوضيح ما ينبغي أن يقوم به أهل البلاد من ضروب المقاومة ضد العدو في المستقبل، وبعد انهيار الجيش التشيكو سلفاكي. وكان أهم ما عني به التنظيم الحكومي السري التأكد من وجود أكبر مجموعة ممكنة من الأسلحة الحديثة لدى الأهالي، كالبنادق والمدافع الرشاشة وغير ذلك، مخبأة في حرز مكين يعجز الجستابو أو الجيش الألماني عن العثور عليه، وكذلك نظمت الحكومة جيش المقاومة الإيجابية تنظيمًا دقيقًا؛ فأنشأت الرتب العسكرية ووزعتها على العسكريين والمدنيين على السواء، فكان هناك القواد والضباط والجنود وهكذا.

فما هو إلا أن احتل الألمان من غير قتال بلاد السوديت في أكتوبر ١٩٣٨، ثم بوهيميا ومورافيا في مارس من العام التالي حتى خرجت إلى عالم الوجود هذه المقاومة الإيجابية المنظمة تبغي إلحاق الأضرار البليغة بعتاد الحرب النازي واغتيال الألمان وصنائعهم. وقد برع التشيكوسلفاكيون في هذا النوع من المقاومة حتى إن «حامي» بوهيميا ومورافيا «هيدريش Heydrich» والمعروف باسم «جزار مورافيا»، الذي أُغتيل في ٢٧ مايو ١٩٤٢ على أيدي جمعية سرية تابعة للجيش الوطني، رأى أن يوقع الإعدام على ٤٠٠ من القواد وأركان الحرب والموظفين والصناع والفلاحين التشيك، كما قبض على عدد من الوطنيين بلغ «١٤٠٠»، ووجه الجستابو إلى هؤلاء جميعًا طائفة من التهم المنوعة: منها أنهم نجحوا في إخفاء بعض الأسلحة التي أنتجتها المصانع التشيكية للحرب لأسباب وطنية، وأنهم نظموا حركة المقاومة المعروفة باسم «الإبطاء المتعمد» في الإنتاج، وأنهم قاموا بأعمال «تخريب» واسعة، أو كانوا على اتصال مستمر بطريق اللاسلكي مع لندن، أو أتلفوا آلات وأدوات الصناعة العسكرية الألمانية وهكذا. وكان من بين الذين أُعدموا الدكتور «فرانكنبرجر»، وهو من كبار رجال وزارة الزراعة، اتهمه الجستابو بالعمل على تعطيل تسليم الحبوب والغلات الزراعية الأخرى «التشيكية» إلى سلطات الاحتلال الألماني. ومع ذلك وعلى الرغم من بطش الجستابو وقسوة الاحتلال النازي، فقد ظلت تشيكوسلفاكيا من مراكز المقاومة الإيجابية القوية ضد النازي في أوروبا.
وأما ثاني المراكز الهامة لهذه المقاومة الإيجابية فكان يوغوسلافيا؛ إذ جعل نشاط الجماعات السرية المنظمة حياة الجند الألمان والإيطاليين والهنغاريين والبلغاريين الذين يحتلون بلادهم حياة شقاء وإرهاق مستمر، فهناك شطر من الجيش اليوغسلافي السابق تحت قيادة الجنرال دراجا ميخائيلوفتش كان يعمل جديًّا كوحدات مدربة على القتال العنيف في غابات البوسنة، ثم في سائر أنحاء البلاد بعد ذلك، وهناك جماعة التشتنك Cetnik كانت مهمتها العمل في الجبل الأسود وكرواتيا ودلماسيا، ثم هناك جماعة الشيوعيين ويعرفون باسم «البارتيزان Partisans» كانت مهمتهم الهجوم على مدن يوغسلافيا الشمالية، ثم أخيرًا هناك «حزب الفلاحين الكروات» القديم وكانت يوغسلافيا الجنوبية ميدان نشاطه.
وكان جيش الجنرال ميخائيلوفتش يتراوح بين العشرين والمائة ألف جندي نظامي، ويضم إليه عددًا من النساء، وقد دُرب هذا الجيش بحيث كان من السهل على جنده خلع الأردية العسكرية وإخفاء السلاح في الليل، حتى إذا بدأ النهار عادوا إلى أعمالهم العادية كفلاحين أو رعاة خنازير أو صناع أو عمال وهكذا، فلا يمضي وقت قصير حتى يلتحم هؤلاء ثانيةً في معركة دامية مع جيش الاحتلال، وعبثًا كان يحاول الجستابو والجند الألمان عقب المعركة البحث عن الأسلحة أو الذخائر أو الأردية العسكرية. وفي خريف ١٩٤١ خاض هذا الجيش غمار معركة حامية في «سابي Saboé»، استخدم فيها اليوغسلافيون المدافع الثقيلة تحت أنوف الجستابو وسلطات الاحتلال، ومن ضروب المقاومة التي برع فيها هذا الجيش الهجوم على السكك الحديدية ومناجم الفحم ومحطات توليد الكهرباء والجسور والقناطر ومخازن الذخيرة وثكنات الجند الألمان والمطارات وهكذا.

وفي كثير من الأحايين كان يتعاون «التشتنيك» و«البارتيزان» و«حزب الفلاحين الكروات» مع جيش ميخائيلوفتش، إلا أن مهمة «التشتنيك» الأساسية كانت مفاجأة جيش الاحتلال في جماعات شبه عسكرية سريعة الحركة مسلحة بأسلحة من الطراز الأول، فيُنزلون بالعدو أضرارًا بليغة ويفرون بسلام. وأما مهمة «البارتيزان» و«الفلاحين الكروات» فكانت إرهاق المدن التي يحتلها الألمان والإيطاليون واغتيال الخونة والألمان المتغالين في أساليب التعذيب والإجرام، ثم تخليص الرهائن والغنائم أو تعطيل نقلها.

وعندما كانت هذه الجماعات تعمل متضامنة كانت تؤلف قوة كبيرة وجد الألمان والإيطاليون من جراء نشاطها أن يحتفظوا في هذه البلاد في أثناء الشهور الستة الأولى من عام ١٩٤٢ بعدد من الفرق العسكرية لا يقل عن ست أو سبع فرق، على الرغم من الحاجة الملحة إلى استخدام هذه القوة العسكرية في ميادين القتال، وهناك أدلة متعددة على مقدار ما أنزلته هذه القوات بالألمان وحلفائهم وصنائعهم من خسائر جسيمة في الأرواح والعتاد الحربي. فقد حدث في يولية ١٩٤٣ أن قتل الوطنيون اليوغوسلافيون ما لا يقل عن ١٠٠ إيطالي عندما هجموا فجأة على الثكنات الإيطالية في جزر دلماسيا التي تقع في البحر الأدرياتيكي تجاه إيطاليا، وقد ترتب على هذا الهجوم أن إيطاليا لم تلبث أن أعلنت التعبئة العامة في ألبانيا، وكذلك أُلغيت إجازات جميع أفراد قوات المحور في البلقان وأُرسلت سريعًا النجدات الكبيرة إلى اليونان. بيد أنه لم تمضِ أيام قلائل على هذا الحادث المروع حتى اشتبك اليوغوسلافيون الوطنيون مع الألمان في معركة كبيرة في منطقة وادي كمارينكا التي تبعد نحو ٥٠ إلى ٦٠ ميلًا جنوب سراجيفو الشرقي عاصمة البوسنة، ثم حدث في شهر سبتمبر من العام نفسه أن التحم اليوغوسلافيون الشيوعيون مع الألمان ومع جماعة الأوستاشي الكرواتية الموالية لهم في منطقة «سنج»، كما استعرت نيران الحرب بينهم وبين الألمان في الجبل الأسود وفي الهرسك، وغنم اليوغوسلافيون كميات كبيرة من الذخائر واستولوا على عدة مدن. وفي أكتوبر كانت قوات الجيش اليوغوسلافي الوطني لا تزال تواصل عملياتها الهجومية بنجاح في الجبل الأسود والهرسك والبوسنة، ودارت معارك عنيفة في ساحل دلماسيا وفي سلوفينيا وعلى حدود ألبانيا وفي كرواتيا، خصوصًا مقاطعة سلافونيا على طول حدود هنغاريا. ثم استطاعت العصابات الوطنية أن تقف على بعد ميل واحد من زغرب وأن تقطع خطوط تموين المدينة، هذا عدا ما فعلته من أعمال التخريب المتعددة كانتزاع خطوط السكك الحديدية ونسف الجسور في جميع هذه المناطق. واضطر الألمان من جراء ذلك إلى اتخاذ عدة تدابير، منها ما أذاعه راديو بودابست منذ يولية عن استعداد القيادة العسكرية الألمانية في سربيا لمنح مكافأة مالية كبيرة لمن يأسر الجنرال ميخائيلوفتش حيًّا أو ميتًا، أو يستطيع استبعاد شره بأية وسيلة كانت. وفي أكتوبر أعلنت الحكومة المجرية الأحكام العرفية في مناطق المجر الجنوبية وفي المناطق المحتلة وفي المنطقة المتاخمة لدولة كرواتيا الضالعة مع الألمانيين.

وفي ١٤ أكتوبر أذاع الراديو الألماني أن الفيلد ماريشال روميل تولى القيادة العليا للأعمال الحربية الموجهة ضد الثوار اليوغوسلافيين، وعبثًا حاول الألمانيون استمالة زعيم حزب الفلاحين الكرواتي عندما عرضوا عليه منصب رئيس الدولة إذا أيد الألمان وحث العصابات الكرواتية على التخلي عن نشاطهم، فوضعه الألمان تحت رقابة شديدة. وكان من جراء تسليم إيطاليا أن صارت الوحدات الإيطالية الباقية في يوغوسلافيا تتعاون مع الجيش اليوغوسلافي الوطني في الجبل الأسود وفي سلوفينيا وفي دلماسيا. وفي أكتوبر كانت جميعها تقاتل إلى جانب اليوغوسلافيين، وفي ٢٦ من الشهر نفسه أحرز اليوغوسلافيون الأحرار انتصارًا عظيمًا عندما استولوا بعد قتال عنيف على بلدة «فارس-ميدان» وهي آخر مركز للصناعات الثقيلة في البوسنة كان لا يزال في أيدي الألمان. وفي أواخر عام ١٩٤٣ تفوق في الميدان الماريشال «تيتو Tito» يقود القوات «الوطنية» وسُمي جيشه بجيش التحرير، واستطاع أن يقض مضاجع الألمان، حتى تمكن جيشه — إلى جانب القوات الوطنية الأخرى — أن يشغل ما لا يقل عن أربع عشرة فرقة ألمانية، واضطر الألمان إلى جلب إمدادات من اليونان وألبانيا لا تقل عن خمس فرق. وفي بداية عام ١٩٤٤ كان القتال لا يزال محتدمًا في جميع ساحات الجبهة في شرقي البوسنة وفي كرواتيا وبالقرب من زغرب وفي دلماسيا وغيرها.

وقد نجم عن نجاح هذه الجيوش الوطنية تعطيل السكك الحديدية الرئيسية والخطوط الاحتياطية الممتدة صوب الجنوب الشرقي إلى البلقان واليونان، كما عُطلت الملاحة في نهر الدانوب بإغراق السفن في مجرى هذا النهر، فاختل النقل من جراء ذلك بين ألمانيا وبلاد البلقان اختلالًا كبيرًا. وهكذا لم يلبث أن وجد الألمان الذين بنوا آمالًا عريضة على إمكان الاستفادة من استغلال ثروة يوغوسلافيا المعدنية والاستيلاء على غلاتها الزراعية أن الفشل يحيق بخططهم جميعًا.

وقد سبقت الإشارة إلى الأساليب التي اتبعها النازيون في إبادة البولنديين واليهود منهم خاصة؛ ولذلك فقد ظلت بولندة منذ سقوطها في أيدي النازيين مركزًا رئيسيًّا من مراكز المقاومة الإيجابية والسلبية في أوروبا النازية. ومع أن الألمانيين ارتكبوا مع أهل هذه البلاد فظائع تقشعر من هولها الأبدان، إلا أن ذلك لم يخفف شيئًا من حدة هذه المقاومة، بل على العكس من ذلك، قويت هذه المقاومة وزادت عنفًا من جراء هذه الفظائع. وكان من المنتظر بعد الغزو، منذ أن تم للنازيين ما أرادوا من تنظيمات تضمن لهم السيطرة وبخاصة في أثناء عامي ١٩٤٠، ١٩٤١ أن يرتفع قليلًا ذلك الكابوس الجاثم على صدور البولنديين، ولكن هروب الكثيرين منهم إلى الخارج للقتال مع جيوش الأمم المتحدة، ثم إصرارهم على المقاومة في داخل بلادهم، وزيادة مشاغل الألمان من جانب آخر منذ اشتعلت الحرب الروسية الألمانية، كل ذلك جعل النازيين يمعنون في أساليبهم الوحشية لإبادة البولنديين، فأوقعوا بيهود وارسو مذابح كانت أقساها مذبحة شهر مايو ١٩٤٣ المروعة، كما أكثروا من اعتقال المئات من المثقفين. وفي يونية اتُّهم حوالي السبعمائة شخص من هؤلاء بأنهم اشتركوا في هيئات سرية تعمل ضد الألمان. واشتد بطش النازيين فنسفوا بالديناميت أو أحرقوا ٢٠٠٠ «ورشة»، و٣٠٠٠ متجر، و١٠٠ ألف بيت في المنطقة المخصصة لليهود في مدينة وارسو وحدها. ومن بين المآسي التي وقعت في عام ١٩٤٣ أن النازيين لم يلبثوا أن نقلوا الأطفال البولنديين الذين تزيد أعمارهم على اثنتي عشرة سنة مع غيرهم من المراهقين إلى معسكرات العمل الإجباري في ألمانيا. وحدث عندما وصلت في شهر مارس قوافل كثيرة من صغار الأطفال إلى بوميرانيا — وكانت أعمار أغلبهم تختلف بين أربع سنوات وعشر — أن هرع النساء البولنديات في هذه الجهات لتولي هؤلاء الصغار بعنايتهن، فقامت سوق لبيع الأطفال، وكان الحراس الألمان يبيعون الطفل الواحد بأربعين ماركًا فحسب، ولم يكن غريبًا بعد هذا كله أن تصبح بولندة من مراكز المقاومة الخطيرة في أوروبا المحتلة.

وقد حاول النازيون بشتى الوسائل أن يُخمدوا هذه المقاومة بنوعيها «سلبية وإيجابية» وهي لا تزال في مهدها ولكنهم أخفقوا، فلم تلبث الصحف النازية أن نشرت أخبار المقاومة، وكان أهم ما شكت منه ظهور العصابات المسلحة من اللصوص وقطاع الطرق البولنديين الذين دأبوا على مفاجأة مراكز الشرطة الألمانية المنعزلة والحراس الألمان، ومقر قيادة الجستابو نفسه. بيد أنه لم يكن من أغراض هذه العصابات المسلحة الاستيلاء على المال أو الطعام، بالرغم من انتشار المجاعة في بولندة؛ بل إن أهم ما كان يعني هؤلاء اللصوص وقطاع الطرق العثور على أولئك «الجلادين» و«الجزارين» الألمان الذين أهلكوا ألوف البولنديين ليقتلوهم ويستولوا على سلاحهم وذخيرتهم. ومنذ خريف ١٩٤١ نُظمت هذه العصابات المسلحة، ونجم عن هجومها المتكرر على مخازن الذخيرة والسلاح أن صارت بولندة تحتفظ بقدر وافر من الأسلحة والذخائر مخبأة في جهات متعددة؛ انتظارًا لليوم الذي يستطيع البولنديون فيه رفع راية الخلاص والاقتصاص من «جلاديهم» وقت الهجوم على قلعة هتلر الأوروبية.

وكانت اليونان كذلك مركزًا رئيسيًّا للمقاومة الإيجابية في أوروبا؛ فقد أنزل الألمانيون والإيطاليون الذين اشتركوا في احتلال هذه البلاد كما أنزل الألمانيون في كريت، والبلغاريون في مقدونيا صنوف العذاب بالأهلين. ولعل أقسى ما نزل بهم حرمانهم من الأطعمة واستيلاء سلطات الاحتلال على العقاقير الطبية والضمادات وما إلى ذلك، حتى انتشرت المجاعة المخيفة في اليونان وكريت، ومات الأطفال من الجوع والبرد والمرض، وسقط الرجال في شوارع المدن منهوكي القوى، وظلت جثث الموتى مبعثرة في الطرق. وقد بلغ عدد ضحايا الجوع والتعب والبرد والمرض خمسمائة في كل يوم من أيام سنة ١٩٤٢، واشتدت وطأة المجاعة في العام التالي، حتى ذكرت المصادر العلمية في أنقرة أن حوالي خمسمائة يوناني من طبقة العمال في أثينا وبيريه ماتوا جوعًا في النصف الأول من شهر أكتوبر «١٩٤٣»، وفي نوفمبر كانت اليونان تواجه كارثة وطنية لا مثيل لها بسبب ما تعانيه من نقص في الأطعمة، أضف إلى ذلك أن «السادة» الألمان والإيطاليين ثم البلغاريين بعد ذلك ظلوا يتفننون في ابتكار الأساليب لإلحاق الأذى بالأهلين، كأنما الغرض من الاحتلال هو إبادة الشعب اليوناني عن بكرة أبيه؛ ولذلك كله لم يكن هناك بد من أن تكون اليونان من مراكز المقاومة الشديدة في البلقان، فإن فلول الجيش اليوناني الباسل ظلت تحارب في جبال «أبيروس» ومقدونيا وتساليا وطراقية وكريت، حتى اضطر الإيطاليون بسبب هذه المقاومة العنيدة إلى الاحتفاظ (١٩٤٢) بعدد من الفرق لا يقل عن ست عشرة فرقة في اليونان وكريت، وأرغم الألمان على الاحتفاظ بثماني فرق. وفضلًا عن ذلك فقد عمد الألمان إلى اعتقال عدد كبير من أهل القرى — وبخاصة في كريت — بمثابة رهائن، وأعدموا معظمهم، ثم صاروا يحرقون القرى كلما نشبت بينهم وبين العصابات اليونانية أو الكريتية معركة من المعارك، أو اعتدى اليونانيون على ضباط الاحتلال الألمان أو الإيطاليين، أو أتلفت عصاباتهم القطارات أو عطلت النقل العسكري. ومع ذلك أعد رجال العصابات بجزيرة كريت في شهر سبتمبر ١٩٤٣ جيشًا من ١٥٠٠٠ محارب، بينهم جنود من البريطانيين والنيوزيلنديين للهجوم على حاميات المحور عندما يغزو الحلفاء هذه الجزيرة وتتصدع أركان القلعة الهتلرية، واستطاعت العصابات الكريتية إنشاء مستودع للأسلحة بفضل الهجوم على حاميات المحور وقوافله، وألفوا لهم قيادة عامة تحت أوامر الجنرال «ماندا كاس». وقد استمرت أعمال المقاومة في اليونان على شدتها، ثم لم تلبث أن امتدت إلى المناطق التي كان يشملها الاحتلال البلغاري في شمال اليونان، ثم احتج اليونان على الاحتلال البلغاري لمقدونيا، ونزح كثيرون من سكان هذه المناطق المحتلة إلى الجبال حيث ألفوا العصابات تحت قيادة ضباط الجيش اليوناني. ومع أن النازيين عندما غزوا بلاد اليونان واجتاحوها صادروا جميع السفن الشراعية، فقد استولى رجال العصابات على عدد من هذه السفن وسلحوها بالمدافع السريعة وصاروا يستخدمونها لنقل الإمدادات إلى الأسر الجائعة. وفي نوفمبر شرع الألمان يعدون العدو للقيام بأعمال حربية هجومية ضد خمسين ألف جندي من رجال العصابات اليونانية المرابطين في المنطقة الجبلية بين تساليا وأبيروس.

•••

وكان من أساليب المقاومة الإيجابية، ما يُعرف باسم «حركة الإبطاء المتعمد» في العمل والانتاج Go Slow Movement، وكذلك أعمال التخريب Sbotage، وهذان النوعان في الحقيقة من أشد ضروب المقاومة الإيجابية خطرًا على النازيين، في وقت اشتدت فيه حاجتهم إلى كل ما يمكن إنتاجه من أغذية وأردية صوفية وقطنية وأسلحة وذخائر ومصنوعات وغيرها؛ لإعداد التعبئة العامة ومساعدة النازيين على إحراز السيطرة الجرمانية في القارة الأوروبية، ثم دعم هذه السيطرة في النهاية.

فمن المعروف أنه كان يوجد لدى الألمان في الحرب العالمية الثانية من الأغذية الاحتياطية — بفضل ما سلبوه من الدول الخاضعة لسيطرتهم — كمية تزيد على ما كان لديهم من الأغذية في الحرب الأولى. بيد أن «التخريب» الذي كان يحدث في أدوات الإنتاج كان أعظم خطرًا عليها — بلا مراء — من تخريب أعوام الحرب الأولى (١٩١٤–١٩١٨م). وكذلك أدت حاجة الألمان الملحة إلى المنسوجات الصوفية والقطنية إلى تدبير حملة الشتاء المعروفة في عام (١٩٤١-١٩٤٢) من أجل جمع الملابس الصوفية والقطنية، ودل اهتمام الألمان بهذه الحملة على أن مخازنهم ومصانعهم في الريخ وفي البلدان الخاضعة لهم، قد أصبحت خالية من الصوف والقطن، حتى كان الجنود الألمان المرسلون للقتال في الميدان الروسي يرتدون ملابس النساء الداخلية من صوفية وقطنية طلبًا للتدفئة.

وعدا ذلك دلت الحملة الروسية على أن القيادة العسكرية الألمانية أخطأت التقدير إلى مدى بعيد؛ فقد ظل القتال على شدته منذ نشوب الحرب مع الروسيا في صيف ١٩٤١؛ ولذلك لم يستطع الهر هتلر الاستغناء عن مقاتلته في شتاء (١٩٤١-١٩٤٢) لإرسالهم من ميدان القتال إلى المصانع والمناجم وغيرها لإنتاج الأسلحة والذخائر الضرورية لهجوم الربيع، بل على العكس من ذلك أرسل النازيون منذ يناير ١٩٤٢ سيلًا من القوات الجديدة إلى الجبهة الشرقية، حتى أقفرت المصانع تمامًا من العمال الألمان واضطر النازيون إلى الاعتماد كل الاعتماد على الصناع والعمال الأجانب الذين جلبوهم بكثرة عظيمة من البلدان المحتلة للعمل في المصنع والمنجم والحقل، مع العلم بأن الألمان كانوا حتى صيف ١٩٤١ يستخدمون من هؤلاء العمال — ومن بينهم أسرى الحرب — حوالي ٣٠٠٠٠٠٠ رجل كما سبق ذكره.

بيد أن الاعتماد في الإنتاج على العمال «الأجانب» سواء في داخل الريخ أو في الدول المحتلة، لم يلبث أن مهد الفرصة لظهور حركة الإبطاء المتعمد كأسلوب من أساليب المقاومة الإيجابية الشديدة. ومعنى الإبطاء المتعمد: الإهمال المقصود في العمل، وإتلاف الآلات بدعوى جهل طرق استعمالها، وتضييع الوقت سدى في مناقشات لا طائل تحتها، وتظاهر العمال بالغباوة والبلادة والجهل والخوف في المصنع، وعدم فهم الأوامر والإرشادات والتعليمات على الرغم من إلقائها عليهم المرة بعد المرة، وترك المواد والآلات تسقط وتتحطم أو تتلف «سهوًا» أو «قضاءً وقدرًا»، وهكذا مما يجر إلى تبديد الوقت والجهد ويؤدي في النهاية إلى نقص الإنتاج إلى حد ملحوظ.

ولم تكن حركة الإبطاء المتعمد هذه مقصورة على المصنع وحده؛ بل كانت منتشرة في الحقل وفي مصالح النقل بالسكك الحديدية والأنهار وغيرها، وفي المنازل حيث يقوم بخدمة «السادة» الألمان النساء البولنديات خاصة، فيتعمد العاملون في هذه النواحي بسبب إبطائهم الشديد تضييع الوقت سدى، ثم تخريب أو إتلاف الآلات والأدوات وما إليها، وكل ذلك بدعوى الجهل والنسيان أو التظاهر بالغباوة. ومن أمثلة ذلك وضع الزجاج أو المسامير خطأ أو سهوًا في علف المواشي، أو إحراق الملابس الصوفية أو تعمد الإبطاء في أوقات الحصاد حتى تتلف المزروعات بتعرضها للعواصف والعوامل الجوية، أو إخفاء الحبوب، أو ذبح الماشية، أو تعريضها للموت فجأة. ولعل أكبر نجاح صادفته هذه «الحركة» كان في مناجم الفحم حيث يتعذر على الملاحظين الألمان مراقبة كل عامل على حدة، ومع أن النازيين كانوا يوقعون عقوبات شديدة، تبلغ حد الإعدام على كل من تثبت عليه تهمة الإبطاء المقصود أو إتلاف الآلات وغيرها أو التخريب عمومًا، فقد ظلت حركة «الإبطاء المتعمد» على شدتها، بل كثيرًا ما وجد العمال الأجانب وسيلة للانتقام شر انتقام من رؤساء العمل الألمان الذين كانوا يشتدون في ملاحظة العمال المشتغلين في المصانع وغيرها ويوقعون عليهم العقوبات الصارمة لإبطائهم.

وقد نجحت حركة الإبطاء المتعمد وانتشر التخريب في أوروبا النازية انتشارًا كبيرًا، فصارت الشعوب المقهورة يباري بعضها بعضًا في إتقان هذا النوع من المقاومة الإيجابية، فامتاز البولنديون — إلى جانب قيامهم بأعمال التخريب الكبيرة — بالبراعة في إرهاق أعصاب الأسرات الألمانية التي اعتمدت في إدارة منازلها على «الخدم» البولنديين، كما اعتمدت في أعمال زراعتها على سواعدهم، فأنزل البولنديون بهذه الأسرات خسائر فادحة في المنزل وفي الحقل على السواء. أما النرويجيون الذين كانوا يشتغلون في المصانع وأحواض السفن الألمانية فقد اتخذوا لهم شعارًا: «العمل مدى ساعتين في اليوم فحسب لحساب هتلر وست ساعات لحساب الملك هاكون!» ولم يقل عنهم حماسة في ذلك البلجيكيون والهولنديون والتشيك. ومن الحوادث التي تدل على إمعان التشيك في هذا النوع من المقاومة، ما وقع في فينا في ١٧ نوفمبر سنة ١٩٤١ عندما أُلقي القبض على ثلاثة منهم وأُعدموا رميًا بالرصاص؛ «لادعائهم — كما جاء في التقرير الرسمي — أنهم من رجال الجستابو حتى يستطيعوا المضي في أعمالهم غير القانونية!» والحقيقة هي أن هؤلاء الرجال كانوا بدعوى تنفيذ أوامر الجستابو، يكلفون المصانع إنتاج أشياء ومصنوعات لا داعي لها، اقتضى صنعها استهلاك كمية كبيرة من الخامات سدى، إلى جانب تضييع جهود العمال وأوقاتهم في هذه المصانع.

•••

وكان من آثار هذه «الحركة» أن نقص الإنتاج كثيرًا في المصانع التي كانت تشتغل في أوروبا النازية لحساب الألمان، مثال ذلك أن الإنتاج في تشيكوسلفاكيا في خريف ١٩٤١ كان يقل ٤٠٪ عما كانت هذه الدولة تنتجه في الظروف العادية، هذا على الرغم من توفر الخامات والأيدي العاملة بها. وفي مصانع «سكودا» المشهورة قل الإنتاج بنسبة ٣٣٪، وفي مصانع مدافع «برين Bren» المعروفة قل الإنتاج بنسبة ٤٠٪، وفي مناجم الفحم البلجيكية قل الإنتاج منذ خريف ١٩٤١ بنسبة ٣٦٪، ومع أن الألمان أحضروا إلى هذه المناجم عمالًا كثيرين، وزادوا من ساعات العمل بها، فقد ظل الإنتاج في ديسمبر ١٩٤١ ويناير ١٩٤٢ ينقص ٣٠٪ عن إنتاج العام السابق.

•••

أما الفرنسيون فقد كانوا في طليعة الشعوب التي أتقنت هذا النوع من أنواع المقاومة الإيجابية، حقيقة ظل الفرنسيون في بادئ الأمر في شبه ذهول كبير من صدمة ذلك الانهيار الذي حطم في نفوسهم كل أمل وكل رجاء في المستقبل، حتى نجحت الدعاية النازية في استمالة الأنصار والمتعاونين مع رسل النظام الجديد في فرنسا، ولقيت هذه الدعاية كل تأييد من جانب حكومة فيشي. ولكن الأساليب النازية لم تلبث أن أزالت الغشاوة الثقيلة التي أُسدلت على عيون الفرنسيين وأبصارهم عندما وجدوا «السادة» الألمان لا يبغون من تطبيق النظام الجديد سوى نهب فرنسا وسلبها، كما أنهم ظلوا محتفظين بالأسرى الفرنسيين كرهائن حتى يضمنوا سكون هذا الشعب المقهور إلى العيش الذليل، وإرغامه على الرضا وقبول السيطرة الجرمانية على أمل الإفراج عن هؤلاء (المليونين) من الرجال الذين ينتظر عودتهم الأهل والأقرباء في كل بيت من بيوت فرنسا تقريبًا. وهذا أيضًا عدا حوالي ١٠٠٠٠٠ عامل فرنسي، حتى أغسطس ١٩٤٢ أُرغموا على العمل في ألمانيا بالوسائل التي تقدم ذكرها. وكان من عوامل إحياء الأمل والرجاء في قلوب الفرنسيين إخفاق الألمان في معركة بريطانيا، وإخفاقهم الأول في الحملة الليبية المعروفة، وكذلك عنف القتال في الجبهة الروسية؛ فأفاق الفرنسيون من سباتهم رويدًا رويدا، ثم أدركوا أن الجحافل النازية لم تعد تلك الجيوش المظفرة والتي يستحيل قهرها.

لذلك بدأ الفرنسيون منذ أواسط عام ١٩٤١ يتقنون أساليب المقاومة الإيجابية. ولما كان النازيون يعتمدون على العمال الفرنسيين في المصانع الفرنسية لإنتاج آلات الحرب، فقد وجد الفرنسيون مجالًا واسعًا «للتخريب» و«الإبطاء» في المصانع، ومن ذلك الحين كشف الألمان أن الطائرات التي تخرجها المصانع الفرنسية لا تصلح للملاحة الجوية، وأن كثيرين من طياريهم يفقدون الحياة عند محاولة اختبارها قبل إرسالها إلى ميدان القتال، كما كشفوا أن «خرطوش» البنادق والمدافع المرسل من المصانع الفرنسية يصل في الغالب خاليًا من المواد المفرقعة. وفي مرسيليا وجد الألمان أن جزءًا كبيرًا من الأغذية المعدة لتموين الجيش الأفريقي يتلف ويعطب قبل إنزاله إلى سفن النقل. ومن طريف ما يُذكر عن أساليب حركة الإبطاء المقصود أن ضابطًا نازيًّا عُهد إليه في إنشاء مطار في فرنسا في أرض ممهدة نوعًا، فاستخدم في هذا العمل عددًا كبيرًا من الفرنسيين، ولكن انقضت أربعة أشهر دون أن يتم إعداد هذا المطار، وعند البحث اتضح أن سبب ذلك هو أن العمال الفرنسيين كانوا يتظاهرون دائمًا بعدم فهم الأوامر والإرشادات والتعليمات الألمانية، فإذا طُلب إليهم مثلًا إقامة بناء في ناحية ما حفروا الأرض بدلًا من ذلك، وإذا طُلب إليهم العكس أقاموا عليها بناء أو شقوا بها ترعة أو حفروا فيها خندقًا وهكذا، حتى لم تعد الأرض بعد هذه الشهور الأربعة تصلح لإنشاء المطار على الإطلاق. وكان الفرنسيون يعمدون إلى المناقشة والجدل مع رؤساء العمل الألمان دائمًا عند إعطاء التعليمات الخاصة بأي عمل في المصنع أو في الحقل، فيتخذون من الجدل الطويل وسيلة لتضييع الوقت وتحقيق فكرة «حركة الإبطاء المتعمد»، ولم تفلح عقوبات الألمان الصارمة — ومنها الإعدام — في إخماد هذه المقاومة.

وكان من أسباب ازدياد المقاومة ما طلبه الهر هتلر من تقديم فوج جديد من العمال الفرنسيين عددهم «٤٧٠٠٠٠»، يُرسل منهم إلى ألمانيا قبل نهاية شهر يونية من عام ١٩٤٣ «٢٢٠٠٠٠»، أو أن يوضعوا على الأقل تحت تصرف جماعة «تودت» في فرنسا ذاتها، بينما يقدم الباقون وعددهم «٢٥٠٠٠٠» في أثناء الأشهر الثلاثة التالية. فقابل الشبان الفرنسيون هذا الطلب بكل أنواع المقاومة العنيفة، واعتصم أهل مقاطعة سافوي بالجبال فرارًا من التعبئة، وبلغ عدد الذين لجئوا إلى الجبال والغابات حوالي الثلاثة آلاف، ثم حدث مثل هذا تمامًا في البرينيه العليا وبريتاني والفنديه، وبلغت نسبة الهاربين في هاتين المقاطعتين الأخيرتين ٧٥٪ من الأهلين، وقذف الشعب في إحدى مواني بريتاني الصغيرة ببعض رجال النازي إلى البحر، واتسعت حركة العصيان بين الفلاحين في مدن أخرى وتفاقمت تفاقمًا كبيرًا. وفي مقاطعتي سانت كلو وجورا عظمت المظاهرات احتجاجًا على نقل العمال الفرنسيين عنوة إلى ألمانيا، ووقع اعتداء على رجال الشرطة. وعندما أُرغم العمال الفرنسيون على الذهاب إلى القطارات لحملهم إلى ألمانيا عطَّل المتظاهرون سير هذه القطارات، وأتاحوا الفرصة لفرار كثير من هؤلاء المجندين. وفي سافوي أخذ الإيطاليون يحاصرون الشبان الفرنسيين الذين التجئوا إلى بلدة «أنسي» الصغيرة، ولم يعدم هؤلاء بدورهم وسيلة للانتقام من مطارديهم، فانقضوا فجأة ذات يوم من أيام شهر أغسطس على أحد المراكز الإيطالية على حدود سويسرة وقتلوا قائد هذا المركز، بينما احتدمت المعارك في الشهر نفسه في سافوي العليا بين رجال العصابات والقوات المسلحة، واضطر الألمان إلى إرسال النجدات لاحتلال منطقة الحدود بأكملها، فوصل في سبتمبر إلى دوفيني وإيفيان وغيرها حوالي ٩٠٠٠ جندي ألماني لمحاولة القضاء على «الماكي»، وهي «عصابات» الوطنيين الفرنسيين الذين اعتصموا بالجبال في سافوي العليا فرارًا من العمل تحت إمرة الألمان. وفي سبتمبر كان عدد عصابات «الماكي» حوالي ١٢٠٠٠ من الشبان المزودين بالأسلحة والأدوات الخاصة وأجهزة الراديو، وكل ما يفيد في تخريب السكك الحديدية بنوع خاص.

وقد روى مراسل جريدة «جازيت دي لوزان» قصة ما يجري في المنطقة الجبلية من الحوادث، فقال:

ترى شابًّا من عمال المزارع يبدو مسالمًا لا خوف منه يدخل بدراجته مزرعة معينة خُصصت له، ثم يستقر في حجرة من حجرات بيت صاحب المزرعة بعد تبادل كلمات مع زوجته، ولا يكاد يستقر به المقام في تلك الحجرة حتى يخرج من حقيبته جهاز اللاسلكي ويأخذ في استخدامه، ويجد هذا الشاب بعض الصعوبة في الاتصال بالذين يريد الاتصال بهم، ومع أنه يعلم أن في استطاعة سيارات «البوليس السري الألماني» معرفة مكانه بعد عشرين دقيقة من استخدامه جهازه اللاسلكي فإنه يظل يرسل رسالته إلى نهايتها، على أن إرسال هذه الرسالة يستغرق عادة مدة طويلة، حتى إن الشاب لا يكاد ينتهي من عمله حتى يرى إحدى سيارات الجستابو تدخل المزرعة، ويخرج منها الجنود الألمان مسرعين إلى الحجرة التي كمن فيها الشاب وهم يطلقون النار دون إنذار إلى أن يقع الشاب صريعًا مضرجًا بدمائه، ويمكن أن يقال، قياسًا على ما يحدث هناك: إن قانون هذه العصابات لا يعرف رحمة ولا شفقة؛ إذ إن أنباء هذا الحادث لا تكاد تنتشر في البلاد وتبلغ مسامع رؤساء هذه الجماعة حتى يعمدوا إلى حيلة للانتقام، ذلك بأن سيارة «البوليس» السري الألماني بعد أن تلتقط رسالة مستعجلة تقصد إلى «جراج» معين ويخرج منها جنود الجستابو ويتقدمون نحو أبواب «الجراج»، وبينما هم يحاولون فتح هذه الأبواب إذا بوابل من رصاص المسدسات يفاجئ الألمان ويقتلهم جميعًا عدا السائق، فإنه يُضرب ضربًا أليمًا ويُطلق سراحه.

وفي الواقع يحيا هؤلاء الشبان حياة محفوفة بأشد الخطر ويضحون بكل شيء حتى بأرواحهم في سبيل أداء واجباتهم.

ومنذ استسلام إيطاليا (في أغسطس وسبتمبر ١٩٤٣) ترك الجنود الإيطاليون كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر في أيدي الثوار في مقاطعتي سافوي وسافوي العليا، كما أن عددًا من الضباط والجنود الإيطاليين الذين لم يستطيعوا الالتجاء إلى سويسرة لم يلبثوا أن انضموا إلى هؤلاء «الثوار»؛ كي لا يتمكن الألمان من نزع سلاحهم. وفي نوفمبر نشب القتال بين الألمان والوطنيين الفرنسيين في عدة مدن، منها تولوز ومرسيليا، ثم لم يعد نشاط الوطنيين مقصورًا على الجبال، بل أخذ يمتد بسرعة في جنوب فرنسا وفي بريتاني. وفي تولوز اعتدى الوطنيون على الجنود الألمان وقتلوا كثيرًا منهم. وفي مرسيليا وقعت مصادمات خطيرة في الشوارع قُتل فيها عدد من الألمان. وفي «كان» وغيرها صار لا ينقطع صوت إطلاق الرصاص كلما أرخى الليل سدوله، وقد يكفي أن نذكر آخر الإحصائيات التي عملت وقتذاك عن خسائر الفرنسيين الوطنيين لمعرفة مبلغ ما وصلت إليه المقاومة الإيجابية في فرنسا من عنف وشدة؛ فقد قدر عدد ضحايا الوطنيين الفرنسيين في حوادث المقاومة بنحو ٤٠٠٠٠، هذا بينما بلغ عدد المسجونين لاشتراكهم في حركة المقاومة السرية نحو نصف مليون.

•••

ويتضح مبلغ خطر هذه المقاومة الإيجابية من مراجعة طائفة من حوادث التخريب التي وقعت في أوروبا النازية بين أغسطس ١٩٤١، ونوفمبر ١٩٤٣.

ففي شهر أغسطس ١٩٤١ كان عدد حوادث السكك الحديدية في بولندة — حسب الإحصاءات الرسمية الألمانية — ١٢٨ حادثًا؛ أي بما يزيد على أربعة حوادث يوميًّا.

وفي ليلة من ليالي سبتمبر ١٩٤١ استولى حوالي ٤٠٠ من التشنتيك و١٥٠٠ من المدنيين على مناجم الفحم في لجسلاني Ljeslani في البوسنة «في يوغسلافيا»، وكان يقوم على حراسة هذه المناجم ٧٥ رجلًا قُتلوا جميعهم في ملحمة دامية نُسفت بعدها هذه المناجم بالديناميت. ثم ضرب التشنيك محطة توليد الكهرباء المجاورة قبل انسحابهم، وقدرت الحكومة الكرواتية هذه الخسارة بمبلغ ١٢ مليون كونا (العملة الكرواتية الجديدة).

وفي ١٦ سبتمبر ١٩٤١ نُسفت بالديناميت في بولندة قنطرة السكة الحديدية الرئيسية بين «برسلاو» و«وارسو»، وهذا الخط من أعظم خطوط التموين أهمية بين ألمانيا والجبهة الشرقية (الروسية).

وفي ١٠ أكتوبر أذاع الحاكم الألماني في إقليم «أليسوند Allesund» في النرويج أن الأهالي ألحقوا أضرارًا جسيمة بالتحصينات الألمانية.
وفي ١٥ ديسمبر نُسفت بالديناميت في بلجيكا الشرقية الأسلاك الرئيسية في محطة «بريسو شارات Bresoux Charatte» لتوليد الكهرباء، وهي تمد ألمانيا الشمالية الغربية.

وفي ٤ نوفمبر نُسفت بالديناميت أجزاء في منجم فحم «موتيجني» في إقليم «جراند-لينج».

وفي يناير ١٩٤٢ أصدر رئيس الشرطة في باريس أمرًا بالقبض على عصابة من المحاربين يتزعمها عامل يبلغ من العمر ٢٢ سنة، مهمتها إشعال الحرائق في المصانع وتخريب الآلات. وفي الشهر نفسه أعلنت الحكومة الألمانية رسميًّا أن صعوبة تموين يوغوسلافيا واليونان بالطعام ناشئة من أن عددًا كبيرًا من موظفي السكك الحديد اليوغوسلافية قد انضموا إلى جيش الجنرال ميخائيلوفتش وإلى جماعات «التشتنيك».

وفي ٢ فبراير عُين الماجور كويسلنج رئيسًا لحكومة النرويج، فتبع ذلك سلسلة من أعمال التخريب؛ إذ أشعلت الحرائق في محطة السكة الحديد في «أوسلو»، ثم انفجرت عدة قنابل في بناء البرلمان النرويجي Storting، وفي الجامعة والمسرح الحكومي، ثم أُشعلت النيران في أكبر مصنع نرويجي للمطاط في «أسكيم Askim»، وفي مصنع آخر في «درامن Drammen» وقد خُرب المصنعان تمامًا، وكذلك اشتعلت النيران في «برجن» وفي «لكسفاج Laxevaag» في مصنع للآلات وفي أحواض السفن.

وفي ٢١ مايو ١٩٤٣ أُذيعت أنباء عن وقوع اضطرابات خطيرة في عاصمة بلجيكا، وأن الوطنيين البلجيكيين دمروا أخيرًا ٣٣ قاطرة، منها ٥ قاطرات كانت تجر ١٨ مركبة محملة بالذخيرة، وعطلوا أو حطموا مؤسسات هامة أخرى.

وفي ٣١ مايو ١٩٤٣ أشعل رجال عصابات التخريب النار في أعظم مصنع نسيج في رومانيا للمرة الثانية، وأتلفوا ألوف الكيلوجرامات من المواد الخام، وقُدرت الخسائر ببضعة ملايين لي.

وفي اليوم نفسه أذاعت وكالة الأنباء البلجيكية أن المخربين نسفوا ثلاث محطات مترو في منطقة لييج، وقد نُسف منزل عمدة بلدة شوشين.

وفي ٣ يونية دمر الوطنيون الفرنسيون منجمًا يُستخرج منه البوكسيت وهو أهم مصدر للألمونيوم، وكذلك دمروا في المدة القصيرة السابقة نحو ٣٠٠ قاطرة، ١٢٠٠ عربة مشحونة بمعدات الحرب والمواد الغذائية والجنود، ثم نسفوا ثلاثة جسور.

وفي ١٨ يونية قُتل أكثر من أربعمائة جندي ألماني كانوا في طريقهم إلى اليونان عندما هاجمت جماعة من المخربين القطار الذي كان يقلهم في متروفيكا في كرواتيا وأخرجوه عن الخط. وقد ثأر الألمان لأنفسهم بإحراق المدينة ولم تعد القطارات تمر بهذه المنطقة لكثرة حوادث التخريب في السكك الحديدية حتى بلغ المعدل خمسة قطارات في اليوم الواحد على الرغم من الوحشية التي يستخدمها الألمان في التشفي والانتقام.

وفي ٢٨ يونية أذاعت وكالة الأنباء البلجيكية أن ثلاثة من البلجيكيين وفرنسيًّا أُعدموا على إثر وقوع انفجار شل حركة النشاط في منجم فحم في «لامبو سارت» بمقاطعة هانيولت في بلجيكا، وكذلك نشرت الصحف السرية البلجيكية في هذا الوقت خبرًا مفاده أن ٣٨ قاطرة و٢٥١ عربة وست «ورش» تابعة للسكك الحديدية دُمرت في خلال شهر واحد. وقالت إحدى الصحف السويدية: إن الوطنيين البلجيكيين نسفوا بالديناميت القضبان الحديدية بين «كوتري» و«موسكرون» وبين «تيرلمون» و«لوفان» في عدة أماكن، وقد خرج قطار محمل بالجنود النازيين العائدين إلى ألمانيا عن القضبان، واعتدى الوطنيون كذلك على عدة قطارات ألمانية محملة بالجنود والعتاد الحربي في «غنت» و«جودارفيل» و«ترموند» و«لييج».

وفي ٢٣ يولية جاء من اليونان أن العصابات دمرت جسرين على نهر لوروس، ثم هاجمت القوات المعادية التي كانت تريد إصلاح الجسرين وقطعت المواصلات التليفونية بين بعض المدن. وفي ٢٣ أغسطس أذيع من ستوكهولم نبأ خاص جاء فيه أن أكبر مصنع للألمنيوم في الدانمرك، وهو مصنع «دانسك أليومنيوم فابريك» في كوبنهاجن دُمر تدميرًا تامًّا بفعل الأيدي المخربة.

وفي ٢٧ أغسطس وردت الأنباء بأن الجنود الألمان أطلقوا النيران على المتظاهرين في ساحة «الراد هوسيلادن» الواقعة في قلب كوبنهاجن، وقد اشتدت مقاومة الدانمركيين النازيين حتى أذيع عن طريق الراديو الدانمركي أن الضرر الذي أحدثه المخربون بمصنع المعدات الكهربائية في كوبنهاجن يقدر بمائة ألف جنيه إسترليني على قاعدة أسعار ما قبل الحرب. وقد ظهر من التحقيق أنهم دخلوا المصنع وهم يحملون المسدسات وتغلبوا على الحراس ووضعوا ثلاث قنابل أحدثت ضررًا مروعًا.

وفي ٢٩ أكتوبر وضعت العصابات الفرنسية أربعين طنًّا من المواد المتفجرة في مصنع بارود بمدينة «لانجو»، فحدث انفجار مروع سُمع في أنحاء ولاية المارن العليا وأحدث الانفجار ضررًا بليغًا.

وفي ١٧ نوفمبر حدث انفجار في «جرينوبل»، نُسفت من جرائه محطة توليد الغاز، وكذلك مصنع الأسلحة والبارود الألماني.

وفي ١٩ نوفمبر جاء في الأنباء التي أُذيعت من زوريخ أن أعمال التخريب في ازدياد مطرد في موانئ كونستنتزا وفينا ولتر وباساد الواقعة على نهر الدانوب، وكانت تخرج من هذه الموانئ صنادل مشحونة طعامًا من النمسا ورومانيا عادة إلى ألمانيا.

•••

وفيما يلي بعض الأمثلة التي توضح مبلغ الضرر الذي ألحقته هذه المقاومة الإيجابية بأداة الحرب الألمانية.

من ذلك أن حوالي مليون ونصف خرطوشة صنعتها الشركة «الوطنية البلجيكية» لصنع الأسلحة في «هرستال Herstal»، لم يلبث أن وجدها الألمان عند وصولها إلى ألمانيا خالية من المواد المفرقعة، كما أن شركة «ستروين» الفرنسية انتجت كمية كبيرة من أجزاء الدبابات وجدها الألمان غير صالحة للاستخدام، فانتقموا من عمال هذه الشركة، بأن اختاروا منهم عددًا أعدموهم رميًا بالرصاص أمام زملائهم. ومن هذه الأمثلة كذلك أن النازيين عندما احتلوا فرنسا الشمالية وأحصوا ما يمكن أن تنتجه مصانعها من دبابات وطائرات قدروا ما يمكن أن تنتجه هذه المصانع في الشهر الواحد بمائتي دبابة وخمسمائة طائرة. وعلى أساس هذا التقدير وزعوا الخامات على المصانع، ومع ذلك وجد الألمان بعد مدة أن متوسط ما يمكن أن تنتجه هذه المصانع في الشهر الواحد لا يزيد على خمسين طائرة، وأربعين دبابة.

•••

على أنه كان من أهم عوامل المقاومة بنوعيها (الإيجابي والسلبي) تأليف ذلك الجيش الكبير الذي يضم تحت لوائه جميع الشعوب المغلوبة على أمرها في أوروبا النازية، والتي تتوق إلى الخلاص من نير النازي وطغيانهم، هذا الجيش هو «جيش النصر V. Army» وعلامته حرف V المشهور، ومقر قيادة هذا الجيش في لندن، ويتولى تنظيمه الكولونيل «بريتون Britton». وكان لجيش النصر عدة فروع منظمة في الدول المحتلة، بل لقد امتد نشاطه إلى كل بلد وقرية من بلدان أوروبا النازية وقراها، وكان يربو عدد «جنده» على ملايين كثيرة من الرجال والنساء، ومع أن أكثر هؤلاء كانوا عزلًا من السلاح؛ إلا أنهم لم يعدموا وسيلة تمكنهم دائمًا من النضال ضد الخونة والكويسلنجين وغيرهم من أنصار العدو الذين باعوا أرواحهم رخيصة للنازيين في أوروبا.
وكانت مهمة جيش النصر الكبرى مراقبة هؤلاء الخونة والكويسلنجين لمنعهم من إلحاق الأذى بأوطانهم عن طريق التعاون مع النازيين، ومحاولة فض جماعاتهم وأحزابهم، وكان لدى جيش النصر قوائم كاملة بأسماء هؤلاء، فكان جنود هذا الجيش يكشفون أمر الخونة للناس ويخطون أسماءهم على الجدران في الشوارع ويرهقونهم بتكرار الوعيد والتهديد في خطابات يرسلونها إليهم من غير إمضاءات، وكثيرًا ما كان يختفي نفر من هؤلاء الكويسلنجين دون أن يتركوا أثرًا وراءهم، أو إذا أمكن العثور على جثة واحد منهم، وجِد حرف V مرسومًا عليها. ولم يفلح النازي والجستابو في حراسة أنصارهم أو في تعطيل جهود جيش النصر، بل إن جند هذا الجيش كثيرًا ما وجدوا في الظلام الدامس من جراء الإغارات الجوية المتكررة في فرنسا وبلجيكا وهولندة فرصة مواتية للمضي في نشاطهم، فكانوا يفتحون المجاري، ويزينون بوابات وحواجز القنوات (خصوصًا في هولندة)، ويغيرون وضع المصابيح الحمراء لتضليل الدوريات الألمانية، وكثيرًا ما كان رجال الجستابو يجدون في الصباح عددًا من الجند الألمان ملقى في المجاري أو في القنوات أو مصابًا بحادث.

وكان جيش النصر يمضي في نشاطه وفق برنامج منظم فيذيع قائده «الكولونيل بريتون» على الأثير أسماء الخونة ذوي الخطر الذين ينبغي التخلص منهم، أو أسماء أولئك الذين يعملون كجواسيس لحساب الجستابو، فلا ينقضي وقت قصير حتى يكون أكثر هؤلاء قد اختفوا من الوجود، بينما يعمد الجستابو أنفسهم إلى قتل الجواسيس الذين تذاع أسماؤهم حرصًا على سلامة نظام «البوليس» السري الألماني نفسه.

وفي الحق أن جيش النصر كان يطيع أوامر قائده وإرشاداته بكل دقة، ومن أمثلة ذلك أن «الكولونيل بريتون» نشر في بداية عام ١٩٤٢ اسم الدكتور وليم منجلبرج Mengelberg عن كبار الموسيقيين الهولنديين، بين أسماء الخونة الذين يتعاونون مع النازي، فحدث في أول احتفال موسيقى أقامه «منجلبرج» في أمستردام بعد هذه الإذاعة أن قابله الجمهور في قاعة كادت تكون خالية، بكل أنواع الاستنكار حتى شعر «منجلبرج» بتعذر الإقامة في وطنه، واضطر إلى مغادرة هولندة والطواف في سويسرة والبورتغال يقيم بها الاحتفالات الموسيقية.

غير أن أكبر الخدمات التي كان يؤديها جيش النصر، إنما هي نشر المقاومة السلبية وتنظيمها في أنحاء أوروبا النازية.

•••

وكان يقصد بالمقاومة السلبية امتناع الشعوب المقهورة عن التعاون مع النازيين الذين يحتلون بلادهم، وعدم الدخول معهم في غير الصلات التي تفرض الظروف الواقعية وجودها وفي حدود الاتفاقات أو التنظيمات الرسمية أو شروط الهدنة، وما إلى ذلك. وإعطاء كل معونة ممكنة لقوات الأمم المتحدة في الحرب ضد النازي، ويدخل في ذلك: تغذية الرأي العام عن طريق الصحافة السرية الحرة — وسيأتي الكلام عنها — وذلك لتأليف كتلة وطنية متماسكة، ترفض التعاون مع الألمان، وتعد العدة لاستقبال يوم الخلاص من نيرهم، ثم إيواء الطيارين البريطانيين وغيرهم من طياري الأمم المتحدة الذين ينجون من الموت عند سقوط طائراتهم في أرض العدو، وتدبير فرار هؤلاء الطيارين ومعاونتهم على اجتياز الحدود أو عبور المانش بسلام إلى شواطئ إنجلترا، كما حدث في النرويج والدانمرك وهولندة وبلجيكا وفرنسا، ثم تسهيل مرور «اللاجئين» والفارين من معسكرات الاعتقال الألمانية، كالبولنديين واليهود وأسرى الحرب، وترك الأنوار مضيئة من أعلى النوافذ «سهوًا» وقت الغارات على أمل إرشاد الطائرات المغيرة إلى أهدافها.

وهكذا كثرت أساليب هذه المقاومة السلبية وتنوعت، وكانت أعظم ظهورًا في البلدان التي لا تساعد جغرافيتها أو ظروفها السياسية أو وقوعها تحت رقابة جيش الاحتلال ورجال الجستابو الشديدة على إتقان أهلها أساليب المقاومة الإيجابية، ومن ثم امتازت كل من الدانمرك وهولندة وبلجيكا وبولندة وفرنسا أخيرًا بإتقان أساليب المقاومة السلبية، ولو أنه مما ينبغي ذكره أن هذه البلاد جميعًا قد أخذت تتحول من مجرد اتباع أساليب المقاومة السلبية الآنفة إلى القيام بأعمال التخريب على نطاق واسع والاشتباك مع العدو في معارك دامية.

وكان الدانمركيون أصحاب الفضل الأول في ظهور نوع المقاومة المعروفة باسم «إعطاء الكتف البارد للضيوف النازيين Den Kold Skudde»، أي إهمال أمرهم، وعدم الاهتمام بهم، والتمسك بحرفية الاتفاقات الرسمية في المعاملات التي لا مناص من وجودها بين الألمان والدانمركيين، مما أحاط العلاقات المحدودة القائمة بين النازيين وأهل البلاد بجوٍّ من «البرود» الشديد، وكان الملك الدانمركي «كرستيان» نفسه زعيم هذه الحركة التي كانت تجعل النازيين يشعرون بعمق الهوة التي تفصل بينهم وبين الشعب الدانمركي كما كانت تجعل من المستحيل على هؤلاء النازيين أن ينتظروا من الدانمركيين غير العداوة الشديدة نحوهم. ومن مظاهر هذه الحركة امتناع الشابات الدانمركيات عن مخالطة الألمان أو الاجتماع بهم في المراقص وإلحاق الإهانة والأذى بأنصار المعاونة مع النازي من جماعة «فريتز كلوسن Clausen»، والتظاهر بجهل اللغة الألمانية، أو الإجابة على ما يلقيه الألمان على الجمهور من أسئلة باللغة الإنجليزية، وكذلك وضع الورود والأزهار على قبور الطيارين الإنجليز الذين يجدون مثواهم الأخير في الدانمرك ورسم حرف النصر — V — والحروف الأولى من اسم سلاح الطيران الملكي البريطاني R. A. F. على جوانب قبورهم، إلى غير ذلك من الأمور التي دفعت أحد الواصلين من الدانمرك يصف هذه المقاومة بقوله: «من المشكوك فيه أن يلقى أي غازٍ من ضروب المقاومة نوعًا أشد إزعاجًا وإيلامًا مما يلقاه الألمان في الدانمرك!»

بيد أن الدانمركيين لم يقنعوا بهذه الأساليب، بل أخذت تظهر إلى عالم الوجود حركة سرية واسعة النطاق غرضها التدمير والتخريب في المصانع التي تشتغل لحساب ألمانيا، حتى اضطرت حكومة برلين في أواسط عام (١٩٤٣) إلى إرسال «بلاغ نهائي» بشأن القضاء على هذه الحركة الخطيرة، والمطالبة بمحاكمة الذين يقترفون أعمال التخريب أمام محاكم ألمانية بدلًا من المحاكم الدانمركية التي لا تعترف بعقوبة الإعدام. وفي أغسطس أُعلنت حالة الطوارئ في عدة مدن هامة مع أن الملك «كرستيان» لم يلبث أن أصدر نداء إلى شعبه ناشده فيه التمسك بأهداب الهدوء والنظام، وسواء أحدث ذلك نتيجة ضغط السلطات الألمانية عليه أو لأنه كان لا يزال يفضل خطة «إعطاء الكتف البارد» للضيوف الألمان — فإنه لم تمضِ ساعات من صدور هذا النداء حتى عادت حوادث التخريب سيرتها الأولى، بل واشتدت وطأتها، ودمر المخربون مصنع «دانسك أليومنيوم فابريك» في كوبنهاجن — مما سبق ذكره — وعلى ذلك احتل الألمان في ٢٤ أغسطس ١٩٤٣ مدينة كوبنهاجن احتلالًا تامًّا، وأذاع راديو «كالاندبرج» وكان تحت سيطرتهم، نداء يحض العمال في كوبنهاجن على عدم الانقياد إلى دعاة الاستفزاز والثورة، «الذين يوزعون منشورات غفلًا من التوقيع يدفعونهم بها إلى أعمال التخريب والتدمير».

ومع هذا فقد ذهبت نصائح الألمان سدى، وترتب على الاحتلال الجديد وقوع حوادث خطيرة، منها التحام الجنود الألمان مع الدانمركيين في مناوشات دامية، ونسف مستودعات الذخيرة في منطقة الأحواض في كوبنهاجن، وفرار جزء من الأسطول الدانمركي إلى موانئ السويد، وإقدام البحارة الدانمركيين على إغراق جميع البوارج الحربية التي كانت في ميناء كوبنهاجن والتي لم تستطع الخروج من الميناء، ثم تمكن عدد كبير من ركوب الزوارق البحرية وفروا عليها إلى السويد أيضًا.

وعندما قدمت السلطات الألمانية بسبب هذه الحوادث، إنذارًا إلى حكومة الدانمرك طلبت فيه السيطرة العامة على البلاد، رفضت الحكومة هذا الإنذار، وهددت الملك بالاستقالة إذا قبل إنذار الألمان، فأعلن «فون هانيكين» القائد العام الألماني الأحكام العرفية في منشور جاء فيه:

إن الحوادث الأخيرة برهنت على أن الحكومة الدانمركية عاجزة عن المحافظة على النظام في الدانمرك، ولما كانت الاضطرابات التي يسببها سماسرة العدو موجهة ضد الجيش الألماني، فإني بناء على ذلك أعلن الأحكام العرفية في البلاد كلها.

وكانت الخطوة التالية، أن اعتقل الألمان الملك والوزراء وولي العهد وأسرته، وحدثت من جراء ذلك التحامات عنيفة بين جنود الحرس والألمان عند قلعة «سود جنفري» التي اعتُقل بها الملك، على بعد عشرة أميال شمالي كوبنهاجن، وكذلك وقعت التحامات أخرى في ثكنات «ريجرسيورجس»، وفي مدينة «سفند بورج»، و«مستفيد» بجوار كوبنهاجن، وزيادة على ذلك اعتقل الألمان جميع الضباط النظاميين في الدانمرك وقبضوا على رئيس حزب المحافظين، وزعيم هذا الحزب في البرلمان ووزير الشئون الكنسية السابق وزعيم الشباب المعروف «إكسل مولر»، وأحد الشيوخ، وزعماء نقابات العمال. ثم شرعوا يضطهدون اليهود؛ فقبضوا على رئيس الجالية اليهودية في كوبنهاجن، وكان شيخًا يناهز الثانية والسبعين، ومعه خمسون من زعماء اليهود، كما عمدوا إلى أخذ «الرهائن» لتقوية الحكم الإرهابي، وهددوا باعتقال زعماء العمال «كرهائن» حتى يخمدوا موجة الاضطراب التي اكتسحت «هلسنجوير» وتسع مناطق أخرى. ثم زادت الأزمة تعقدًا عندما استقال في آخر الأمر «سكافينوس» رئيس الوزارة ورجال حكومته، ورفض رجال «البوليس» الدانمركي أداء يمين الإخلاص للقائد الألماني العام «فون هانيكين». ونجم عن هذا الأمر الأخير أن احتل رجال الجستابو وجنود الهجوم جميع مراكز الشرطة بالعاصمة في آخر أغسطس ١٩٤٣.

ومع هذا، فإن الإجراءات الألمانية الصارمة لم تأتِ بالنتيجة المرغوبة، فقد استمرت الاضطرابات في كوبنهاجن وفي غيرها من المدن، واتسعت حركة التخريب في الفترة التالية واضطر الألمان بسببها إلى إصدار منشور جديد يعمم حالة الطوارئ في الدانمرك كلها ويصر على التشدد في تنفيذها ٧ سبتمبر، ولكن أحدًا لم يرتدع، فقد جاء في نبأ من استكهولم في ٢٩ أكتوبر أن المواصلات والحركة العامة قد عطلت في أنحاء الدانمرك بسبب ظهور حركة تخريب جديدة واسعة النظاق، وأن العصابات دخلت محطة ومصنعًا لآلات اللاسلكي التي تكشف اقتراب الطائرات المغيرة، فقتلت حارسًا وتغلبت على بقية الحراس وحطمت جزءًا من المصنع بالقنابل، وأن عصابات أخرى أشعلت النار في مخازن الألمان في «أودنسي» و«أسبرج».

وفي أواخر عام ١٩٤٣ كانت هذه المقاومة لا تزال على أشدها، فالمصانع تنقطع عن العمل، ويضرب عمالها لأتفه الأسباب، وتكثر حوادث النسف والتدمير بدون توقف في جميع أنحاء البلاد، من ذلك نسف قطار حرب ألماني كان ينقل قوات ألمانية إلى الدانمرك لتعزيز الحامية النازية فيها. وإزاء هذه المقاومة الخطيرة، اضطر الألمان على ما يبدو، إلى تعديل خطتهم بعض الشيء، فبعث الهر هتلر في أواخر نوفمبر رسالة إلى الملك كرستيان، الذي كان لا يزال حتى هذا الحين في شبه اعتقال رسمي، يقول فيها إنه يقدر موقف الملك ويدرك الصعوبات التي تكتنفه من كل جانب، وأنه لهذا يتوق إلى مقابلته للبحث عن الوسائل التي تكفل علاج هذه المشاكل من الجانبين، «لا سيما أن الدانمرك أصبحت في مفترق الطرق، ويجب أن تساهم بنصيب كامل في جهود المحور الحربية»، وهذا الغرض الأخير كان يستحيل على الملك قبول تحقيقه؛ لذلك رفض «كرستيان» هذه المقابلة واعتذر عن ذلك بأنه لا يزال مقيد الحرية ولا يستطيع فعل شيء ما دام محرومًا من الحرية الكاملة في العمل، وما لم يُرد وزراؤه المعزولون إلى مناصبهم: هذا إلى أن حالته الصحيحة لا تمكنه من تجشم مشاق الأسفار. ولما كان يعرف أن هناك ما يشغل الفوهرر في الوقت الحاضر، فقد أمل أن تتاح لهما فرصة أخرى للاجتماع في وقت قريب! وهكذا جاء رد الملك كرستيان مثلًا في الحقيقة من أمثلة حركة «إعطاء الكتف البارد» للضيوف النازيين، التي يتقنها الملك الدانمركي الإتقان كله.

وكذلك أتقن الهولنديون أساليب المقاومة السلبية، وبذل النازيون من مدة جهودًا جبارة لإقناع سواد الشعب الهولندي بأن الألمان يَلقَون إقبالًا على معاشرتهم والتعاون معهم من جانب شطر كبير من أهل البلاد، وحتى يقيموا الدليل على صحة دعواهم أكثروا من نشر الصور الشمسية المزيفة، فمنها ما أظهر جماعة من الضباط الألمان يجلسون في أحد الأندية إلى جانب شابات هولنديات، أو بعض الجنود الألمان يتحدثون مع الأطفال ويلاعبونهم وهكذا، كما نشروا صورًا جميلة «مزيفة أيضًا» لهتلر الطفل، ترسمه كملاك طاهر؛ وذلك حتى يجتذبوا قلوب الهولنديين إلى محبة زعيمهم، ولكن الإخفاق التام كان نصيب هذه المحاولات المزرية جميعًا.

بل على العكس من ذلك، لم يلبث الهولنديون بدورهم أن عمدوا إلى أعمال التخريب والتدمير واتخاذ جميع الوسائل التي تؤدي إلى تعطيل الإنتاج وإثارة القلاقل والاضطراب في أنحاء البلاد. وتتضح خطورة الحالة في هولندة وما بلغت إليه من التوتر أن رئيس الجستابو في هذه البلاد اضطر إلى إصدار عدة أوامر «في أواخر يولية ١٩٤٣» جاء في أحدها «أن على قوات البوليس العسكري والمدني إطلاق النار في الحال وبلا إنذار على كل تجمهر يُشاهد في الميادين العامة أو الشوارع يشترك فيه أكثر من خمسة أشخاص»، أضف إلى هذا إعلان الأحكام العرفية في جميع البلاد الهولندية على أيدي «سايس إينكارت» حامي هولندة النازي … وقد جاء في مرسوم هذه الأحكام ما نصه:

يحاكم أمام المجلس العسكري ويُحكم عليه بالإعدام كل شخص يشترك في الاجتماعات العامة مهما يكن نوعها، وكل من يرفض أن يقوم بالعمل المكلف به ولو كان رفضه سلبيًّا، وكل من يشترك في الاعتصاب أو يُضرب عن العمل، وكل من يحمل سلاحًا أو يكون السلاح في حوزته، وكل من يتمرد أو يثور ضد السلطات العامة، وكل من يكتب أو ينشر أو يوزع منشورات من شأنها إثارة الخواطر أو تعكير صفو النظام العام.

ولهذه الفقرة الأخيرة أهمية خاصة؛ لأنها تشير إلى وجود وذيوع ما يُعرف في أوروبا النازية باسم «الصحف السرية»، وهذا إلى أنها تتضمن اعترافًا واضحًا بخطر الدور الخفي الذي كانت تلعبه هذه الصحافة الحرة في تقويض أركان النظام الجديد لا في هولندة وحدها، بل وفي أوروبا الهتلرية جميعها.

•••

وقد انتشرت المقاومة السلبية في البلدان المحتلة في أوروبا النازية حتى إن الأطفال وصغار السن لم تكن حماستهم تقل عن حماسة البالغين وكبار السن في إظهار كراهيتهم للألمان، وإصرارهم على عدم التعاون معهم، من ذلك أن جريدة «لوبايي رييل Le Pays Réel» البلجيكية، وهي صحيفة «لبون ديجريل Dégrelles» من كبار أنصار النازي في بلجيكا، شكَتْ ذات يوم من أن «المدارس تحرض الأطفال على الثورة»، ثم ذكر المحرر لإثبات ذلك: «أنه صادف تلميذتين صغيرتين تنشدان في الترام أنشودة وطنية تنتهي بما معناه أن بريطانيا العظمى سوف تكسب الحرب لا محالة، فلما سألهما أين تعلمتا هذه الأنشودة أجابتاه: «في المدرسة».» ولم يلبث البلجيكيون أن أخذوا يحتلون مكانًا ظاهرًا بين الشعوب المقهورة التي أتقنت أساليب المقاومة السلبية ضد النازي. ومما لا شك فيه أن هذه المقاومة كانت تستمد قوتها من «الصحف السرية» المتعددة التي ما فتئت تعمل على نقل أخبار العالم الخارجية إلى البلجيكيين في صورتها الصحيحة، وتحض أهل البلاد على عدم التعاون مع الألمان وتحيي في نفوسهم الأمل في قرب ساعة الخلاص، وتشجعهم على التآزر في سبيل إلحاق الأذى بآلة الحرب الألمانية.

ومع أنه كانت هناك فئة من البلجيكيين الضالعين مع الألمان إلا أنها كانت أقلية لا تُذكر، وقد أصبحت موضع الكراهية والازدراء في البلاد، كما أن العمال والمهندسين البلجيكيين الذين سخَّرهم الغزاة لإنتاج ما يحتاجون إليه لم يكونوا يزيدون على عُشر السكان، ومع هذا فقد اتحدت كلمتهم على تعويق الإنتاج بكل ما في طاقتهم من حيلة أو جهد. أضف إلى ذلك أن ملك البلجيكيين «ليوبولد» قد لزم العزلة منذ مدة طويلة في قصره في «لاكن» على بعد عشرة كيلومترات من بروكسل، لا يقابل أحدًا من الغزاة، ويأبى التعاون معهم؛ ولذلك تركه الألمان في مقره مقيد الحرية، غير عابئين به، كما قالوا «ما دام لا يستطيع شيئًا في سجنه الحالي».

•••

وكان من أهم أنواع المقاومة السلبية تدبير المظاهرات في البلدان المحتلة احتجاجًا على أساليب النازي الحكومية، ولإقامة البرهان على أن هذه الشعوب المغلوبة ترفض التعاون مع النازيين إطلاقًا. وفي أغلب الأحيان كان الطلبة يتزعمون هذه المظاهرات، كما حدث في «مظاهرات الجامعات الهولندية» في عام ١٩٤٠، في جامعتي «دلفت Delft» و«ليدن Lyden» عندما احتج الطلبة على إخراج الأساتذة اليهود من هاتين الجامعتين، بل إن إصرار «سايس إنكارت Seyss Inquart» حاكم هولندة النازي على تشريد اليهود الهولنديين وإبادتهم سرعان ما أسفر عن وقوع التحامات دموية بين الهولنديين الوطنيين من جانب والنازيين والهولنديين المتعاونين معهم من أنصار «مسيرت Mussert» — كويسنلج هولندة — من جانب آخر، ووقعت هذه المعارك خصوصًا في أمستردام ولهاي في شهري يناير وفبراير ١٩٤١.
وفي العامين الآخرين امتدت عدوى المظاهرات إلى البلدان الأخرى التي وطد النازيون فيها أقدامهم؛ فجاء من «أثينا» في مايو من عام ١٩٤٣ أن الطلبة فيها أحدثوا شغبًا على إثر حادث قتل فيه الجنود الإيطاليون أحد الطلبة اليونانيين، وقد اعتصم الطلبة في أحد أبنية الجامعة، وأخذوا يرجمون الجنود الإيطاليين بالحجارة وهم ينشدون النشيد الشيوعي الدولي. وكذلك جاء من سلوفاكيا في الشهر نفسه ما يفيد قيام مظاهرات كبيرة في المدة الأخيرة في شرق هذه البلاد احتجاجًا على قلة المواد الغذائية بها، ووقوع حوادث محزنة أمام المتاجر الخالية. وفي شهر نوفمبر من العام نفسه ١٩٤٤ جاء من استوكهلم أن سياسيًّا أجنبيًّا زار فينا بعد مؤتمر موسكو أغسطس ١٩٤٤، أفضى إلى مراسل جريدة «داجنس» في زوريخ بتصريح جاء فيه قوله:

تجتاح النمسا كلها موجة من التفاؤل حتى لقد زاد فيها نشاط الجمعيات السرية وأعمال التخريب زيادة ملحوظة، وقد أعيد تأليف المحنة الوطنية التي أنشئت في خريف سنة ١٩٤١، وعهد إليها بإدارة الأعمال السرية في البلاد، واختيرت لجنة فرعية للجنة المعروفة باسم لجنة المقاومة لغرض واحد هو عرقلة أعمال النازي، وقد أصدرت هذه اللجنة منشورًا دعت فيه جميع العاملين ضد النازي إلى توحيد صفوفهم والتعاون في أعمالهم، وناشدت النمساويين جميعًا الاهتمام بالاشتراك مع جميع الشعوب المقهورة وخاصة جيرانهم منها في الجهود التي تبذلها لتظفر بحريتها.

وكان هذا المنشور يتضمن آراء عملية بشأن طريقة تنظيم المقاومة، ويطلب إلى الجنود أن يفروا إلى إقليم الحدود وينضمنوا إلى الوطنيين المحاربين، وكثيرًا ما كان يحدث الاعتداء على الموظفين وجنود الهجوم الألمان مما أدى إلى القبض على الناس جملة وصدور أحكام كثيرة بالإعدام. ويقول مصدر آخر إن عقد مؤتمر موسكو شدد عزائم المقيمين في التيرول، وستير مارك؛ فأخذوا يشعلون نيرانًا هائلة في أعلى الجبال. وقد سارت مظاهرات في أحياء العمال في فينا ورُفعت الرايات النمساوية على كثير من المباني، فتدخل جنود الهجوم الألمان حينئذ، وقبضوا على مئات من الناس. وقد أبدى السكان مقاومة عنيفة فأطلق الجنود النار عليهم وجرحوا كثيرين. وقد شُوهدت أعلام كثيرة مرفوعة كُتبت عليها العبارة التالية: «لتحيا الجمهورية النمساوية».

وفي باريس دبَّر الطلبة المظاهرات ضد النازي، ومن أمثلة ذلك المظاهرات التي دبَّرها الطلبة في الحي اللاتيني في أغسطس ١٩٤٠، في أثناء معركة بريطانيا، وعقب فشل الألمان في هذه المعركة، وقد أطلق الألمان الرصاص على هؤلاء المتظاهرين في كل مرة. ثم مظاهرة ١١ نوفمبر ١٩٤٠ وهذه دبَّرها الطلبة واشترك فيها أهل باريس لإحياء ذكرى الهدنة وزيارة قبر الجندي المجهول تحت «قوس النصر»، ولم ينفض المتظاهرون في ذلك اليوم إلا بعد إطلاق رصاص المدافع الرشاشة عليهم في «ميدان الإتوال Place de l’Etoile»، وقبض الجستابو على مائة وخمسين طالبًا تتراوح أعمارهم بين ثلاث عشرة وثماني عشرة سنة، لم يعرف أهلهم عن مصيرهم شيئًا منذ ذلك الحين.
وهناك — عدا ذلك — المظاهرات والالتحامات العديدة التي سبقت الإشارة إليها عند الكلام عن مقاومة الفرنسيين ضد تعبئة العمال لتسخيرهم في العمل الإنتاجي في ألمانيا. وكان من جراء إقدام الريخ على تعبئة العمال الفرنسيين أن توجه طلاب الجامعة والمدارس العليا في باريس إلى الماريشال «بيتان» في يولية ١٩٤٣ بالخطاب التالي:

امتنعنا منذ أكثر من عامين عن كل مظاهرة من شأنها أن تعكر صفو الأمن العام وتعرقل أعمال الحكومة. ولكن سكوتنا لا يعني أننا قبلنا الحوادث التي وقفنا منها موقف المتفرجين المنكوبين. فقد وقع حادث ترحيل آلاف العمال الفرنسيين إلى ألمانيا موقع الاشمئزاز والسخط في نفوسنا، وكان إعجابنا كله متجهًا إلى الكثيرين من زملائنا الذين تركوا البلاد لمواصلة الكفاح ضد العدو الذي يحتل أرضنا ويستغلنا، وقد كنا في الوقت نفسه نعلل النفس بآمال النهضة الوطنية التي كنتَ تمثلها في نظرنا، والتي وعدتنا بها في رسائلك. ولكن الحوادث — مع الأسف — كذَّبت وعودك وأدت إلى انهيار صرح آمالنا. فقد رأينا فرنسا تزداد خضوعًا للألمان وذهبت إلى حد التطوع تحت أعلام قاهرها، تلك الأعلام التي بدأ النصر يتحول عنها. أما الآن فقد أزفت الساعة التي يجب علينا فيها أن نستأنف تقاليد الجامعة التي كانت فيما مضى تُعرب للملوك بكل حرية عن شكاوى الأمة، وتعبر بكل قوة عن مطالب الفرنسيين.

إننا مثلك نبغض تلك الأكاذيب التي أضرت بنا ضررًا كبيرًا، ويجب أن نضيف إلى هذه الأكاذيب أكذوبة الهدنة والتعاون التي دفعت بنا إلى قبول ما قبلته بلجيكا وهولندة والنرويج وبولندة ويوغوسلافيا مكرهة. ولنذكر بوجه خاص أكذوبة «الحملة في سبيل الحضارة» تحت لواء زعيم ينكر جوهر هذه الحضارة ويحتقر حقوق الإنسان. وتلك الأكذوبة الأخرى التي تنحصر في استبدال خمسين ألف مريض من الأسرى بخمسمائة ألف عامل. ونحن الآن نرفض أن نكون ألعوبة لمثل هذه الأكاذيب، ونصرح بأن الواجب يقضي على جميع الفرنسيين بأن يرفضوا رفضًا تامًّا كل أمر يرمي إلى العمل لتأمين انتصار ألمانيا. وإنه لمن العار علينا أن نعمل في سبيل قضية نعلم حق العلم أنها غير عادلة ولا تتفق مع استقلال فرنسا والمحافظة على حضارة البشر، فجميع زملائنا سيهربون متى وجدوا الفرصة المؤاتية بدلًا من أن يساهموا في تعزيز أداة الحرب الألمانية. إن فرنسا ملأي بالغابات والجبال حيث يمكننا انتظار الساعة التي نستطيع فيها الانضمام إلى جيش تحرير الوطن. أما من يستطيع منا الفرار فلن يتردد في الانضمام إلى الزعماء الذين يمثلون روح المقاومة ويستحقون ثقتنا وإعجابنا، وسيسافر الذين يُكرهون منا على السفر إلى ألمانيا وهم يعتزمون مساعدة إخوانهم العمال على تحطيم الروح المعنوية فيها، وتخريب مهمات عدونا اللدود. إننا لسنا من الملكيين ولا من المجانين، ولكننا طلبة وطنيون، وسنكافح ونتألم مع زملائنا البواسل في جامعات وارسو وبلغراد ولوبليانا وأكسفورد وكمبردج، وهارفرد، ومونتريال، ولوفان، وليتين، في سبيل انتصار مُثُلنا المشتركة.

•••

هذه صورة موجزة لما كان يجري من ضروب المقاومة في أنحاء أوروبا النازية، وقد ألحقت أضرارًا لا يُستهان بها بعتاد الحرب الألماني من جهة، كما عطلت أداة الإنتاج الاقتصادي إلى درجة كبيرة. وقد ظهر كيف أرغمت هذه المقاومة الألمان على الاحتفاظ بقوة مسلحة كبيرة في جميع البلدان المقهورة لصيانة قلعتهم الأوروبية من أن تنهار جدرانها، هذا عدا جيش الجستابو الجرار الذي انبث أعضاؤه في كل قرية ومدينة لتأييد الاحتلال الألماني، ولمراقبة أعداء «النظام الجديد» في أوروبا الهتلرية، فأبقى الألمان عدة فرق في البلقان منذ تحولت هذه البلاد، بفضل الجيوش والعصابات اليوغوسلافية والبونانية خصوصًا إلى ميادين قتال جديدة، أصبح من واجب النازيين أن يخوضوا فيها غمار معارك دموية عنيفة حتى يعيدوا فتحها من جديد، وبدءوا يدفعون أثمانًا غالية «لانتصاراتهم». ثم عبأ الألمان قوى «البوليس» النظامي، ورجال الجستابو في بقية أوروبا النازية لصون الأمن، والقضاء على عناصر الفوضى والاضطراب، والمحافظة على حياة رجال الاحتلال الألمان، وحياة معاونيهم الكويسلينجيين من أهل البلاد الذين قبلوا التعاون معهم.

ومع ذلك فإن المقاومة لم تكن وحدها مصدر كل متاعب النازيين في أوروبا؛ فسرعان ما صارت مقاومة أهل البلاد المقهورة، منذ أفاقوا من الذهول الذي أصابهم على أثر صدمة الغزو الأولى، تستند إلى تيار خفي لم يلبث أن زادها قوة على قوة، وأقض مضاجع الألمان وشرع بقوض أركان النظام الجديد في أوروبا. هذا التيار الخفي هو «الدعاية المضادة» أو الدعاية الخفية، ذلك السلاح السري الذي ظل نصله مرهفًا رغم أنوف النازيين، لا في أوروبا النازية وحدها بل وفي الريخ الثالث، دولة أدلف هتلر نفسه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤