شفاء الأحياء

ما يكونه قلب سيمون ليمبر، هذا القلب البشري، منذ أن تسارع نبضه في لحظة الميلاد عندما تسارعت بالمثل قلوب أخرى في الخارج، تحيي الحدث، ما يكونه هذا القلب، ما جعله يقفز، يتقيأ، يتورم، يرقص بخفة مثل ريشة أو يهوي مثل حجر، ما أتعبه، ما جعله يذوب — الحب؛ ما يكونه قلب سيمون ليمبر ما سربه، نقاه، سجله وأرشفه، صندوق أسود لجسد في العشرين، لا أحد يعرف بالضبط، وحدها صورة متحركة خلقتها أشعة الموجات فوق الصوتية يمكنها أن ترجع صداه، تبين الفرحة التي تجعله يتمدد والحزن الذي يجعله يضيق، وحده مسار ورق الصورة البيانية الكهربائية للقلب الذي دار منذ البداية يمكنه أن يمنح شكله، يصف الاستهلاك والجهد، الانفعال الذي يحث على الاستعجال، الطاقة المبذولة لينضغط قرابة مائة ألف مرة يوميًّا ليسري كل دقيقة حتى خمسة لترات من الدم، نعم، وحده هذا الخط يمكنه أن يمنحه سردًا، يُظهر له الحياة، حياة مِن تدفُّق وانحسار، حياة من محابس وصمامات، حياة من نبض، عندما — هو قلب سيمون ليمبر، هذا القلب البشري — يفلت من الآلات، لا أحد يستطيع ادعاء معرفته، وفي هذه الليلة، ليلة بلا نجوم، بينما كان الصقيع يجمد الأطراف في المصب وبلدة «كو»، وموجة بلا انعكاسات تتدحرج على امتداد الجرف؛ بينما الهضبة القارية تتراجع، كاشفة عن شرائطها الجيولوجية، كان هو يُصدر إيقاعًا منتظمًا لعضو يستريح، لعضلة تعيد شحن نفسها ببطء — نبض ربما أقل من خمسين خفقة في الدقيقة — عندما انطلق إنذار جوال في طرف سرير ضيق، صدى جهاز موجات صوتية مسجلًا رقمَي ٥٠ : ٠٥ بعصيٍّ متوهجة على الشاشة التي تعمل باللمس، عندما جمح كل شيء فجأةً.

***

هذه الليلة إذَنْ، تُفَرمل سيارة «فان» صغيرة قديمة في موقف سيارات، مهجور، تقف بالعكس، يصفق البابان الأماميان بينما تنزلق فتحة جانبية، وتنبثق ثلاث هيئات، ثلاثة ظلال مُنْتَزَعَة من العتمة واستولى عليها البرد — صقيع فبراير، رشح الأنف، النوم مرتديًا الملابس — صِبية حسبما يبدو، يغلقون سحابات معاطفهم القصيرة حتى الذقن، يبسطون أغطية رءوسهم على مقربة من رموشهم، يضعون أسفل الصوف العازل قمم آذانهم اللحمية، سيتوجهون — وهم ينفخون في أيديهم المضمومة في شكل بوق — صوب البحر، الذي لا يزال مجرد ضجيج في هذه الساعة، ضجيج وسواد.

صبية، هذا واضح. لقد اصطفوا خلف الحاجز الحجري الفاصل بين موقف السيارات والشاطئ، يدبدبون ويتنفسون بقوة، فتحات أنوف متألمة من فرط امتصاص اليود والبرد، ويقيسون هذه المساحة المظلمة حيث يغيب الإيقاع، عدا صخب الموجة التي تنفجر، هذا الصخب المُحطم في الانهيار الأخير، يفحصون ما يزأر أمامهم، هذا اللغط المجنون؛ حيث لا شيء يمكن مشاهدته، لا شيء عدا ربما الحافة الضاربة للبياض، المزبدة، مليارات الذرات التي قُذِفَت ضد بعضها في موجة فوسفورية، وقد أجهدهم الشتاء خلال خروجهم من السيارة، وأزعجهم الليل البحري، يستعيد الصبية الثلاثة أنفسهم، يضبطون رؤيتهم، سمعهم، يقيِّمون ما ينتظرهم، Swell الموجة، يقيسون صخب الموجة بالأذن، يقدِّرون مؤشر اندفاعها، درجة عمقها، ويتذكرون أن الأمواج التي تتكون في عرض البحر تنمو دائمًا أسرع من أسرع المراكب.

هذا جيد، همس أحد الصبية الثلاثة بصوت عذب: سنعمل دورة جيدة. ابتسم الآخران، وبعد ذلك تراجع الثلاثة معًا، ببطء، وهم يكشطون الأرض بنعالهم ويدورون حول أنفسهم، نمور، لقد رفعوا عيونهم ليسبروا غور الليل في عمق البلدة، لا يزال الليل يسد الجزء الخلفي من المنحدرات، عندئذٍ، مَن تكلم نظر إلى ساعته: ربع ساعة أخرى يا رجال. وصعدوا مرة أخرى في السيارة في انتظار الفجر المائي.

كريستوف ألبا، جوان روشي، وهو: سيمون ليمبر. كان جرس المنبهات قد انطلق عندما أزاحوا شراشفهم وغادروا السرير من أجل دورة اتفقوا عليها قبل منتصف الليل بقليل بتبادل رسائل بالجوال، دورة بنصف موجة عالية، مثلما نحسب اثنتين أو ثلاثًا في العام. بحر هائج، موجة عاتية منتظمة، ريح ضعيفة ولا أحد في الموقع. جينز ومعطف قصير، انزلقوا للخارج دون أن يبلعوا أي شيء، ولا حتى كوب لبن، أو حتى قطعة خبز، أخذوا موقعهم أسفل مبناهم (سيمون)، أمام بوابة بيت الضاحية (جوان) وانتظروا السيارة التي كانت هي أيضًا دقيقة (كريس)، هم الذين لا يستيقظون أبدًا قبل الثانية عشرة ظهرًا يوم الأحد، رغم تحذير الأمهات، هم الذين يُقَال إنهم لا يعرفون سوى التأرجح بخمول بين أريكة الصالون ومقعد غرفتهم، كانوا يدبدبون في الشارع في السادسة صباحًا، وأربطة أحذيتهم مفكوكة، ورائحة أنفاسهم كريهة. أسفل عمود الإنارة، رأى سيمون ليمبر انهيار الهواء الذي ينفثه من فمه، تحولات دخان البركان الأبيض (فومارول) التي كانت ترتفع، مضغوطة، ثم تذوب في الجو، حتى تختفي، وتذكر أنه كان وهو طفل يحب لعب دور المُدَخِّن، يضع إصبعي السبابة والوسطى مُمَدَّدَتين أمام شفتيه، ويأخذ نفسًا عميقًا وهو يقعر خديه وينفخ مثل رجل. هم، أي Trois Caballeros الفرسان الثلاثة، أي Big Waves Hunters صيادو الأمواج الكبار، أي كريس، جون، وسكاي، لعبوا بها من قبل ليس كألقاب بل كأسماء مُسْتَعارة؛ لأنها خُلِقَت ليعيدوا اختراع متزلجين عالميين عندما يكون المرء تلميذًا في المصب، إلى حد أن نطق اسمهم ينقلب بهم فورًا على النقيض لتكوين عدائي، الرذاذ جليدي، التموج ضعيف، المنحدرات مثل جدران والشوارع مهجورة مع اقتراب الليل، عتاب الوالدين واستدعاء مدرسي، شكوى الحبيبة التي تُرِكَت وحيدة، التي سنفضل عليها اﻟ «فان» هذه المرة أيضًا، التي لا يمكنها عمل أي شيء ضد ركوب الأمواج.
إنهم في اﻟ «فان»، لا يقولون أبدًا: شاحنة صغيرة، فالموت أفضل. رطوبة قذرة، رمل يحبب الأسطح ويكشط المؤخرات مثل ورق سنفرة، مطاط ملحي، رائحة صدر الشاطئ النتنة والبرافين، ألواح تزلج مُكَدَّسَة، أكوام من مجموعات، سراويل قصيرة، أو أغطية رأس ورقبة سميكة مُدْمَجَة، قفازات، جوارب، شمع في برطمانات، leashes أربطة. جلس الثلاثة كلهم في المقدمة، متلاصقين، الكتف في الكتف، دعكوا أيديهم في أفخاذهم وهم يطلقون صيحات القردة: اللعنة، البرد يجمد الدم في العروق! ثم مضغوا أصابع حبوب بالفيتامينات؛ لكن لا ينبغي نقر كل شيء، بعدئذٍ نلتهم، بعد أن نُلْتَهَم. تناوبوا نقل زجاجة كوكاكولا، أنبوب لبن نسله المكثف، «ببيتو» و«شامونيكس»، بسكويت الصبية اللينين والحلوين، وانتهى بهم الأمر بالتقاط العدد الأخير من مجلة «سورف سيشن» من أسفل المقعد الخلفي وفتحوه مقابل لوح العدادات، لاصقين رءوسهم الثلاثة فوق الصفحات التي كانت تلمع في العتمة، الورق اللامع مثل بشرة رطَّبَها العنبر الشمسي واللذة، صفحات قلَّبُوها آلاف المرات ويمعنون النظر فيها من جديد، كواكب متأرجحة خارج مداراتها، أفواه جافة: موجة «مافريك» و«بوينت بريك» (نقطة الكسر) لجزيرة «لمبوك»، موجات «جاوس» العملاقة في هاواي، أنابيب «فانواتو»، شفرة مارجريت ريفر، هنا في أفضل شواطئ الكوكب تُظهر روعة ركوب الأمواج. يشيرون إلى صور بسبابة متحمسة، هنا، هنا، سيذهبون هنا في يوم من الأيام؛ بل ربما الصيف القادم، الثلاثة في السيارة من أجل رحلة ركوب أمواج أسطورية، سينطلقون للبحث عن أجمل موجة تشكلت منذ الأبد على الأرض، سيتنقلون منقبين عن هذه النقطة المتوحشة والخفية التي سيخترعونها مثلما اخترع كريستوف كولومبس أمريكا، وسيصطفون وحدهم عندما تنبثق في الختام تلك التي كانوا ينتظرونها، هذه الموجة القادمة من أعماق المحيط، عتيقة ومثالية، الجمال مُجَسدًا، عندئذٍ سترفعهم الحركة والسرعة على لوحتهم في اندفاع الأدرينالين عندها سيتلألأ على أجسادهم كلها، وحتى أطراف أهدابهم، فرح رهيب، وسوف يركبون الموجة، سيصلون إلى أرض وقبيلة راكبي الأمواج، هذه الإنسانية الرحالة التي غيَّر لون خصلات شعرها الملح والصيف الأبدي، ذات الأعين الباهتة، أولاد وبنات لا يرتدون سوى هذه السراويل القصيرة المطبوعة بزهور تاج البابا أو بتلات الخطمي، هذه القمصان القطنية الفيروزية أو ذات اللون البرتقالي الدموي، وليس لديهم كلباس للقدم سوى هذه الشباشب البلاستيكية، هذا الشباب المصقول بالشمس والحرية، سيركبون ثنية الموجة حتى الشاطئ.
تُضاء صفحات المجلة كلما شحبت السماء في الخارج، فتكشف عن درجات اللون الأزرق، ومن بينها هذا الكوبالت الصريح الذي يباغت الأعين، والأخضر العميق إلى حد يجعلهما يبدوان كأنهما مرسومان بالأكريليك، هنا وهناك يظهر أثر ركوب الأمواج، شريط أبيض صغير للغاية على حائط مائي هائل، يطرف الصبية الجفون، يهمسون: عاهرة، فهو جنوني رغم كل شيء، هذا متصنع. ثم يبتعد كريس لتصفح جواله، ضوء الشاشة جعل وجهه أزرق، أضاءه من أسفل ووضَّح عظم وجهه — قوس الحاجب بارز، فك ناتئ، شفتان بنفسجيتان — بينما يقرأ أخبار اليوم بصوت عالٍ: ضيعة «بتيت دال» اليوم، اضطراب أمواج مثالي جنوب غرب/شمال شرق، أمواج بين متر وخمسين ومتر وثمانين، أفضل دورة في السنة. بعد ذلك يؤكد باحتفالية: «سنأكل حد التخمة، yes، سنكون kings!» الإنجليزية مُطَعَّمَة في فرنسيتهم، باستمرار، لكل شيء بلا سبب، الإنجليزية كأنهم يعيشون في أغنية شعبية أو في مسلسل أمريكي، كأنهم أبطال، أجانب، الإنجليزية التي تخفف الكلمات الجسيمة، «حياة» و«حب» تصبحان life وlove، متباعدة وأخيرًا الإنجليزية كحياء و«جون» و«سكاي»، هزا رأسهما إشارة إلى قبولهما بلا حدود، نعم، راكبي الأمواج العظام kings، big wave riders.
حان الوقت. بداية يوم يتشكل فيه ما لا شكل له؛ تنتظم العناصر، تنفصل السماء عن البحر، ويتحدد الأفق. يستعد الصبية الثلاثة، منهجيون، يتبعون ترتيبًا محددًا لا يزال طقسًا؛ يضعون الشمع على لوحهم، يفحصون مثبتات الرباط، يرتدون سراويل داخلية خاصة من بروبلين متعدد قبل ارتداء البِدل وهم ينثنون في موقف السيارات — يلتصق المطاط الصناعي بالجلد، يكشطه بل أحيانًا يحرقه — رقص حركي لدمى من مطاط يلتمس مساعدة متبادلة، تتطلب أن يتلامسوا، ويتحركوا بحذر؛ بعدها الأحذية قصيرة الساق، غطاء الرأس والرقبة المدمج، القفازات، ويعيدون غلق السيارة. الآن يهبطون نحو البحر، اللوح تحت الذراع، بخفة، يعبرون الساحل الرملي بخطوات كبيرة الساحل الرملي؛ حيث ينهار الحصى تحت أقدامهم في صخب جهنمي، وما إن يبلغوا الشاطئ — بينما كل شيء يتضح أمامهم، الفوضى والحفل — حتى يمرروا الأربطة حول كواحلهم، ويعيدوا ضبط أغطية رءوسهم، ويقلِّصوا إلى لا شيء مساحة الجلد العارية حول رقابهم بأن يقبضوا من ظهورهم على الحبل الذي يرفعونه حتى آخر شقوق السَّحَّاب، فالمقصود ضمان أفضل عزل للماء عن بشرتهم كشباب، بشرة غالبًا مُرَصَّعَة بحَب الشباب أعلى ظهرهم، على عظم الكتف، بينما يحمل سيمون ليمبر، هو، وشمًا ماوري أعلى الكتف، وهذه الحركة — الذراع ممدودة في الهواء بضربة مفاجئة — تعني أن الدورة تبدأ، let’s go — هيا بنا! — عندئذٍ ربما الآن تُثَار القلوب، ينتفضون ببطء في القفص الصدري، ربما تزداد كتلتها وحجمها وتتكثف ضرباتها، متتاليتين متباينتين في نفس الدقة، ضربتان، دائمًا هما الرعب والرغبة.

يدخلون الماء. لا يصرخون بينما يغوصون بأجسادهم فيه، مقولب بهذا الغشاء المرن الذي يحافظ على حرارة اللحم وانفجار الاندفاعات، بكاء، لا يصدرون صرخة؛ بل يعبرون وهم يتجهمون سور الحصى الذي يتدحرج، والبحر الذي يزداد عمقه بسرعة؛ إذ على بُعد خمسة أو ستة أمتار من الشاطئ لم يعد لديهم طول بالفعل، إنهم يتأرجحون إلى الأمام، يستلقون على بطونهم على لوحهم، أذرعتهم تشق التدفق بقوة، يعبرون منطقة ارتداد الأمواج ويتقدمون نحو البحر المفتوح.

على بُعد مائتي متر من الشاطئ البحر لم يعد سوى توتر متموج، إنه يتقعر ويتبجح، مرتفع مثل مُلاءة مُلْقَاة على مُلة السرير. ينصهر سيمون ليمبر في حركته، يجدف نحو الصف، هذه المنطقة في عرض البحر حيث ينتظر راكب الأمواج الموجة، يتأكد من وجود كريس وجون، الموجودَين على اليسار، سدادتان سوداوان صغيرتان مرئيتان بالكاد حتى الآن. الماء قاتم، مُجَزَّع كالرخام، وريدي، لون القصدير. دائمًا لا يلمع، بلا توهج؛ لكن هذه الجسيمات البيضاء التي تغطي السطح بالغبار، سكر، والمياه مثلجة، ٩ أو ١٠ درجات مئوية لا أكثر، لن يأخذ سيمون أبدًا أكثر من ثلاث أو أربع موجات، يعلم ذلك، فركوب الأمواج في الماء البارد يستنفد الكائن الحي، خلال ساعة سيُبَاد، ينبغي أن ينتقي، يختار الموجة الأفضل تكوينًا، التي ستكون قمتها مرتفعة دون أن تكون حادة للغاية، التي شكلها الحلزوني سينفتح باتساع كافٍ ليأخذ مكانًا فيها، والتي ستستمر حتى النهاية، وتحتفظ في نهاية السباق بالقوة اللازمة كي تفور على الساحل الرملي. يتلفت نحو الساحل كما يحب أن يفعل دائمًا قبل أن يبتعد أكثر؛ الأرض هنا، متمددة، قشرة سوداء في توهجات مُزرَقَّة، وهو عالم آخر، عالم انفصل عنه. الجرف المنتصب كمقطع سهمي يعين له طبقات الوقت؛ لكن حيث لم يعد للوقت وجود، لم يعد هناك تاريخ، وحده هذا المد العشوائي الذي يحمله ويتحداه. تطول نظرته على السيارة المركونة مثل مركبة كاليفورنية، عجوز في الموقف أمام الشاطئ. يتعرف على هيكل السيارة المُرَصَّع بملصقات جُمِعَت على مدار الدورات، يعرف الأسماء المرصوصة بجوار بعضها: «ريب كورل»، «أوكسبو»، «كيكسيلفر»، «أونيل»، «بيلابون». لوحة جدارية مهلوسة تمزج في نفس الطفو المذهل أبطال ركوب أمواج ونجوم موسيقى الروك، الكل متجانس مع عدد كبير من الفتيات المقوسات ببكيني «ريكيني»، وشعر حورية البحر، هذه اﻟ «فان» التي هي عملهم المشترك وغرفة انتظار الموجة. بعد ذلك يتعلق بمصابيح خلفية لسيارة تصعد الهضبة لتغوص في الأراضي، يرتسم بروفيل جولييت المستغرقة في النوم، إنها نائمة في وضعية الجنين تحت لحافها الطفولي، لها مظهرها العنيد حتى في النوم، وفجأةً يستدير، يبتعد عن القارة، ينتزع نفسه منها، بضع عشرات من الأمتار الإضافية، ثم يكف عن التجديف.

الذراعان تستريحان؛ لكنَّ الساقين توجهان، اليدان مُعَلَّقَتَان بقضبان لوح الركوب والجذع مرتفع قليلًا، الذقن عالية، سيمون ليمبر يطفو، إنه ينتظر. كل شيء يتغير حوله، أسطح كاملة من البحر والسماء تطفو فجأةً وتختفي في كل دوامة للسطح البطيء، الثقيل، الخشبي، معجون بازلتي. الفجر النحات يحرق وجهه، وبشرته تتيبس، رموشه تتصلب مثل خيوط الفينيل، وتتجمد العدستان خلف الحدقتين كأنهما منسيتان في قاع فريزر، ويُخفِّف قلبه من سرعته، مقاومًا البرد، عندما، فجأةً، يراها آتية، يراها وهي تتقدم، حازمة ومتجانسة، الموجة، الوعد، وبشكل غريزي يأخذ مكانه لإيجاد مدخلها والتسلل إليها، ينزلق فيها مثلما ينزلق اللص في خزانة للسطو على الكنز — نفس قناع الوجه، نفس الدقة المتناهية للحركة — ليندرج في ظهرها، في هذا الالتواء للمادة حيث الداخل يُحَس أكثر اتساعًا وأعمق من الخارج، إنها هنا، على بُعد ثلاثين مترًا، إنها تقترب بسرعة ثابتة، وفجأةً، مركزًا طاقته في ساعدَيه، يندفع سيمون ويجدِّف بكل قوته، ليأخذ على نحو صحيح الموجةَ بسرعة، ليُؤخَذ في منحدرها، فالآن هو الإقلاع، مرحلة فائقة السرعة حيث يتركز العالم بأسره ويندفع، وميض زمني حيث ينبغي الاستنشاق بقوة خلاله، حبس النفس تمامًا وحشد الجسد في فعل أوحد، منحه الاندفاعة الرأسية التي سترفعه على اللوح، القدمان متباعدتان على نحو جيد، واليسرى للأمام، regular وفقًا للأصول، ساقان مثنيتان والظهر مفرود وموازٍ تقريبًا للوح، ذراعان مفتوحتان توازنان الكل، وهذه الثانية هي بالتأكيد التي يفضلها سيمون، التي تسمح له باستعادة انفجار وجودها كليًّا، وتوفيق النفس مع العناصر، والاندماج مع الأحياء، وما إن نقف على اللوح — نُقدِّر في هذه اللحظة ذروة الارتفاع في التجويف بأكثر من متر وخمسين — تمديد المساحة، وإطالة الزمن، استنفاد طاقة كل ذرة بحر حتى نهاية السباق. أن تصبح فيضانًا، أن تصبح موجة.

يأخذ هذه الجولة الأولى بإطلاق صرخة، ويلمس لبرهة من الزمن حالة من الرضى — إنه الدوار الأفقي، وهو على رأس العالم، كأنه ينبع منه، مندمجًا في تدفقه — الفضاء يجتاحه، ويسحقه بقدر مساوٍ لتحريره، ويشبع ألياف عضلاته، قصباته الهوائية، يمنح دمه الأكسجين؛ الموجة تتمدد في زمانية مضطربة، بطيئة أو سريعة لا نعرف، فهي تعلق كل ثانية واحدة بعد الأخرى لتسحقها في النهاية، ركام عضوي دون أي اتجاه، وهو أمر مدهش؛ لكن بعد تعرضها لضرب مبرح من الحصى في فوران الختام، قام سيمون ليمبر بنصف دورة لينطلق مباشرة، دون حتى أن يلمس الأرض، دون حتى أن يتريث على الأشكال العابرة التي تتشكل في الزَّبد عندما يتعثر البحر بالأرض، سطح ضد سطح، عاد إلى البحر المفتوح، مجدفًا بقوة أكبر، مندفعًا نحو هذه العتبة؛ حيث يبدأ كل شيء، حيث يهتز كل شيء، انضم إلى صديقيه اللذين سيطلقان قريبًا نفس هذه الصرخة في المنحدر، ومجموعة الأمواج التي تعميهم عن الأفق، مهددة أجسادهم، لا تترك لهم أي استراحة.

لم يأتِ أي راكب أمواجٍ للانضمام إليهم في الموقع، ولم يقترب أحد من الحاجز لمشاهدتهم وهم يركبون الأمواج، ولم يرهم يخرجون من الماء بعد ساعة، مغسولين ومتفحمين، يترنحون على أرجلهم، ويتمايلون بينما كانوا يعبرون الشاطئ مرة أخرى للوصول إلى موقف السيارات ويعيدون فتح السيارة، لم يرَ أحد أقدامهم وأيديهم الزرقاء، مُدَمَّرَة، أرجوانية حتى تحت الأظافر، ولا القشور التي تمزق الآن وجوههم، والتشققات في زوايا الفم. أما عن أسنانهم؛ فكانت تصطك: تاك تاك تاك، رجفة مستمرة للفكين المثبتين على أجسادهم لا يستطيعون تهدئتها؛ لا أحد رأى أي شيء، وعندما ارتدوا ملابسهم مرة أخرى، سراويل صوف داخلية تحت البناطيل، طبقات من الكنزات، قفازات جلدية، لم يرهم أحد يحكُّون ظهرهم بالتبادل، دون أن يتمكنوا من قول أي شيء آخر غير فوضى الخراء، خراء فاجر، بينما كانوا سيحبون أن يتحدثوا، أن يصفوا الركوب، تدوين أسطورة الدورة، ومرتجفين على هذا النحو، حبسوا أنفسهم في السيارة، وكريس، دون أن ينتظر، وجد القوة لتشغيل المحرك، انطلق وأخلوا المكان.

***

كريس هو الذي يقود. إنه هو دائمًا، اﻟ «فان» ملك والده وليس لدى جوهان ولا سيمون رخصة قيادة. يتطلب الوصول إلى «لو هافر» من «بتيت دال» حوالي ساعة ومرورًا من «إتروتا»، الطريق القديم الذي يهبط نحو مصب النهر عبر «أوكتوفيل-سور-مير»، ووادي «إينيوفال» الصغير و«سانت أدرس».

توقف الأولاد عن الارتجاف، تدفئة السيارة الصغيرة لأقصى درجاتها، الموسيقى أيضًا، ولا شك أن التوهج الذي طرأ في المأوى يمثل صدمة حرارية أخرى لهم، لا شك أن الشعور بالإرهاق محسوس، وأنهم يتثاءبون ويتأرجحون بحثًا عن طريقة للانكباب مقابل ظهر المقاعد، ملتفون بملابس ثقيلة مع اهتزازات المركبة، الأنوف مُطَوَّقَةٌ في أوشحتهم، ولا شك أنهم أيضًا يتخدرون، وجفونهم تُغلَق على نحو متقطع، وقتئذٍ ربما، بعد عبور «إتروتا»، رفع كريس سرعة السيارة دون أن يدرك ذلك، كتفان خامدتان، يدان ثقيلتان على عجلة القيادة، أصبح الطريق مستقيمًا، نعم، ربما قال لنفسه إنه حسن، إنه سالك، وإن الرغبة في اختصار وقت العودة هذا للرجوع والاستلقاء، ومحو رجع الدورة، عنفها، انتهى بالضغط على السرعات، إلى حد الاستسلام، وشق الهضبة والحقول السوداء، منقلبة، الحقول نائمة هي أيضًا، وبلا شك منظور الطريق السريع؛ رأس السهم الذي انغرز في الزجاج الأمامي كما على شاشة لعبة فيديو انتهى به الأمر بتنويمه كأنه سراب، إلى حد أنه ثبت أمامها دون أي يقظة إضافية، عندما يتذكر الجميع أن الجو كان صقيعًا في تلك الليلة، الشتاء يُغلِّف المنظر الطبيعي مثل ورقة شمعية، الكل يعرف الصفائح الجليدية التي تتكون فوق الأسفلت، غير مرئية تحت السماء المعتمة؛ لكنها تغطي أطراف الطريق، والكل يخمن طبقات الضباب التي تحوم على فترات غير منتظمة، متراصة، الماء يتبخر من الوحل مع بدايات اليوم، جيوب خطرة تصفي الخارج فتمحو أي علامة، نعم اتفقنا، وماذا أيضًا، ماذا بعد؟ حيوان يعبر الطريق؟ بقرة ضائعة، كلب يزحف تحت سياج، ثعلب بذيل ناري، أو حتى ظل إنسان برز كشبح على حافة المنحدر وكان ينبغي تجنبه في اللحظة الأخيرة بالسيطرة على عجلة القيادة؟ أو بأغنية؟ نعم، ربما الفتيات المرتديات البيكيني اللاتي كن يغطين هيكل اﻟ «فان» تحركن فجأةً ليزحفن على غطاء محرك السيارة لغزو الزجاج الأمامي، شهوانيات، خصلات شعرهن الخضراء تحرر أصواتهن غير الإنسانية، أو الإنسانية بإفراط، وكريس فقد صوابه، انجذب لفخهم، سمع هذه الأنشودة التي لم تكن من هذا العالم، أنشودة حوريات البحر هذه، هذه الأغنية التي تقتل؟ أو ربما قام كريس بحركة خاطئة، نعم، هذا هو، حركة خاطئة، مثل لاعب التنس حين يفوت ضربة سهلة، مثل المتزلج حين يخطئ في الزاوية، الشيء الغبي، ربما لم يستدِر بعجلة القيادة بينما كان الطريق، هو، يرسم منعطفًا، أو باختصار، ما دام ينبغي أيضًا أن نطرح هذه الفرضية، ربما نام كريس على عجلة القيادة، غاب عن الريف الممل ليدخل في ماسورة موجة، في الدوامة الرائعة والواضحة فجأةً التي انطلقت أمام لوح تزلجه، ممتصة العالم معها، العالم وزرقة العالم.

وصلت عربة الإسعاف في الموقع نحو الساعة ٩:٢٠ صباحًا — عربة إسعاف، قوات الدرك — وعلى الفور أُقِيمَت اللافتات في طريق عالية النهر لتحويل المسار نحو طرق جانبية صغيرة، وبالتالي حماية منطقة التدخل. كان العمل الأساسي هو إخراج أجساد الصبية الثلاثة، المحتجزة في العربة، مخلوطة بأجسام الفتيات حوريات البحر اللاتي كن يبتسمن على غطاء المحرك، أو يكشرن، مُشَوَّهات، مسحوقات بجوار بعضهن، نسالة أفخاذ، أرداف وأثداء. ثبت بسهولة أن المركبة الصغيرة كانت تسير بسرعة، سرعة تُقَدَّر بنحو ٩٢كم/ساعة إلى حد تجاوز السرعة المسموحة على هذا الجزء من الطريق ﺑ ٢٢كم/ساعة، وثبت أيضًا أنه، لأسباب غير معروفة، رحَّلت نفسها لليسار دون العودة إلى محورها، وأنها لم تُفَرمَل — لا توجد علامات لإطارات على الأسفلت — وأنها اصطدمت بالعمود من الأمام وبعنف؛ تبينوا غياب الوسائد الهوائية، وأن طراز السيارة قديم للغاية، وأنه من بين الركاب الثلاثة الجالسين في المقدمة اثنان فقط كانا يرتديان حزام أمان، الأولان كانا جالسين مقابل البابين، ناحية السائق وناحية الركاب؛ وفي الختام، ثبت أن الفرد الثالث، الموجود في منتصف الأريكة دفعه عنف الصدمة إلى الأمام، فضرب بجمجمته الزجاج الأمامي، عشرون دقيقة كانت ضرورية لتحريره من سجنه، كان غائبًا عن الوعي مع وصول سيارة الإسعاف، القلب لا يزال ينبض، ولأنهم عثروا على بطاقة المقصف في جيب سترته، ثبت أن اسمه سيمون ليمبر.

***

تولى بيير ريفول مناوبته هذا الصباح في الساعة الثامنة. قدم بطاقته الممغنطة عند مدخل موقف السيارات بينما كان الليل يتحول للكآبة — سماء شاحبة، ناعمة بغموض، بعيدة للغاية في كل الأحوال عن الرقصات التعبيرية الجليلة التي سجلت سمعة غيوم مصب النهر التصويرية — قاد ببطء في منطقة المستشفى، ملتويًا بين مبانٍ متصلة ببعضها إلى هذا الحد أو ذاك وفقًا لتخطيط معقد، انزلق حتى المكان المحجوز له، وركن سيارته بالمقدمة أولًا، «لاجونا» أزرق بترولي، مركبة مبطنة لكنها لا تزال مريحة، الداخل جلد وصوت جيد، هو الطراز المفضل لبارونات سيارات الأجرة كما يقول وهو يبتسم، ثم دخل المستشفى، عبر الصحن الزجاجي الضخم في اتجاه القاعة الشمالية وسائرًا بسرعة، لحق بالطابق الأرضي بقسم العناية المركزة الطبي؛ الجراحي وطب الضغط العالي.

عبر مدخل القسم يدفع الباب بسطح راحة اليد بقوة؛ بحيث ظل يدق عدة مرات في الفراغ بعد مروره، وأولئك الذين ينهون عملهم ليلًا، رجال ونساء في معاطف بيضاء أو خضراء، نفس الإنهاك، شعر أشعث، حركات مفاجئة وأعين لامعة، تجعدات محمومة على وجوه متوترة — بشرة دُف — أولئك الذين يضحكون بشدة، أو يسعلون بصوت غليظ، صامتون، والذين يقابلونه في الممر، يمرون بجانبه أو على النقيض يرونه قادمًا من بعيد، يلقون عندئذٍ نظرة على ساعتهم ويعضُّون على شفاههم، يفكرون هذا كافٍ وجيد خلال عشر دقائق سننطلق بسرعة، خلال عشر دقائق نغادر، وعلى الفور ترتخي ملامحهم، تتغير ألوانهم، تتحول للون شاحب وتنغرز الهالات فجأةً، ملاعق من برونز تحت جفونهم المرتعشة.

خطوات هادئة بسرعة ثابتة، يصل ريفول إلى مكتبه دون انحراف عن مساره للرد على هذه الإشارة المرسلة إليه، على هذه الأوراق التي قُدِّمَت له بالفعل، على هذا المتدرب الذي يقف فجأةً أمامه بالفعل ويجذب انتباهه؛ يخرج مفتاحه أمام باب عادي، يدخل، ويؤدي الحركات التي تضعه في العمل؛ يعلق ملابسه على مشجب مسمَّر في ظهر الباب — معطف واقٍ من المطر بلون المستكة — يضع معطفه، يُشَغِّل غلاية القهوة، الكمبيوتر، يربت بشكل روتيني على الأوراق التي تغطي مكتبه، يراجع الترتيب في أكوام، يجلس، يُشَغِّل الإنترنت، ينتقي رسائل من صندوقه، يكتب إجابة أو إجابتين — لا صباح الخير ولا أي شيء، الكلمات فارغة من حروف علتها وبلا أي علامة ترقيم — ثم ينهض، ويأخذ نفسًا عميقًا. إنه في حالة جيدة، إنه يشعر بالارتياح.

إنه امرؤٌ طويل القامة، هزيل، قفص صدري مُجَوَّف وبطن مستدير — الوحدة — ذراعان طويلتان ساقان طويلتان، جزمة «ريبيتو» بيضاء برباط، شيء ما فضفاض وغير مؤكد مرتبط بمظهر شاب، ومعطفه مفتوح دائمًا، وعندما يتنقل تنتفخ طياته، تتباعد، أجنحة، تكشف عن جينز وقميص، أبيض هو أيضًا، ومُجَعَّد.

يضيء الصمام الثنائي الصغير على قاعدة غلاية القهوة، بينما تنتشر الرائحة النفاذة للوحة الكهربائية التي تسخن في الفراغ، يفتر قاع القهوة في الوعاء الزجاجي. رغم صغر حجمه — خمسة أو ستة أمتار مربعة بحد أقصى — هذه المساحة الخاصة هي امتياز للمستشفى، ولا يزال المرء يُفَاجأ باكتشاف مدى غياب أي طابع لها، فوضوية، نظافتها مشكوك فيها؛ فوتيي دوَّار بمستوى جيد من الراحة رغم قاعدته المرتفعة، مكتب تتراكم فيه استمارات من كل الأنواع، أوراق، كراسات، دفاتر وأقلام دعاية أعادت المعامل بيعها في أكياس بلاستيكية بحروف استهلالية، زجاجة «سان بيليجرينو» متعفنة، و، مؤطرة، صورة منظر طبيعي لجبل «إيجوال»، بينما تؤكد على الركام، والترتيب في مثلث متساوي الضلعين، لملح كبريتات من فينيسيا، سلحفاة حجرية، ووعاء أقلام رصاص ليلائم — ربما — نية شخصية. على الجدار الخلفي، يأوي رفٌّ معدِني، صناديق أرشيف مرقمة حسب السَّنة، وسجلات متباينة، طبقة جيدة من التراب، وكتب نادرة يمكن قراءة عناوينها إذا اقتربنا لرؤيةٍ أفضل: مجلَّدا «الإنسان أمام الموت» لفيليب أرييس، «الحي» لجان كلود أميزين في مجموعة «بوان سيينس»، كتاب لمارجريت لوك بغلاف ثنائي اللون عليه صورة دماغ، كتاب «مرتان ميت. زرع الأعضاء وإعادة اختراع الموت»، عدد من مجلة «روفو نورولوجيك» لعام ١٩٥٩م، وهذا اللغز البوليسي لماري هيجنز كلارك، «بيت ضوء القمر»، كتاب يحبه ريفول للغاية، سنفهم لماذا. عدا غياب النافذة، نيون قوي، ضوء مطبخ في الساعة الثالثة صباحًا.

داخل المستشفى، تُعَد وحدة الإنعاش؛ مكان منفرد يستضيف حيوات عرَضية، الغيبوبة الغامضة، الوفيات المعلنة، تأوي هذه الأجساد الواقعة بالضبط بين الحياة والموت. نطاق من ممرات، غرف، قاعات، يحكمها التشويق. ريفول يتطور هنا، على الجانب الآخر من العالم النهاري، عالم الحياة المستمرة والمستقرة، عالم الأيام التي تخرج في الضوء نحو مشاريع مستقبلية، تعمل في جوف هذا النطاق مثلما يتعامل المرء داخل معطف كبير، في ثناياه المظلمة، في تجاويفه. لهذا كله، يحب المناوبة، الآحاد والليالي، أحبها منذ الإقامة. نتخيل أن ريفول المتدرب الشاب الطويل تغريه فكرة المناوبة نفسها، هذا الشعور بأن تكون مطلوبًا، في الموقع، ومستقلًّا، مُعبأً لضمان استمرارية الحركة الطبية في محيط محدد، مستثمرًا بيقظة، ومُجهزًا بمسئولية. يحب كثافتها المجوفة، زمنيتها المحددة، التعب كمثير خفي يصعد تدريجيًّا في الجسد، ويسرِّعه ويحدده، كل هذا الاضطراب الشبقي؛ يحب صمتها المهتز، نور أجهزتها، من ظل وضوء، التي تومض في العتمة، شاشات الكمبيوتر المزرقة، أو مصباحًا مكتبيًّا مثل لهب شمعة في لوحة الوليد ﻟ «لا تور» على سبيل المثال. وأيضًا جسدانية المناوبة هذه، جو المقاطعة هذا، هذا العزل، القسم مثل مركبة فضائية أُطلِقَت في الثقوب السوداء، غواصة غارقة في أعماق الأغوار، في هوة ماريان. لكن مضى وقت طويل كي يستطيع ريفول عمل شيءٍ آخر؛ الوعي العاري بوجوده. ليس الشعور بالسيطرة، حماس جنون العظمة، لكن يحطم نقيضه؛ تدفق الوضوح الذي ينظم حركاته ويغير قراراته. طلقة واحدة بدم بارد.

اجتماع القسم: الانتقالات. فرق المناوبة هنا، يصنعون دائرة، واقفين، يستندون على الجدار، قدح في اليد. رئيس العيادة الذي أشرف على المناوبة السابقة هو رجل في الثلاثينيات من عمره، ممتلئ، شعر كثيف، ذراعان قويتان. مستنفد، يشع، يصف حالة المرضى الموجودين في القسم بالتفصيل — على سبيل المثال: غياب تطور ملحوظ لدى هذا الرجل ذي الثمانين عامًا، في غيبوبة حتى الآن بعد ستين يومًا من تواجده في غرفة الإنعاش، أما عن حالة هذه الفتاة العصبية، التي دخلت المستشفى منذ شهرين بعد تناول جرعة زائدة، هي، فقد تدهورت — قبل أن يستعرض مطولًا حالة الواردين: امرأة في السابعة والخمسين دون مسكن ثابت، مصابة بتليف كبدي متقدم، بعد إصابتها بتشنجات في مركز استضافة، وحالة الدورة الدموية تظل غير مستقرة. رجل في الأربعينيات، دخل في المساء بعد انسداد شريان القلب، ويمثل وذمة دماغية. عدَّاء، كان يركض على شاطئ البحر نحو رأس «هيف»، بحذاء رياضي فاخر في القدمين، الرأس محاطٌ بشريط برتقالي متوهج، عندما انهار على ارتفاع مقهى «إستكاد»، و، رغم أنه كان مغلفًا ببطانية حرارية، كان لونه أزرق أثناء دخوله المستشفى، غارقًا في العرق، وسحنته هزيلة. أين وصلنا معه؟ يسأل ريفول بنبرة محايدة، مستندًا على النافذة. تتكلم إحدى الممرضات، توضح أن الثوابت (النبض، الضغط، درجة الحرارة، التشبع) طبيعية، إدرار البول منخفض، اﻟ م. ر. م هادئ (المسار الوريدي المحيطي). لا يعرف ريفول الفتاة، يستفسر عن فحص دم المريض، تجيبه أنه جارٍ فحصه. ينظر ريفول إلى ساعته، تمام، يمكننا الذهاب. هناك ينفرط فريق المساعدة.

الممرضة التي تحدثت تظل في الحجرة، تستوقف ريفول وتمد يدها إليه: كورديليا أوول، أنا جديدة، كنت في غرفة العمليات من قبل. يهز ريفول رأسه، تمام، أهلًا بكِ. إذا نظر إليها بشكل أفضل سيرى، رغم هذا، أن وجهها غريب، العينان من الأمام ثقبان، لكن بعلامات في الرقبة، كأنها آثار مص، والفم أحمر بإفراط رغم عريه، الشفتان منتفختان، عُقَد في الشعر، وكدمات على الركبتين، ربما قد يتساءل من أين تأتي هذه الابتسامة المبهمة، ابتسامة الجوكندا هذه التي لا تغادرها حتى وهي تنحني على المرضى لرعاية العينين والفم، تضع أنبوب التنفس، تفحص العلامات الحيوية، تدير العلاج، وربما سينتهي بها الأمر بأن ترى حبيبها مرة أخرى هذه الليلة، لقد اتصل بها بعد أسابيع من الصمت، الكلب، لقد أتت للقاء، صائمة جميلة للغاية، وقد تزينت مثل صيادة، جفنان بلون الدخان، شعر لامع، الثديان شهوانيان، مصرة على المسافة الودية، وعلى خلاف ذلك ممثلة هزلية متوسطة للدقة، توشوش متحفظة هل أنت بخير؟ يسعدني أن أراك مرة أخرى، عندما كان جسدها كله ينشر اضطرابها، يحتضن انفعالها، جمرة، إلى حد أنهما شربا زجاجة بيرة ثم زجاجتين، حاولا حوارًا لم يجذب أي شيء، عندئذٍ خرجت لتدخن، مكررة لنفسها: ينبغي أن أذهب الآن، ينبغي أن أذهب، هذا هراء؛ لكنه كان قد انضم إليها في الخارج، لن أتأخر، لا أريد أن أضَّجِع متأخرًا، خدعة، بعد ذلك أخرج ولاعته ليشعل سيجارتها، كانت قد حمت اللهب بيديها وأمالت رأسها، انزلقت خصلات شعر على وجهها مهدِّدةً بالاشتعال، أعادها خلف أذنها بحركة آلية، ولب أصابعه ملامسٌ صدغها، آلية إلى حد أنها فقدت قواها، تجويفا الركبتين ليِّنان، كل هذا، من ناحية أخرى، بالٍ تمامًا ومستهلك مثل الطرق و«بانج»، بعد بضع ثوانٍ، تمدد الاثنان في ممر مجاور، وقد أواهما الظلام وروائح النبيذ الثقيل، وأخذا يصطدمان بصناديق القمامة، ليكشفا عن مناطق من بشرة شاحبة، يظهر الجزء العلوي من الفخذين من الجينز أو الجوارب الطويلة، يظهر البطنان مع انتفاضة القمصان، مع فك الحزام، الأرداف، الكل في آن يغلي ومثلج، يخترقون رغبتهم المتبادلة والعنيفة. نعم، إذا نظر ريفول إليها بإمعانٍ، سيرى في كورديليا أوول فتاة كلها حيوية على نحو غريب، بينما هي تبدأ مناوبتها بليلة بلا نوم في الساقين، فتاة حالتها البدنية أفضل منه بكثير، ومَن سيمكنه الاعتماد عليها.

***

لدينا شخص لكم. نداء في الساعة العاشرة و١٢ دقيقة. محايد، إخباري، تنهار الكلمات. رجل، متر وثلاثة وثمانون، سبعون كيلوجرامًا، حوالي عشرين عامًا، حادث طريق، صدمة جمجمة في غيبوبة. نعلم من هو الشخص الذي نلخصه بهذه الطريقة، نحن نعرف اسمه: سيمون ليمبر. ما كادت المكالمة تنتهي حتى انطلق فريق الإسعاف إلى غرفة العناية المركزة، تُفتَح أبواب الحماية من النار، النقالة تنطلق، تصعد محور القسم المركزي، يبتعد الناس عن مسارها. يظهر ريفول — كان قد انتهى من فحص المريضة المقبولة في الليل بعد نوبة تشنجات وهو متشائم: لم تتلقَّ المرأة تدليك القلب في الوقت المناسب، كشف الماسح الضوئي موت خلايا للكبد بعد توقف القلب، علامة على تأثر خلايا المخ — لقد تم تنبيهه، ويقول لنفسه فجأةً، وهو يرى النقالة تصل إلى نهاية الممر: ستكون المناوبة شاقة هذا الأحد.

طبيب الإسعاف يتبع النقالة. لديه جسد مسَّاح جبال عالية، أصلع، في الخمسينيات الرصينة، ونحيف تمامًا، خشب، يكشف عن أسنان حادة عندما يعلن بصوت عالٍ: غيبوبة «جلاسكو» ٣! ثم يذكر التفاصيل إلى ريفول: أظهرت الفحوصات العصبية غياب رد فعل تلقائي على المحفِّزات السمعية (النداء)، البصرية (الضوء)، أو الخاصة باللمس، بالإضافة إلى وجود اضطرابات في العينين (حركات العينين غير متماثلة)، واضطرابات فسيولوجية في الجهاز التنفسي؛ أدخلنا الأنبوبة مباشرة. يغلق العينين بتسطيح جمجمة الجبهة نحو مؤخرة الرأس: اشتباه في نزيف دماغي إثر صدمة بالجمجمة، غيبوبة عميقة، جلاسكو ٣. يستخدم هذه اللغة التي يتقاسمونها، لغة تُحَرِّم الثرثرة باعتبارها مضيعة للوقت، تنبذ البلاغة وإغراء الكلمات، تسيء استعمال الجمل الاسمية، الرموز والحروف الاستهلالية، لغةٌ الكلام بها يعني الوصف أولًا، بعبارة أخرى، إبلاغ هيئة ما، جمع مؤشرات الحالة للتمكن من إجراء التشخيص، وطلب الفحوصات وأن نعالج وننقذ؛ قوة الإيجاز. يسجل ريفول كل معلومة، ويخطط لمسح الجسم.

إنها كورديليا أوول التي تتولى العناية بالشاب، تضعه في غرفته، في سريره، وبعد ذلك يمكن لوحدة الإسعاف مغادرة القسم، حاملة معها معداتها: نقالة، جهاز تنفس متنقل، وأنبوبة الأكسجين. يتعلق الأمر الآن بوضع قسطرة شريانية، أقطاب كهربائية على القفص الصدري، قسطرة بولية وتشغيل الشاشة التي ستسجل علامات سيمون الحيوية؛ تظهر فيها خطوط من ألوان وأشكال مختلفة، متراكبة، خطوط مستقيمة أو متكسرة، انحرافات مظللة، تموجات إيقاعية؛ شفرة الطب. تعمل كورديليا مع ريفول، حركاتها آمنة، تحركُها سلِس، سهل، يبدو أن جسدها قد تخلص من الكآبة اللزجة التي التصقت بحركاتها بالأمس كذلك.

بعد ساعة، يحضر الموت، الموت يعلن عن نفسه، بقعة متحركة بحافة غير منتظمة تُعتم شكلًا أوضح وأوسع، ها هو، إنه هو. رؤية عنيفة كضربة هراوة، لكن ريفول لا يطرف له جفن، يركز على صور الماسح الضوئي للجسد التي يكتشفها على شاشة حاسوبه، صور المتاهة موضحة مثل خرائط جغرافية يديرها في كل الاتجاهات ويكبرها، يأخذ العلامات، يقيس المسافات، بينما على مكتبه، في متناول يده، يُخفِي ملفًّا من ورق مقوًّى بترويسة المستشفى، نسخًا ورقية من صور تُدعى «ذات صلة» مُقدَّمَة من قسم الأشعة الذي قام بعمل مسح ضوئي لمخ سيمون ليمبر. لبناء هذه العروض، خضع رأس الصبي لمسح حزمة من الأشعة السينية، ووفقًا لتقنية تحليل تُدعى: مقطعية، التقطت المعطيات عبر «شريحة» و«قطع» سُمكها مليمتر، ويمكن تحليلها في كل مستويات الفضاء، المستوى التاجي، المحوري، السهمي أو المائل.

يستطيع ريفول قراءة هذه الصور، ما تؤكده عن حالة الشخص وما تتنبأ به عن تطوره، إنه يدرك هذه الأشكال، هذه البقع، هذه الهالات، يفسر هذه البقع الحليبية، يفك شفرة هذه الاصطدامات السوداء، يحل شفرة المصطلحات والجفرات؛ يقارن، يراجع، يبدأ من جديد، يقوم بتحرياته حتى النهاية؛ لكن ها هو، الأمر مقضي، نعرف النتيجة: دماغ سيمون ليمبر في طريقه للدمار، إنه يغرق في الدم. إصابات منتشرة، تورم دماغي كبير مبكر، ولا توجد أي بادرة للسيطرة على ضغط الجمجمة الداخلي، المرتفع للغاية بالفعل. ينقلب ريفول على كرسيه المريح. تزحف نظرته على مكتبه، بينما يده تنغرس تحت فكه، إنه يتصفح الفوضى بسرعة، الملاحظات المكتوبة على عجالة، النشرات الإدارية، نسخة مصورة من مقال صادر عن «إسباس إيتيك» (المجال الأخلاقي) مستشفيات باريس حول العينات المأخوذة من «قلب توقف عن العمل»، يحوم فوق الأشياء الصغيرة الموضوعة هنا، بما فيها هذه السلحفاة المنحوتة في حجر اليشب، هدية من مريضة شابة كانت تعاني من ربو حاد، يتأخر فجأةً على منحدرات جبل إيجوال البنفسجية الملفوفة في جريان المياه، التي يعيد ريفول التفكير فيها بلا شك، ومضة، في هذا اليوم من سبتمبر عندما بدأ يتعلم تعاطي صبار البيوط في منزله في «فالروج»، كان مارسيل وسالي قد وصلا في نهايةِ بعد الظهر في سيارة صالون زمردية إطاراتها ملطخة بالطين الجاف، كانت العربة قد فرملت بشدة في فناء القرية، وسالي قد أخذت تحرك يدها من النافذة «أوه، أوه» إنه نحن! شعرها الأبيض الثلجي يرفرف في قمرة السائق، — ليكشف عن قرطيها الخشبيَّين، ثمرتي كرز قِرمِزيَّتَين ولامعتين؛ في وقت لاحق، بعد الوجبة، بعدما هبط الليل على الهضبة الجيرية، مطر من النجوم المضيئة، كانوا قد خرجوا إلى الحديقة وكانت يدا مارسيل قد نُزِعَتا من تغليف بورق الكرافت بضعة صبارات خضراء؛ رمادية صغيرة، مستديرة ودون أشواك، دحرجها الأصدقاء الثلاثة في راحة أيديهم، قبل استنشاق رائحتها المرة؛ جاءت هذه الثمار من بعيد، كان مارسيل وسالي قد ذهبا لجلبها من صحراء تعدين شمال المكسيك، وهرَّباها بصورة غير قانونية ونقلاها بحذر حتى منطقة «سيفين»، وبيير، الذي كان يدرس النباتات التي تسبب الهلوسة، كان متلهفًا على تجربتها؛ مزيج القلويدات القوية الموجودة في صبار البيوط، من بينها ثلث الميسكالين، تثير رؤى تنبثق من العدم، بلا رابط بالذكريات، رؤى كانت تلعب دورًا رئيسًا في الاستخدام الطقسي لهذا الصبار الذي كان الهنود يستهلكونه غالبًا خلال المراسم الشامانية؛ لكن، أكثر من ذلك، كان بيير يهتم بالمحادثة التي تتجلى خلال الهلاوس: الحيوية النفس-حسية التي يفترض أنها تتزايد في المرحلة الأولى من الابتلاع، كان يتمنى أن يتعرف على نكهات، يعرف روائح وأصواتًا، أحاسيس خاصة باللمس، وأن تساعده ترجمة الحواس إلى صور على فهم، بل اختراق، لغز الألم. يفكر ريفول في هذه الليلة الساطعة، حيث تمزقت القبة السماوية فوق الجبال، محرِّرةً مساحات غير متوقعة اندفعوا فيها، مستلقين على العشب ظهرهم على الأرض، وفجأةً، تعبره فكرة كون في تمدد، في صيرورة دائمة، مكان فيه موت الخلية قد يكون مُشغل التحولات، حيث يشغل الموت الحي مثلما يشغل الصمت الضوضاء، الأسود الضوء أو الثابت المتحرك، حدس هارب يستمر في شبكية عينيه حتى عندما تعود عيناه إلى منطقة شاشة الكمبيوتر، إلى هذا المستطيل من ١٦ بوصة المشع بضوء أسود حيث يُعلن توقف كل نشاط عقلي في دماغ سيمون ليمبر، لم يتمكن من الربط بين وجه الشاب والموت، ويجف حلقه. قرابة ثلاثين عامًا يتطور في محيطه، ثلاثون عامًا وهو منساق في هذا القطاع.

وُلِدَ بيير ريفول عام ١٩٥٩م. حرب باردة، انتصار الثورة الكوبية، أول تصويت للسويسريين في مقاطعة «فو»، تصوير «على آخر نفس» لجودار، صدور رواية الوليمة العارية لبوروز ومقطوعة مايلز ديفيس الأسطورية، «نوع من الأزرق» — بالضبط أعظم ألبوم لموسيقى الجاز لكل العصور، يقول ريفول الذي يحب التباهي، ممتدحًا عتاقته: شيء آخر؟ نعم — يتبنى لهجة لا مبالية للحفاظ على تأثيره، نتخيله يتجنب النظر إلى محادثه، ويقوم بعمل شيء آخر، يفتش جيبه، يطلب رقم هاتف، يفك شفرة رسالة. إنه العالم الذي أُعِيدَ فيه تعريف الموت. وفي هذه اللحظة، هو غير مستاء من مزيج الذهول والرعب الذي يلاحظه على وجوه المحيطين به. ثم يضيف، رافعًا رأسه ومبتسمًا بغموض: ما هو، بالنسبة لطبيب تخدير-إنعاش، هو رغم هذا بعيد عن أن يكون هامشيًّا.

الواقع أنه، في عام ١٩٥٩م، بدلًا من أن يكون هذا الرضيع ذو الذقن الثلاثي لسناتور من الأقاليم، مقيدًا في بربوتة بأزرار معقدة، بدلًا من النوم ثلثي وقته في مهد محمول من قش خفيف ومبطن بقماش «فيشي»، كثيرًا يقول ريفول لنفسه إنه كان يحب أن يكون في القاعة، خلال الاجتماع الدولي الثالث والعشرين لعلم الأعصاب، في هذا اليوم الذي صعد فيه موريس جولون وبيير مولاريه المنصة لعرض أعمالهما؛ كان سيدفع ثمنًا غاليًا كي يراهما يتقدمان إلى المجتمع الطبي، بعبارة أخرى في مواجهة العالم نفسه، هما، هذان الرجلان، طبيب الأعصاب وطبيب الأمراض المعدية، قرابة أربعين وستين عامًا، بذلة داكنة حذاء أسود لامع، وعلى نحو أدق، ربطة عنق الفراشة؛ كان سيعشق ملاحظة ما يتسرب من علاقتهما، الاحترام المتبادل الذي يمارسه فارق السن، مؤسسًا هذا النوع من التسلسل الهرمي الصامت الذي يدير الجمعيات العلمية، زميلي العزيز، زميلي العزيز — لكن مَن تحدث أولًا؟ لمن كان امتياز إنهائه؟ — نعم، كلما فكر ريفول في الأمر اعتقد أنه كان يرغب في مواجهتهما، الجلوس في هذا اليوم بين رواد الإنعاش، رجال على نحو خاص، متحمسون ومركِّزون، يكون واحدًا منهم في هذا المكان، مستشفى كلود برنار — مستشفى سبَّاق؛ أنشأ بيير مولاريه فيه أول وحدة حديثة للإنعاش في العالم في عام ١٩٥٤م، شكَّلَ فريقًا، حوَّل جناح باستور ليضم حوالي سبعين سريرًا، وجلب هنا المراوح الكهربائية الشهيرة «أنجستروم ١٥٠»، المطوَّرة لمقاومة وباء شلل الأطفال الذي ساد شمال أوروبا وقتئذ، التي حلت محل «رئتي الصَّلب» في الخدمة منذ الثلاثينيات — وكلما زاد تركيز ريفول كشف المشهد، هذا المشهد البدائي الذي لم يعشه قط، يسمع الأستاذين يتبادلان بضع كلمات بصوت خافت، يرتبان أوراقهما على المنضدة وينظفان حلقهما أمام المذياع الذي ينتظر، صامتًا، أن تتوقف الضجة ويتم الصمت، كي يفتح أخيرًا اتصالهما مع هذا الوضوح البارد الخاص بأولئك اللذَين، لأنهما يدركان الأهمية الجوهرية لما جاءا لإعلانه، يمتنعان عن الإضافة، ويكتفيان بوصف استنتاجهما، وصف، وصف، يلقيان باستنتاجهما مثلما يُلقى بمربع الآس في لعبة البوكر؛ ودائمًا تذهله جسامة إعلانهما، تنفجر في وجهه؛ إذ إن ما جاء جولون ومولاريه لقوله يكمن في جملة في شكل قنبلة عنقودية بطيئة: لم يعد توقف القلب علامة على الموت؛ بل هو توقف الوظائف الدماغية الذي يشهد عليه من الآن فصاعدًا. بعبارة أخرى: إذا لم أعد أفكر، إذَنْ لم يعد لي وجود. شهادة القلب وتتويج الدماغ؛ انقلاب رمزي، ثورة.

قدم الرجلان نفسيهما إلى الجمعية، وصفا العلامات البيِّنة لما سمَّياه الآن «غيبوبة غير مسيطر عليها»، وصفا بالتفصيل عدة حالات لمرضى احتفظوا على نحو آلي، تحت التهوية، بوظائفهم القلبية والتنفسية دون أي نشاط للدماغ. مرضى، دون تحسين أجهزة وتقنيات الإنعاش التي تسمح بريِّ دماغهم، قد يتأرجحون في الموت القلبي على وجه التحديد. منذ ذلك الحين، أكدا أن انطلاقة الإنعاش الطبي قد غيرت الوضع، وأن تطورات المجال أدت إلى تعريف جديد للموت، وافترضا أن هذه البادرة العلمية، ذات المحمل الفلسفي المدهش، سيترتب عليها أيضًا السماح وإجازة أخذ الأعضاء وزراعتها.

تبع بيان جولون ومولاريه نشر مقال أساسي في مجلة «روفو نورولوجيك»، يستعرض ٢٣ حالة «غيبوبة دماغية»، ويتذكر الكل بعض الكتب الموجودة على الرف في مكتب ريفول، ومنها هذه المجلة لعام ١٩٥٩م، ويخمن المرء أن المقصود بالضبط هو هذا العدد، مستند تتبعه ريفول على موقع «إي باي»، وابتاعه بلا مساومة، وحصل عليه ذات مساء من شهر نوفمبر في محطة لُوزير — كلية الهندسة، لخط الشبكة الإقليمية السريع، رقم ب — ظل يدبدب فترة طويلة في البرد وهو يترصد بائعه، الذي ظهر في صورة سيدة صغيرة ترتدي عمامة بلون الزبرجد، أخذت تخب على الرصيف، وعندما وصلت عنده، قبضت النقود، اجتثت الأرشيف من قفة اسكتلندية، وحاولت، الخبيثة، الاحتيال عليه.

ريفول، الذي ثبت بصره من جديد على شاشة جهاز الكمبيوتر الخاص به، يحيط علمًا بما سيحدث، يغلق الجفنين، يعيد فتحهما، وفجأةً، مثل اندفاعة، يعتدل، إنها الحادية عشرة وأربعون دقيقة عندما يتصل باستقبال القسم، ترفع كورديليا أوول السماعة، يسألها ريفول: هل تم إبلاغ عائلة سيمون ليمبر بشكل لائق؟ وتجيب الشابة بنعم. لقد اتصل رجال الدرك بالأم، وهي في الطريق.

***

تدخل ماريان ليمبر المستشفى عبر المدخل الرئيس، وتتجه مباشرة إلى مكتب الاستقبال، هناك امرأتان، تجلسان خلف شاشات الكمبيوتر، امرأتان في معطف أخضر فاتح تتحدثان بصوت منخفض. إحداهما لها ضفيرة سوداء سميكة على كتفها، ترفع رأسها نحو ماريان: صباح الخير! ماريان لا تجيب على الفور، لا تعرف نحو أي قسم تتوجَّه: حالات الطوارئ، الإنعاش، جراحة الصدمات، بيولوجيا الأعصاب. تجد صعوبة في فك شفرة قائمة الخدمات المتتالية على لوحة كبيرة مثبتة على الحائط، وكأن الحروف، الكلمات، والخطوط تتداخل دون أن تتمكن من ترتيبها، منحها معنى، انتهى بها الأمر بنطق: سيمون ليمبر. عذرًا؟ تقطب المرأة الحاجبين — سميكين وسوداوين هما أيضًا، يتلامسان في باقة شعر على مربط الأنف — تتدارك ماريان، تتمكن من تركيب جملة: أبحث عن سيمون ليمبر، إنه ابني. آه. على الجانب الآخر من المنضدة الجانبية، تنحني المرأة على الكمبيوتر ويداعب طرف جديلتها لوح المفاتيح مثل فرشاة صينية: أي اسم؟ ليمبر، ل. ي. م. ب. ر. ماريان تتهجى ثم تلتفت إلى القاعة، ارتفاع هائل ككاتدرائية، وأرضية تزحلق — صوتي، مضيء والمسارات — أعمدة مبعثرة، المكان صامت هنا، قلة من الناس، شخص برداء منزلي وشبشب حمام سباحة يسير بعكاز نحو هاتف حائطي، امرأة على كرسي بذراعين ينزهها رجل يرتدي قبعة من اللبد بريشة برتقالية. روبن هود مصاب بوهن عصبي، وبعيدًا، بالقرب من الكافيتريا، أمام الأبواب المصطفة في الضوء الخافت، تجمعت ثلاث سيدات يرتدين الأبيض، كوب بلاستيك في اليد، لا أراه، متى تم قبوله؟ المرأة تُبقي عينيها على الشاشة وتنقر فأرتها، صباح اليوم، نفثت ماريان جوابها، ترفع المرأة رأسها، آه ربما حالة طوارئ إذَنْ؟ بينما تخفض جفنيها، تومئ ماريان بالموافقة، بينما تقف المرأة، تلقي بجديلتها على ظهرها وبحركة من يدها تدلها على المصاعد في عمق القاعة، ثم المسار الذي تتبعه للوصول إلى قسم الطوارئ دون الحاجة إلى الخروج في البرد والتجول حول المباني، تقول ماريان: شكرًا، وتستأنف مسارها.

كانت قد غفت عندما رن جرس الهاتف، مدفونة في تشابك أحلام شاحبة يرشحها ضوء النهار وحِدَّة أصوات مركبة لرسوم يابانية متحركة في التليفزيون. فيما بعد، بحثت فيها عن علامات، دون جدوى؛ كلما جمعت الذكرى مرة أخرى، ذاب حلم اليقظة، لم تحقق فيه أي شيء ملموس، لا شيء يمكنه منح معنى لهذه الصدمة التي وقعت على بُعد ثلاثين كيلومترًا من هنا، في نفس اللحظة، في وحل الطرق، ولم تكن هي مَن رفع السماعة لكن «لو»، سبع سنوات، دخلت غرفتها وهي تجري لأنها لا تريد أن تفوت أي صورة لما كانت تشاهده في غرفة الاستقبال، وضعت الهاتف ببساطة على أذن والدتها قبل الخروج بنفس السرعة، إلى حد تراكب الصوت في السماعة مع أحلام ماريان، ويرتفع، مُلحًّا، وأخيرًا، فقط عند سماع كلمات: من فضلك، أجيبيني، هل أنتِ والدة سيمون ليمبر؟ استقامت ماريان في سريرها، الدماغ تتفتحُ فجأةً بالخوف.

لا شك أنها صرخت بصوت عالٍ، عالٍ إلى حدٍّ كافٍ، على أي حال، لتعاود الصغيرة الظهور، بطيئة ورصينة، العينان مستديرتان، وتأتي لتثبت عند مدخل الغرفة، الرأس يستند على إطار الباب، نظرة ثابتة على والدتها التي لا تراها؛ لكن تلهث مثل كلب، حركات متسرعة ووجه ملتوٍ، تعزف على هاتفها المحمول للاتصال بشين الذي لا يرد: رد، رد، اللعنة! والدتها التي ترتدي ملابسها على عجالة، أحذية برقبة مبطنة، معطف ضخم، وشاح، ثم تندفع إلى الحمام لرش وجهها بالماء البارد، لكن بلا أي كريم، لا شيء، عندما، وهي ترفع رأسها من الحوض، تقابل نظرتها في المرآة — تحت الجفنين المنفوخين، كأنهما تجعدا مرة واحدة، عينا سيمون سينيوريه، عينا شارلوت رامبلينج، الخط الأخضر في هدب الجفنين — عندئذٍ، مأخوذة بعدم التعرف على نفسها، كأن تشوهها قد بدأ، كأنها كانت بالفعل امرأة أخرى؛ جزء من حياتها، جزء ضخم، لا يزال أملًا كاذبًا، مدمجًا، ينفصل عن الحاضر لينقلب في زمن مُنتهٍ، ليسقط، ويختفي. تميز انهيارات، انزلاقات أرضية، تصدعات أرض تحت قدميها؛ شيء ينسحب، شيء يُوضَع من الآن فصاعدًا بعيدًا عن المنال، قطعة من الجرف تنفصل عن الهضبة وتنهار في البحر، شبه جزيرة تُنتَزَع ببطء من القارة وتنجرف باتجاه البحر المفتوح، وحيدة، انسدَّ باب كهف رائع فجأةً بصخرة؛ تضخم الماضي فجأة مرة واحدة، غول آكل للحياة، والحاضر ما هو سوى عتبة فائقة الرقة، خط أبعد منه لا شيء معروف. رنين الهاتف كسر استمرارية الوقت، وأمام المرآة حيث تثبت صورتها، اليدان متشبثتان بالحوض، تتحجَّر ماريان تحت الصدمة.

التفتت وهي تلتقط حقيبتها وسقطت على الصغيرة التي لم تتحرك، آه يا «لو»! استسلمت الطفلة للعناق دون أن تفهم، لكن كل شيء فيها كان يستجوب والدتها التي تفادتها، ارتدي حذاءَك، خذي سترة، تعالَيْ، وبينما تغلق الباب بعنف على الدرج، فكرت ماريان فجأةً — جرح يجمد الأوصال — أنه في المرة القادمة التي ستعيد فيها إدخال مفتاحها في الكالون، ستعرف بالضبط أمر سيمون. في الطابق الأسفل، رنَّت ماريان جرس باب إحدى الشقق، وكررت — صباح الأحد، نيام — ثم جاءت امرأة لتفتحه، فهمست لها ماريان: مستشفى، حادث، سيمون، أمر خطير. والأخرى، وهي تفتح عينيها بأقصى اتساعهما، هزت رأسها، همست برقة سنهتم ﺑ «لو»، ودخلت الصبية بالمنامة في الشقة، أشارت لوالدتها بعلامة صغيرة عبر الباب الموارب؛ لكنها فجأةً غيرت رأيها، هُرعت إلى بسطة الدرج، ونادت: ماما! عندئذٍ صعدت ماريان الدرج بسرعة، ركعت على ارتفاع ابنتها، ضمتها بقوة إليها، ثم، بعد أن نظرت بعمق في عينيها، كررت لها سلسلة الكلمات الباردة، سيمون، ركوب الأمواج، حادث، سأعود، سأعود بسرعة. ظلت الطفلة ساكنة، وضعت قبلة على جبين والدتها، ودخلت شقة الجيران.

بعد ذلك، كان ينبغي إخراج السيارة من المرأب، التراجع للخلف في الطابق السفلي لموقف السيارات و، مرعوبة، اضطرت للتراجع مرتين كي تخرج من المربع، المناورة بالمليمتر حتى المنحدر المائل الذي يؤدي إلى الشارع. تأرجح الباب، وعلى الفور فتحت عينيها، سادرة. كان ضوء النهار أبيض، ضاربًا إلى البياض، يخفف الرماديات، كانت سماء ثلج لا يتساقط، حقارة، عندئذٍ، مستدعية قواها وعقلها، ركزت على الطريق الذي ينبغي أن تسلكه، وسارت مباشرة نحو الشرق عبر البلدة العليا، متتبعة شرايين في استقامة مسابر تخترق الفضاء الأفقي، دخلت شارع «فيليكس فور»، ثم شارع اﻟ ٣٢٩، وشارع سلفادور أليندي، أسماء تتالت على نفس المحور كلما وصلنا ضواحي لوهافر، أسماء منسوجة في كتاب البلدية. فيلات فخمة تطل على بلاعة البلدة السُّفلى، حدائق واسعة جيدة التهوية تمامًا، مؤسسات خاصة ومركبات سوداء، الكل يتطور في مبانٍ بلا بريق، أجنحة صغيرة اتسعت بشرفات أو حدائق صغيرة، وأفنية أسمنتية صغيرة تركد فيها مياه الأمطار، الدراجات النارية وصناديق البيرة، والآن مركبات النقل، وسيارات مصممة حسب الطلب، تنسلُّ هذه الشوارع الرفيعة للغاية إلى حد لا يسمح لشخصين بالتقدم معًا؛ حاذت قلعة تورلافيل، متعهدو الجنازات أمام المقبرة، الرخام المعروض خلف نوافذ مرتفعة، لاحظت مخبزًا مُضيئًا على ارتفاع جرافيل، كنيسة مفتوحة رسمت علامة الصليب.

كانت المدينة خاملة، لكن ماريان كانت تختبر المحتوى المهدد؛ توجس البَحَّار أمام البحر الهادئ. بل بدا لها أن الفضاء حولها قد احدودب قليلًا كي يحتوي الطاقة الهائلة الكامنة في المادة، هذه القوة من الداخل التي يمكنها أن تتغير لقوة هدم غير مسبوقة إذا ما شطرنا الذَّرَّة؛ لكن الأغرب أن الفكرة أتتها عندما أعادت التفكير في الأمر فيما بعد؛ إذ إنها لم تقابل أحدًا هذا الصباح، ولا سيارة أخرى، ولا أي إنسان آخر، ولا أي حيوان — كلب، قط، فأر، حشرة — كان العالم مهجورًا، المدينة خالية من السكان كأنهم قد لجئوا إلى المنازل ليحتموا من كارثة، كأنهم خسروا الحرب وهم ملتصقون خلف نافذتهم لرؤية مرور قوات العدو، كأن الكل ابتعد بعنف عن قدر محتوم مُعدٍّ — القلق يُبعد، الكل يعرف ذلك — كانت الستائر الحديدية مشدودة أمام واجهات المتاجر، الستائر المعدنية مُسدَلَة، وحدها طيور النورس التي توقفت على مصب النهر كانت تُحْيي جولة ماريان، محوِّمة فوق سيارتها التي، مرئية من السماء، كانت الهوية الوحيدة المتحركة للمشهد كله، كبسولة متحركة تبدو كأنها تلتقط الحياة المحدودة التي لا تزال موجودة على الأرض، مرمية على سطح الأرض مثل بلية معدنية أسفل زجاج صندوق الفليبر، غير قابلة للاختزال، وحيدة، مهتزة بالتشنجات. كان الكون الخارجي يتمدد ببطء؛ بل يرتجف، ويشحب مثلما يرتجف الهواء ويشحب فوق أرض الصحاري، فوق أسفلت الطرق الذي ارتفعت حرارته في الشمس، كان يتغير في ديكور هارب، بعيد، كان يَبْيَضُّ، على وشك أن ينمحي، بينما في قمرة القيادة كانت ماريان تقود بيد واحدة، والأخرى تمسح كل ما يتدفق من وجهها، هذه الدموع، كانت تحدق في الطريق، مكرسة نفسها لطرد الحدس الذي ترسب فيها منذ المكالمة الهاتفية، هذا الحدس الذي جعلها تشعر بالعار، الذي آلمها، ثم كان النزول نحو «هارفلور»، مخرج «هافر»، تبادلات الطرق السريعة حيث ضاعفت الانتباه، غابة ثابتة، لقطة مقربة، المستشفى.

أوقفت المحرك في الموقف، ثم حاولت الاتصال من جديد. متشنجة، أنصتت للصلصلة السريعة والمنتظمة التي يصدرها الاتصال وتصورت مساره؛ هرب الصوت نحو جنوب المدينة، منتقلًا على إحدى هذه الموجات الهوائية التي شكلت مادة الهواء غير المرئية، عبر فضاء هوائي، إبدال إلى آخر راكبًا ترددًا لاسلكيًّا مختلفًا دائمًا عن التالي، بلغ في منطقة الميناء محيط حقل صناعي مهجور يقع في اتجاه «درس دي لوسيون»، تلوَّى على امتداد المباني الجاري إصلاحها، ليصل في الختام إلى المرأب المثلج الذي لم تعد ماريان تذهب إليه منذ فترة طويلة؛ تعقبت النداء الذي كان يسرع بين ألواح وعوارض الخشب السميكة، بين الألواح المستعملة وألواح الخشب الرقائقي، يختلط بصوت الريح التي يلتهمها البلاط المشقوق، يندمج بزوابع النشارة والغبار الذي يدور في الزوايا، يتطفل على رائحة غراء البولي يوريثين، الراتينج أو الورنيش البحري، يخترق ألياف قمصان العمل القطنية المتراكمة، وألياف قفازات الجلد السميكة، يسدد في علب المحفوظات المعدَّلة كوعاء للفُرَش، منفضة سجائر، درج مطبخ — حكاية سوق خرافية — يقاتل ضد الاهتزازات المستمرة للمنشار الدائري، ضد اهتزازات أغنية ريحانا Stay في الراديو-كاسيت القديم، ضد كل ما يهتز، يخفق، يصفر، بما فيهم مَن كان يعمل هنا، شين، مائلًا في هذه اللحظة على حافة هيكل مركِب مزود بحاجز من الألومنيوم ودعامات مثبتة لتقطيع الشرائح الخشبية بنفس العرض، رجل مرن، ضخم، اليدان سمراوان، تتنقلان ببطء، تنقشان، أثرهما على الأرض المعفَّرة؛ كان مزودًا بقناع ويرتدي خوذة مضادة للضوضاء، ويصفر هكذا، مثلما يصفر نقَّاش منزل على سلمه، لحنًا حادًّا يدور في الهواء مثل الشريط البني اللاصق تحت نصل المقص. أنصتَتْ للمكالمة التي انضمت لجيب داخلي لجاكت «باركا» معلق هنا، وأطلقت رنينًا في صندوق رسائل هاتف محمول؛ صوت مطر على سطح الماء، صوت كان أنزله في الأسبوع السابق ولن يسمعه. توقف الرنين، ثم كان صوت الرسالة تسبقها جلجلة رهيبة. أغلقت عينيها، ظهر لها المرأب، وفجأةً، مرصوصة على دعائم معدنية مثبتة على امتداد الجدران، رائعة وبرونزية، تحررت اﻟ «تاونجا»، كنوز شين: مراكب شراعية لوادي السين، قوارب اﻟ «كاياك» بجلد الفقمة التي بناها اﻟ «توبيك» في شمال غرب ألاسكا، وكل زوارق اﻟ«كانو» الخشبية التي صنعها هنا، أكبرها كان يمثل مؤخرة مركب منحوت بدقة مثل مؤخرة مركب اﻟ «واكا»، هذه الجذعيات الماوري المستخدمة خلال مواكب الطقوس؛ أصغرها كان لينًا وخفيفًا، القشرة من لحاء البتولا والجزء الداخلي مغطًّى بشرائح من خشب فاتح، مهد موسى وقت إيداعه في النيل لإنقاذ حياته، عش. إنها ماريان، اتصل بي بسرعة.

تندفع ماريان في البهو. طويل هذا المعبر، إنه لا ينتهي، كل خطوة يثقلها الخوف والضرورة، تدخل أخيرًا في المصعد الواسع للغاية، تهبط إلى الطابق السفلي، عتبة عريضة، أرضية مكسوة ببلاطٍ أبيض، لا تقابل أحدًا؛ ولكنها تسمع أصوات نساء ينادين بعضهن، يصنع الممر كوعًا، ثم يكشف عن حشد من الناس يأتون ويذهبون، واقفين، جالسين، يرقدون على أسرة متحركة متوقفة بجوار الجدران، نشاط منتشر تُنسَج فيه شكاوى وهمسات، صوت رجل نفد صبره: أنتظر منذ ساعة! تأوهات عجوز محجبة بالأسود، بكاء طفل في حضن والدته.

باب مفتوح، إنه مكتب زجاجي. مرة أخرى امرأة شابة جالسة أمام حاسوب آلي ترفع تجاهها وجهها المستدير، منفتح للغاية، لا تزيد عن ٢٥ عامًا، إنها ممرضة متدربة، توضح ماريان: أنا والدة سيمون ليمبر! الشابة تقطب الحاجبين، تشعر بالقلق، ثم تدور في مقعدها، وتخاطب فجأةً شخصًا خلفها: سيمون ليمبر، شاب، دخل هذا الصباح، تعرفه؟ يستدير الرجل، يهز رأسه، لا. ومع رؤية ماريان يخاطب الممرضة: ينبغي الاتصال بالإنعاش. ترفع الشابة السماعة، تستعلم، تضعها، تومئ برأسها عندئذٍ يخرج الرجل من المكتب، حركة تطلق شحنة أدرينالين في مكان ما في بطن ماريان، التي تشعر فجأةً بالحرارة، تفك وشاحها وتفتح معطفها، وتمسح العرق الذي يتلألأ على جبينها، نختنق هنا، يمد لها الرجل يده، إنه صغير وضعيف، رقبة فرخ صغير متجعدة في قميص وردي شاحب بياقة عريضة للغاية، المعطف نظيف ومغلق جيدًا، الشارة باسمه في مكانها الصحيح على صدره. تقدم له ماريان يدها أيضًا لكنها لا تستطيع منع نفسها من التساؤل عما إذا هي العادة هنا أو أن هذه الحركة، رغم أنها عادية، تُعبِّر عن نية؛ اهتمام أو شيء آخر، بدافع من حالة سيمون، هي التي رغم هذا لا تريد سماع أي شيء، معرفة أي شيء، لا شيء، ليس بعد، لا تريد سماع أي معلومة تغير هذا التأكيد «ابنكم حي». يأخذها الطبيب نحو البهو في اتجاه المصاعد، تعض ماريان شفتيها بينما هو يواصل: هو ليس عندنا، لكن تم قبوله بالفعل مباشرة في الإنعاش. صوته الأغَنُّ يسحق اﻟ a واﻟ on، النغمة محايدة، تتوقف ماريان، العينان ثابتتان، صوت متقطِّع: هو في الإنعاش؟ نعم. يتحرك الطبيب بلا ضجة، بخطوات صغيرة في حذائه ذي النعل «كريب»، يطفو في معطفه الأبيض، أنفه الشمعي يلمع في الضوء، وماريان التي تتجاوزه برأس، تُميز جلد جمجمته تحت الشعر الناعم. هو يشبك يديه خلف ظهره: لا أستطيع أن أخبركم بأي شيء، لكن تعالي، سيشرحون لكم كل شيء، إنها حالته بالتأكيد التي استدعت قبوله في هذا القسم. تغلق ماريان عينيها، تضغط على أسنانها، فجأةً كل شيء فيها ينكمش، إذا تابع. ستصرخ، أو ستندفع نحوه وتطبق كفها على فمه الثرثار بغباء، ليصمت؛ أتوسل إليك يا ربي، وفي هذه اللحظة، كأنه بفعل سحر، يعلق جملته، المحظورة، ويتجمد أمامها، الرأس يتمايل فوق ياقة القميص الوردي، وصلبة، ورق مقوى، ترتفع يده وراحتها مفتوحة نحو السقف، حركة غامضة حيث تتسع احتمالات العالم، هشاشة الوجود الإنساني، ثم تسقط بطول ساقه: تم إخطار الإنعاش بوصولكم، سيأتون لاستقبالكم. وصلا أمام المصاعد والمقابلة تنتهي؛ يشير لها الطبيب إلى قاع الممر بحركة من الذقن، ويخلص، رصين لكنه حازم: ينبغي أن أذهب، إنه الأحد، الطوارئ مشحونة دائمًا في الآحاد، الناس لا تعرف حقًّا ماذا تفعل. يضغط على زر الاستدعاء، وتتباعد الأبواب المعدنية ببطء، وفجأةً، بينما تتصافح أيديهم مرة أخرى، يبتسم لماريان، ابتسامة من قاع الحفرة: وداعًا سيدتي، كوني شجاعة. ويعود في اتجاه الصرخات.

قال كوني شجاعة، تكرر ماريان هذه الكلمة لنفسها بينما تصعد طابقًا أعلى — إنه طويل هذا الطريق إلى سيمون، إنها مؤلمة هذه المستشفيات مثل متاهات — المصعد مُلغَّم بالإرشادات وأوراق نقابية، شجاعة، قال: شجاعة، عيناها ملتصقتان، يداها رطبتان، ومسام جلدها تتفتح تحت تأثير الحرارة، تمدد جلدي يطمس ملامحها، شجاعة حقيرة، تدفئة حقيرة، لا يوجد إذَنْ هواء هنا؟

يحتل قسم الإنعاش كل الجناح الأيمن من الطابق الأرضي. الوصول إليه مُقَيَّد، لافتات على الأبواب تحصر الدخول على موظفي المستشفى فقط، مما جعل ماريان تنتظر على العتبة، ينتهي بها الأمر بالاستناد على أحد الجدران وترك نفسها تنزلق، تقرفص، الرأس يتحرك من اليمين إلى اليسار دون أن ينفصل عن الحاجز، تحفر الحائط، تحفر برفق بمؤخر الرأس، وجه مرفوع نحو أنابيب النيون المنتشرة في السقف، جفنان مغلقان، تنصت، دائمًا هذه الأصوات المشغولة للغاية، الساخرة، أو التي تستعلم من أحد طرفي الممر إلى الطرف الآخر، هذه الأقدام بنعال من مطاط، خف تمارين رياضية، أو أحذية رياضية بسيطة، هذه الجلجلة المعدنية، أجراس الإنذار هذه، هذه الدحرجة للحاملات، هذا التغضن المستمر للأماكن. تُراجع هاتفها: شين لم يتصل. تقرر أن تتحرك، ينبغي الذهاب إلى المكان، تقترب من باب الحماية من النار المزدوج والمغطى من أعلى بمطاط أسود، تطيل نفسها بالوقوف على أطراف أصابع قدميها لتنظر عبر المربعات. المكان هادئ. تدفع الباب، وتدخل.

***

عرف على الفور أنها هي — مظهر مترنح، نظرة ملتوية، خدان معضوضان من الداخل — إلى حد أنه لم يسألها إذا كانت والدة سيمون ليمبر، لكن مد يده إليها وهو يهز رأسه: بيير ريفول، أنا طبيب في القسم، أنا الذي وافقت على دخول ابنك هذا الصباح، تعالي معي. غريزيًّا تسير، الرأس منخفضٌ على مشمع الأرضية، دون نظرة جانبية قد تجد طفلها في عمق غرفة مظلمة، على بعد عشرين مترًا الواحد بجانب الآخر في الممر الأزرق الخزامي، ثم هذا باب عادي حسبما يشير ملصق في حجم بطاقة عمل، واسم لا تعرفه.

هذا الأحد، ترك ريفول قاعة العائلات التي لا يحبها كثيرًا، واستقبل ماريان في مكتبه. تظل هي واقفة، تجلس أخيرًا على حافة الكرسي، بينما يدور حول الأثاث لينزلق على كرسيه، جذع للأمام وكوعان متباعدان. كلما راقبته ماريان مُسحت وجوه الشخصيات التي صادفتها منذ وصولها إلى المستشفى: المرأة بالحاجبين المتصلين في الاستقبال، الممرضة الشابة المتدربة في الطوارئ، الطبيب بالياقة الوردية. كأنها لم تتوالَ إلا لتقودها إلى هذا الوجه، متراكبة الواحد على الآخر حتى شكلت منها وجهًا واحدًا فقط، وجه هذا الشخص الجالس أمامها، مستعدًّا للكلام.

تأخذين حضرتك قهوة؟ تتوتر ماريان، موافقة. ينهض ريفول، ومديرًا ظهره لها يلتقط غلاية القهوة التي لم ترها، يصب القهوة في كوبين من البلاستيك الأبيض، إنها تدخن، حركاته فضفاضة وهادئة، سكر؟ إنه يسوِّف، يرتب كلمته، هي تعرف ذلك، تصاحب هذا الإيقاع، تشعر بالتوتر المتناقض ما دام الوقت يقطر مثل القهوة في الآلة، بينما كل شيء يجدد إلحاح الموقف، طابعه الراديكالي، الوشيك، والآن أغلقت ماريان عينيها، تشرب، مركزة على حرق السائل في حلقها، خوفًا من أول كلمة لأول جملة — الفك الذي يتحرك، الشفتان اللتان تنفتحان وتتمددان، الأسنان التي تظهر، أحيانًا طرف اللسان — هذه الجملة المشبعة بالفجيعة التي تعرف أنها على وشك أن تتكون، كل شيء فيها يتراجع ويتخاذل، يتكوم عمودها الفقري على ظهر الكرسي — مائل — رأسها تذهب إلى الوراء، تريد الانسحاب من هنا، الركض نحو الباب والهرب مباشرة، أو الاختفاء عبر كوة تُفْتَح فجأةً تحت أقدام كرسيها، «بوف!» كوة، قبو، لتُنسى في هذا المكان بالتحديد، حتى لا يمكن لأحد العثور عليها، وألا تعرف أبدًا أي شيء سوى قلب سيمون النابض. إنها ترغب في هجر هذه القاعة المغلقة بإفراط، هذا الضوء الكئيب، والهرب من الإعلان، فهي ليست شجاعة، لا، إنها تتلوى على نفسها وتدور حولها مثل الأفعى، ستمنح كل ما تملكه كي نطمئنها ونكذب عليها، كي نحكي لها قصة مثيرة، بالتأكيد، لكن بنهاية سعيدة حامضة، إن جبنها مشوَّش؛ لكنها تقاوم: كل ثانية تختفي هي غنيمة حرب، كل ثانية تُفتَح تفرمل مسيرة المصير، ومراقبًا هاتين اليدين المضطربتين، هاتين الساقين المعقودتين تحت الكرسي، هذين الجفنين المغلقين، منتفخين، أعتمهما كحل العشية — فحم الكحل تطبقه على جفنها بطرف أصبعها، بحركة واحدة — لامسًا شفافية هاتين القزحيتين المشوشة — يشب غائمًا ومائيًّا — ارتعاش هذه الرموش الكبيرة، يعرف ريفول أنها فهمت، يعرف أنها تعرف، وبرقة لا نهائية يوافق على أن يطيل الوقت الذي يسبق كلمته، يلتقط بلورة فينيسيا الزجاجية ويدحرجها في راحة يده؛ تتلألأ الكرة الزجاجية تحت ضوء النيون البارد، تبرقش الجدران والسقف، مُجزَّعة، تمر فوق وجه ماريان، التي تفتح عينيها، وهذا، بالنسبة لريفول إشارة لإمكانية البدء.

ابنكم في حالة خطرة.

في أول كلمات منطوقة — جرس واضح، وتيرة هادئة — تسند ماريان عينيها — جافَّتَين — على عيني ريفول الذي ينظر إليها بالمثل، بينما تنطلق جملته، بينما تتكون في اللحظة الحالية، واضحة دون أن تكون فظة — دلالية وتتسم بدقة مجابهة، قطعة موسيقية محبوكة بالصمت، متباطئة تزاوج نشر المعنى — بطيئة إلى حدٍّ كافٍ كي تتمكن ماريان من أن تعيد لنفسها داخليًّا كل واحدة من المقاطع المسموعة، تكتبها فيها: أثناء الحادث، عانى ابنكِ من صدمة دماغية، يبين الماسح الضوئي وجود إصابة مهمة على صعيد الفص الأمامي — يضع يده على جمجمته خلف جبينه، ليوضح كلامه — وهذه الصدمة العنيفة أثارت نزيفًا في المخ، كان سيمون في غيبوبة عند وصوله إلى المستشفى.

تَبرد القهوة في الكوب البلاستيك، ريفول يشرب ببطء، بينما، في مواجهته، ماريان الآن تمثال حجري. يرن الهاتف في الغرفة، رنة، رنتين، ثلاثًا، لكن ريفول لا يرد، تحدق ماريان في وجهه، تمتصه حرفيًّا — لون بشرة ذات بياض حريري، هالات بنفسجية تحت صحون كبيرة رمادية شفافة، جفنان ثقيلان، مجعدات مثل قشر الجوز، وجه طويل ومضطرب — ويتضخم الصمت، إلى أن يستأنف ريفول: أنا قلِق — صوته يفاجئه، قوي على نحو غير مفهوم، كأن نغمته قد ارتبكت — نحن نجري حاليًّا فحوصًا، نتائجها الأولى غير جيدة. عبثًا ضج بصوت مجهول في أذن ماريان، وسرَّع تنفسه في اللحظة نفسها، إنه غير جاذب، لا يرن مثل هذه الأصوات المثيرة للاشمئزاز التي تدعي المواساة بينما تدفع نحو المقبرة الجماعية، إنه على النقيض يعني وجود مكان لماريان، مكان ومسار:

يتعلق الأمر بغيبوبة عميقة.

تفتح الثواني اللاحقة مسافة بينهما، مسافة عارية وصامتة، يقفان على حافتها فترة طويلة. تبدأ ماريان ليمبر في إدارة كلمة غيبوبة ببطء في رأسها؛ بينما يستعيد ريفول الجزء المظلم من عمله، الكرة الزجاجية تتدحرج دائمًا في راحة يده، شمس عَكِرة ووحيدة، ولا شيء أبدًا بدا له أكثر عنفًا، أكثر تعقيدًا، من أن يأتي ويقف بجوار هذه المرأة حتى يعمقا معًا هذه المنطقة الهشة من اللغة التي يُعلن فيها الموت، حتى تتقدم، متزامنين. يعلن: سيمون لم يعد يتفاعل مع المثيرات المؤلمة، ظهرت اضطرابات بصرية ودماغية، لا سيما اضطرابات التنفس، مع بداية تكدس رئوي، ومن ناحية أخرى الماسحات الضوئية الأولى ليست جيدة. جملته بطيئة، يتخللها التقاط الأنفاس، طريقة لإدراج جسده فيها، ليجعله حاضرًا في حديثه، ليجعل الجملة السريرية متواجدة، يتحدث كأنه ينحت في رخامة، والآن يتبادلان النظرات، يتواجهان، هكذا، لا شيء آخر سوى هذا، مواجهة مطلقة، وهذا يُنجَز دون أن يفشل، وكأن الكلام والمواجهة كانا الصفحة الأمامية والخلفية لنفس الحركة، كأن الأمر أن يتواجها بقدْر مواجهة ما يتضح في إحدى غرف هذا المستشفى.

أريد أن أرى سيمون — الصوت مذعور، النظرة زائغة، اليدان تتشتَّتان — أريد أن أرى سيمون. هذا كل ما قالته، بينما هاتفها المحمول يهتز للمرة الألف في قاع جيب معطفها، الجارة التي تعتني ﺑ «لو»، والدا كريس، ووالدا جوان، لكن دائمًا دون أي علامة من شين، أين هو؟ تكتب رسالة: اتصل بي.

رفع ريفول رأسه: الآن، تريدين رؤيته الآن؟ يلقي نظرة على ساعته — ١٢:٣٠ — ويجيب، هادئًا، هذا مستحيل حاليًّا، سيتعين علينا الانتظار قليلًا، نحن نقوم ببعض إجراءات الرعاية، لكن بمجرد الانتهاء منها، يمكنكم بالتأكيد رؤية ابنكم. و، وهو يضع أمامها ورقة مصفرة، يواصل: إذا كنتِ لا تمانعين حضرتكِ، أنا بحاجة إلى أن نتكلم قليلًا عن سيمون. نتكلم عن سيمون! ماريان تتوتر. ماذا يقصد، «الكلام عن سيمون». هل سيكون جمع المعلومات عن جسده كما نملأ استمارة؟ الإشارة إلى العمليات التي تكبدها؟ — لحمية، التهاب الزائدة الدودية. عدا ذلك لا شيء — الكسور التي اختبرها؟ — عظم الكُعْبُرة مكسور لسقوطه من الدراجة في صيف سنواته العشر. هذا كل شيء — الحساسيات التي تعقد الحياة اليومية؟ — لا، لا شيء — العدوى التي التقطها؟ — هذه المكورات العنقودية الذهبية في صيف سنواته الخمس التي كان يعلن عنها للجميع، تحيطها هالة الندرة التي منحتها هذا الاسم الرائع، حمى غُدِّية في السادسة عشرة، حمى فيروسية، مرض العشاق، ويبتسم شزرًا عندما يمزحون معه، كان يرتدي عندئذٍ منامة غريبة، مزيجًا من سروال قصير برمودا هاواي وسويت شيرت مبطن. أيكون وضع قائمة بأمراض الطفولة؟ الكلام عن سيمون. الصور تنتشر، تجن ماريان: الطفح الوردي لطفل في كسوة بغرزة التريكو الأساسية، جدري الماء لطفل عمره ثلاث سنوات، القشور البنية على فروة رأسه، خلف أذنيه، وهذه الحمى التي أصابته بالجفاف وتركته عشرة أيام ببياض العين أصفر والشَّعر لزج. تلفظ ماريان كلمات بمقطع واحد، بينما ريفول يدون بعض الملاحظات — تاريخ ومكان الميلاد، وزن، طول — وفضلًا عن ذلك يبدو أنه لا يهتم كثيرًا بأمراض الطفولة منذ أن كتب في ورقته أن سيمون ليس لديه أمراض خاصة سابقة، ولا أمراض خطيرة، حساسيات نادرة، أو تشوهات قد تعرفها والدته وتكشف عنها. مع هذه الكلمات، تضطرب ماريان، نفحة ذاكرة، إقامة شتوية في الجبل في «كونتامين-مونجوا»، سيمون عمره عشر سنوات وألم عنيف في البطن، طبيب محطة التزلج على الجليد الذي يجس جانبه الأيسر، مفترضًا التهاب الزائدة الدودية، يشخص «تشريح معكوس»، بعبارة أخرى القلب على اليمين وكل شيء بالمثل، كلمة لم يشكَّ فيها أحد، وهذا الانحراف الرائع صنع منه شخصية خاصة للغاية حتى نهاية الإقامة.

أشكركم، ثم، بعد فرد ورقته براحة يده، يعيدها في ملف سيمون، ملف أخضر شاحب. يرفع رأسه نحو ماريان: تستطيعين رؤية ابنك بمجرد الانتهاء من الفحوص. أي فحوص؟ صوت ماريان السوي في المكتب، والفكرة الغامضة أنه إذا كان هناك فحوص جارية، فلا شيء ثابت. تألُّق نظرتها ينذر ريفول الذي يجتهد لإبقاء الموقف وكبح الأمل: حالة سيمون تطورية، وهذا التطور لا يسير في الاتجاه الصحيح. ماريان تتلقى الصدمة، ترد بقوة: آه، وحالة سيمون تتطور لأين؟ متحدثة على هذا النحو، تعلم أنها تكشف عن نفسها، تخاطر، وريفول يلتقط أنفاسه ليجيب: إصابات سيمون لا رجعة فيها. لديه شعور مؤلم بتوجيه ضربة، والانطباع بتفجير قنبلة. بعد ذلك، ينهض، سننادي عليكم في أقرب وقت ممكن. ثم يضيف، بنبرة أعلى: هل تم إبلاغ والد سيمون؟ تحدق ماريان فيه: سيكون هنا مع بداية بعد الظهر. لكن شين لا يتصل، دائمًا لا شيء، وفجأة، يستولي الفزع على ماريان، تقول لنفسها ربما لا يكون في المرأب، ولا حتى في المنزل، لكنه غادر ليسلم مركبًا شراعيًّا في «فيلكييه»، «دوكلير» أو «كودوبيك-ان-كو»، أو في نادٍ للتجديف على ضفة نهر السين، وربما إذَنْ في هذه اللحظة نفسها كان يجرب القارب مع المشتري، وأنهما يجدفان جالسين على مقاعد منزلقة، يراقبان تصرفاته التي يعلقان عليها بصوت منخفض، مستخدمين مفردات خبير. وبالتدريج رأت ماريان مجرى النهر يضيق بين جدران صخرية منتفخة بطحالب كثيفة، مغطاة بنباتات نمت أفقيًّا، أُشنة، سرخسيات عملاقة ومتسلقات عريضة، أعشاب لونها أخضر حمضي متشابكة على طول الجدران الضخمة، أو منحنية نحو النهر في شلالات نباتية، ثم انخفض السطوع، ولم تترك التضاريس فوق القارب سوى ممرٍّ نحيفٍ من سماء في بياض الحليب، أصبح الماء ثقيلًا، مسطحًا وبطيئًا، السطح مشبعًا بالحشرات — يعسوبات من فيروز زاهٍ، ناموس شفاف أخذ لون البرونز، بانعكاسات فضية — وفجأةً، مرعوبةً، تخيلت ماريان أن شين قد عاد إلى نيوزيلندا، وأنه يصعد نهر وانجانوي من مضيق كوك، المنطلق من مصب آخر ومدينة أخرى، ويغوص في الأراضي، وحده في زورقه، هادئًا تمامًا، كما عرفته، النظرة متزنة؛ كانت حركته منتظمة، عابرًا القرى الماورية على امتداد الضفتين، يتعامل مع الانخفاضات بقدميه، القارب الخفيف مرفوع على ظهره، ومتقدمٌ دائمًا أكثر نحو الشمال، نحو الهضبة الرئيسة وبركان تونجاريرو؛ حيث يستقي النهر المقدس منبعه، يعاود طريق الهجرة للأراضي الجديدة، رأت شين بالتحديد، بل سمعت أنفاسه المنتفخة في الوادي الضيق كما في غرفة صدى، كان يسود هنا هدوء خانق. ينظر ريفول إليها، قلق من وجهها المضطرب؛ لكنه مضطر أن يختم: سأراكم إذَنْ معه عندئذٍ. تهز ماريان الرأس: اتفقنا.

كشط المقاعد على الأرض، صرير باب، يسيران الآن نحو نهاية الممر، وما إن بلغا العتبة، دون إضافة جملة إلى حوارهما الضعيف، تتأرجح ماريان وتبتعد ببطء دون أن تعرف إلى أين تذهب، حتى تمر أمام صالة الانتظار، المقاعد المستقيمة والمائدة المنخفضة المغطاة بمجلات تالفة متناثرة تبتسم فيها نساء ناضجات بأسنان صحية، شُعُورٌ تلمع، تحاذي الكافيتريا — أكياس شيبسي ملونة، سكاكر وعلكة موضوعة على أرفف، بيتزا وبيرجر مطبوعان بألوان أساسية على ملصقات صغيرة مصفوفة طوليًّا، زجاجات ماء وصودا ممددة في ثلاجات زجاجية — تُفرمَل بعنف، تترنح، سيمون ممدد هنا في مكان ما، كيف تتركه خلفها؟ تريد العودة لكن تستعيد قوتها، يجب أن تخرج وتجد شين، أن تصل إليه بأي ثمن.

تتجه إلى الباب الرئيس، الذي ينفتح ببطء من بعيد، تعبر أربعة خيالات العتبة وتتقدم نحوها، خيالات سرعان ما تنبثق من التشويش وتعزلهم عيناها حسيرة البصر؛ إنهما أهل الفارسين الآخرين: أهل كريستوف وأهل جوان، مصطفين، ودائمًا نفس المعاطف الشتوية التي تثقل على الأكتاف، نفس الأوشحة الملتفة حول الرقبة لدعم الرءوس التي تسقط، نفس القفازات. يتعرفون عليها، يبطئون الخطى، ثم يسرع أحد الرجلين الخطى للخروج من الصف، وعندما يصل أمام ماريان يحتضنها، وبعد ذلك يعانقها الثلاثة الآخرون بالتناوب. كيف حاله؟ إنه والد كريس الذي تحدث؛ الأربعة ينظرون إليها، وهي مشلولة. تهمس: إنه في غيبوبة، لا نعرف حتى الآن. تهز كتفيها ويتشوه فمها: وأنتم؟ الولدان؟ تتولى والدة جوان الكلام: كريس، كسر في نصف الحوض الأيسر وعظم الفخذ؛ جوان، كسور في القبضتين والترقوة، انغراز القفص الصدري، لكن لا يوجد أي عضو مثقوب. إنها متحفِّظة، تحفظٌ بغيض، تهدف إلى إخبار ماريان بأنهم الأربعة كلهم يشعرون بحظهم، حظ عظيم؛ إذ بالنسبة لهم، هي مجرد كسور، طفلهم كان مربوطًا، كان محميًّا من الصدمة، وإذا كانت هذه المرأة تقلص إلى هذا الحد من قلقهم، ممتنعة عن أي تعليق، فذلك أيضًا كي تؤكد لماريان أنهم مطلعون، بأمر سيمون، يعرفون أنه خطير؛ بل خطير للغاية، شائعة تسربت من الإنعاش إلى جراحة العظام والإصابات الرضية حيث يقيم ابناهما، وأنها لن تكون وقحة فتبالغ، وأخيرًا، هناك هذا التشويش الذي تشعر به، هذا الذنب الذي يكبحها، ما دام خيار الحزام انحصر بين ابنيهما، كريس يقود تلقائيًّا، لذلك كان يمكن لجوان أن يجلس في منتصف المقعد الخلفي، ومن ثمةَ ستكون هي مكان ماريان في هذه الثانية، مكانها بالضبط، أمام نفس هاوية المحنة، بنفس التشوه، وهذه الفكرة وحدها أصابتها بالدوار، ارتخت ساقاها ورحلت عيناها للخلف إلى محجريهما، إلى حد أن زوجها شعر بترنحها فاقترب منها، وضع ذراعًا أسفل ذراعها ليسندها، وماريان، وهي تراقب هذه المرأة التي تسقط، تدرك هي أيضًا هذه الفجوة بينهما، بينهم وبينها، هذه الهاوية التي تفصلهم الآن. شكرًا، ينبغي أن أذهب، نتبادل الأخبار فيما بعد.

تدرك فجأةً أنها لا ترغب في العودة إلى المنزل، لم يحن الوقت بعد لرؤية «لو»، الاتصال بوالدتها، إبلاغ جدَّيْ سيمون، الأصدقاء، لم يحن وقت سماع ذعرهم وعذابهم، سيصرخ بعضهم في السماعة، لا، يا إلهي، خراء، اللعنة، هذا غير حقيقي! بعضهم سينفجر في البكاء، بينما سيلاحقها آخرون بالأسئلة، سينطقون بأسماء فحوص طبية لن تعرفها، سيذكرون لها حالة أحد معارفهم شُفِيَت عندما اعتقدوا أنهم فقدوها، وسيحشدون كل عمليات الشفاء المذهلة في محيطهم وخارجه، سيشككون في المستشفى، التشخيص، العلاج، بل سيسألون عن اسم الطبيب الذي استقبله، آه، هه، لا أعرف، آه، هو، أنا لا أعرفه، أوه بالتأكيد هو جيد جدًّا، وسيصرون على أن تسجل بالأحرى رقم أستاذ المستشفى العظيم الذي لا يستقبل أي شخص قبل عامين، بل سيقترحون الاتصال به، هم، ربما، لأنهم يعرفونه أو لديهم صديق يعرفه، وربما حتى سيقترح شخص غبي نوعًا ما؛ بل مجنون تمامًا، ليخبرها أنه من الممكن، حذار، الخلط بين غيبوبة دماغية مع حالات أخرى تقلدها، الغيبوبة الكحولية، على سبيل المثال، جرعة زائدة من المهدئات، نقص في سكر الدم، أو أيضًا انخفاض حرارة الجسم، وعندئذٍ، متذكرة دورة ركوب الأمواج في الماء البارد صباح نفس اليوم، سترغب في التقيُّؤ ثم ستتمالك نفسها لتذكِّر الشخص الذي يعذبها بأن هناك حادثًا عنيفًا للغاية، وعبثًا ستقاوم، تكرر للكل أن سيمون يعتنون به جيدًا، وأنه ينبغي الانتظار، سيرغبون في أن يظهروا لها مودتهم بتغطيتها بالكلمات. لا، هذا الوقت لم يأتِ بعد، ما تريده هو مكان تنتظر فيه، مكان تستهلك فيه الوقت، تريد مأوى، تصل للموقف، وفجأةً تشرع في الركض نحو سيارتها، تبتلعها السيارة، ثم هي ضربات عنيفة على عجلة القيادة، وشعرها الذي يرفرف على لوحة القيادة، أفعال فوضوية لدرجة أنها تجد صعوبة في إدخال مفتاح الإشعال، وعندما تنطلق أخيرًا، لا تضبط سرعتها، تجعل إطاراتها تصدر صريرًا في الموقف، ثم تندفع إلى الأمام، نحو الغرب، نحو المحيط، دائمًا سماؤه أصفى في هذه المدينة، بينما ريفول لا يجلس عند عودته إلى مكتبه، لكنه يفعل ما يفرضه عليه القانون عندما يُعلَن عن سكتة دماغية في قسم الإنعاش: يلتقط سماعة هاتفه، يؤلف رقم تنسيق نقل الأعضاء والأنسجة، إنه توما ريميج الذي يرد.

مع ذلك كان على وشك أن تفوته المكالمة، وألا يسمعها، فعندما التقط أنفاسه بعد جملة طويلة صاخبة؛ بوليفونية صوتية، تحليق الطيور، بنيامين بريتن، (مراسم كارلوس، مصنف رقم ٢٨) أدرك صوصوة الجهاز الذي كان يهزه، وضَّاءً وحسَّاسًا، طائر الحسون في القفص.

صباح الأحد هذا، في استوديو على مستوى الحديقة يقع في شارع «كومندان-شاركو»، يهز توما ريميج شرائح الستارة المعدنية؛ هو وحده، عارٍ ويغني، إنه في منتصف الغرفة — دائمًا في نفس المكان — وزن الجسم موزع أيضًا بالتساوي على قدميه، الظهر مستقيم، الكتفان ملقاتان قليلًا للخلف، القفص الصدري مفتوح لتحرير الصدر والرقبة، وما إن توازن حتى قام بحركات دائرية بطيئة للرأس ليُليِّن فقرات العنق، كرر هذا الدوران نفسه مع كل كتف، ثم كرَّس نفسه لتصور عمود الهواء الذي يُهَيكله، من جوف البطن إلى الحلق، هذه القناة الداخلية التي تدفع النَّفَس وتجعل حباله الصوتية تهتز، إنه يصقل وضعيته. أخيرًا يفتح فمه، فرن — غريبٌ بعض الشيء في هذه اللحظة، سخيفٌ على نحو مبهم — يملأ رئتيه بالهواء، يقلص حزامه البطني، ثم يخرج الزفير مثلما نفتح ممرًّا، ويجعل الفعل يدوم لأطول فترة ممكنة، حاشدًا حجابه الحاجز وعظم وجنتيه — كان بإمكان الأصم أن يسمعه بمجرد وضع يديه عليه. مع مراقبة المشهد، يمكن أن نرى فيه رابطًا مع تحية الشمس أو المديح الصباحي للرهبان والراهبات، غنائية الفجر هذه؛ يمكن أن نرى فيها طقسًا جسديًّا يهدف إلى صيانة وحفظ الجسد — شُرب كوب من الماء البارد، غسل الأسنان، بسط حصيرة أرضية مطاطية أمام التليفزيون لممارسة الرياضة — بينما المقصود بالنسبة لتوما ريميج أمر مختلف: استكشاف الذات — الصوت كمسبار متسلل في جسده ومرددًا للخارج كل ما يحركه، الصوت مثل سماعة الطبيب.

كان عمره عشرين عامًا عندما غادر مزرعة العائلة، أرض مسورة ثرية في نورماندي، جيدة التصميم، اشتراها صهره وأخته. انتهى الانتقال بحافلة المدرسة والوحل في الفناء، رائحة القش المبلل، الخوار المنعزل لبقرة حلوب تطالب بالحلب، وحاجز السنديان الذي نما متلاصقًا على منحدر مُعشَوشب، الآن يعيش في استوديو صغير يؤجره له والداه في قلب روان، سخان كهربائي وأريكة سرير، يتنقل على هوندا ٥٠٠ منذ عام ١٩٧١م، بدأ مدرسة التمريض، يحب الفتيات، يحب الأولاد، لا يعرف، وخلال رحلة إلى باريس يدخل ليلًا في قاعة كاريوكي في بلفيل، الصينيون هنا كثيرون، شعر فينيل وخدود شمعية، زبائن نظاميون جاءوا لصقل أدائهم، أزواج على نحو خاص، يعجبون ببعضهم ويصورون أنفسهم، ويعيدون حركات وأوضاع البرامج التليفزيونية، وفجأةً، مستسلمًا لضغط مُرافقيه، ها هو يختار مقطوعة، شيئًا قصيرًا، خدعة بسيطة، أعتقد أنها كانت «وجع القلب» لبوني تايلر. يأتي دوره فيصعد على خشبة المسرح، عندئذٍ يتحول ببطء؛ جسده المزعزع يستقر تدريجيًّا، يخرج صوتٌ من فمه، صوت يملكه لكنه لا يعرفه، جَرس، نسيج وسعة غير مسبوقَين، كأن جسده تسكنه نسخ أخرى من نفسه — حيوان مفترس مخطَّط، جرف حاد، مومس — عندما لا يخطئ الدي جي بداهة، وعندما يكون هو بالفعل الذي يغني، وعندئذٍ، ملتقطًا صوته كتوقيعه الجسدي، وملتقطًا صوته كشكلٍ لتفرده، يتولى مشروع الرغبة في معرفة نفسه، ويبدأ في الغناء.

يكتشف الغناء، فيكتشف جسده، هكذا يحدث الأمر. مثل هاوي الرياضة بعد جلسة مكثفة — سباق، ركوب الدراجات، رياضة بدنية — يختبر توترات حتى الآن غير معروفة، عقبات وتيارات، مستويات ومناطق، وكأنما تتبدَّى، كمخرجات من ذاته، إمكانيات غير مستكشفة عن نفسه. يشرع في التعرف على كل ما يكونها، تصور تشريحها الدقيق، شكل الأعضاء، تنوع العضلات، مواردها غير المتوقعة، يستكشف نظامه التنفسي، وكيف أن فِعل الغناء يحشده ويحافظ عليه، ويشيده في جسد إنسان، وربما جسد غنائي. إنه ميلادٌ ثانٍ.

الوقت والمال اللذان يكرسهما للغناء يتضخمان على مرِّ السنين؛ ليشملا في نهاية المطاف حصة من حياته اليومية، ومن راتب تضخُّمه المناوبة في المستشفى؛ يغني كل صباح، يدرس كل ليلة، يأخذ درسًا مرتين في الأسبوع مع مغنية أوبرا بِنيتُها على هيئة مصباح — رقبة زرافة، وذراعي قصب، جذع قوي وبطن مسطحة، حوض متناسق، ضخم، الكل محمي تحت شعر متموج حتى الركبتين، يقع على امتداد تنانير من القطن اﻟ «فلانيل» — في الليل يتتبع على الشبكة عزف فلان، أوبرا فلان، تسجيلًا جديدًا لفلان، يقوم يحمل الكل، يقرصن، ينسخ، يوثق، يعبر فرنسا في الصيف ليذهب هنا أو هناك، في مهرجان للغناء الأوبرالي، ينام في خيمة أو يشارك في طابق واحد مع هواة آخرين يشبهونه، يلتقي بعثمان، موسيقي «جناوي» وباريتون متموج، وفجأةً في الصيف الماضي كانت الرحلة إلى الجزائر، وشراء طائر الحسون من وادي «كولُّو» الذي من أجله أنفق ميراث جدته بالكامل — ثلاثة آلاف يورو نقدًا ملفوفة في منديل باتيستا.

سنواته الأولى كممرض في الإنعاش تهز راحته؛ يلج عالمًا إضافيًّا، مساحة تحت أرضية أو متوازية، على حافة الآخر، تدفقهما الحدودي والمستمر يثير اضطرابه، هذا العالم المحقون بنوم لا يُحصى ولا ينام فيه أبدًا. في البدء، كان يجوب القسم مثلما يرسم المرء خريطته الداخلية، مدركًا أنه ينضم هنا بالنصف الآخر من الوقت، الليلة الدماغية، قلب المفاعل. صوته يصفو، يكسب فارقًا دقيقًا، في هذه اللحظة يدرس أول أغنية له ﺑ «صوت منفرد»، تهويدة لبرامز على وجه التحديد، أغنية في شكل بسيط، وبلا شك غناها لأول مرة بجانب سرير مريض مضطرب، لحن كمسكن للألم باللمس. ساعات عمل مرنة، أحمال ثقيلة، نقص في كل شيء؛ يحدد القسم مساحة مغلقة، تلتزم بقواعده الخاصة، وتوما لديه شعور بالانقطاع تدريجيًّا عن العالم الخارجي، بالعيش في مكان لم يعد القطع بين ليل/نهار يؤثر فيه. ينتابه أحيانًا الشعور بفقدان التوازن. ليصفي ذهنه، يضاعف التدريب الذي يخرج منه مغسولًا لكن متزنًا بنظرة دائمًا أعمق وبصوت أغنى، يعمل دون أن يدخر أبدًا طاقة بدءوا في أخذها بعين الاعتبار في اجتماعات القسم. متقنًا استجابات متوازنة في كافة مراحل التخدير والمناوبة، بما فيها مرحلة الاستيقاظ، ومتعاملًا بتروٍّ مع أجهزة المراقبة والإبدال، مهتمًّا بشئون الألم. سبع سنوات بهذا الإيقاع ثم الرغبة في الدوران بشكل مختلف في نفس هذا المجال. أصبح واحدًا من ثلاثمائة ممرض منسق لنقل الأعضاء والأنسجة في البلاد، ينضم إلى مستشفى لوهافر، هو في التاسعة والعشرين، إنه رائع. عندما يسألونه عن هذا التوجه الجديد الذي تطلب، نظن، تدريبًا إضافيًّا، يجيب توما علاقات مع الأهل، علم النفس، قانون، بُعد اجتماعي للنهج، كل ما يعزز مهنته كممرض، بالتأكيد، بالتأكيد، لكن هناك شيء آخر، شيء آخر أعقد، وإذا شعر بالأمان، إذا اختار أن يأخذ وقته، سيتحدث عن هذا التلمس الفريد على عتبة الحي، عن تساؤل حول الجسد الإنساني واستخداماته، عن اقتراب الموت وتمثلاته — ما دام هذا هو المقصود. إنه يتجاهل مَن يحيطون به ويسخرون منه — وإذا كان الرسام الكهربائي للدماغ يخرف، عُطل، هبوط عرضي، مشكلة كهربائية، هه، وأن الرجل، لم يكن ميتًا حقًّا، هذا يحدث أليس كذلك؟ أوه، أنت تعمل في الموت توم، أنت غريب الأطوار، أنت كئيب — يمضغ عود الكبريت الألف وهو يبتسم، ويدفع ثمن جولته في المساء حيث يتخرج بمرتبة الشرف في الفلسفة من السوربون — متخصص عظيم في حركة المناوبة بين زملائه في الفريق، تمكن من أن يتم استبداله خلال نصف أيام الندوة الخمسة التي استمرت شارع سان جاك، شارع كان يحب السير فيه حتى نهر السين، منصتًا إلى همس المدينة، مغنيًا أحيانًا.

من المستحيل التنبؤ بأي شيء اليوم، توما ريميج تحت الطلب، يمكن للإنعاش أن يتصل به في أي وقت خلال هذه الساعات الأربع والعشرين، إنه المبدأ. مثل كل مرة، عليه أن يتعامل مع هذه الساعات التي هي شاغرة لكن غير متاحة في آنٍ — هذه الساعات المتناقضة التي هي ربما الاسم الآخر للملل — تنظيم الخمول، مقرف، فضلًا عن ذلك، في كثير من الأحيان، لا يستطيع أن يستريح أو أن يستغل وقت الفراغ هذا، ممسوك بالمتوقع، مشلول بالمماطلات — يستعد للخروج، يمكث في الختام؛ يبدأ قطعة كعكة، فيلم، أرشفة أصوات رقمية — أناشيد طائر الحسون — في الختام ينبذه، يتراجع، يتركه في الخطة ويؤجل، سنرى فيما بعد، لكن فيما بعد لا وجود له أبدًا، فيما بعد هو تدفق لوقت كامل تحركه ساعات عمل عشوائية. أيضًا، مكتشفًا رقم المستشفى الذي يظهر على شاشة الهاتف، هل يشعر توما بقرصة محبطة وراحة في آن؟

يعمل تنسيق المستشفى الذي يديره كخلية مستقلة عن المستشفى رغم وجوده داخل جدرانها؛ لكن ريفول وريميج يعرفان بعضهما، ويعرف الشاب تمامًا ما يوشك ريفول أن يعلنه له، يمكنه حتى نطقه بدلًا منه، هذه الجملة التي تبسط الدراما لزيادة الفاعلية: مريض في القسم في حالة موت دماغي. إثبات حالة يرن مثل حكم قاطع. أما بالنسبة لتوما، لا، إنه ينشر معنى آخر، مشيرًا على النقيض إلى بداية حركة، تحريك العملية.

مريض في القسم في حالة موت دماغي.

يُطيل صوت ريفول الصيغة المتوقعة بدقة. اتفقنا، كانت إجابة ريميج حسبما يبدو، الذي لا يفتح فمه بل يهز الرأس، مراجعًا على الفور المسيرة فائقة العيار التي يوشك أن يبدأها في إطار قانوني كثيف وصارم في آن، حركة دقيقة للغاية ممتدة وفقًا لمسار زمني محدد، من ناحية أخرى ها هو ينظر إلى ساعته؛ حركة سيقوم بها غالبًا في الساعات القادمة، حركة يفعلها الكل، يكررونها دون توقف، حتى النهاية.

يتشكل حوار، سريع، تناوب جمل واضحة على صعيد جسد سيمون ليمبر، يسأل ريميج ريفول عن ثلاث نقاط: مضمون تشخيص الموت الدماغي — أين نحن؟ — التقييم الطبي للمريض — سبب الوفاة، تاريخه الطبي، إمكانية عملية الزرع — وأخيرًا العلاقة بالأهل. هل سمح عنف الحدث بالكلام مع الأهل؟ هل هم حاضرون؟ إزاء هذا السؤال الأخير يجيب ريفول بالنفي، ثم يحدد: قابلت الأم للتو. حسنًا، إنني أستعد، ريميج يرتجف، يشعر بالبرد: إنه عارٍ، هل ينبغي ذكر ذلك؟

بعد بضع لحظات، مرتديًا الخوذة، القفاز، الحذاء الطويل، السترة المقفلة حتى أعلى الياقة، ووشاحه العربي النيلي مبرومًا حول عنقه، يمتطي توما ريميج دراجته النارية، ينطلق في اتجاه المستشفى — قبل أن يرتدي خوذته، سيستمع لصدى خطوته في الشارع الصامت، منتبهًا لانطباع الوادي، لهذا المضيق الصوتي. حركة واحدة من المعصم تكفي لانطلاق مركبته، ثم يندفع هو أيضًا في اتجاه الشرق باتباع الطريق المستقيم الذي يقسم المدينة الواطئة، طريق موازٍ لذلك الذي اتبعته ماريان قبله بفترة قصيرة، يلج في شارع رونيه-كوتي، شارع مارشال جوفر، شارع أريستيد-بريان — أسماء أشخاص بلحية خفيفة وشارب، أسماء أشخاص بكرش وساعة جيب، أسماء أشخاص بقبعة لينة — شارع دي فردان … وهكذا دواليك حتى تقاطع الطريق السريع، عند مخرج المدينة. خوذته الكاملة تمنعه من الغناء، ومع ذلك، في بعض الأيام، فريسة هذا النوع من التدفق المرتبط بالخوف والجذل، يتحصن في أعماق الممرات الحضرية، واقية الوجه مرفوعة، يجعل الفضاء يهتز في حباله الصوتية.

في وقت لاحق، في المستشفى. يعرف توما عن ظهر قلب هذه القاعة ذات الأبعاد المحيطية، هذا الفراغ الذي عليه أن يخترقه بضربة واحدة مدونًا خطًّا مائلًا في نهاية المسار للوصول إلى الدرج الذي يؤدي إلى مكتبه، خلية تنسيق نقل الأعضاء والأنسجة، في الطابق الأول؛ لكن هذا الصباح، يدخل هنا كغريب، حذرًا كأنه من خارج المبنى، يأتي هنا مثلما يذهب إلى مستشفيات أخرى في المنطقة. منشآت غير مصرح لها بتنفيذ نقل الأعضاء. يسرع وهو يعبر أمام المنضدة حيث ينتظر بصبر، صامتان، رجلان بأعين حمراء، يرتديان الجينز وسترات سوداء مبطنة، يحيي امرأة الحاجب الواحد بإيماءةِ يدٍ، وهذه، وهي تراه يتعثر بينما تعرف أنه رهن الاستدعاء، تخمن أن مريضًا من الإنعاش قد أصبح للتو مانحًا محتملًا، تكتفي بالاستجابة لتحيته بنظرة، وصول الممرض المنسق في المنشأة هو دائمًا متتالية دقيقة؛ أقارب المريض، الذين يجهلون ما يتم إعداده، يمكنهم سماعه وهو يعلن لطرف ثالث أسباب وجوده، ويربطون الأمر بحالة طفلهم، أخيهم، حبيبهم، ويتلقون بعنف هذا الخبر، الأمر الذي لن ينبئ بشيء جيد بالنسبة للمحادثات المقبلة.

في عرينه، واقفًا خلف مكتبه، يمد ريفول ملف سيمون ليمبر الطبي لتوما رافعًا حاجبيه — عيناه تتسعان، جبهته تتجعد — ويحدثه كأنه يواصل حوارهما الهاتفي: صبي في التاسعة عشرة، فحص عصبي يفيد بغيبوبة من الدرجة الثالثة، لم يعد هناك استجابة للألم، غياب أي رد فعل لأعصاب الجمجمة، الحدقتان ثابتتان، حالة الدورة الدموية مستقرة، رأيت الأم، سيصل الأب خلال ساعتين. ينظر الممرض إلى ساعته، ساعتان؟ قاع غلاية القهوة نفس يخرخر في كوب بلاستيك يُصدر صريرًا. يواصل ريفول: طلبت للتو إجراء رسم كهربائي للدماغ، جارٍ العمل فيه، كلمات مثل طلقة مسدس البداية في السباق؛ إذ، بإصدار أمر بهذا الاختبار، يقصد ريفول أنه أطلق الإجراء القانوني الخاص بإقرار وفاة الشاب؛ لذا هو يملك نوعين من البروتوكولات: تصوير الأوعية الدموية بالماسح الضوئي، حيث، في حالة موت الدماغ، ستؤكد صورة الأشعة عدم تغلغل السائل في صندوق الجمجمة، أو إجراء رسمين كهربائيين للدماغ لمدة ثلاثين دقيقة، يفصل بينهما أربع ساعات، ليقدم هذا المسار المسطح الذي يشير إلى اختفاء أي نشاط عقلي. يلتقط توما هذه الإشارة ويعلن: يمكننا البدء في تقييم كامل للأعضاء. يهز ريفول رأسه، I know.
ما إن يصبحا في الردهة، حتى ينفصلا. يصعد ريفول إلى غرفة الإفاقة ليعاود رؤية المرضى الذين تم قبولهم في الضحى، بينما يعود ريميج إلى مكتبه حيث يفتح، دون إبطاء تدريجي، الملف الأخضر. يغمر نفسه فيه، مقلبًا صفحات الوثائق بعناية؛ المعلومات المقدمة من ماريان، تقرير الإسعاف، التحاليل ونتائج الماسح الضوئي لهذا اليوم، يحفظ أرقامًا ويقارن البيانات. بالتدريج، يشكل فكرة محددة عن حالة جسد سيمون. يغزوه توجس غامض؛ إذا كان يعرف المراحل وعلامة الخطوة التي بدأها، يعرف أيضًا مدى اختلافها عن آلية صغيرة جيدة الأداء، تعشيق جمل جاهزة وتشعبات مائلة في قائمة مرجعية. terra incognita، إنها الأرض المجهولة.

بعد ذلك ينقي الصوت ويتصل بوكالة الطب الحيوي، في سان-دني. نحن هنا.

***

الشارع صامت هو أيضًا، صامت، أُحادي اللون مثل باقي العالم. الكارثة انتشرت بين العناصر، الأماكن، الأشياء، فيضان، وكأن كل شيء انصاع مع ما حدث هذا الصباح، خلف المنحدرات، الشاحنة الصغيرة الملطخة بالطلاء سحقها الصدم بالعمود وهي في أقصى سرعتها، وهذا الشاب الذي دُفِعَت رأسه في الأول على الزجاج الأمامي، وكأن الخارج قد امتص تأثير الحادث، ابتلع المجاوبة، خنق الاهتزازات الأخيرة، وكأن موجة الصدمة تضاءلت في السعة، تمددت، وهنت حتى أصبحت خطًّا مسطحًا، هذا الخط البسيط الذي انسحب في الفضاء يختلط بالخطوط الأخرى، انضم إلى مليارات المليارات من الخطوط الأخرى التي شكلت عنف العالم، شلة الحزن والخراب هذه، بقدر ما تستطيع العين أن ترى، لا شيء، لا لمسة ضوء، لا بريق لون ساطع، أصفر ذهبي، أحمر قرمزي، لا أغنية فرت من نافذة مفتوحة — قطعة من موسيقى الروك الواثبة أو اللحن الذي نستعيده ضاحكين، سعداء وخجولين على نحو غامض لمعرفة الكلمات عن ظهر قلب لشدة رومنسيتها — لا رائحة القهوة، عطر الزهور أو التوابل، لا شيء، ولا طفل بخدين أحمرين يركض في إثر كرة، أو جالس القرفصاء ذقنه بين الركبتين ويتابع بعينيه بلية صينية تتدحرج على الرصيف، ولا صرخة، لا أصوات بشرية تنادي أو تهمس بكلمات حب، لا بكاء لمولود جديد، لا كائن حي عالقٌ في استمرارية الأيام، مشغول بالأعمال البسيطة، التافهة، في صباح شتوي؛ لا شيء يشوِّه فجيعة ماريان التي تتقدم مثل إنسان آلي، المشية ميكانيكية والمظهر مشوش. في هذا اليوم المشئوم. تكرر لنفسها هذه الكلمات بصوت منخفض، لا تعرف من أين تخرج، تقولها وهي تركز بصرها على طرف حذائها الطويل، كأنه يرافق ضرباتها الصامتة، صوت منتظم يعفيها من التفكير في أنها لا تملك حتى الآن، سوى شيء واحد ينبغي عمله: خطوة، ثم خطوة أخرى، ثم خطوة أخرى، ثم الجلوس والشراب. تتجه ببطء نحو هذا المقهى الذي تعرف أنه مفتوح يوم الأحد، مأوى تصل إليه وهي على وشك أن تفقد قواها في هذا اليوم المشئوم، أرجوك يا إلهي. تهمس بهذه الكلمات مرارًا وتكرارًا، فاصلة مقاطعها مثل حبات المسبحة، منذ متى لم تتلُ صلاة بصوت عالٍ؟ لا ترغب أبدًا في التوقف عن المشي.

دفعت الباب. المكان مظلم بالداخل، علامات انحرافات ليلية، أبخرة رماد برد. أغنية ألان باشونج «لص الأمفورات في قاع الخليج». تقترب من طاولة البار، تنحني فوق طاولة الشراب، تشعر بالعطش، لا تريد الانتظار، هل هناك أحد؟ يظهر رجل من المطبخ، إنه ضخم، مصبوب في سترة من القطن يرتديها على الجلد، وجينز لين، شعر كثيف مجعد كأنه قفز من السرير، أي نعم، أي نعم، يوجد أحد، ومرة واحدة أمامها يستأنف باحتفالية: إذَنْ يا «ميس» ماذا نشرب؟ جن — صوت ماريان يُسمَع بالكاد، لحظات. ينعِّم الرجل شعره بكلتا يديه ذواتي الخواتم، وبعد ذلك يشطف كوبًا وهو ينظر لهذه المرأة التي يعرف أنه سبق أن رآها هنا: الأمور على ما يرام «ميس»؟ ماريان تدير عينيها، سأجلس. المرآة الكبيرة الموجودة في آخر القاعة تعكس لها وجهًا لا تعرفه، تدير رأسها.

ألا تغمض عينيك، تستمع إلى الأغنية، تحصي الزجاجات فوق طاولة البار، مراقبة أشكال الأقداح، فك رموز الملصقات، «حيث لا يزال صداك مستمرًّا». خلق أساليب الخداع، تحويل العنف. إبعاد صور سيمون التي تتشكل بأقصى سرعة وتندفع نحوها في موجات متتالية، في غارات، إبعادها، بضربات قوية بالقدم إذا أمكن، بينما هي تنتظم من الآن كذكريات تسعة عشر عامًا من متتاليات الذاكرة، كتلة. البعد عن كل هذا. هَبَّات الذكريات التي حدثت بينما كانت تتذكر سيمون في محبس ريفول أسكنت في صدرها ألمًا تعجز عن السيطرة عليه، وإنقاصه. ينبغي من أجل هذا تحديد موقع الذاكرة في الدماغ، نحقن فيه سائلًا يسبب الشلل، إبرة المحقنة بقيادة جهاز كمبيوتر دقيق للغاية، لكنها لن تجد هنا سوى محرك الفعل، القدرة على التذكر، ما دامت الذاكرة، هي، تتعلق بكل الجسد، ما تتجاهله ماريان. «كان موسمي في علبة الجمجمة هذه».

يجب أن تفكر، تجمع وترتب، أن تتمكن من إصدار جملة واضحة إلى شين عندما يصل، لا يعلم عن الموضوع. أن تسلسل المقترحات بطريقة واضحة. أولًا: تعرض سيمون لحادث. ثانيًا: هو في غيبوبة — رشفة جن — «مدرب كلاب لولو، مفجِّر المسارح». ثالثًا: الوضع لا رجعة فيه؛ تبتلع وهي تفكر في هذه الكلمة التي عليها نطقها، لا رجعة فيه، أربعة مقاطع تُحَول حالة الأشياء إلى زجاج ولا تنطقها أبدًا، مدافعة عن الحركة المستمرة للحياة، والعودة المحتملة لأي موقف، لا شيء لا رجعة فيه، لا شيء، لديها عادة إعلانه طوال الوقت؛ تأخذ عندئذٍ نبرة مخففة، تؤرجح جملتها مثلما نهز بلطف مَن يُحبَط، لا شيء لا رجعة فيه، باستثناء الموت، العجز، وربما عندئذٍ تغير فجأةً رأيها، تدور حول نفسها، ربما تبدأ في الرقص. لكن سيمون، هو، لا. سيمون، لا رجعة فيه.

وجه شين في خلفية الشاشة — هاتان العينان المشِعَّتان تحت الجفنين الهنديَّين — يُضيء في هاتفها. ماريان، اتصلتِ بي. تنفجر في البكاء فورًا — كيمياء الألم — عاجزة عن نطق كلمة بينما ينطق مرة أخرى: ماريان؟ ماريان؟ لا شك أنه اعتقد أن صدى البحر في المكان المغلق في حوض الميناء يشوش إنصاتها، لا شك أنه اختلط بشوشرة الموجات، واللعاب، المخاط، الدموع بينما كانت تعض ظهر يدها، مشلولة بسبب الرعب الذي ألهمها فجأةً هذا الصوت المحبوب للغاية، مألوف كما يمكن لصوت واحد فقط أن يكون، لكن فجأةً يصبح غريبًا، غريبًا على نحو مروع، ما دام ينبثق من فضاء؛ زمن لم يقع فيه حادث سيمون أبدًا، عالم سليم يقع على بعد سنوات ضوئية من هذا المقهى الفارغ؛ والآن بدت متنافرة، هذا الصوت، كان يربك العالم، يمزق دماغها؛ كان صوت الحياة من قبل. تسمع ماريان هذا الرجل الذي يناديها وهي تبكي، يجوبها الاضطراب الذي نشعر به أحيانًا أمام ما، فيما مضى، نجا دون أن يلحق به أذًى، ويطلق ألم التراجعات المستحيلة للخلف، ينبغي يومًا ما أن تعرف في أي اتجاه يتدفق الوقت، إذا كان خطيًّا أو يرسم الدوائر السريعة للهولاهوب، إذا كان يشكل حلقات، يلتف مثل عروق قوقعة، إذا كان بإمكانه أن يأخذ شكل هذا الأنبوب الذي يطوي الموجة، يمتص البحر والكون كله في ظهره المظلم، نعم، ينبغي أن تفهم مما يُصنَع الوقت الذي يمر. تعصر ماريان هاتفها في يدها؛ الخوف من الكلام، الخوف من تدمير صوت شين، الخوف من أنه لن يكون قادرًا على سماعها مرة أخرى كما هي، وألا يُمنَح تجربة هذا الوقت المنتهي للأبد الذي لم يكن فيه سيمون في وضع لا رجعة فيه، عندما تعلم رغم هذا أنه ينبغي أن تضع حدًّا لمفارقة هذا الصوت التاريخية لإعادة زرعه هنا، في حاضر الكارثة، تعرف أن عليها أن تفعل ذلك، وعندما تنجح أخيرًا من التعبير عن نفسها، فهي غير محددة وغير دقيقة؛ بل غير متسقة، إلى حد فقدان هدوئها، إذ هو أيضًا وقد اكتسحه الهلع — حدث شيء ما، شيء خطير — يبدأ شين في استجوابها، مستنزفًا، هو سيمون؟ سيمون ماذا؟ ركوب الأمواج؟ أين هو الحادث؟ في الملمس الصوتي ينفصل وجهه، بنفس دِقة صورة خلفية الشاشة. تتخيل أنه يمكنه استنباط الغرق، ويصحح نفسه، تصبح المقاطع الأحادية جُملًا تنتظم تدريجيًّا وتخلق معنى، سرعان ما تلقي بكل ما تعرفه بالترتيب، تغلق عينيها وتضع الجهاز مفتوحًا على عظم القص عند صوت صرخة شين. ثم، مستعيدة صوابها، تخبره بأقصى سرعة أن نعم، تشخيص سيمون الحيوي يفيد بأنه معاق، هو في غيبوبة لكنه على قيد الحياة، وشين، مشوهًا بدوره، مشوهًا مثلها، يجيب: أنا قادم، أنا هنا خلال دقيقتين، أين أنتِ؟ وصوته هارب الآن، إنه يلحق بماريان، لقد اخترق الغشاء الهش الذي يفصل السعداء عن الملعونين: انتظريني.

وجدت ماريان القوة لتخبره باسم المقهى، مقهى «بالتو» رقم مليون لمدينة — ميناء، الذي تخبره عن موقعه — كانت تمطر بشدة في اليوم الذي دخلت فيه هنا لأول مرة، كان هذا في أكتوبر، منذ أربعة أشهر، كانت تعمل على مقال، بطلب من وكالة التراث، أصرت على أن ترى مرة أخرى كنيسة سان-جوزيف، بركان أوسكار نيميير، الشقة الشاهدة على مبنى صممه بيريه، كل هذا الأسمنت الذي كانت تحب حركته والراديكالية البلاستيكية، لكن دفترها كان قد بدأ يبتل، وعندما أصبحت في الحانة، مغمورة بالماء، ابتلعت ويسكي دون ثلج؛ كان شين قد بدأ في النوم في المرأب، كان قد غادر الشقة دون أن يأخذ معه أي شيء.

تميز هيئتها في مرآة الخلفية، ثم وجهها، الذي سيراه بعد كل هذا الوقت، بعد كومة الصمت هذه، وكانت قد فكرت لوقت طويل في هذه اللحظة، واعدة نفسها أن تكون جميلة جدًّا وقتئذٍ، جميلة كما لا تزال تستطيع أن تكون، وأن يكون منبهرًا بجمالها بل مأخوذًا؛ لكن الدموع التي جفت شدت جلدها، جافة كأنها مغطاة بقناع من الطين، وجفناها المنتفخان لا يهويان إلا بوهن هذا الأخضر الشاحب بإفراط الذي يحب سبر غوره. تُفرغ كأس الجن بجرعة واحدة، عندئذٍ هو هنا، واقفًا أمامها، هزيلًا ومدمَّرًا، جزيئات صغيرة من الخشب تغطي شعره، تنخرط في ثنايا ملابسه، غرز كنزته. تنهض، حركة مفاجئة، يهتزُّ مقعدها للخلف ضجة عنيفة على الأرض — لكنها لا تستدير، تقف أمامه، يد مبسوطة على المائدة لتضمن دعم جسدها المترنح، الأخرى معلقة على طول الجسد، يتبادلان النظرات لجزء من الثانية، ثم خطوة ويتعانقان، عناق بقوة مجنونة، كأنهما يُسحَقان الواحد في الآخر، رأسان مضغوطان إلى حد شطر الجمجمة، أكتاف مفتتة تحت كتلة قفصي الصدر، أذرع تتألم من كثرة الضغط، يندمجان في الأوشحة، السترات والمعاطف، نوع العناق الممنوح للتحول لصخرة ضد الإعصار، للتحجر قبل القفز في الفراغ، شيء من نهاية العالم على أي حال عندما، في الوقت نفسه، في نفس الوقت بالضبط، هو أيضًا حركة تعيد ربطهما معًا — تتلامس شفاههما — تؤكد وتلغي مسافتهما، عندما ينفصلان، عندما يسترخيان أخيرًا، مذهولَين، مرهقَين، مثل غرقى.

ما إن جلس شين، حتى أخذ يشم كوب ماريان. جن؟ تبتسم ماريان — تهريج — تقدم له قائمة الطعام وتبدأ في قراءة كل ما يمكن أن يطلبه لتناول الغداء هذا الأحد، على سبيل المثال، كروك موسيو، كروك مدام، سلطة «بيريجوردين»، سمك حدوق وبطاطس، عجة سادة، شطيرة «بروفينسال»، سجق مقلي، كريم كراميل، كريم فانيليا، فطيرة التفاح، وإذا استطاعت، ستقرأ قائمة الطعام بالكامل وتكررها في حلقة لتؤجل وقت ارتداء ريش طائر الشؤم خاصتها، ريش من ظلمات ودموع. يتركها تقرأ وهو ينظر إليها دون أن يقول أي شيء، ثم مستسلمًا لفقدان الصبر، يمسك بها من معصمها، يده تكبل الرباط الرفيع ضاغطًا على الشريان، أرجوكِ توقفي. هو أيضًا يطلب جن.

عندئذٍ، تسلحت ماريان بجيشٍ، الشجاعةُ جيشٌ، نعم، هذا هو بالضبط الأمر، هناك هذا العداء العاري الذي لا يكف عن النمو منذ عناقهما والذي يحميها، مثلما نحمي أنفسنا بالتلويح للأمام بنصل الخنجر — و، على المقعد باستقامة، روت المقترحات الثلاثة التي أعدتها — عيناها ثابتتان. عندما يسمع الأخير — «لا رجعة فيه» — يهز شين رأسه ويضطرب وجهه، منهارًا، لا، لا، لا، ثم ينهض، ثقيلًا، يدفع بالمائدة فيقفز الجن من الكوب، يتجه نحو الباب، ذراعاه على امتداد الجسد، والقبضتان مضمومتان كأنه يحمل أوزانًا، مشية رجل يخرج ليوسع شخصًا ضربًا، ويبحث عنه بالفعل، وما إن يصل إلى عتبة الباب، حتى ينعطف بشكل مفاجئ، يعود إلى المنضدة التي كانا يشغلانها، متقدمًا في شعاع الضوء المرسوم على الأرض، وصورته الظلية عكس الضوء يتوِّجها حزازٌ رمادي؛ النشارة التي تغطيه تتبخر في الفضاء كلما ضربت قدمه الأرض. جسده يدخن. من ناحية أخرى، يندفع بالجذع مائلًا للأمام كأنه سيسكر. ما إن يصل إلى المائدة، حتى يمسك بكأس الجن الذي يفرغه بجرعة واحدة بدوره، ثم يصرخ في ماريان، التي كانت بالفعل قد عقدت وشاحها، تعالَي.

تستحمُّ الغرفة في ضوء خافت، تعكس الأرضية السماء اللبنية بين الستائر المعدنية، و، في واقع الأمر، ينبغي تهيئة الرؤية لتمييز الآلات، الأثاث والجسد الذي يسكنها. سيمون ليمبر هنا، مستلقٍ على ظهره في سرير، ملاءة بيضاء مزدوجة مرفوعة حتى صدره. هو موصول بجهاز تنفس صناعي. ترتفع الملاءة ببطء مع كل شهيق، حركة ضعيفة لكن ملحوظة، يبدو كأنه نائم. لا تتسرب ضجة القسم هنا إلا مكتومة، والاهتزازات الثابتة للأجهزة الكهربائية لا تفعل سوى تعزيز الصمت الذي تشوهه في جهير مستمر. يمكنها أن تكون غرفة أحد المرضى، نعم، يمكن أن نصدق ذلك إذا لم يكن هناك هذه العتمة التي لا يخترقها ضوء، هذا الانطباع بالانسحاب، كأن هذا المكان يقع خارج المستشفى، خلية بضغط مخالف حيث لا يوجد شيء لم يلعب.

لم يقولا أي شيء لبعضهما في السيارة، لا شيء، لم يكن هناك ما يُقال بعد. كان شين قد ركن سيارته أمام البار — استراحة في نهاية السباق حيث تتكدس المراكب الشراعية التي صنعها، وألواح ركوب الأمواج التي كان سيمون يستعيدها، واستعارها من هنا وهناك، ألواح قصيرة أو ألواح سميكة — صعد في سيارة ماريان، بدائية. وقادت ساعدَيها متوازيَين جيدًا ومتصلبَين كعيدان الكبريت، بينما ظلَّ وجه شين مواجهًا للزجاج، معلقًا من حين لآخر على حركة المرور، متدفقًا تدفقًا كان حليفهم، حملهم على عجل بجانب سرير ابنهما لكنه تدفقًا كان، منذ نغمات الهاتف الأولى، يعجل بهم نحو الفجاعة دون أن يكون هناك أي مهرب ممكن؛ لا شيء سيعوق أو يؤخر مسيرتهم نحو المستشفى. بالطبع، فكرة حركة مسرحية عبرتهما في آن. تعاكس في صور الماسح الضوئي، إسناد سيئ للصور السالبة، خطأ في التفسير، خطأ مطبعي في النتائج، خلل في الكمبيوتر، هذا يمكن أن يحدث، نعم، مثلما يحدث في بعض الأحيان عندما يتم تبادل طفلين في قسم الولادة، أو أن المريض المقاد إلى غرفة العمليات ليس الشخص الذي ينتظر العملية، المستشفى ليس مكانًا معصومًا من الخطأ. دون أن يتمكنا من تصديقه تمامًا، دون أن يكونا على نحو خاص، قادرَين على الانفتاح إزاء بعضها، بينما المباني ذات الأسطح الملساء، الزجاجية، تتضخم أمام أعينهما حتى غزت الزجاج الأمامي، والآن هم في حيرة في هذه الغرفة.

تقترب ماريان من سيمون، لأقرب ما يمكن من هذا الجسد الذي لم يَبْدُ لها أبدًا بهذا الطول، والذي لم تره من هذا القرب منذ زمن بعيد. حياء سيمون الذي يحبس نفسه في الحمام، مطالبًا أن يستأذن الجميع قبل دخول غرفته من الآن فصاعدًا، أو عابرًا المنزل بمناشف الحمام مثل شاب بوذي. تنحني ماريان فوق فم طفلها لتسمع نفسه، تضع خدها على ارتفاع صدره لتسمع قلبه. إنه يتنفس، تشعر به؛ قلبه يدق، تسمعه، فتفكر عندئذٍ في أول ضربات قلب مسموعة في مركز الموجات فوق الصوتية في الأوديون بعد ظهيرة يوم خريفي، الموكب البدائي المجنون تمامًا عندما، على الشاشة، تتشكل بقع متوهجة؟ تقف. جمجمة سيمون متوجة بشريط، الوجه سليم، نعم، لكن وجهه، هل موجود هنا للآن؟ يهاجمها السؤال بينما تفحص جبين طفلها، مرتفع القوس، خط الحاجبين، شكل العينين تحت الجفنين — المساحة الصغيرة من الجلد في الزاوية الداخلية للعين، ناعمة ومقعرة — بينما تتعرف على الأنف القوي، الشفتين المطوقتين، اللحيمتين، تجويف الخدين، الذقن مغلفة بلحية ناعمة، نعم كل هذا موجود؛ لكن وجه سيمون، كل ما يعيش ويفكر فيه، كل ما يمنحه الحيوية، هل سيعود كل هذا؟ تترنح، ساقان لينتان، تتشبث بالسرير ذي العجل، تتحرك محقنة الأوردة، يهتز الفضاء حولها. تتشوش صورة شين الظلية كما خلف زجاج ضربه المطر بعنف. تقدم نحو الجانب الآخر من السرير، وضع نفسه في نفس ارتفاع ماريان، والآن يأخذ يد ابنه بينما من تجويف بطنه الجليدي إلى حافة شفتيه بالكاد منفرجتين يتكون اسمه بمشقة: سيمون. نحن هنا، نحن معك، تسمعني؟ سيمون، ولدي، نحن هنا. يضع جبينه على جبين الشاب الممدد، بشرته لا تزال ساخنة وهي بالفعل رائحته، رائحة صوف وقطن، رائحة بحر، ولا شك أنه يبدأ في الهمس بكلمات لهما وحدهما، كلمات لا يمكن لأحد أن يسمعها، ولن نعرفها أبدًا، ثرثرة عتيقة لجزر بولينيزيا، أو كلمات روحانية بدائية عبرت كل كثافات اللغة دون أن تتلف، حصى متوهج بنارٍ بكر، هذه المادة الكثيفة والبطيئة، لا تنضب، هذه الحكمة، استغرقت دقيقتين، ثلاث دقائق، ثم اعتدل، عيناه تلتقيان بعيني ماريان، أيديهما تتلامسان فوق جذع طفلهما، حركة جعلت الملاءة تنزلق من فوق صدر الفتى، وتكشف عن هذا الوشم الماوري الذي لم يلمساه قط، رسم لنبات ينبع من الكتف ثم ينتشر في جوف الترقوة ثم على عظام الكتف — كان سيمون قد دمغ بشرته في صيف عامه الخامس عشر، خلال معسكر صيفي لركوب الأمواج في إقليم الباسك، طريقة لتأكيد: أنا أمتلك جسدي، وإذا كان شين، الهادئ، هو نفسه موشومًا على كل سطح الظهر، قد استجوبه بشأن معنى، اختيار وموقع رسم من هذا القبيل، في محاولة لفهم ما إذا كان يشير إلى ما تبقى من هجين في جفنيه، ماريان، هي، كانت قد تلقت ضربة قاسية، كان سيمون صغيرًا للغاية، كانت قد قالت له، منفعلةً: وشمك، هنا، هل تعلم أنه لمدى الحياة؟ وهو يرد هذه الكلمة: لا رجعة فيه.

كان ريفول قد دخل الغرفة للتو. يستدير شين ويناديه: أسمع قلبه يدق — يبدو أن طنين الآلات يتضخم في هذه اللحظة — ثم مرة أخرى، مصرًّا: قلبه يدق أليس كذلك؟ نعم، يصر ريفول، قلبه يدق، بفضل الآلات. فيما بعد، بينما يستعد للخروج من الغرفة، يعترضه شين مرة أخرى: لماذا لم تُجْرِ له عملية جراحية عند وصوله؟ يكتشف الطبيب التوتر العدواني، اليأس الذي يتحول لغضب، ومن جهة أخرى الأب شرب، يكتشفه في أثر ضئيل للكحول في نفَسَه، لذلك يشرح بحذر: كان من المستحيل إجراء عملية جراحية له، سيدي، النزيف كان خطيرًا للغاية، متقدمًا للغاية، الماسح الضوئي المطلوب على وجه السرعة منذ قبول سيمون يبين ذلك بوضوح، كان الأوان قد فات. هل هي هذه الثقة المؤكدة بالكارثة، هذا الهدوء الرصين الذي يلامس الغطرسة بينما الهزات تتكثف، لكن شين فجأةً يرفع النبرة، ينفجر: لم تحاولوا أي شيء! يكشر ريفول دون أن يهتز، يريد شرح شيء؛ لكنه يشعر أنه لا يستطيع سوى أن يصمت، على أي حال ثمة مَن يطرق الباب، ودون انتظار الرد تدخل كورديليا أوول في المكان.

كانت الشابة قد رشت بعض الماء على الوجه، احتست القهوة، هي جميلة مثلما هن بعض الفتيات صبيحة ليلة بلا نوم. تحيِّي ماريان وشين بابتسامة خفية ثم، مركزة، تقترب من السرير: سأقيس حرارتكم. إنها تكلم سيمون. ريفول يتجمد. ماريان وشين يفتحان أعينهما إلى آخرها، مذهولين. تعطيهم الشابة ظهرها، تهمس، هنا: هذا جيد. ثم تقوم بفحص الضغط على جهاز مراقبة الصورة التليفزيونية وتقول: سأنظر إلى قسطرة البول خاصتكم الآن، لأرى إن كنتم تبولتم. إنها تُظهِر عذوبة تُحتَمَل بصعوبة. ريفول يفاجئ ماريان وشين ليمبر وهما يتراشقان بنظرات مذهولة، يتردد في مقاطعة الممرضة، ليأمرها بالخروج، من أجل التحرك: يجب أن نذهب لنتحدث في مكتبي، تعالَيا معي من فضلكما. انتفاضة ماريان التي تقاوم، لا تريد مغادرة الغرفة: سأظل مع سيمون — خصلات شعر معلقة أمام وجهها، ترافق ذهاب وإياب رأسها التي تتأرجح في الفراغ — ويبدأ شين في دق الأرض معها بينما يصر ريفول، تعاليا، لا بد أن يتلقى ابنكما الرعاية، يمكنكما العودة لرؤيته فيما بعد.

مرة أخرى المتاهة، الممرات المنزلقة، صور ظليَّة في العمل، الموجات فوق الصوتية، الانتظار، مراجعة الحقن المتواصل، تنظيم العلاجات، قياسات الضغط، الرعاية المقدمة — المراحيض، القرح — تجديد هواء الغرف، تغيير الملاءات، الأرضيات مغسولة، ومرة أخرى ريفول وخطوته الهزلية، مرة أخرى على جانبي معطفه الأبيض اللذين يحومان في ظهره، المكتب الضيق والكراسي الجليدية، مرة أخرى الفوتيي الدوار وكرة الكبريتيد المتأرجحة في تجويف راحة اليد في اللحظة المحددة التي يقرع فيها توما ريميج الباب ودون انتظار يدخل الغرفة، يقدم نفسه إلى والدَي سيمون ليمبر، يعلن عن مهنته: أنا ممرض، أعمل في القسم. ثم يأخذ مكانه مع ريفول، على مقعد وُضِعَ هنا. حاليًّا، إذن، هم أربعة جالسون في هذا الركن، وريفول يشعر بضرورة الإسراع لأننا نختنق هنا. لذا هو حريص على النظر إليهما الواحد تلو الآخر، هذا الرجل وهذه المرأة، والدا سيمون ليمبر — مرة أخرى، النظرة كالتزام بالكلام — بينما يؤكد: دماغ سيمون لم يعد يُظهر أي نشاط، وجهاز رسم الدماغ الكهربائي لم يُقدم لمدة ثلاثين دقيقة سوى خطٍّ مسطحٍ، سيمون من الآن فصاعدًا في غيبوبة دماغية.

يستجمع بيير ريفول قوى جسده، حفر ظهره وأخرج الرقبة، تقلص في العضلات كأنه ينتقل للسرعة الأعلى، كأنه يشجع نفسه في هذه اللحظة، حسنًا، لنكف عن الخدع الماكرة، علينا أن نتحرك، وهذه الحركة هي، بلا شك، التي تسمح له بتجاهل ارتجاف ماريان وتعجُّب شين، اللذين يدركان هذا المصطلح «لا رجعة فيه»، يفهمان أن نهاية القصة قريبة، وقرب النبأ لا يُحتَمَل. يغلق شين جفنيه، يحني الرأس، يقرص بالإبهام والسبابة طرف طرفي عينيه الداخليتين، يهمس: أودُّ أن أكون متأكدًا من أن كل شيء قد تم، وريفول، لطيف، يطمئنه: كانت صدمة الحادث عنيفة للغاية، كانت حالة سيمون ميئوسًا منها عندما تم قبوله هذا الصباح، أرسلنا نتيجة الماسح الضوئي لجرَّاحي أعصاب خبراء أكدوا، للأسف، أن الجراحة لن تغير أي شيء، ثق في كلامي. قال: «ميئوس منها» والوالدان يحدقان في الأرضية. فيهما تتشقق وتنهار عندما، فجأةً، كأن لتأخير الجملة النهائية، تتدخل ماريان: نعم، لكننا نستيقظ من الغيبوبة، يحدث أن نستيقظ، حتى بعد سنوات، هناك حالات كثيرة من هذا القبيل، أليس كذلك؟ وجهها يتحسن لهذه الفكرة، بريق ضوء، وعيناها تتسعان: نعم، مع الغيبوبة. لا شيء خادع أبدًا، هي تعرف ذلك، قصص الذين يستيقظون بعد سنوات كثيرة، تملأ المدونات، المنتديات، إنها من المعجزات. ريفول يوقف نظرتها بنظرته، و، بحسم، يرد: لا، المقطع الذي يقتل. يعيد: وظائف الحياة العلائقية، بعبارة أخرى الوعي، الإحساس، حركة ابنكما انتهت، وبالمثل وظائفه الفسيولوجية الحيوية، تنفسه ودورته الدموية يضمنهما فقط بواسطة الآلات ريفول يوضح، يوضح، كأنه يعمل بتكديس الأدلة، كلماته تُعَد، تتوقف بعد كل معلومة، أما النبرة، فهي ترتفع، طريقة لقول إن الأخبار السيئة تتكوم، وتتراص في جسد سيمون، حتى تستنفد الجملة، يتوقف أخيرًا، مشيرًا فجأةً إلى الفراغ الممتد أمامه، مثل تحلل الفضاء:

سيمون في حالة موت دماغي. إنه متوفًّى. إنه ميت.

بالتأكيد، بعد أن تحدث عن أمر كهذا، ينبغي أن نأخذ نفَسًا، نتوقف، نثبت ارتجاجات الأذن الداخلية حتى لا ننهار على الأرض. تنفصل النظرات. يتجاهل ريفول الصافرة التي تنطلق في حزامه، يفتح يده، يفحص كرة الكبريتيد البرتقالية التي تسخن في كفه. إنه قاسٍ. أعلن وفاة ابنهما، لهذا الرجل وهذه المرأة، لم يسعل لينظف حلقه، لم يخفض صوته، نطق الكلمتين كلمة «تُوُفِّيَ» وأكثر أيضًا كلمة «موت»، هاتان الكلمتان اللتان تحجران حالة الجسد. لكن جسد سيمون ليمبر لم يكن متحجرًا، هنا حقًّا المشكلة، ويخالف بمظهره الفكرة التي نكونها عن الجثة إذ، باختصار، كان دافئًا، اللون القرنفلي المتوهج، وكان يتحرك بدلًا من أن يكون باردًا، أزرقَ، وثابتًا.

خافضًا زاوية نظرته، يراقب ريفول ماريان وشين؛ إنها تحرق قزحية عينيها على أنبوب النيون الأصفر المثبت في السقف، بينما هو يسند ساعديه على فخذيه ويميل بوجهه نحو الأرض، الرأس مغروزة في الكتفين — ما الذي استطاعا رؤيته في حجرة ابنهما؟ ما الذي استطاعا إدراكه بأعينهما الجاهلة عندما لم يكن باستطاعتهما إقامة علاقة بين داخل سيمون المحطم وخارجه الهادئ، بينما داخله وخارجه؟ جسد طفلهما لم يكن يقدم أي رؤية، لم يكن يُظهِر أي علامة جسدية تسمح بتأسيس التشخيص كقراءة للجسد — نفكر في «علامة بابينسكي» العبقرية، القادرة على اكتشاف أمراض الدماغ من خلال التحفيز الوحيد لبطن القدم. كان يستلقي من أجلهم على نحو غير محسوس، صامتًا، مغلقًا مثل صندوق. يرن هاتف ريميج الخلوي، عذرًا، يقفز على قدميه ويفصل الجهاز فورًا، يعاود الجلوس، ترتجف ماريان بينما شين، هو، لا يرفع رأسه، ثابت، الظهر عريض، منتفخ، أسود.

يحتفظ ريفول بهم في مجال رؤيته، يطوقهما، النظرة كهدف يطوف به على حضورهم، هذان أصغر سنًّا قليلًا منه، أطفال أواخر الستينيات، يعيشان في ركن من أركان الكرة الأرضية حيث الأمل في الحياة، المرتفع، لا يكف عن التمدد أكثر، حيث يتم تجنب الموت عن الأنظار، يُمحَى من المساحات اليومية، ويتم طرده إلى المستشفى حيث يتولاه محترفون. هل سبق أن رأيا جثة صدفة من قبل؟ سهرا على جدة، التقطا غريقًا، رافقا صديقًا في نهاية حياته؟ هل رأيا ميتًا في مكان آخر غير في المسلسلات الأمريكية، جسم الإثبات، الخبراء، ست أقدام تحت؟ ريفول، هو، يحب التسكع بين حين وآخر في هذه المشرحة المتلفزة؛ حيث يتجول مسعفون، أطباء شرعيون، متعهدو الجنازات، مُعطرو الجثث، ومديرو الشرطة العلمية، ومن بينهم عدد لا بأس به من فتيات مثيرات ورشيقات — غالبًا ما يكون مخلوقًا قوطيًّا يُظهر بلا توقف ثقبًا لغويًّا، أو شقراء أنيقة لكن ثنائية القطب، متعطشة دائمًا للحب — إنه يحب الاستماع إلى كل هذا العالم الصغير الذي يثرثر حول جثة ممددة طوليًّا بعرض الصورة المزرقَّة، تبادل أسرار، يغازل بصفاقة؛ بل يعمل، يصيغون فرضيات شعرة مرفوعة في طرف ملقط، زر يُفحَص بعدسة مكبرة، سحب عينة من بطانة الفم يتم تحليلها تحت عدسة مجهر، ينبغي دائمًا أن يمر الوقت، أن ينتهي الليل؛ لأنه من الضروري دائمًا كشف الآثار المدرجة على البشرة، لمحاولة فك رموز الجسد الذي يعرف إذا كانت الضحية تتردد على الحانات، تمص سكاكر «كاشو»، تفرط في اللحوم الحمراء، تشرب الويسكي، كانت تخاف من الظلام، تصبغ شعرها، تتلاعب بالمنتجات الكيميائية، تكثر من العلاقات الجنسية مع شركاء مختلفين؛ نعم، ريفول أحيانًا يحب مشاهدة هذه الحلقات، رغم هذا، وفقًا له، لا تقول هذه المسلسلات شيئًا عن الموت، ربما تشغل الجثة المركز بأكمله، تخنق الشاشة، تُلاحَظ، تُجَزَّأ، تُقَلَّب، إنها خداع بصري، وكل شيء يحدث كما لو أنه، طالما لم تكشف عن كل أسرارها، طالما بقيت محاكاة — روائية، مسرحية — تحتفظ بالموت عن بُعد.

شين وماريان لم يتحركا بعد. إعياء، شجاعة، كرامة، لا يعرف ريفول أي شيء، كان يتوقع بنفس القدر أن ينفجرا، يقفزا فوق مكتبه، يلقيا بأوراقه، يقلبا أشياءه الزخرفية التافهة، بل يضرباه ويهيناه، حقير، مجرفة خراء — كان هناك ما يكفي لأنْ نُجَنَّ، نرطم الجدار بالرأس، نعوي غضبًا، وبدلًا من ذلك كل شيء حدث كأن هذين، ينفصلان، بأناة، عن بقية البشرية، هاجرا إلى حدود قشرة الأرض، غادرا زمنًا وأرضًا، لبدء انجراف خارج المجرة. كيف يمكن فقط أن يفكرا في موت طفلهما عندما كان ما هو مطلق بحت — الموت، أنقى مطلق بالتحديد — أُعيدَ إصلاحه، وأُعيدَ تركيبه، في حالات الجسد المختلفة؟ ما دام لم يعد هذا الإيقاع المجنون في جوف الصدر الذي يشهد حياة جندي يخلع كابه وينحني ليضع أذنه على القفص الصدري لرفيقه الممدد في الطين في عمق الخندق — لم يعد هو النفَس الخارج من الفم الذي كان يعني الحيوي — سبَّاح مُعلم يقوم بقُبلة الحياة لشابة لون بشرتها مخضر، لكن الدماغ مكهرب، نشَّطته موجات دماغية، موجات إشعاع بيتا من الأفضل.

كيف يمكنهما فقط تصوره، موت سيمون هذا، بينما بشرته لا تزال وردية، ولينة، عندما تستحم مؤخرة رأسه في زهرة ست الحسن الندية، ورجلاه ممددتان في زهور السوسن. يحشد ريفول تصاوير الجثث التي يعرفها، وهي دائمًا صور للمسيح، مسيح على الصليب بأجساد كامدة، جباه كشطها تاج الشوك، يدان ورجلان مسمران على خشب أسود لامع، أو صور المسيح بعد إنزاله من على الصليب، رأسه للخلف وجفنان نصف مغلقين، شاحب للغاية، هزيل، الحوض مُطَوَّق بكفن رقيق على غرار طريقة الرسام «مونتينيا»، إنه «جسد المسيح الميت في القبر» لهولباين الأصغر. لوحة شديدة الواقعية إلى حد تحذير دوستويفسكي للمؤمنين: برؤيتها، يخاطرون بفقد الإيمان. إنهم هؤلاء الملوك، هؤلاء الأساقفة، هؤلاء الدكتاتوريون المحنطون، رعاة بقر الأفلام المنهارون على الرمال ومُصَوَّرون في لقطة مقربة، يتذكر عندئذٍ هذه الصورة ﻟﻟ «تشي»، مسيحية بالتحديد، وهو أيضًا عيناه مفتوحتان، معروض في إخراج كئيب بواسطة الطغمة البوليفية، لكنه لا يجد أي شيء مماثل لسيمون، لهذا الجسد الذي لم يُمَس، لهذا الجسد الذي لا يدمي، رياضي هادئ، الذي يشبه إلهًا شابًّا يستريح، يبدو أنه ينام، يبدو أنه يحيا.

كم من الوقت جلسا هكذا بعد الخبر، على حافة مقعديهما، مأخوذين في تجربة ذهنية ليس لجسديهما أدنى فكرة عنها؟ كم من الوقت سيحتاجان ليصطفا تحت نظام الموت؟ حتى الآن، ما يشعران به لا يُعثَر له على ترجمة ممكنة، لكنه الصعق في لغة تسبق اللغة، لغة غير قابلة للمشاركة، قبل الكلمات وقبل قواعد النحو، التي هي ربما الاسم الآخر للألم، لا يمكنهما أن يفلتا منه، لا يستطيعان أن يضعا مكانه أي وصف، لا يستطيعان أن يعيدا بناء أي صورة له، إنهما مقطوعان عن نفسيهما وعن العالم المحيط بهما في آنٍ.

ظل توما ريميج صامتًا جالسًا على المقعد الحديدي بجوار ريفول، ساق على الساق عاليتين، وربما كان يفكر في نفس الأشياء مثله، يشكل نفس الرؤى. لقد رتب علبة الكبريت خاصته، وينتظر معهما، الوقت ينقضي، مخ مغلي وصرخات صامتة، ثم ينهض ريفول، ضخم وشاحب للغاية، وجهه الطويل الممتلئ ألمًا يعلن أنه ينبغي مغادرة الغرفة، عندئذٍ، ظل توما ريميج وحده بجوار آل ليمبر اللذَين لم ينهضا؛ بل اقتربا من بعضهما، الكتف بجوار الكتف، يبكيان في صمت. انتظر لحظة ثم طلب منهما بصوت مليء بالاهتمام إذا كانا يريدان المرور مرة أخرى لغرفة سيمون. نهضا دون أن يجيبا، الممرض يلي الخطوة، لكن ما إن أصبح شين في الممر حتى هز رأسه: لا، لا أريد الذهاب إليها لا أريد، ليس على الفور. كان يتنفس بقوة، نافخًا الرئتين ورافعًا الصدر، اليد على الفم. شين مخنوق، ثم — كيف وجد القوة للنطق؟ — قال تلقائيًّا في نفَس واحد: ما الذي سيحدث الآن؟ ابتلع الممرض ريقه بينما كان شين يواصل انطلاقه، الصوت خربه التمرد والحزن: لماذا هو الآن في الإنعاش إن لم يكن هناك أمل؟ ما الذي ننتظره؟ لا أفهم. ماريان، الشعر على الوجه، النظرة ثابتة، مأخوذة، بدا كأنها لا تسمع شيئًا بينما توما يبحث عن مخرج، إجابة يصيغها، جاء سؤال شين ليحسم زمنية البروتوكول، فكرة للتصدي لاندفاع الدراما ووحشية الإعلان، دعم استخدام الزمن، أن نأخذ وقتنا. إنها صرخة عليه مواجهتها. يقرر أن يكلمهما الآن.

***

تعيد كورديليا أوول ضبط الوسادة حول رأس سيمون، تفرد الملاءة إلى ارتفاع صدره، تشد الستائر، تغلق خلفها باب الحجرة وتسير نحو استقبال القسم وهي ترسم زخارف عربية في الممر، ملعون هذا المعطف الضيق، المشدود، كانت ستحب أن يكون محيطه أوسع في هذه اللحظة، أن تسمع حفيف الطيات، أن تشعر باحتكاكها على ركبتيها الوعرتين، تعرف أنهما مرنتان وضليعتان. في الطريق، تغرس اليد في جيبها، تمسك بهاتفها المحمول: لا يوجد رسالة. لا شيء على الإطلاق أربع عشرة ساعة وأربعون دقيقة. لا بد أنه نائم، إنه نائم. هو ممدد في مكان ما على ظهره، جذع عار، متروك. تبتسم. ألا تتصل.

أعادا ارتداء السراويل، ربط الأزرار، ضبط عروة الحزام من جديد، تواجها على الرصيف، حسنًا، حسنًا، سأذهب، أواه! الوقت متأخر، أووه أليس الوقت مبكرًا؟ نعم، باي، باي، قبلة على الخد، ابتسامة لطيفة، ثم انفصلا وفقًا للقول المأثور المناسب — توازن ناعم، خروج خلفي، لفة راقصة باليه — ابتعدا على نفس الصف، قبل أن يختفيا في الظلام. كانت كورديليا قد سارت ببطء في البدء، جاعلة كعبي حذائها يجلجلان مثل نجمة صغيرة في الخمسينيات مصبوبة في تنورة ضيقة، ياقة معطفها تحافظ عليها مشدودة بيد متصلبة على الحلق، لم تلتفت، قطعًا لا، لكن ما إن عبرت الشارع، كانت قد دارت حول نفسها الرأس مرتفع نحو السماء والهواء في الفم، ذراعان متباعدتان أفقيًّا على غرار الدرويش الذي يدور حول محوره، ثم مرة أخرى بدأت عَدْوها واندفعت بأقصى سرعة بين كتل المباني، مخاطرة من حين لآخر بخطوة واسعة تُلقى فوق مجرى وكأن عليها عبور قناة، وذراعاها تتماوجان مثل شرائط، وبرد الليل يجلد وجهها، وهواء الصقيع يدخل بين ثنايا معطفها، المفتوح لآخره حاليًّا، كان هذا حلوًا، كانت تشعر أنها جميلة، مرنة، كبرت خمسة وعشرين سنتيمترًا على الأقل منذ أن رقصا الفالس بالقرب من براميل القمامة، منذ أن انزلق سروالها على الأرض وأخذ عضوها في يده، براحة مجوفة بالضبط كي يستطيع رفعها على طول الحائط، منذ أن ارتفعت على أطراف قدميها، ثنت ركبة الساق الأخرى بارتفاع صدرها، جاذبة إياه الآن إليها، عضوه فيها، اللسانان يستأثران بالفمين مثل النار في الفرن، الأسنان تختم بالعض، كانت تضحك في عَدْوها، ساخن-بارد لفتاة حرة في أعين العالم البطلة الوحيدة، أمازونية مدن تتحمل مسئولية رغبتها وتسيطر على أفعالها، كانت تصعد جادات الهواء العاصف، الشوارع المجمدة في الخامسة صباحًا، تنطلق بسرعة، لا مبالية إزاء السيارة التي تُبطئ في ارتفاعها، إزاء الزجاج الذي ينخفض لقذف إهانة جنسية، أتصعدين يا عاهرة؟ كانت تلتهم الفضاء، احتراق، إلى حد أنها فوتت عبور شارع «إتروتا»، بينما «فان» كريس ينعطف على يسارها في تقاطع طرق «كاتر-شيمان»، على حافة الرصيف، تمددت أمامها لوحة جسم السيارة — بدا لها أن راكبات الأمواج الكاليفورنيات بالبكيني المثلث يحاولن إثارة إعجابها وكن يبتسمن لها كأخت مقبولة — وبعد بضع خطوات كانت في بيتها، كامنة تحت لحاف الريش، العينان مغلقتان دون أن تنجح في النوم، لم تكن قد طلبت أي شيء من هذا الشخص الذي يثير قلقها منذ سنوات طويلة، لم تطرح أي سؤال — فتاة طيبة.

تدخل المكتب الزجاجي على غرار حوض الأسماك، مقعد، تسقط. تعب مفاجئ. سمك المهرج يتجول في كافة اتجاهات شاشة الكمبيوتر. تمشط هاتفها الخلوي من جديد. بلاطة. طبعًا، بلاطة. أمر ضمني لن تخالفه. لكل ذهب العالم. الفكرة أنه، حتى لو نطق بصوت سريع ونبرة منعشة، أقل كلمة لن تكون إلا لزجة، خاطئة، ثقيلة، وأن أقل جملة ستظهر قاعها المزدوج المتلهف، عاطفي أحمق. لا تتحركي قيد أنملة، ابلعي قهوة، فواكه مجففة، أمبول غذاء ملكات النحل، ارتكبي حماقات، تجنبي هذا الهاتف. اللعنة أنا منهكة.

يدخل بيير ريفول بينما تفحص هي العلامات الأرجوانية في رقبتها، ملتوية أمام شباك تطبيق مقصورة التصوير، وعند رؤيتها لوجهه في الصورة، منحنيًا من فوق كتفها على غرار قارئ سري يستفيد من صحيفة جاره في المترو، تطلق صرخة: لقد بدأت المناوبة في القسم قد قلت لي؟ يظل ريفول ثابتًا خلفها هي التي تقفز، تدور حول محورها، رأسها تدور، غلالة سوداء أمام العينين، ينبغي أن آكل شيئًا، تعيد وضع خصلات شعر خلف أذنيها طريقة لخلق مساحة صافية على وجهها غير المستقر، نعم، بدأَتْ منذ يومين، وبيدٍ حاسمة، تضبط ياقة معطفها. ينبغي أن أحدثكم عن شيء مهم، شيء ستواجهونه هنا. كورديليا تهز الرأس، حسنًا، الآن؟ لن يطول الأمر، إنه يخص ما حدث للتو في الغرفة، لكن بالضبط في هذه اللحظة «ززز، ززز»، يهتز هاتف كورديليا المحمول في قاع جيبها وها هو يتمدد كما تحت تأثير شحنة كهربائية، أوه لا، لا، غير معقول، اللعنة! كان ريفول قد استرخى على حافة قطعة أثاث وبدأ يتكلم، رأس محنيٌّ نحو الأرض، ذراعان متشابكتان على الصدر، والساقان بالمثل على الكعبين، الصبي الذي رأيتموه في حالة موت دماغي … «ززز، ززز»، ريفول يتحدث بوضوح بينما كلماته ترن لكورديليا كتمرين صوتي في لغة أجنبية، عبثًا حاولت توجيه كل الانتباه الذي هي قادرة عليه نحو هذا الوجه والحفاظ على دماغها في محور هذا الصوت الذي يخطب، كل شيء يحدث كأنها تعوم ضد التيار، ضد هذه الموجة الساخنة التي تضرب بعنف على امتداد حوضها، على فواصل منتظمة، «ززز، ززز»، تسيل في طية فخذها، في تجويف الأُرْبِيَّة، تناضل، تريد العودة نحو هذا الرجل الذي يبدو أنه يبتعد عنها كأنه يتشاجر في تيار بالتحديد، ويصبح غير مسموع كلما يشرح: ها هو، هذا الشاب مات؛ فَهمُ حقيقة هذا الموت صعب لأهله، مظهر الجسد يشوش على هذا التأكيد، تفهمين؟ تثابر كورديليا لتسمع، تنطق بنعم مثلما نفجر فقاعة، أرى، لكنها لا ترى شيئًا، الطائشة، بل هو الفرار في دماغها، «ززز، ززز» الهزات اللانهائية للهاتف تنقل الآن مجموعتها من الصور الجنسية، وصور فوتوغرافية مأخوذة من فيلم الليلة الماضية — هناك هذا الفم العذب للغاية مفتوح في عنقها، وهذا النفَس الساخن عندما تكون جبهتها، خدها، بطنها، إنهما ثدياها الآن اللذان يُكشطان الآن على الحائط، احمرَّا من كثرة حك الملاط المحبب والحصى البارز بينما جاء خلفها، وأمسكت يداها بمؤخرتيه كي تقربه منها أكثر، أعمق وأقوى — «ززز» آخر رجفة، انتهى، لا ترمش، تبتلع ريقها قبل أن تجيب بصوت سريع: نعم، أرى تمامًا، إلى حدِّ أن ريفول يلقي عليها نظرة مرحبة قبل أن يخلص، ها هو: خلال الرعاية، لا يمكنكم الكلام كما فعلتم مع مريض في حالة موت دماغي، والداه كانا في الغرفة، وبالنسبة لهما المقصود إشارة متناقضة في وضع صارم، هذه الكلمات المنطوقة من منظور يخص الرعاية تشوش الرسالة التي نوجهها إليهما، الوضع عنيف للغاية مسبقًا، متفقون؟ نعم صوت كورديليا، المعذبة، لا تنتظر سوى شيء واحد، أن يرحل ريفول، هيا غادر، غادر الآن، تمام فهمت، التي فجأةً، بينما لا شيء ينبئ بالأمر، تتمرد، ترفع رأسها: لم تُشركني في العناية بالمريض، رأيت والديه وحدك، لا نعمل بهذه الطريقة. ينظر إليها ريفول، مندهشًا: ها؟ كيف نعمل؟ تقوم كورديليا بخطوة للأمام وتضع إجابتها: نعمل كمجموعة. صمت يتمدد، يتبادلان النظرات، ثم ينهض الطبيب على قدميه: أنتِ شاحبة تمامًا، قالوا لكم أين المطبخ؟ ستجدين بسكويتًا هناك، احذري، اثنتي عشرة ساعة في الإنعاش، إنه سباق مسافات طويلة أيتها الشابة، ينبغي أن تكوني قادرة عليه. نعم نعم حسنًا. يوافق ريفول في الختام على مغادرة المكان، تُدخل كورديليا يدها في جيبها. تغلق عينيها وتفكر في جدتها من بريستول التي تتحدث إليها كل ليلة أحد، ليس هي، إنه ليس وقتها تقول لنفسها لتقنعها بالأمر، قد تخاطر عن طيب خاطر بإجراء اختبار قبل رفع الجفنين وقراءة الأرقام المسجلة على الشاشة التي تعمل باللمس، تقامر عن طيب خاطر مثلما في روليت القمار على رقم الغرفة الذي يضيء على السبورة، تحاول رمي كرة ورقية في سلة، أو تلعب ببساطة لعبة صورة أم كتابة بالعملات الصغيرة؛ لا تتصنعي البلاهة، ما الذي يحدث لك؟

وقفت كورديليا أوول في وسط الغرفة، رفعت الرأس ودفعت كتفيها إلى الخلف، فتحت أصابعها ببطء، مكتشفة مجموعةً بعد مجموعة الرقم الذي اتصل بها. مجهول. تبتسم، مرتاحة. في الختام، لم تعد متأكدة إلى هذا الحد من رغبتها في أن يعرِّف نفسه، لم تعد متعجلة إلى هذا الحد لسماعه. إنها قاسية فجأةً، عندما تفكر فيه، إنها واعية ومبتسمة. هي في الخامسة والعشرين من عمرها. تتوقع بقرف تعب التوتر الغرامي هذا، جبل التعب هذا — حماس، قلَق، جنون، اندفاعات قذرة — تسأل نفسها مرة أخرى: لماذا تظل هذه الحِدَّة أكثر جزء مرغوب فيه في حياتها؟ لكن عندئذٍ تدور بسرعة حول نفسها، تبتعد عن هذا التساؤل مثلما نسحب في اللحظة الأخيرة طرف القدم من المستنقع الموحل حيث كانت ستُوضَع، تنغرس، دون أن تعرف الراحة أبدًا، ما هو ضروري هو إطالة الليلة الماضية، بثها مثل حفل. الاحتفاظ بطلاوة وسخرية الفتيات. وصلت إلى المطبخ الصغير، أخذت من خزانةٍ بسكويتًا بتوت العليق، شقت الورق الذي كان يحف مثل الحرير تحت أصابعها الصغيرة الشرهة، أكلته كله ببطء.

***

يعاود ريفول الصعود إلى الممر، يتجاهل مَن يناديه، يمد يده بملف ويهرول عندما يسير، ثلاث دقائق، أريد ثلاث دقائق اللعنة، يتمتم بين أسنانه، الإبهام، السبابة والوسطى ممتدون في الهواء بينما يؤكد الصوت «ثلاث» بتسلط، ويعرف العاملون في هذا القسم هذه الحركة، يعلمون أنه ما إن يصبح في مكتبه سيرتكز طبيب التخدير على هذا المقعد ذي الذراعين الذي يتأرجح ويدور، سينظر إلى ساعته، وسيبدأ العد التنازلي — ثلاث دقائق، وقت بيضة نصف مسلوقة، قياس مثالي — ومستفيدًا من هذه العزلة مثل محبس هواء، سيضع الخد على كوعه المطوي ويسطحه تمامًا على المكتب، بالضبط كما يأخذ أطفال الحضانة غفوة في الفصول الدراسية، بعد المقصف، وسيُبتَلَع في كهف النوم هذا لكبح ما حدث للتو، النوم ربما. بعد أن تم غسله، يسند رأسه على ذراعيه المتقاطعتين، وينام. نفهم أنه يستولي عليها، هذه الدقائق الثلاث؛ من الضروري بعد عدة سنوات مضت — سبع وعشرين — في تنويم الآخرين، أن يكون قد صقل بنفسه تقنية غفوة صغيرة ذات كفاءة عالية، رغم أن مدتها أقل بوضوح من التي يُنصَح بها عادة لإعادة شحن جسم إنسان. نعلم أن ريفول فقد منذ فترة طويلة النوم الآخر، الليلي، الأفقي، العميق. في الشقة التي يشغلها، شارع دو باري، لم يعد يوجد غرفة نوم بالمعنى الدقيق، مساحة واحدة حيث السرير لشخصين يُستَخدَم كمائدة منخفضة، نظم عليه مجموعته من أسطوانات الموسيقى — بوب ديلون ونيل يونج — ورق قديم، وجوارير طويلة تستقبل تجاربه في النباتات حول النباتات المخدرة. هذا احترافي. هذا ما يقوله لمن، النادرون، يهبطون هنا، مندهشين من رؤية نبات القنب ناميًا بوضوح، لكن أيضًا خشخاش الأفيون، لافندر، أقحوانيات، وشافية طبية، «مريمية العراف»، نبات مهلوس وُصِفَت مميزاته العلاجية في مقالات منشورة في مجلات علم الأدوية.

الليلة الماضية، وحده في شقته في شارع دو باري، شاهد أول مرة فيلم بول نيومان «عن تأثير أشعة جاما على سلوك الأقحوان»، كان العنوان يتنبأ بالتحديد بفنتازيا نباتية بينما هي سينما ذات قوة مغايرة، ترسم طريقًا بين الهلوسة والعلم، الأمر الذي أسَرَ ريفول منذ البداية. رجَّه، قطفه، كوَّن فكرة، لم لا، أن يعيد في صالونه إنتاج تجربة ماتيلدا، بطلة الفيلم الشابة، التي كانت تطلق جرعات مختلفة من الراديوم على الأقحوانيات حتى تراقب نموها، شكلها الذي يتغير على مر الأيام تحت تأثير الأشعة، بعضها أصبح ضخمًا، أخريات هزيلات ومجعدات، وأخريات أيضًا جميلات ببساطة، وكانت الصبية المنعزلة تلتقط بالتدريج شيئًا ما من تنوع الحي اللانهائي، كانت في نفس الوقت تأخذ مكانها في العالم، مؤكدة خلال حفل المدرسة، على خشبة المسرح، أنه من الممكن، ذات يوم أن يغير تحول رائعٌ النوع الإنساني ويحسنه.

بعدئذٍ، مفكرًا، طهى بيضًا عيونًا، صفارُه ساطع مثل قلب المارجريت بالضبط، انتزع غطاء بيرة شقراء التقطها من باب الثلاجة، ابتلع الكل ببطء، ثم التف في لحاف من ريش الإوز، العينان مفتوحتان.

ريفول ينام. كراس وُضِعَ في متناول اليد كي يمكنه التسجيل عندما يستيقظ، وصف الصور التي يقابلها، الأفعال، الترابطات والوجوه، وربما وجه سيمون سيُسَجَّل فيه — خصلات الشعر السوداء المتصلبة في الدم المتخثر، الجلد معتم، متورم، قباب الجفون بيضاء، الجبين والصدغ الأيمن غزَتهما هالة بلون البنجر، البقعة المميتة — أو تلك الخاصة بدوان وُودْوارد، المعروفة باسم بياتريس أونزرفير أم ماتيلدا المصابة بالاضطراب الحدِّي، تبزغ من قاعة المسرح ما إن ينتهي الحفل، حتى تتبدى من الظلمة في إطلالة السهرة الرسمية، ترتر وريش أسود، مترنحة، ثمِلة، العينان زجاجيتان، ومعلنة بصوت لزج وثقيل، اليد على عظم القص: قلبي ممتلئ، قلبي ممتلئ.

***

أمسكا معًا بيديهما لمتابعة توما ريميج، وفي حقيقة الأمر، إذا كانا قد رافقاه، إذا كانا قد أطاعا هذا التأرجح الآخر في متاهة الممرات ومحابس الهواء، إذا كانا قد وافقا على عبور كل الحواجز، فتح وحجز كل الأبواب بالكتف، رغم هذا النيزك الأسود الذي اصطدم بهما، رغم إجهادهما الواضح؛ فذلك بلا شك لأن نظرة توما ريميج لهما كانت صائبة، هذه النظرة التي تحتفظ بهما بجوار الأحياء، هذه النظرة التي لم يعد لها ثمن حاليًّا. ومن ثمة، في الطريق، هذان الاثنان شبكا أصابعهما، حركا اللب المقضوم، الأظافر المقضومة مطوقة بجلد ميت، خدشا راحات اليد الجافة، الروابط والحجارة، وفَعَلا ذلك دون تفكير.

إنه أيضًا مكان آخر من المستشفى، مخبأ، مفروش على غرار غرفة استقبال في نموذج لمنزل؛ الغرفة مضيئة، الأثاث أنيق رغم أنه عادي — أريكة من قماش صناعي أخضر تفاحي بملمس قطيفي، ومقعدان قِرمزيان بمقعدة منجَّدة — الجدران عارية عدا ملصق ملون لأحد معارض كاندينسكي «بوبور»، ١٩٨٥م، و، على مائدة منخفضة، نبات أخضر بأوراق رفيعة، أربعة أكواب نظيفة، زجاجة مياه معدنية، بوتقة مليئة بخليط من الزهور الجافة برائحة البرتقال والقرفة. النافذة مواربة، الستائر تتحرك، نسمع صوت العربات، النادرة، تذهب وتجيء هناك، في موقف المستشفى ومثل خدوش صوتية على الكل، صوت النورس المزعج. الجو بارد.

جلس شين وماريان متجاورين على الأريكة، متخبطَين، متواطئَين رغم أنهما مزعزعان، و، على أحد المقعدين القرمزيين، جلس توما ريميج، ممسكًا بملف سيمون ليمبر الطبي بين يديه. رغم هذا، عبثًا تَشارك هؤلاء الأفراد الثلاثة نفس الفراغ، شاركوا نفس المدة، في هذه اللحظة، لا شيء أبعد على هذا الكوكب من هذين الكائنين في الممر وهذا الشاب الذي أخذ مكانه أمامهما بهدف — نعم بهدف — الحصول على موافقتهما على نقل أعضاء طفلهما. هنا رجل وامرأة أسيرا موجة صدمة، مقذوفان خارج الأرض ومنقلبان في زمنية مفككة في آن — استمرارية حطمها موت سيمون، لكنها استمرارية مثل استمرار بطة بلا رأس في فناء مزرعة، جنون — استمرارية ألمُها ينسج خامتها، رجل وامرأة يركزان في رأسيهما تراجيديا العالم الكلية، يوجد هنا هذا الشاب في معطف أبيض، ملتزم وحذر، مُعَد لإدارة الحوار دون حرق المراحل، لكنه بدأ عدًّا تنازليًّا في ركن من دماغه، واعيًا بأن جسدًا في حالة موت دماغي يتدهور، وأنه ينبغي العمل بسرعة. مأخوذًا بهذا التشوه، يصب توما الماء في الأكواب، ينهض ليغلق النافذة، يعبر الغرفة، وأثناء ذلك يراقب الزوجين، لا تتركهما عيناه، هنا الرجل وهذه المرأة، أهل سيمون ليمبر، وبالتأكيد في هذه اللحظة ينشط ذهنيًّا، عالمًا أنه يستعد لمعاملتهما بقسوة، أن يشق في ألمهما تساؤلًا لا يزالان يجهلانِه، أن يطلب منهما التفكير وصياغة أجوبة، بينما هما زُومْبِيان مصدومان ألمًا، مجبران، وبلا شك يستعد هو للكلام مثلما يستعد للغناء، يجعل عضلاته تسترخي، يضبط تنفسه، مدركًا أن علامات الترقيم هي تشريح اللغة، بنية المعنى، إلى حد أنه يرى جملة الانطلاق، خطها الصوتي، ويقدِّر أول مقطع سينطق به، ذلك الذي سيشطر الصمت، محددًا، سريعًا مثل جرح، الجرح بمشرط بدلًا من تشقق قشرة البيضة، بدلًا من السحلية المتسلقة على الحائط عندما ترتعد الأرض. يبدأ ببطء، مع التذكير بشكل منهجي بسياق الوضع: أعتقد أنكما فهمتما أن دماغ سيمون في طريقه للهلاك؛ ورغم هذا أعضاؤه مستمرة في العمل، إنه وضع استثنائي. تطرف عينا شين وماريان، طريقة للموافقة. توما، وقد تشجع، يواصل: أنا أشعر بالألم الذي يخصكما، لكن ينبغي أن أتناول معكما موضوعًا حساسًا. وجهه محاط بهالة ضوء شفاف وصوته يرتفع ببطء من الأحشاء، رائق تمامًا عندما يعلن:

نحن في سياق يجعلنا نتصور أنه من الممكن أن يتبرع سيمون بأعضائه.

«بام». منذ البداية، وضع توما صوته على التردد المضبوط والغرفة تبدو كأنها تدوي مثل ميكروفون عملاق، ضربة عالية الدقة — عجلات طائرة اﻟ «رافال» على سطح انطلاق حاملة الطائرات، فرشاة خطاط ياباني، ضربة صائبة للاعب التنس. يرفع شين رأسه، تقفز ماريان، هما الاثنان يحولان نظرتهما نحو نظرة توما، يبدآن في استشعار ما يصنعانه هنا، أمام هذا الشاب الوسيم بوجهه الجانبي كما في الميداليات، هذا الشاب الوسيم الذي يواصل بهدوء. أريد أن أعرف إذا كان ابنكما أُتِيحَت له فرصة التعبير عن هذا الموضوع، إذا حدث وتكلم عنه معكما؟

تتراقص الجدران، تدور الأرضية، ماريان وشين مصعوقان. الفمان فاغران، النظرتان عائمتان بالقرب من المائدة الواطئة، أيدٍ تتلوى، وهذا الصمت الذي يتدفق، كثيفًا، أسود، مثيرًا للدوار، خليط من الجنون والارتباك. انفتح فراغ هنا، أمامهما، فراغ لا يستطيعان تصوره إلا باعتباره «شيئًا» ما دام «لا شيء» غير وارد. إنهما يكافحان ضد هذا الثَّقب الهوائي، معًا، رغم أنهما لا يثيران نفس الأسئلة، ولا نفس الانفعالات. أصبح شين على مر السنين منعزلًا وصموتًا، جامعًا بين أكثر أشكال عدم الإيمان صفاءً بروحانية غنائية منبعها الأساطير الأوقيانوسية، ماريان، هي، عندما حصلت على أول عماد في فستان منقوش بالورد وجورب تِنِس، الجبين محاط بإكليل من الورد الطبيعي، وخبز القربان المقدس ملتصق بسقف الحلق، صلَّت طويلًا في الليل في سرير بدورين كانت تتشاركه مع أختها، على ركبتيها على السرير العلوي، وأخذت تتلو تمجيدها بصوت عالٍ في هذه المنامة التي تحكها، واليوم أيضًا تدخل في الكنائس، تستكشف نسيج الصمت مثل خافية، تبحث عن الضوء الأحمر الصغير المضاء خلف المذبح، تستنشق رائحة الشمع والبخور الثقيلة، تراقب ضوء النهار الذي يحوله عبور النجيمة إلى أشعة ملونة، التماثيل الخشبية بالعيون الملونة، لكنها تتذكر الإحساس العنيف الذي جابَهَا في اللحظة التي فصلت فيها رسن الإيمان عن رقبتها؛ إنهم يتعلقون برؤى عن الموت، صور للعالم الآخر، فضاءات ما بعد الموت الغارقة في الأبدية؛ إنها هوة تعشش في طية الكون، إنها ترعة سوداء ومجعدة، إنها مملكة المؤمنين، حديقة يعج فيها تحت يد الله الكائنات التي بُعِثَ لحمها، إنها وادٍ مفقود في الأدغال حيث ترفرف الأرواح المهجورة، إنها صحراء من رماد، نوم، انعطاف، ثقب في قاع البحر، وهي أيضًا ساحل لا يمكن تخيله نصل إليه في قارب خشبي مشغول برقة. انحنيا للأمام، الأيدي متقاطعة حول البطن لتحمل الصدمة، وتلاقت أفكارهما في قُمع من التساؤلات لا يستطيعان صياغتها.

يستأنف توما — إنه طريق آخر: ابنكما مدون في السجل القومي لرفض وهب الأعضاء؟ أو هل تعرفان إذا كان قد عبَّرَ عن معارضته لهذه الفكرة، إذا كان ضدها؟ جملة معقدة، يتشوه وجههما. تهز ماريان رأسها، لا أعرف، لا أعتقد، تتلعثم، بينما شين فجأةً، رأسه أسمر ومربع، يستدير ببطء نحو توما، ويعلن، يملأ الفراغ بصوت أصم: تسعة عشر عامًا — يتأرجح جذعه مثل مطرقة مع هذه الكلمات المنطوقة بشكل سيئ، الصادرة دون أن تنفصل الشفتان تمامًا — يوجد صِبية في التاسعة عشرة يأخذون استعداداتهم حول موضوع، من أجل، هذا موجود؟ «يأخذون استعداداتهم» يقوي الصوت، رشاش الحروف الساكنة، نار ثلجية. هذا يمكن أن يحدث، يجيب توما بهدوء، إنها أحيانًا الحالة. يبلع شين جرعة ماء، يعيد الكوب إلى مكانه بحركة بطيئة: ربما، لكن ليس سيمون. عندئذٍ، تتغلغل ببراعة فيما نعرفه كثغرة في الحوار، يسأل توما وهو يرفع صوته درجة لماذا «ليس سيمون»؟ شين ينظر إليه باحتقار، يتمتم: لأنه يحب الحياة جدًّا. يهز توما رأسه، أفهم، لكن يُصر: حب الحياة لا يعني أنه لم يفكر في الموت، ربما يكون قد تحدث مع أقاربه. احتدام صمت يتجمع في جديلة ثم ترُد ماريان، عابسة وسريعة: أقارب، نعم، لا أعرف؛ بلى، أخته، نعم، إنه يحب أخته الصغيرة «لو»، عمرها سبع سنوات، إنهما كلبٌ وقطة لكنهما ضائعان إن لم يكونا معًا، وأصدقاؤه، نعم، أكيد، أصدقاء ركوب الأمواج، جوان، كريستوف، أصدقاء المدرسة، نعم، لا أعرف، أعتقد، لا نراهم كثيرًا، لكن أقاربه، لا أعرف من هم أقاربه، باختصار إذا كانت جدته، ابن عمته الذي يعيش في الولايات المتحدة، هناك أيضًا جولييت، جولييت، حبه الأول، ها هم أقاربه، إنهم نحن.

يتحدثون عن ابنهما في المضارع، ليس علامة جيدة. يواصل توما: أطرح عليكما هذه الأسئلة لأنه إذا كان الشخص المتوفى، هنا ابنكما سيمون، لم يعلن عن رفضه في حياته، لم يعبر عن معارضته، علينا أن نتساءل معًا عمَّا قد يكون تمناه. «الشخص المتوفى، هنا ابنكما سيمون»، رفع توما الصوت ونطق بوضوح كل كلمة، إنه يغرز المسمار. علامَ الموافقة؟ إنها ماريان التي تكلمت، رافعة رأسها؛ لكنها تعلم، تريد أن تُوبَّخ. يعلن توما: الموافقة على أخذ أعضائه، حتى نتمكن من عمليات زراعة الأعضاء — ينبغي المرور عبر قسوة هذه الجمل المفروشة مثل شعارات على الرايات، ينبغي المرور عبر عبئها الضخم، مادتها الحادة، الحوارات التي يزحف فيها الغموض هي فخاخ عذاب، توما يعرف هذا.

صعد التوتر فجأةً في هذه النقطة من القشرة الأرضية، يبدو أن أوراق النبات ترتجف وأن الماء ينثني على سطح الأكواب، يبدو أيضًا أن الضوء يشتد ليجعل أعينهما تطرف، وأن الهواء يأخذ في الاهتزاز وكأن محرك جهاز طرد مركزي يعمل ببطء فوق رأسيهما. توما هو الوحيد الذي ظل ساكنًا تمامًا، لا يدعم أي انفعال، يحافظ على نظرته على وجهيهما المشوهين من العذاب، يتجاهل اهتزازات الفكين وارتعاد الأكتاف، يتقدم بلا مراوغة، يستأنف: موضوع هذا الحوار هو بحث وصياغة تعبير عن إرادة، إرادة سيمون؛ لا يتعلق الأمر بالتفكير عما ستفعلانه لأنفسكما، لكن أن تطلبا منا ما قد يمكن لابنكما أن يقرره. يحبس توما نفَسه، إنه يقيس العنف المطوي لهذه الكلمة الأخيرة، كلمات تميز جسديهما جذريًّا عن جسد طفلهما، تدرج مسافة، لكن أيضًا، في نفس الوقت، تسمح بالتفكير. ماريان تسأل أيضًا بصوت واهن، مترصد: كيف نعرف؟

إنها تطلب منهجًا، شين ينظر إليها، وتوما يستجيب دون انتظار — في هذه اللحظة يقول لنفسه ربما ماريان هي، وفقًا لعبارة اكتسبها خلال حلقة تدريب، «الشخص المصدر»، بعبارة أخرى مَن يمكنه خلق تأثير التتبع: نحن هنا للتفكير في سيمون، في الشخصية التي كانت؛ يرتبط طلب نقل الأعضاء دائمًا بفرد واحد، بالقراءة التي يمكننا عملها من وجوده، ينبغي أن نفكر معًا؛ على سبيل المثال يمكننا التساؤل: هل كان سيمون مؤمنًا، أو كان كريمًا. كريمًا؟ تكرر ماريان، مذهولة. نعم، كريمًا، توما يؤكد، كيف كان في علاقته مع الآخرين؟ هل كان فضوليًّا؟ هل كان يسافر؟ علينا أن نطرح على أنفسنا الأسئلة.

تنظر ماريان إلى شين، وجهه منكسر، جلد شاحب وشفتان سوداوان، ثم تنحرف نظرتها نحو النبات الأخضر. إنها لا تربط بين أسئلة المنسق وهبة الأعضاء، وتختم بالهمس: شين، سيمون كان كريمًا؟ تنغلق الأعين في الأركان، لا يعرفان ماذا يجيبان، يتنفسان بقوة، تضع ذراعًا حول هذا الرجل ذي الشعر الأسود والكثيف مثل شعر ابنها، تجذبه نحوها، يتلامس الرأسان، وهو يحني رأسه بينما تنزلق نعم في حلقه المشدود — نعم، في واقع الأمر، لا علاقة بها كثيرًا مع كرم ابنهما، إذ في واقع الأمر، كريمًا، لم يكن سيمون إلى هذا الحد، بالأحرى بريًّا، أنانيًّا وخفيفًا، يسب ورأسه في الثلاجة: اللعنة لا يوجد كوكاكولا في هذا البيت؟! أكثر من كونه شابًّا يهتم بالحركات الكريمة، باللفتات؛ لكن نعم تستولي على سيمون كله، تقوِّمه ليجعله يتألق، صبي محتشم ومواجه تلتهمه حدة الشباب.

فجأةً ينفذ صوت ماريان في نَفَس واحد وجملتها الموسيقية تتضح، رغم أنها متقطعة: هناك شيء، نحن كاثوليك، سيمون مُعَمَّد. تتوقف فجأةً. توما يتوقع أن تواصل لكن الوقفة تتمدد، عندئذٍ يستجوب — دعم — كان مؤمنًا؟ كان يعتقد في بعث الجسد؟ تنظر ماريان إلى شين الذي لا ترى منه دائمًا سوى مظهرٍ جانبيٍّ منحنٍ، تعض شفتيها، لا تعرف، نحن لا نمارس الطقوس كثيرًا. توما يتوتر — العام الماضي، رفض أهل فتاة نقل أعضائها من جسدها، معلنين أنهما يعتقدان في بعث اللحم، وأن المقصود هنا تشويه سيجعل أي شكل آخر للوجود مستحيلًا، وعندما أعطاهما توما موقف الكنيسة الرسمي، المحبذة للهبات، أجابا: لا، نحن لا نريد أن نميتها مرة ثانية. تضع ماريان رأسها على كتف شين ثم تعاود الكلام، في الصيف الماضي قرأ هذا الكتاب عن شامان (طبيب ساحر) بولينيزي، الرجل نجمة البحر، لا أعرف، كان يزمع الذهاب لرؤيته هناك، تتذكر؟ كان كتابًا عن التناسخ، يؤكد شين وعيناه مخلقتان، ويضيف بصوت يكاد يسمع: أن يكِد، سيمون، كان هذا يهمه، كان رياضيًّا، هذا هو، هكذا كان، يعيش في جسده، هكذا أراه، الطبيعة، في الطبيعة، لم يكن يشعر بالخوف. تنتظر ماريان بعض الوقت ثم تتساءل، غير متأكدة: أهذا أن تكون كريمًا؟ لا أعرف، ربما. والآن هي تبكي. تحدَّثا في الماضي، الأب والأم، لقد بدآ السرد. بالنسبة لتوما، هذا تقدم ملموس، علامة أن موت طفلهما يتبلور ببطء. يضع الملف على المائدة، يبسط يديه الحُرَّتين على فخذيه، يفتح فمه للكلام؛ لكن فجأةً، بينما لا شيء كان ينبئ به، تراجع، المأوى يميل؛ إذ إن شين قفز واقفًا، والآن يسير في الغرفة مباعدًا الخطى طولًا وعرضًا، منفعلًا، يُعلن: قصة الكرم هذه خراء، لا أرى لماذا كونه كريمًا أو يقوم برحلات يسمح لكم بالاعتقاد بأنه أراد أن يهب أعضاءه؟ هذا سهل للغاية، ومن ناحية أخرى إذا قلت لكم إن سيمون كان أنانيًّا عندئذٍ تتوقف المقابلة هنا؟ فجأةً يقترب من توما ليهمس في أذنه: قل لنا فقط إذا كنا نستطيع أن نقول لا، هيا. ماريان، متفاجئة، تلتفت نحوه، شين! لكنه لا يسمعها، اعتدل، وأخذ يذهب ويجيء في الغرفة، سرعته تتزايد، وينتهي به الأمر بأن يسند ظهره على النافذة، أسود وضخم وعكس الضوء: هيا، قل لنا الحقيقة، يمكننا أن نرفض أم لا؟ إنه ينفخ مثل ثور. توما لا يهتز، عمود فقري ثابت ويدان رطبتان على قماش الجينز. نهضت ماريان للاقتراب من شين، تمد ذراعيها لكنه يبتعد، ثلاث خطوات على امتداد الحائط، يغير فجأةً اتجاهه، ثم لكمة في الحائط، لكمة تخوضها قوته كلها، يرتعد الزجاج فوق ملصق كاندينسكي، ثم يئن: اللعنة، هذا ليس حقيقيًّا! ومُدمَّرًا يلتفت نحو توما الذي قام الآن، أبيض مثل الغسيل، متجمدًا تمامًا، ويعلن بصوت حاسم: جسد سيمون ليس مخزونًا للأعضاء ينبغي سرقتها، يتوقف المسعى إذا كان البحث عن إرادة المتوفى، الذي تم مع الأهل، يُفضي إلى الرفض.

أخيرًا تأخذ ماريان يد شين: هذا خبيث. إنها تهمس وهي تلاطفه: وكأننا كنا بحاجة لهذا. تسحبه نحو الأريكة حيث يعاود الزوجان الجلوس، يعيدان تنظيم أنفاسهما، إنه هدوء مؤقت، كل واحد منهما يبلع كوب ماء دفعةً واحدةً، رغم أنهما لا يشعران بالعطش بالضرورة؛ لكن ينبغي حقًّا الإرجاء، الاستمرار في الحركة، إيجاد تردد لكلمة ممكنة.

في هذه اللحظة، يشعر توما أن الأمر انتهى. هذا قاسٍ للغاية. معقد جدًّا، مفرط في العنف. الأم ربما؛ لكن الأب. لا تراجع، كل شيء يجري بسرعة مفرطة. منذ لحظة أدركا مأساتهما التي ينبغي أن يفصلا فيها حول نقل الأعضاء. يجلس بدوره. يلم الملف من على المائدة الواطئة. لن يستطيع الإصرار، التأثير، التلاعب، استخدام السلطة، لن يستطيع تجسيد وكيل ابتزازٍ صامت، وناهيك عن أنه أثقل، لضغط ناهيك عن أنه أقوى على المحيطين؛ إذ إن المتبرعين الشباب والأصحاء نادرون. على سبيل المثال، سيوفر عليهما سماع ما يقوله القانون الذي، في حالة عدم القيد في سجل الرفض الوطني، يختار تبني مبدأ الموافقة المفترضة. سيوفر لهما السؤال عن كيف يمكن لموافقة مفترضة أن تكون القاعدة عندما يكون المانح قد مات ولم يعد بمقدوره الكلام بعد الآن على وجه التحديد، لم يعد باستطاعته الموافقة، سيوفر عليهما سماع أن عدم قول أي شيء خلال حياة المرء تعادل قول نعم، أي نسخة أخرى من القول المأثور المريب الذي يؤكد أن السكوت علامة الرضى، نعم، في الختام سيُسكت هذه النصوص التي ستدمر بسهولة معنى هذا الحوار الذي يصبح عندئذٍ مجرد إجراء شكلي، اتفاقية منافقة، القانون لا يزال يتلاعب بشيء آخر، بمفهوم أكثر تعقيدًا يتعلق بالمعاملة بالمثل، بالتبادل؛ لأن كل فرد يفترض أنه متلقٍّ محتمل، فهل كان من غير المنطقي إلى هذا الحد، لا أساس له من الصحة إلى هذا الحد، بعد كل شيء، أن يُعتَبَر الكل متبرعًا مفترَضًا بعد وفاته؟ حاليًّا، لا يُذكَر الإطار القانوني إلا كي يفتح مسارًا لمَن مسألة هبة الأعضاء لا تستدعي شيئًا أو لتعزيز عائلات في فعلها، يسندها القانون في الختام مثلما يسند الدرابزين اليد.

يعيد غلق ملف سيمون ليمبر ويبسطه مرة أخرى على ركبتيه معلنًا بهذه الطريقة لشين وماريان ليمبر أنه يمكنهما تأجيل الحوار إذا رغبا في ذلك، والخروج من الغرفة. إنه رفض، هذا يحدث. ينبغي أن نعرف كيف نضع له مكانًا، إمكانية الرفض هي أيضًا وضع المنح. ينبغي أن نتصافح الآن، نشد على أيدينا. المقابلة فاشلة، هكذا، ينبغي الموافقة، وضع توما لنفسه مبدأ الاحترام المطلق لما يعبر عنه الأهل، ويعرف أيضًا الطابع الذي لا جدال فيه لما يجعل جسد المتوفى مقدسًا بالنسبة للمحيطين به؛ طريقة لوضع عراقيل أمام مسعى خطر، يعزز حقه بالقانون والنقص في عمليات زرع الأعضاء، ليتحول إلى قوة. تمسح نظرته جدران الغرفة، خلف النافذة، عصفور يراقب. دوري. ينتفض توما لرؤيته، يتساءل إذا كان عثمان سيمر في بيته ليطعم مظهر، الحسون، يزوده بماء نظيف وحبوب عضوية، هذه الحبوب متعددة الألوان المزروعة في شرفة في «باب الواد». يغلق عينيه.

حسنًا، ماذا يُنقَل؟ هجم شين من جديد، رأس منخفض، نظرة من تحت، وتوما، مُفاجأٌ بهذا التغيير في المسار، يقطب الحاجبين ويركز في الحال على هذا الإيقاع الجديد: المسألة تتعلق بنقل القلب، الكليتين، الرئتين، الكبد، إذا وافقتما على المسعى، سيتم إبلاغكما بكل شيء، وسيتم ترميم جسد طفلكما — لقد أحصى الأعضاء دون تراجع، في هذا الاندفاع الذي يقوده دائمًا نحو تفضيل الدقة الجافة على تشويش التسلل.

القلب؟ ماريان تعيد التساؤل. نعم، القلب. يكرر توما. قلب سيمون. ماريان. قلب سيمون — جزيرات خلايا دموية تتلاقى في كيس صغير لتشكل الشبكة الوعائية الأولية في اليوم السابع عشر، المضخة تبدأ في اليوم الواحد والعشرين (حركات انقباضية ذات اتساع ضعيف للغاية لكن مسموعة على أجهزة شديدة الحساسية، مُعْلمات لعلم الأجنة القلبية)، يسيل الدم في القنوات التي تتشكل، أنسجة، أوردة، أنابيب وشرايين، تتطور التجاويف الأربعة، الكل في مكانه المناسب في اليوم الخمسين حتى لو لم يكتمل. قلب سيمون — بطن كروية ترتفع بلطف في قاع سرير — مظلة؛ عصفور الذعر الليلي المجنون في صدر طفل؛ طبل متقطع مرتكز على مصير أناكين سكايوكير؛ المشاحنة تحت الجلد عندما ترتفع أول موجة — المسي قال لها ذات مساء، العضلات مشدودة، تكشيرة قرد، كان عمره أربعة عشر عامًا وفي العين بريق جديد لصبي يأخذ وضعه بجسده، المسي «مام» — الذوبان الانبساطي عندما تلتقط عيناه جولييت عند موقف الحافلة في جادة «ماريتيم»، تي شيرت، ثوب مخطط، حذاء «دوك مارتن» أحمر، لوحة الرسم مسنودة تحت الذراع؛ التوقف عن التنفس في الورق، الفقاعة عشية عيد الميلاد، لوح ركوب الأمواج المنزوع من عبوته في منتصف المرأب المتجمد، المنزوع ختمه مع هذا الخليط من الدقة والاندفاع، مثلما نقطع ظرف رسالة حب. القلب إذَنْ.

لكن ليس العينين، لا نأخذ العينين، أليس كذلك؟ تخنق صرختها براحة يدها تغطي فمها المفتوح. يختلج شين، يصرخ فورًا، ماذا؟ العينان؟ لا، أبدًا، ليس العينين. تستقر حشرجته في الغرفة حيث غض توما بصره، أفهم.

إنها منطقة اضطراب آخر، وهو يرتجف، غارق في العرق، يعلم أن الشحنة الرمزية تختلف من عضو لآخر — ماريان، فضلًا عن ذلك، لم تتفاعل إلا مع نقل القلب، وكأن أخذ الكليتين، الكبد أو الرئتين يمكن تصوره أكثر، وبالمثل رفضت نقل القرنيتَين اللَّتَين، مثل الأنسجة، الجلد، نادرًا ما تكونان موضوع اتفاق من المحيطين بالميت — يفهم أن عليه تقديم تنازلات، الابتعاد عن القاعدة، قبول القيود، احترام هذه العائلة. إنها المواجدة. فعَينا سيمون لم تكن فقط شبكية عينه العصبية، قزحيته التفتا، بؤبؤه أسود نقي أمام العدسة البلورية، كانت نظرته؛ جلده، لم تكن فقط شبكة مفتولة من باطن جلده، تجويفه المسامي، كانتا نوره ولمسه، جهاز استشعار جسده الحية.

جسد ابنكما سيُرَمَّم.

إنه وعد، وهذا ربما جرس وفاة هذا الحوار، لا نعرف. مُرَمَّمٌ. ينظر توما لساعته، يحسب — رسم المخ الثاني الخاص بالثلاثين دقيقة سيتم خلال ساعتين: هل ترغبان في بعض الوقت وحدكما؟ ينظر شين وماريان لبعضهما، يهزان رأسهما بالموافقة. ينهض توما ويضيف: إذا كان ابنكما مانحًا، هذا سيسمح بحياة آخرين، آخرون ينتظرون هبة الأعضاء. يلتقط الوالدان معطفيهما، حقيبتيهما، حركاتهما بطيئة رغم أنهما يتعجلان الخروج من هنا الآن. إذَنْ لن يكون قد مات بلا مقابل، هكذا الأمر؟ شين يعيد رفع ياقة سترته الفرائية وينظر إليه مباشرة في عينيه، نعرف، نعرف هذا، زراعة الأعضاء تنقذ الناس، موت يمكنه منح الحياة لآخر، لكن نحن، إنه سيمون، ابننا، هل تفهمون هذا؟ أفهم. في لحظة المرور عبر الباب، تلتفت ماريان، تنظر لتوما في عينيه: سنخرج لنستنشق الهواء، سنعود.

وقد تُرِكَ وحيدًا، ينهار توما على مقعده، يتأرجح رأسه بين يديه، تنغرز أصابعه تحت شعره، في جمجمته، وينفث طويلًا. بالتأكيد يقول لنفسه هذا قاسٍ، وربما يريد هو أيضًا الكلام، يسدد اللكمات في الجدران، يركل أوعية القمامة، يحطم أكوابًا. ربما سيكون نعم، غالبًا أكثر لا، هذا يحدث — ثلث الحوارات تنتهي بالتعبير عن الرفض — لكن بالنسبة لتوما ريميج، رفض واضح أقْيَم من موافقة منتزعة في الاضطراب، يتم الحصول عليها بصعوبة، ويتأسف عليها خمسة عشر يومًا فيما بعد أشخاص يدمرهم الندم، يفقدون النوم ويغرقون في الحزن، ينبغي التفكير في الأحياء كان كثيرًا ما يقول، وهو يمضغ طرف عود كبريت صغير، ينبغي التفكير فيمن يبقى. في مكتبه، على ظهر الباب، لصق بشريط نسخة مصورة لصفحة من مسرحية «بلاتونوف» لتشيكوف، لم يرها أبدًا لم يقرأها أبدًا، لكن هذا المقطع من حوار بين فوينتسيف وتريلتسكي التقطه من جريدة متروكة في مغسلة ذاتية الخدمة، جعله يرتجف مثلما يرتجف الصبي مكتشفًا الثروة، «دراكوفو» (تنين ناري)، في علبة بطاقات «بوكيمون». تذكرة ذهبية في قالب شوكولاتة. ما العمل يا نيقولا؟ دفن الموتى وشفاء الأحياء.

***

جولييت في حجرتها. من نافذتها، إذا اتخذت وضعية جانبية بعض الشيء وترفع نفسها على أطراف أصابعها، يمكنها أن ترى سقف مبنى عائلة ليمبر — المرة الأولى التي جاء فيها سيمون هنا، في عرينها كفتاة، كان قد التصق بالزجاج ثم التفت نحوها فجأةً، يمكننا أن نتقابل تعرفين، وكان قد وجَّه نظرته لفترة طويلة كي تستطيع أن تبلغ، بين خليط الأسطح الرمادية التي كانت تمتد للأسفل، قطعة أرض بلون الزنك تنتشر فيها المداخن حيث يحط النورس هناك — تلقي عليها نظرة عذبة.

كانا قد تشاجرا هذه الليلة. كانا رغم هذا هنا، عاريين، متواجهين على جانبيهما متلاصقين الواحد بالآخر تحت اللحاف الدافئ، ناعم إلى حد أنهما كانا يواصلان المداعبة بعد أن مارسا الحب، ويتحادثان في الظلام، بسهولة غريبة، كلماتهما دائمًا أصفى في هذه اللحظات، ثم يخترق الهدوء سقوط مفاجئ لرسالة، ولم يجعلها صدى السونار تضحك هذه المرة، سمعته كاقتحام معاد، دورة ركوب الأمواج تتأكد — الساعة ٦ تحت في منزلك. لم تكن قد انتظرت ليقرأ الرسالة ليعرف الأمر وتفهم أنه كان ينتظر هذه الإشارة منذ بداية المساء، وشيء ما كان قد انقبض عندئذٍ فيها، فجأةً قفزت خارج السرير وارتدت ملابسها مشدودة الشفتين، سروال تحتاني وتي شيرت، ماذا بك؟ كان قد سأل، مرفوعًا على الكوع، عابس الحاجبين؛ لكنه كان يعرف ما بها، لا تدَّعي البراءة. كان يجب أن تجيبه بينما اكتفت بالهمس: لا شيء، لا شيء، لا شيء بي. بينما وجهها يتشح بالمرارة. ثم ارتدى الملابس هو أيضًا قبل أن يلحق بها في المطبخ، حيث ساء كل شيء.

اليوم، في صمت الشقة الفارغة، منحنية على بداية هذه المتاهة ثلاثية الأبعاد التي تنفذها في صندوق من بلاستيك شفاف (بلكسيجلاس)، تفكر مرة أخرى في كيف استطاعت تحمل هذا الدور السيئ على هذا النحو، دور المرأة التي تبقى بينما الرجل، هو، يذهب للاستمتاع بالعالم، هذا الوضع الزوجي، هذا الشيء الخاص بالكبار، هذا الشيء الخاص بالعجائز بينما كان عمرها ثمانية عشر عامًا، وكيف استطاعت الانزلاق إلى هذا الحد بالإصرار، محبة وعنيفة بالتناوب، ابقَ، ابقَ معي، تأخذ نبرات لم تكن لها؛ بل تلك الخاصة بممثلة هشة وعاشقة، كليشيه، تُذكِّره أنها بمفردها في نهاية هذا الأسبوع، وأن والديها لن يعودا حتى مساء يوم الأحد؛ لذا يمكنهما أن يكونا معًا، لفترة طويلة، لكن سيمون كان قد حسم أمره، إنه ركوب الأمواج، هكذا هو، يقرر دائمًا في اللحظة الأخيرة، هذه هي الدورات، هو أيضًا يلعب دور الرجل، وكانا قد استقرا حفاة القدمين على البلاط، النظرة قاسية والبشرة رخامية؛ حاول احتضانها، اندفاعة، يداه لمست خصرها النحيف تحت القميص الداخلي، عظام الحوض مدببة قليلًا، لكنها قامت بهذه الحركة العنيفة، صدته، حسنًا، اذهب، لا أمنعك، والنتيجة أنه ذهب، حسنًا، أنا ذاهب؛ بل صفق الباب بعد أن قال لها، في نظرة أخيرة: سأتصل بكِ غدًا، ونفخ قبلة على العتبة.

تطور متاهاتها بانتظام منذ العودة من إجازة الكريسماس، تلاميذ السنة الأخيرة الذين يرغبون في الالتحاق بكلية الفنون الجميلة، ينبغي أن يقدموا مشروعًا شخصيًّا في نهاية العام. بدأت ببناء حجم البلاستيك الشفاف، متر مربع جانبان منهما سيُوضَعَان في الختام، كانت قد درست طويلًا عينات الخامة قبل أن تختار. والآن تبني الداخل. تخطيطات بمقاييس مختلفة معلقة بدبوس فوق مكتبها، تدرسها، مقتربة من الحائط، ثم تعد على خطة العمل لوح من الورق المقوى بلون الفرشاة البيضاء، تجهز الأقلام الرصاص، مسطرتان معدِنيتان، محايات نظيفة، براية ومسدس الغراء الساخن، ثم تذهب لتغسل يديها في الحمام قبل أن ترتدي قفازًا من بلاستك شفاف أعطته لها مصففة شعر الشارع. كان مصطفًا في ترولي ملونة الشعر، تحت جارور الصبغة، بين بكرات الشعر، المشابك متعددة الألوان، والإسفنجات الصغيرة.

تبدأ، تشق اللوح الأبيض، وتقطع بالقاطعة وريقاتٍ ذات أشكال متنوعة، ترقمها فيما بعد وفقًا للنموذج الذي رسمته بالملِّيمتر والذي من المزمع، ما إن ينتهي النموذج، أن يُظهِر نجوم اﻟ «الجذمور» هذه، هذه الزخارف الشبكية المعقدة حيث كل طريق يتقاطع مع طريق آخر، حيث لن يكون هناك لا خروج، لا دخول، ولا مركز، لكن مسارات لا نهائية، روابط، تشعبات، نقاط تلاشٍ، مناظير. من شدة انهماكها في العمل لاحظت طنينًا خفيفًا، كأن الصمت كان يهتز، مشبعًا، ويشكل علبة حُلي صغيرة حولها، جالسة في مركز العالم — تحب أن ترسم، تتعامل، تقطع، تلصق، تخيط، ترسم، أحبت هذا دائمًا، والدها ووالدتها يذكران كثيرًا قوائم الأعمال اليدوية التي كانت تمارسها حتى قبل أن تعرف القراءة، هذه الأوراق الصغيرة التي كانت تقطعها وتجمعها على مدار اليوم، قطع الفسيفساء هذه من خامات تُحاك بخيط صوف سميك، هذه الأُحجِيَّة، هذه الأشياء المتحركة التي تتطور على نحو متزايد وتوازنها بالصلصال، إنها تستحضر عندئذٍ الطفلة المبدعة التي كانت، دقيقة، شغوفة، فتاة صغيرة رائعة.

أول مرة عرضت فيها الصندوق الشفاف على سيمون، وقدمت له مشروعها، سألها، محتارًا: هل هو تخطيط للدماغ؟ نظرت إليه، مندهشة، وأجابت، واثقة من نفسها، ومتحدثة بسرعة: بشكل ما، نعم، هذا هو، إنه مليء بالذكريات، بالصدف، بالأسئلة، إنها مساحة من الصدفة واللقاء. لم تستطع أن تقول له إلى أي حد كانت تعاني، كل جلسة عمل تستحث نوعًا من الانفصال الذي يجرها بعيدًا، بعيدًا للغاية، على أي حال بعيدًا عن يديها اللتين كانتا تهتزان تحت عينيها. تفكيرها يهرب كلما تراكمت شرائح الكارتون على المائدة ثم تأخذ مكانها في الصندوق، ملصقة على الهيكل بحركة متكررة — الضغط بالسبابة على زناد المسدس منظِّمة بالضبط كمية هذه المادة البيضاء والساخنة التي كانت رائحتها تجعلها تنتشي برفق — منحرفة ببطءٍ نحو مدخل المتاهة، في منطقة ذهنية اختلطت فيها الدقة الفائقة بالذكرى وحلزونيات الرغبة، حلم اليقظة الكبير، وعائدة دائمًا لسيمون في ختام المدار، لتجد أثر وشمه، الخطوط والنقط، الحلزونيات الرفيعة، مرسومة باليد بالحبر الأخضر، تنتهي حتمًا بلقائه حسب رغبة الصورة؛ لأنها كانت عاشقة.

يتمدد اليوم في غرفة جولييت والمتاهة البيضاء تفتح تدريجيًّا ممرًّا في هذا اليوم من سبتمبر، هذا اليوم الأول، مادة الهواء تتكون باستمرار بينما كانا يسيران أخيرًا جنبًا إلى جنب، وكأن جزيئات غير مرئية تتجمع حولهما تحت تأثير تسارع مفاجئ، كان جسداهما قد أشارا لبعضهما بعدما تخطيا بوابة المدرسة في هذه اللغة البكماء والقديمة التي كانت سلفًا لغة الرغبة، وعندئذٍ، تاركةً صديقاتها يمضين قدمًا، كانت قد أبطأت خطوتها كي تكون وحدها على الرصيف عندما سيأتي سيمون ليصبح في نطاقها، تتخيله في مرآة ذهنها الخلفية واقفًا على درَّاجته، قدم مستقيمة على البدال الأيسر، ثم ينزلق على الأرض كي يرافقها؛ دافعًا دراجته بيد على المقود، كل هذا كي تكلمه، كل هذا كي يتكلما معًا، تسكنين بعيدًا؟ أسكن بالأعلى، وأنت؟ قريبًا للغاية، بالضبط خلف المنعطف؛ النور صافٍ بجنون بعد زخة الشتاء، والرصيف مرصع بأوراق صفراء فصلها المطر عن الأشجار، سيمون يخاطر بنظرة جانبية، بشرة جولييت قريبة للغاية، محببة بنعومة تحت أحمر الخدود، بشرتها حية، شعرها حي، فمها حي مثل شحمة أذنها المثقوبة بحلق رخيص، رسمت خطَّ كحل سميكًا فوق الرموش: تعرف فرنسوا فيون، «قصيدة المشنوقين الغنائية»؟ يهز الرأس، أعتقد لا، تضع هذا اليوم أحمر شفاه بلون التوت، أخوة الإنسانية مَن يعيشون بعدنا، لا يكن قلبكم قاسيًا علينا، أترى أم لا؟ نعم، أرى، لكنه لا يرى شيئًا، إنه أعمى، آلاف المرايا تشكلت على قطرات الماء التي تهتز، يحنيان جبينهما نحو الأرض ويتزلجان بتعرج بين البِرك، الدراجة بالإضافة إلى ذلك تجلجل في انسجام تام، كل كلمة وكل حركة محملة بجرأة وحياء مثل وجهي عملة لنفس الحدث، إنه البزوغ، يحتويهما ضوء السقف الزجاجي ويصعدان الجادة مثل الأمراء، عصبيان لكن يذهبان أبطأ ما يمكن، ببطءٍ، ببطءٍ، ببطءٍ، إبطاء، مبتلعين في دهشتهما الواحد تجاه الآخر، رقتهما لم يسبق لها مثيل، شِبه جزيئية، وما يسري بينهما ينبض إيقاعًا يبعث على الدوار، إلى حد أنه على سفح القطار الجبلي يجدان صعوبة في التنفس، الدم الذي يضرب في العروق الصدغية والأيدي رطبة؛ إذ إن كل شيء على وشك أن يتفكك الآن، وفي اللحظة التي يعلن فيها الجرس انطلاق القطار، تُقبله في فمه، قبلة فائقة السرعة، خفقان الجفون، و«هوب»، تقفز في العربة، حيث تستدير وتلتصق بالزجاج، الجبين ثابت على الزجاج القذر، يراها تبتسم ثم تقبل الحاجز، تسحق فيه شفتيها، العينان مغلقتان، اليدان أفقيتان على الحاجز الزجاجي، الخطوط الأرجوانية تعتم راحتي اليد المرئيتين بوضوح، ما الذي حدث؟ يبتعد القطار الجبلي ويهجم على المنحدر، بطيئًا، عنيدًا، ويقرر سيمون فعل نفس الشيء بالضبط على نحوٍ أجمل، يضبط ترس درَّاجته ويبدأ صعود الساحل، تطيل حلقة المنعطف الكبيرة من المسافة لكنه يبدل بأقصى سرعة، ملقيٌّ في وضع السرعة كدراج في السباق، وحقيبة فصله الدراسي تشكل حدْبةً على ظهره، عندئذٍ تُظلم السماء، تختفي الظلال من على الأرض، المطر مرة أخرى، مطر بحري، ثقيل، في بضع دقائق يبرق القار ومسار الطريق ينزلق، بينما يغير سيمون الهضبة ويقف كراقصة، مقوس الظهر، أعماه اللؤلؤ السائل العالق على طول عظم حاجبيه، لكنه سعيد للغاية إلى حدِّ أنه يمكنه أيضًا في هذه اللحظة توجيه رأسه نحو السماء، يفتح الفم ويشرب كل ما يتدفق من أعلى، انقبضت عضلات فخذيه وربلتيه من هذا الجهد، ساعداه يؤلمانه، يبصق، ينفخ لكن يجد في نفسه الاندفاع الضروري ليتبين المنحنى في المنعطف الأخير، موجود في زاوية مناسبة للغاية فيكسب في السرعة، يصل إلى مسطح الساحل بحركة حرة، يندفع نحو محطة القطار الجبلي المائل بينما تتوقف مكابح الآلة في صرير صارخ، ينزلق أمام الأبواب، منقوعًا، يقطر، ينزل عن درَّاجته، ويتقوس للأمام، يدان على ركبتيه، الرأس أمام الأرضية، لعاب في الشفتين، خصلات شعر ملتصقة على حافة الوجه على غرار مشير شاب من الإمبراطورية، يركن دراجته على دكة ويستعيد أنفاسه، يفتح سترته، أزرار قميصه الأولى، يتباطأ إيقاع قلبه بالتدريج تحت الوشم الذي يظهر، إنه قلب سبَّاح في أعالي البحار، قلب رياضي تردده يمكن أن ينزل في فترة الراحة تحت أربعين دقة في الدقيقة، إيقاع قلب بطيء لكائنات فضائية، لكن ما إن عبرت جولييت حاجز الخروج المتحرك حتى تسارع كل شيء من جديد، موجة، حماسة، يدان في الجيبين ورأس يدخل في الكتفَين، يتجه مباشرة نحوها، تبتسم، تخلع واقي المطر وترفعه بلا مساعدة في الهواء، إنها ظُلَّة، مظلة، سماء للنوم، لوحة الضوئية قادرة على التقاط كل ألوان قوس قزح، وعندما تواجها، ارتفعت على أطراف أصابعها لتغطيه، وهي معه، الاثنان محتويان في رائحة البلاستيك اللطيفة، ووجهاهما احمرَّا تحت القماش المشمع، رموشهما أزرق داكن، شفاههما بنفسجية، وفضول فميهما العميقين ولسانيهما لا نهاية له، إنهما تحت القماش كما في مأوى حيث ينفجر كل شيء، هبة الريح المفاجئة المندفعة بالخارج تشكل اللوحةَ الصوتية حيث تلتحم هبات وخشخشة لعابٍ، إنهما تحت القماش كما تحت سطح العالم، مهاجرَين في مكان رطب ومبتل حيث تنعق الضفادع، حيث تزحف القواقع، وينتفخ دُبال المجنوليا، بأوراق بنية، كرات الزيزفون وإبر الصنوبر، حيث تركد كرات العلكة وأعصاب السجائر منقوعة بالماء، هما هنا كما تحت لوح زجاج يعيد خلق اليوم الأرضي، تستمر القُبلة.

ترفع جولييت رأسها، لاهثة، انخفض السطوع، تضيء النور وترتجف؛ أمامها، كبرت المتاهة. تلقي نظرة على ساعتها، السابعة عشرة. لن يتأخر سيمون في الظهور.

***

ما إن أصبحا في الخارج، حتى بهرتهما السماء العنيدة، دكناء، ظلال لبن متسخ، إلى حد أنهما خفضا الرأس، وركزا الأعين على طرف حذائيهما، وسارا متجاورين حتى السيارة، أيدٍ في الجيوب، أنفان، فمان وذقنان مدفونة في الأوشحة، في الياقتين. سيارة مثلجة، شين يتولى القيادة ويخرجان ببطء من موقف السيارات — كم مرة هذا الحاجز اللعين اليوم؟ يدخلان على الفور في محاور فرعية، لا يريدان الابتعاد عن المستشفى، فقط تجنب العالم، المرور تحت خط العوم لهذا اليوم المستحيل، الاختفاء في مكان غير محدد، ليفي، في أسفل جغرافيا شاحبة، على صورة انسحاقهما.

المدينة تتمدد، إنها تسترخي، الأحياء الأخيرة تنسل خطوطها الخارجية، الأرصفة تغيب، لم يعد هناك سياج، فقط أسلاك شائكة عالية، بعض المستودعات وبقايا قديمة لإنشاءات عمرانية اسودَّت تحت حلقات تقاطعات الطرق السريعة، ثم تقود أشكال التضاريس الأرضية مسارهما، تُرشد انحرافهما كخطوط قُوى، يقودان على الطريق أسفل منحدرات الشاطئ، يحاذيان هذا التل المثقل بالكهوف، حيث يتسكع متشردون منعزلون وعصابات أطفال الحشيش ورشاشات الطلاء. يعبران الأكواخ المختبئة أسفل المنحدر، معمل «جوفرفيل-لورشي»، وفي الختام يتحولان نحو النهر، كأن قد نهشهما أخدود الفضاء المفاجئ، والآن هو مصب النهر.

يقودان مسافة كيلومترين أو ثلاثة، ثم يصبحان في نهاية القار، عندئذٍ يغلقان المحرك؛ إنه الفراغ حولهما، مهجور، فضاء بين منطقة صناعية ومرج الرعي، ولا نفهم لماذا يتوقفان هنا تحت السماء المجعدة بدخان كثيف، سريع، بريمات قناني أعلى مداخن معمل التكرير ثم متمددة في نثرات كئيبة، لتقطر عندئذٍ الأتربة وأول أوكسيد الكربون، سماء نهاية العالم. ما إن ركنَا على طرف الطريق حتى أخرج شين علبة المارلُبورو وبدأ في التدخين دون أن يفتح زجاجه، كنت أعتقد أنك توقفت، تسحب ماريان منه سيجارته بلطف كي تستنشق نفسًا — تدخن بطريقة خاصة، راحة اليد على الفم، أصابع ملتصقة، وسيجارة عالقة في رابط العظام السنعية — تزفر الدخان دون أن تبلعه، ثم تعيد وضعها بين أصابع شين الذي يهمس لا، لا أرغب. تتحرك في مقعدها: ما زلتَ الرجل الوحيد الذي ينظف أسنانه والسيجارة في فمه أم لا؟ — صيف ١٩٩٢م، معسكر في الصحراء بالقرب من «سانتا في»، الفجر عقد وربط، بين أحمر مرجاني وراحة يد القرد، نار مزرقة، شريحة من لحم الخنزير المقدد، تطقطق في مقلاة، قهوة في أرباع من الصفيح، الخوف من العقارب المختبئة في ظل الحصى البارد، أغنية فيلم «ريو برافو» «بندقيتي، مهري، وأنا»، تُغَنَّى معًا، وشين، ذراع فرشاة أسنان ملطخة بالمعجون مسنودة في ركن من الفم، بينما في الطرف الآخر من الابتسامة تشتعل أول مارلبورو — يهز الرأس: نعم — الخيمة الكندية يسيل منها الندى، كانت ماريان عارية تحت شالها اﻟ «بنشو» المشرشب، شعر طويل حتى الأرداف، وكانت تقرأ، وهي تبالغ في نبرة التفخيم، ديوانًا للشاعر ريتشارد بروتيجان وُجِدَ على أرض الحافلة «جريهاوند» التي ذهبت بهم إلى «تاوس».

لم يكن ينبغي أن أصنع له لوح التزلج هذا. يأخذ شين وقته في سحق عقب السيجارة في المنفضة، ثم فجأةً ينحني على المقود ويضربه برأسه، «بانج»، جبينه يرتد بعنف على المطاط، شين! تصرخ ماريان، متفاجئةً، لكنه يكرر، يسرع، ضربات متكررة، دائمًا في نفس المكان من الجبين، «بانج»، «بانج»، «بانج»، وقف، وقف كل هذا فورًا. تمسك به ماريان من كتفه لتوقفه، لتثبته، لكنه يدفعها بضربة كوع إلى حد أنها، مُرحلة، تصطدم باب السيارة بجانبها الأيمن، وبينما هي ترجع لمكانها، يتعلق بعجلة القيادة بأسنانه، يعض المطاط، يطلق حشرجةً مدويةً، حشرجة متوحشة تصم الأذان، شيء لا يُحتمل، صرخة لا تريد سماعها، كل شيء عدا هذا، تريد أن يصمت، عندئذٍ تأخذه من مؤخرة عنقه، تغرز أصابعها بعمق تحت شعره، في جلد جمجمته، تصر على الأسنان لكن تتجشأ بصوت قوي: توقف الآن! وتشده للخلف إلى أن يفلت فكه المقود، حتى يرتطم ظهره بمسند المقعد، حتى يرتطم رأسه ثم يثبت على مسند الرأس، عينان مغلقتان، جبين أحمر محترق بالصدمات بين العينين، حتى تصبح الحشرجة نحيبًا، بعدئذٍ تتركه، مرتعدة، تهمس: لا ينبغي عمل ذلك، لا ينبغي أن تُؤذي نفسك، انظر الآن إلى يدك. تخفض الرأس، أصابعها متشبثة بركبتيه مثل مخالب: شين، لا أريد أن نُجَن. في هذه اللحظة المحددة، ربما تحادث نفسها، تقيس الجنون الذي ينمو فيها، فيهما، الجنون كشكل وحيد ممكن للتفكير، كمخرج وحيد عقلاني في هذا الكابوس بقوته غير المألوفة.

ينهاران معًا، يتقوقعان في قمرة القيادة، لكن ما يبدو عودةً للهدوء ليس سوى خدعة، إذ إن شكوى شين تدور في أذن ماريان، التي تفكر فجأةً فيما كان سيكون هذا الأحد دون الحادث، دون تعب، دون ركوب أمواج، دون هذا الشغف اللعين لركوب الأمواج، وفي طرف هذا الحبل من السببية المسحوب بيد ضعيفة يوجد شين، نعم، شين، هذا هو، هو، إنه هو الذي حبَّذ هذا الميل، جعله يُولَد وأطعمَه، زوارق الكانو، الماوري، الوشم، ألواح الخشب، المحيط، الارتحال إلى أراضٍ جديدة، التآزر مع الطبيعة، كل هذه الفوضى الأسطورية التي استطاعت أن تسحَر ولدها الصغير، كل هذا الخيالي السينمائي الذي كبر فيه — تُصر على أسنانها، أرادت أن تضرب هذا الرجل بجوارها، هذا الرجل الذي كان يئن — كانا يغادران معًا لتوصيل المراكب الشراعية، تتذكر الأمر، هي و«لو» يبقيان «بين البنات»، معزولتين، كانت ليلة التزلق التي لا يفوتونها أبدًا، وفيما بعد شرع سيمون في المخاطرة، ذاهبًا على نحو أكثر تواترًا في مياه باردة وعاصفة بإفراط في آنٍ دون أن يلومه والده أبدًا؛ إذ إنه كان أبًا كتومًا ومنعزلًا، أبًا غامضًا، عزل نفسه عنهم إلى حد أنها قالت له ذات: مساء ارحل، لم أعد أريد العيش معك، ليس بهذه الطريقة! رجل كانت تحبه رغم هذا، لكن اللعنة! نعم ركوب الأمواج، يا له من جنون خطر، وهي، ماريان، كيف استطاعت إلى هذا الحد السماح بأن ينمو في بيتها هذا الإدمان للأحاسيس القوية، أن تترك ابنها يسقط في دوار الدوامة هذه، دوامة الأنبوبة، هذه الحماقة، نعم، هي أيضًا لم تفعل شيئًا، لم تستطع قول أي شيء عندما شرع ابنها في الحياة وفقًا لأحوال الطقس، تاركًا كل شيء معلقًا إلى حين إيذان الموجة، الواجبات والباقي، ناهضًا أحيانًا في السابعة صباحًا كي يبحث عن موجة على بعد مائة كيلومتر، لم تفعل شيئًا، عاشقة شين، وبالتأكيد مأخوذة هي نفسها بهذا الخيال الفاسد، الرجل الذي يبني قواربَ ونيرانًا تحت الجليد، يعرف اسم كل نجمة وكل كوكبة سماء، يُصفِّر ألحانًا معقدةً، مندهشة لأن ابنها يستطيع الحياة بقوة إلى هذا الحد، مختالة لتميُّزه، هذا هو، لم يفعلا شيئًا، لم يستطيعا حماية طفلهما.

الضباب الذي تشكل على النوافذ، بدأ ينقط عندما صرحت ماريان: ركوب الأمواج، إنه أجمل ما أعطيته. نفخ، لا أعرف شيئًا، وصمَتا. الأجمل كان حركات الصناعة نفسها، ما حوله فيها، استخدام الطحالب والراتنج بدلًا من الأخشاب اللينة المنقولة لبناء زوارق الكانو. بداية شهر ديسمبر، كان قد ذهب إلى «لاند» للبحث عن ألواح البوليسترين لدى مُشكِّل في الساحل. الرجل، البالغ من العمر خمسين عامًا بجسد فقير، كان يطوق جبينه بوشاح أحمر من نوع أباتشي، لحية وذيل حصان رماديين، برمودا تاهيتي، سترة من صوف خاص بالمهنة وشبشب بلون متوهج، شخص دافئ إذَنْ، قليل الكلام ولم ينظر إليه، يركب الأمواج عندما تكون الدورة ممكنة، الشاشة المنيرة لمحطة طقس محمولة تقدم باستمرار توقعات الرياح والأمواج — كان قد فكر قبل اختيار هذه المواد التي كان يجهلها، درس كثافتها، مقاومتها، اختار رغوة الطحالب من البوليسترين المقذوفة بدلًا من البولي يوريثين، اختار راتنج الإيبوكسي بدلًا من راتنج البوليستر رغم أنه أرخص، راقب لفترة طويلة عمل المُشكِّل، سرعات المسحج وملمس المُصنفِرة، شحن كل شيء في سيارته العائلية، مسرعًا ليلًا على الطريق السريع، كان يفكر في صنع لوح التزلج، راسمًا شكله في ذهنه، مهووسًا بصلابته، كان قد تصرف في الخفاء.

خرجا للسير، تعال. إنها ماريان التي تكلمت، وقد فتحت باب السيارة. تركا السيارة في الطريق بجوار أيكةِ توت برِّي كانت تتقاطع مع قوسها الشائك على الأرض، واختصرا بعبور الحقل، مارين الواحد وراء الآخر تحت سياج السلك الشائك — هي، ثم هو، قدم، الأخرى، ظهر مستوٍ، كل واحد يبعد الأسلاك من فوق رأس الآخر، تحت بطنهم، حذار الشعر، الأنف، الأعين، حذار قماش المعطف.

غابة شتاء صغيرة. قاع المرج حساء بارد يبقبق تحت نعالهما، العشب هش وروث البقر الذي صلبه الصقيع يشكل هنا وهناك ألواحًا سوداء، يلقي السنديان مخالبه في السماء، وهناك هذه الغربان في الدغل، ضخمة مثل الدجاج؛ كل هذا كثير، تفكر ماريان: إنه كثير جدًّا، سنموت.

يصلان في الختام على مرأى من النهر، سماء متسعة بجنون، إنهما متفاجئان، نفسهما قصير، الأقدام مبللة، لكن يتقدمان نحو ضفة النهر، يقتربان من الحافة كأنهما ممغنطان، لا يفرملان إلا عندما يبدأ المرج في التقدم ببطءٍ نحو الماء، أسود هنا، مزدحم بفروع طرية، قرمات تتحلل، جثث حشرات قتلها الشتاء وأفسدها، طين مِلحي، ساكن، مستنقع خرافي بعده مصب بطيء، منطفئ، شحوب المرمية، ثنايات كفن، عبوره يبدو ممكنًا لكنه خطر، ليس هناك أي جسر خشبي عائم كي يستحضر الحلم، ليس هناك أي قارب راسٍ هنا ليواجه التهديد، ولا أي طفل بجيوب مملوءة بالحصى المسطحة جاء ليقذف بها، اقتفاء هذا الأثر النطاط والخفيف على سطح المياه، نجعل جِنِّيات الماء التي تملأ السطح ترقص، إنهما في الفخ هنا، أمام المياه المعادية، يضعان أياديهما في جيوبهما، وأقدامَهما في الوحل، يستقران أمام النهر، يخفضان جبينيهما في ياقتيهما — ما الذي نفعله هنا؟ تفكر ماريان التي تريد أن تصرخ عندما لا يصدر أي صوت من فمها، لا شيء، الكابوس الخالص؛ لكن هناك هذا المركب بهيكل قاتم يظهر بعيدًا على يسارهما، قارب صغير وحيد مرئي في منبع مجرى الماء ومصبه، قارب متوحد يشير هو وحده إلى غياب كل القوارب الأخرى.

لا أريد أن يفتحوا جسده، أن يسلخوه، لا أريد أن يفرغوه — نقاءٌ لونيٌّ لصوت شين، أبيض، يسنه البرد مثل الرماد على النصل. تُدخِل ماريان يدها اليسرى في جيب سترة شين الأيمن، تصل السبابة والوسطى إلى جوف قبضته الأسود، تفتحانها، تدخلان فيها بتوسيع الممر، تحفران فيها مكانًا كافيًا كي يدخل أصبع الخاتم والأصبع الصغير بدورهما، كل هذا دون أن يدير شين رأسه، يقترب ضجيج الناقلة من اليسار، لون الهيكل يتضح، أحمر زيتي، لون الدم الجاف بالضبط، إنها سفينة محمَّلة بالحبوب، تهبط النهر، تهبط نحو البحر، تهبط متابعة قناتها بينما كل شيء يتسع هنا، المياه والشعور، كل شيء يتوحد نحو البحر المفتوح، نحو اختفاء بلا شكل ولا نهائي، إنها هائلة فجأةً، خارج المقياس وقريبة إلى حد جعلهما يتخيلان إمكانية لمسها بإصبع ممدود، تمر وهي تلقي بظلها البارد عليهما، كل شيء يهتز، كل شيء يتجعد ويضطرب، يتبعها ماريان وشين بعينيهما، هيكل طويل، مائة وثمانون مترًا، ثلاثون ألف طُنٍّ على الأقل، إنها تمر، ستارة حمراء تنزلق تدريجيًّا على الواقع. وما يفكران فيه في هذه الثانية أجهله، بلا شك يفكران في سيمون، أين كان قبل ولادته، أين هو الآن، أو ربما لا يفكران في أي شيء، أسيرا الرؤية الوحيدة لهذا العالم الذي يفلت تدريجيًّا ليظهر من جديد، ملموسًا، وغامضًا تمامًا. ومقدمة السفينة التي تشق الماء تؤكد على حاضر ألمهما الصاعق.

يحتدم أثر الناقلة ويهدأ، يصبح سلسًا، تبتعد ومعها صوت حركتها، يستعيد النهر نسيجه الأولي، المصب يشتعل كله، إشراقة. التفت شين وماريان لبعضهما، أمسكا بيديهما، أذرع ممدودة بعيدًا عن الجسد، وتلامسا بوجهيهما لا شيء ألطف من هذا الصقل، لا شيء أنعم من حواف عظم الوجه الذي ينزلق تحت الجلد — وفي الختام يتوازنان، الجبين على الجبين، وكلمات ماريان تشكل وسمًا في الهواء الساكن.

لن يؤذوه، لن يؤذوه إطلاقًا. صوت ماريان مأخوذ في فلتر من نسيج، وشين يفلت يديه ليأخذها بين ذراعيه، يمتد نحيبه وهبات الطبيعة، يومئ برأسه، اتفقنا، ينبغي أن نعود هناك الآن.

***

هو مانح.

إنه شين الذي قال هذا التصريح وتوما ريميج ينهض فجأةً من مقعده، مترنحًا، أحمر، القفص الصدري متسع تحت تأثير تدفق الحرارة، كأن دمه يتسارع؛ يتقدم نحوهما، فجأةً. شكرًا. يخفض شين وماريان أعينهما، مغروزين مثل وتد على عتبة المكتب، ممنوعين، فأحذيتهما توسخ الأرضية، يضعان عليها طينًا وأعشابًا سوداء، هما بأنفسهما مستبقان ما فعلاه الآن، عبر ما أعلناه الآن — مانح، مانح، منح، التخلي، تصطدم الكلمات في جوف طبلة الأذن، تُفتَل في سلسلة. يرن الهاتف، إنه ريفول، يبلغه توما بسرعة أن الأمور جيدة، ثلاث كلمات سريعة في لغة مشفرة، لا يلتقطها شين وماريان، أوائل الحروف وسرعة النطق موجهة لطمس الفهم، وسرعان ما يغادران مكتب التنسيق للعودة إلى الغرفة التي تحدثا فيها. ريفول هنا ينتظرهم، هم الآن أربعة والحوار يُستعاد على الفور؛ لأن ماريان، منذ البداية، تهب: الآن، ماذا يحدث الآن؟

الساعة الخامسة والنصف. نافذة الغرفة مفتوحة وكأنه ينبغي إعادة شحنها بهواء بكر، فالحوار السابق استنزفها، أفسدها، أنفاس، دموع، عرق. في الخارج شريط مرج تحت الحائط، طريق مُعبَّد، وبينهما، سياج من الأشجار في ارتفاع الإنسان. توما ريميج وبيير ريفول يجلسان على المقعدين القرمزيين، بينما يعود شين وماريان إلى الأريكة التي بلون التفاح الأخضر، قلقهما واضح — دائمًا اتساع الأعين هذا الذي يجعد الجبين ويزيد من الأبيض حول بؤبؤ العين، دائمًا هذه الشفاه المواربة، المستعدة للصراخ، وانتباه كل الجسد المتصلب انتظارًا، وخوفًا. لا يشعران بالبرد، ليس بعد.

سنشرع في إجراء تقييم شامل للأعضاء، ونقل هذه العناصر إلى طبيب وكالة الطب الحيوي الذي، وفقًا لهذه المعلومات، يمكنه أن يقترح نقل عضو أو عدة أعضاء، بعد ذلك سنرتب العملية نفسها في غرفة العمليات. جسد طفلكما سيُقَدَّم لكما غدًا صباحًا. تحدث ريفول، مصاحبًا كل تغير مفاجئ في الجملة بحركة من اليد، مقلدًا في الجو مراحل السلسلة المقبلة. هناك معلومات كثيرة في هذه الجملة رغم الثقب الذي في منتصفها منطقة معتمة تحفز خوفهما: العملية نفسها.

فجأةً يأخذ شين الكلمة: ماذا سيفعلون له، بشكل ملموس؟ قال «بشكل ملموس» — لم يصدر هذه اللعثمة المذبوحة؛ بل قدم سؤاله، شجاعٌ في هذه اللحظة، جندي يخوض المعركة، صدره ممنوح للمدفع الرشاش، بينما ماريان تجز بأسنانها في كم معطفها. ما سيحدث هذه الليلة في محيط منطقة غرفة العمليات، الفكرة التي كوناها، هذا التقسيم لجسد سيمون، تشتته، كل هذا يروعهما لكنهما يريدان أن يعرفا. يأخذ ريميج نفسًا طويلًا قبل أن يجيب: نشق الجسد، نأخذ، نغلق. أفعال بسيطة، أفعال حركة، معلومات فئوية لإعاقة التهويل بقدسية الجسد، بخطيئة فتحه.

أنتم مَن يقوم بالعملية؟ رفع شين الجبين — دائمًا هذا الانطباع بأنه سيشحن من أسفل، مثل ملاكم. ريفول وريميج، في تناسق، يميزان في هذا الاستجواب الجزء الخارج من قارة هلع تليد؛ أن تُعلَن ميتًا، من فم الأطباء أنفسهم، بينما أنت حي — في مكتبه، نتذكر، يحتفظ ريفول بنسخة من رواية ماري هيجينز كلارك البوليسية (منزل ضوء القمر)، الذي يتحدث عن ممارسة جنائزية شائعة في إنجلترا؛ كانوا يمررون حلقة في أصبع الشخص الذي سيُدفَن، حلقة موصولة بخيط رفيع يسمح بتفعيل جرس صغير على السطح إذا حدث أن استيقظ تحت الأرض — لذا التعريف «مُصَمَّم خصيصًا» الخاص بمعايير الوفاة، الذي تطور ليسمح بنقل الأعضاء، يختلط بهذا الخوف السحيق. يلتفت الممرض في مواجهة شين، بالإبهام والسبابة يسجل في الهواء علامة جليلة: الأطباء الذين يتحققون من وفاة المريض لا يشاركون أبدًا في إجراء النقل، أبدًا؛ وفضلًا عن ذلك — يقوي كل صوت وصوته يتعمق — هناك دائمًا إجراء مزدوج، يلتزم طبيبان بنفس البروتوكول وتوقيعان منفصلان على محضر شهادة الوفاة — هدم دون انتظار سيناريو الطبيب المجرم الذي يقرر عن علم وفاة مريضه كي يجرده بشكل أفضل فيما بعد، تدمير الشائعات التي تربط المافيا الطبية بالاتجار الدولي بالأعضاء، مستوصفات غير مرئية مُدرَجَة في ضواحي بريشتينا، دكا أو مومباي الملتبسة وعيادات سرية محمية بكاميرات، مُظَلَّلة بأشجار النخيل، مُقحَمَة في الأحياء الراقية من العواصم الغربية. يختم ريميج، بتمهل: الجرَّاحون الذين سيأخذون الأعضاء سيصلون من المستشفيات التي ينتظر فيها المرضى عملية الزرع.

صمت يتدفق، ثم صوت ماريان من جديد، أصم، كأنه من جيب غشائي: لكن مَن سيكون إذن مع سيمون؟ — «مَن» مؤكَّد عليها، عارية مثل حجر. أنا، يجيب توما، أنا هنا، أنا هنا طوال الوقت الذي ستستغرقه العملية. ماريان تصب نظرته ببطء في نظرتها — شفافية الزجاج المنثور — إذَنْ أنتم مَن سيقول لهم عن العينين، إننا لا نريد، ستخبرهم. يومئ توما: سأقوله لهم، نعم. ينهض؛ لكن شين وماريان ينتظران دون حراك، قوة تثقل أكتافهما وتطويهم نحو الأرض، يستمر هذا بعض الوقت، وفي الختام تستأنف ماريان: لا نعرف مَن سيحصل على قلب سيمون أليس كذلك؟ إنه مجهول، لن نعرف أبدًا، هه؟ ويؤيد توما هذه التأكيدات التي تستجوب، هذه الأسئلة التي تؤكد، إنه يفهم التذبذب، لكنه يحدد: يمكنكما معرفة جنس وعمر المتلقي، نعم، لكنكما لن تعرفا أبدًا هويته؛ ومع ذلك، إذا كنتما ترغبان، يمكنكما معرفة أخبار عملية الزرع. ثم، يكشف أكثر: القلب، إذا أُخِذَ في الختام، سيتم زرعه لمريض وفقًا للمعايير الطبية، ومعايير تَوافُق لا علاقة لها بالنوع، لكن نظرًا لسن سيمون، فأولوية أعضائه ينبغي أن تكون للأطفال. ينصت شين وماريان ثم يتفقان بصوت منخفض. يأخذ شين الكلمة: نريد حاليًّا العودة بجوار سيمون.

ينهض ريفول، مطلوبًا في أقسام أخرى، توما يصحب ماريان وشين حتى عتبة الغرفة، يسيران دون أن يتكلما، أترككما مع سيمون، أراكما فيما بعد. مجيء المساء أظلم الغرفة، والصمت، حسبما يبدو، زاد سُمكًا. يقتربان من السرير ذي الطيات الساكنة. لا شك أنهما تخيلا تغير مظهر سيمون سيتبع إعلان وفاته، أو على الأقل أن شيئًا ما في مظهره قد يتبدل منذ المرة السابقة — لون الجلد، ملمس، لمعان، درجة حرارة. لكن لا، لا شيء، سيمون هنا، لم يتغير، أصغر حركات جسمه، ترفع دائمًا الملاءة قليلًا، إلى حد أن ما تكبداه لا يتوافق مع أي شيء، لا يجد هنا أي رد، ضربة عنيفة عطلت أفكارهما، يضطربان ويتلعثمان، جلبة، يتكلمان مع سيمون كأنه يمكنه سماعهما، يتكلمان عنه كأنه لا يمكنه سماعهما، يبدو أنهما يكافحان ليتماسكا في اللغة عندما تتمزق الجمل، تتشظى الكلمات وتنقطع دائرتها، عندما تصطدم الملامسات، تتغير الأنفاس، أصوات وعلامات سرعان ما تخور في صرخات مستمرة في القفصَين الصدريَّين، اهتزاز لا يُدرَك، كأنهما الآن مطرودان من كل لغة، وأفعالهما لم تعد تجد وقتًا أو زمنًا لتُسَجَّل فيه، وعندئذٍ، ضائعان في صدع الواقع، تائهان في ثغراته، هما أيضًا ضعفاء، مكسوران، منفصلان. يجد شين وماريان القوة ليرتفع كلاهما على السرير كي يدنوَا أقرب ما يمكن من جسد ابنهما، ينتهي الأمر بماريان بالتمدد على حافة السرير، شعرها في الفراغ، أما شين، هو، ردف على الحشية، ينحني ويريح رأسه على جذعه، الفم على موضع الوشم بالضبط، ويغمض الوالدان أعينهما معًا ويصمتان، كأنهما ينامان هما أيضًا، فقد هبط الليل وهما في الدجنة.

طابقان أدناه، يستمتع توما ريميج بكونه وحده كي يركز، تقييم النهج واستدعاء وكالة الطب الحيوي؛ في هذه اللحظة يُجري تقييمًا متعمقًا للأعضاء. المرأة في نهاية الخط هي رائدة في الجهاز، توما يتعرف على صوتها المنخفض، تغني الراب، يتصورها في وسط قاعة دراسية، موائد في شكل حرف U، حبال نظارتها من حلقات بلاستيكية كبيرة بلون العنبر تخفي وجهها. ثم يجلس أمام الكمبيوتر، ومتتبعًا مسار متاهة يتضمن إدخال عدد كبير من أرقام تعريف الهوية وكلمات مرور مشفرة، يفتح برنامجًا في قاعدة الكمبيوتر، ينشئ مستندًا جديدًا ينقل فيه بانتباه جميع المعلومات الخاصة بجسد سيمون ليمبر؛ إنه ملف «كريستال»، أرشيف وأداة حوار يُنْسَج حاليًّا مع وكالة الطب الحيوي، التي تضمن أصل العضو المضيف ومجهولية المانح. يرفع رأسه، يتقافز عصفور على حافة الشباك، دائمًا نفس العصفور، عينه ثابتة ومستديرة.

***

اليوم الذي اقتنى فيه توما طائر الحسون، كانت الحرارة تمسح الجزائر تحت سحابة بخار، وداخل شقته ذات المصراع النيلي كان حسين، ساقين عاريتين تحت جلابية مخططة، ممددًا على الأريكة تحت المروحة.

كان عمود الدرج مُلَونًا بالأزرق، تفوح منه رائحة الحبهان والأسمنت، تسلق حسين وتوما الأدوار الثلاثة في الضوء الخافت، ألواح الزجاج المصقول الموجودة على السطح ترشح ضوءًا أصفر مرتجفًا يتغلغل بصعوبة حتى الطابق الأرضي. لم شمل الأقارب — عناق قوي ثم محادثة سريعة باللغة العربية التي تؤكدها قعقعة الفستق المكسور تحت الأسنان — يُنحي توما جانبًا. إنه لا يتعرف على وجه عثمان الذي يتشوه بشكل مختلف بينما يتحدث لغته — فك يتراجع، لثة تكتشف، عينان تلفَّان، والأصوات تأتي من باطن حنجرته، أصلها منطقة معقدة بعيدة خلف اللوزتين، حروف العلة الجديدة تُحْتَجَز ثم تُصفَع تحت سقف الحلق — إنه تقريبًا شخص آخر، تقريبًا غريب، وتوما يضطرب. تأخذ الزيارة منعطفًا آخر عندما يعلن عثمان بالفرنسية سبب زيارتهما: يود صديقي أن يسمع طائر الحسون. آه، يلتفت حسين إلى توما، وربما يتبنى واحدًا؟ يسأل، يغمز له، يبالغ في المكر. ربما. يبتسم توما.

عند وصوله في اليوم السابق عابرًا البحر الأبيض المتوسط لأول مرة، يقع الشاب في أسر خليج الجزائر، المقوس إلى حد الكمال، وبالمدينة المتدرجة في الخلفية، الأبيض والأزرق، الشباب القوي، رائحة الأرصفة المرشوشة، أشجار التنانين التي تتقاطع فروعها في «الحديقة النباتية الحامَّة»، خالقة عِقد حكاية خرافية. جمال لا حسي، ولكن أقوى. إنها رمادية، أحاسيس جديدة تتماس وتبدله، خليطٌ من الإثارة الحسية والوعي المفرط لكل ما يحيط به: الحياة موجودة هنا دون فلتر، وهو موجود هنا أيضًا. النقود الملفوفة في منديل صغير على مستوى جيبه تشكل نتوءًا يربت عليه كإشارة على إثارة المَبهَجة.

يتقدم حسين في شرفته، يدفع المصراعين ويميل في الشارع، يصفق بيديه، ويطلق الأوامر، يعيد عثمان كتابتها لنفسه باللغة العربية، كأنه يقول: لا، أرجوك، لا تفعل أي شيء، راجيًا، لكن ها هم يصعدون بالحساء والشيش كباب، أطباق حبوب خفيفة مثل الرغوة، سلطات البرتقال بالنعناع وحلوى بالعسل. بعد الوجبة، يضع حسين الأقفاص على البلاط الخزفي الذي يبطن الأرض، يستخدم نقوشه كعلامات ليصفَّها جيدًا. الطيور صغيرة الحجم — من اثني عشر إلى ثلاثة عشر سنتيمترًا — وكل شيء في الحلق، البطن غير متناسب، الريش ليس مذهلًا، المخالب أعواد ثقاب، ودائمًا تلك العين الثابتة. إنها تقف على أرجوحات صغيرة من الخشب تهزها بضعف. عثمان وحسين يجلسان القرفصاء على بعد مترٍ من الأقفاص بينما يسقط حسين على «مقعد قماشي» في آخر الغرفة. يصدر صرخة مشابهة للغناء في منطقة التيرول بالنمسا، ويبدأ العزف الموسيقي المنفرد: تغني العصافير، بالتناوب، ثم معًا؛ مثيرة. لا يجرؤ الصبيان على النظر إلى بعضهما، التلامس.

رغم هذا، كان يقول لنفسه في كل مكان إن طائر الحسون كان يختفي. الذي في غابة «بعينم»، في «قدوس» و«ديلي إبراهيم»، في «سوق أهراس». لم يعد موجودًا. الصيد المكثف هدد بانقراض هذا الجمع الكثيف من قبل. عند أبواب بيوت القصبة، كانت الأقفاص المُعَلَّقة تصر، فارغة؛ بينما الخاصة بالتجار تتزين الآن بالكناري والببغاوات، لكن دون طائر الحسون، إن لم يكن مخبأً في ظلام غرفته الخلفية، ومحفوظًا ككنز، قيمة العصفور تنتفخ مع ندرته — قانون الرأسمالية. ربما كان يمكن شراء واحد الجمعة مساء في «الحراش»، شرق المدينة، لكن الكل كان يعرف أن العينات المعروضة هنا، مثلها مثل المعروضة في سوق «باب الواد»، لم تحلق أبدًا في السواحل الجزائرية، لم تعشش في فروع الصنوبر وأشجار الفلين التي تنمو هنا، ولم تُؤسَر بالطريقة التقليدية، بالغراء، الإناث غير المغنيات يُحَرَّرْن على الفور لضمان التكاثر؛ غير بارعات في الغناء. كانت تأتي من حدود المغرب، من منطقة «مَغنية» حيث يتم صيدها بالآلاف، شبكة الطيور تجتاح بلا تمييز بين الذكور والإناث ثم تُنقَل إلى العاصمة متتبعة مسارات يتآمر فيها أشخاص لم يبلغوا العشرين من عمرهم، شباب عاطلون عن العمل تخلوا عن أشغالهم الشاقة ويتقاتلون في منافسة شرسة للدخول في هذه التجارة غير المشروعة، دخلٌ مؤكد أكبر، رجال لا يعرفون شيئًا عن الطيور. على أي حال معظم العينات، ملفوفة في الشباك، كانت تموت من الإجهاد أثناء النقل.

كان حسين يربي عصافير لا تُقَدَّر بثمن وراء ساحة «تُروَا أورلوج»، طيور حسون جزائرية، طيور حقيقية. كان يملك دائمًا قرابة العشرة، ولم تكن له أي وظيفة أخرى، يتمتع بوضع الخبير في «باب الواد» كلها وما بعدها. كان يعرف كل نوع، وخصائصه وتمثيله الغذائي، يمكنه أن يذكر لك أصل الطائر، بل اسم غابته الأصلية؛ كانوا يأتون من بعيد طلبًا لخدماته، لتوثيق الأصل، تقييمه، الكشف عن عمليات النصب؛ عينات مغربية تُباع في بعض الأحيان أغلى عشر مرات باعتبارها جزائرية، والإناث تُباع كذكور. لم يكن حسين يعمل بالشباك، كان يصطاد بنفسه، وحده، بالغراء، ينطلق في رحلة على الأقدام لعدة أيام، مدعيًا امتلاك الأركان «خاصتها» في أودية «بجاية» و«القل»، وفي العودة يقضي معظم وقته في تدليل صيده. يُقاس تفوق طائر حسون على آخرَ بجمال غنائه، كان يعلمهم الألحان — اشتهرت طيور سوق أهراس بالقدرة على حفظ كم من الألحان — مستخدمًا شريط كاسيت قديمًا يذيع صباحًا لحنَه بلا توقف، قلما يوافق على أساليب شباب المربين — تغطية القفص، عمل شقَّين فيه، إدخال سماعات «إم. بي. ثري» فيه تعمل طوال الليل — لكن طرب طائر الحسون كان يزيد من موسيقية غنائه التي تعود على نحو خاص إلى الجغرافيا؛ كانت أغنيته تجسد منطقة: وادٍ، مدينة، جبل، غابة، تل، غدير. كان يُصور منظرًا طبيعيًّا، يختبر التضاريس، ويشعر بالتربة والمناخ. قطعة تأخذ شكلًا في منقاره، ومثل الساحرة في الحكاية يبصق الضفادع والماس، مثل الغراب في الحكاية الخرافية الذي سُرِقَت قطعة الجبن منه، كان طائر الحسون يبصق كيانًا صلبًا، مُعَطَّرًا، ملموسًا وملونًا؛ وطيور حسين الأحد عشر، المتنوعة، تمنح خريطة صوتية لمنطقة شاسعة.

زبائنه، رجال أعمال بأربطة عنق ونظارات شمس مطوقة بمعدن ذهبي، غالبًا مخنوقون في زي رمادي فاتح أو بيج، يهبطون عليه في منتصف الظهيرة مثل مُدمني مخدرات يطلبون حصتهم.

كانت العصافير تغرد، المشترون يتذكرون سباقات العدو بالصنادل في إبر الصنوبر، باقات من بخور مريم والفطر الوردي. كانوا يفكون الأزرار، يشربون عصير الليمون، و، لأن الغناء يحسم قيمة طائر على آخر، كانت الأسعار مذهلة. كان حسين يعيش مرتاحًا. ذات يوم، قام الوريث الشاب لشركة نفط بمبادلة سيارته، رينو جي. تي. إي ٢٠٥، مقابل آخر طائر حسون من غابة «باينام» لم يمسك به أبدًا بين يديه، حدث فذ أسس أسطورة المربي الرواقي من ناحية أخرى؛ كان الطائر يستحق هذا العناء، أروع من جِن الحكايات أو روح المصباح السحري، لم يكن مجرد طائر، لكن غابة مهددة، والبحر الذي يحدها، وكل ما يسكنهما، الجزء للكل، الخلق نفسه، كانت الطفولة.

بعد الحفلة الموسيقية، بدأت المساومات. أيهم تحب؟ سأل حسين توما — كان يكلمه مقتربًا للغاية من وجهه. أخذ عثمان ينظر لصديقه، يتسلى، مستمتعًا بالوضع. أيهم تحب، قُلهُ، لا تخف، أنا أحبهم كلهم! أشار توما إلى قفص بداخله كفَّ الطائرُ الصغير عن التأرجح. نظر حسين إلى عثمان وأومأ برأسه. تبادلا بعض الكلمات باللغة العربية. أخذ عثمان يضحك. اعتقد توما أنهما يتلاعبان به، تراجع خطوة، وراء الأقفاص. تمدد الصمت في الغرفة، انزلقت يد توما في جيبه، أصابعه تبحث عن المحرمة. كان يراوح الخطى جهارًا، لا يجرؤ على أن يقول لنذهب. أخبره حسين بسعر العصفور الذي أشار إليه. أوضح عثمان بهدوء، أنه عصفور من «القل»، أشجار «المرن»، الدردار، الكافور، إنه شاب، ستستطيع تربيته، تعليمه، إنه عصفور من قريتي. توما، مأخوذًا فجأةً، ربت على ظهر الطريدة عبر قضبان القفص، يفكر طويلًا، ثم فك لفة الأوراق المالية: أتمنى أن تكون قد حصلت على عمولتك. قال لعثمان وهو يهبط الدرج.

***

يخرج شين وماريان من الغرفة. توما هنا، على العتبة، ينتظرهما. يفتحان فمهما لكن يظَلَّان صامتَين، يبدو أنهما يريدان الكلام، كلمات متفق عليها، توما يشجعهما، أسمعكما، أنا هنا لهذا، وشين ناطقًا بصعوبة يقدم طلبهما: قلب سيمون، في اللحظة التي، القول لسيمون، عندما ستوقفون القلب، أنا، من أجل، ينبغي القول له، نحن هنا، معه، إننا نفكر فيه، حبيبنا. وماريان تواصل: و«لو» وجولييت أيضًا، و«ماميه». ثم شين، مرة أخرى: صوت البحر، ليسمعه، ذلك كي يسمع البحر — يعطي توما سماعة وجهاز استماع محمولًا رقميًّا، قناة ٧، إنها جاهزة، حتى يسمع البحر — حلقات غريبة في دماغيهما — وتوما يوافق على هذه الشرائع، باسمهما، سيتم الأمر.

يوشكان على الابتعاد، لكن ماريان تلتفت مرةً أخيرةً نحو السرير، وما يجمدها في مكانها هو العزلة التي تنبعث من سيمون، من الآن وحيدٌ مثل شيء ما، كأنه تخفف من جزئه الإنساني، كأنه لم يعد موصولًا بجماعة، مدرجًا في شبكة نوايا وانفعالات لكن يهيم، متحولًا إلى شيء مطلق، مات سيمون، تنطق لنفسها بهذه الكلمات للمرة الأولى، مرعوبة فجأةً، تبحث عن شين الذي لا تراه، تندفع في الممر، تكتشفه خائرًا جالسًا القرفصاء بجوار حائط، هو أيضًا مشع بعزلة سيمون، هو أيضًا متيقنٌ من موته حاليًّا. تجلس القرفصاء أمامه، تحاول رفع رأسه بوضع يديها بشكل مقطعي تحت فكه، تعالَ، تعالَ، لنرحل من هنا — ما أرادت أن تقوله له هو: انتهى، تعال، سيمون لم يعد موجودًا.

يرن الجوال، توما يقرأ الشاشة، يسرع الخطى في اتجاه مكتبه، فجأةً يريد الانطلاق دون انتظار، وشين وماريان اللذان يسيران بجواره يلتقطان هذا التسريع، ويفهمان بالغريزة أنه ينبغي أن يفسحا له المجال ويشعران بالبرد فجأة، هذه الممرات الساخنة التي كانت تجفف جلدهما وتجعل الفم يشعر بالعطش أصبحت ممرات جليدية، حيث يعيدان ربط أزرار سترتهما، يرفعان من جديد ياقاتهما. سيتم اختطاف جثة سيمون، ستختفي في مكان سري بمنافذ دخول مسيطر عليها، غرفة العمليات، مسرح العمليات، سيُفتَح، تُسلَخ أعضاؤه، يُغلَق، يُخَيَّط ولفاصل زمني — ما تستغرقه ليلة — ليس لديهما أي سيطرة على مجرى الأحداث.

يتأرجح الوضع فجأةً في طوارئ أخرى، يهبط التوتر في حركاتهما، في إشاراتهما، لم يعد يلح في وعيهما، لكن هرب في مكانٍ آخر، في مكان تنسيق المستشفى حيث يتحدث توما ريميج الآن مع طبيب وكالة الطب الحيوي، في حركات حاملي النقالة الذين يحملون جسد ابنهما، هرب في هذه النظرات التي تحلل الصور التي تظهر على الشاشات، هرب للبعيد، في مستشفياتٍ أخرى وفي أقسامٍ أخرى، على أسرةٍ أخرى بيضاء بالمثل، وفي بيوتٍ أخرى مسحوقة بالمثل، ومن الآن فصاعدًا لا يعرفان ماذا يفعلان، فهما مذهولان، بالتأكيد يمكنهما المكوث في القسم، الجلوس أمام الجرائد المستهلكة، أمام المجلات المدببة بشرائح متسخة، الانتظار حتى الساعة الثامنة عشرة وخمس دقائق، نهاية تقرير جهاز الرسم الكهربائي للدماغ الذي سيؤكِّد موت سيمون من الناحية القانونية، أو النزول للحصول على القهوة من آلة التوزيع. يفعلان ما يفضلانه، لكنهم يُحذِّرانهما بلطفٍ أن ضبط إزالة متعددة الأعضاء تستغرق عدة ساعات، ينبغي أن يعرفا ذلك، فالعملية طويلة، هذا لا يليق، لذا نصحوهما بالعودة إلى منزلهما، ربما ينبغي أن تذهبا لتستريحا، ستحتاجان لكل قواكما، نحن نعتني به. وعندما يعبران مرةً أخرى بوابة صحن المستشفى الكبير الأوتوماتيكية، يكونان وحيدين في العالم، يجتاحهما التعب، إنها موجة مدٍّ وجزر.

***

خرجت في الفجر من محطة «لابلين-ستاد فرنسا»، خط المترو السريع، وسارت في اتجاه معاكس تمامًا للذي يأخذه الآن الحشد الذي يتم التخلص منه في تدفق مستمر، والمتزايد في سُمكه مع اقتراب وقت المباراة، ومختلط في تقلب جماعي إثارة وتخمين قبل المباراة، مراجعة الأغاني والسباب، نبوءات مدينة دلف. أدارت ظهرها للملعب الضخم والعاري، لا مبالية بتجذره الضخم، خارج القياس، سخيف بلا شك مثل صحن طائر هبط في الليل، أسرعت الخطى في النفق القصير الذي يمر تحت القضبان، ثم الهواء الطلق مرةً أخرى، صعدت جادة «ستاد دو فرانس» مسافة مائتي متر، سارت بحذاء مقار شركات الخدمات، البنوك، شركات التأمين وهيئات أخرى، جدرانها ناعمة، بيضاء، معدنية، شفافة، ووصلت أمام الرقم ١، بحثت في حقيبتها لفترة لا بأس بها، وانتهت بخلع قفازيها لتبحث بشكل أفضل، ثم بتفريغ كل شيء على الأرض أمام المدخل، على ركبتيها على الرصيف المتجمد، تحت النظرة اللامبالية للرجل الذي، في الداخل، كان ينزع غطاء زجاجة لبن زبادي سائل بحرص لا نهائي، تجنبًا لأقل بقعة على بدلته الجميلة ذات اللون الأزرق الغامق، ثم بمعجزة، لمست بطاقتها الممغنطة في قاع أحد الجيوب، التقطت متعلقاتها، دخلت البهو. أنا في المناوبة، أنا طبيبة في وكالة الطب الحيوي، خاطبته دون أن تنظر إليه، متغطرسة، عبرت القاعة عندما لاحظت عيناها المتمرسة علبة مارلبورو «لايت» بجوار لوح الكمبيوتر الرقمي الذي اضطر أن يشاهد عليه أفلامًا خلال الليل، كرة قدم وعروض سيئة فكرت، غاضبة، وما إن أصبحت في الدور الأول، على طرف عشرين مترًا يسارًا في الممر، حتى دفعت بباب المركز القومي لتوزيع الأعضاء.

مارت كارار؛ امرأة ضئيلة الحجم في الستينيات من عمرها، سمراء ومستديرة، شعر كستنائي، ثديان ضخمان وبطن مجعدة في سترة من صوف بلون بطن الظبية ترتديها على اللحم، مؤخرة كروية بالعرض في سروال صوف بني. ثم هما ساقان، بالأحرى، نحيلتان وقدمان صغيرتان تنتفخ في حذاء موكسان مسطح؛ إنها تتغذى على البيرجر بالجبن واللبان بالنيكوتين، وفي هذه الساعة أذنها اليمنى حمراء ومنتفخة من كثرة ضغط سماعات الهواتف المختلفة عليها طوال اليوم — كمبيوتر محمول احترافي، خلوي شخصي، جهاز النداء، سماعة ثابتة — والأفضل ألا نزعجها لسبب تافه، من الأفضل أن نكون غير مرئيين وصامتين بينما تستفسر عن الوضع مع توما: إذَنْ، أين نحن الآن؟ يجيب توما: هذا حسن. هي هادئة: حسنًا، أرسل إليَّ محضر الوفاة حتى أستطيع الاطلاع على الملف، ونسمع صوت توما يؤكد: لقد أرسلته توًّا بالفاكس، وأكملت أيضًا ملف المانح «كريستال».

تضع مارت السماعة، تتجه نحو الفاكس، الجبين غائر رأسيًّا فوق مربط الأنف، نظارة بإطار سميك ورباط على شكل سلسلة، أحمر شفاه هارب في الخطوط الدقيقة، عطر مُسكر وأبخرة تبغ متجمد محاصر تحت الياقة، الورقة هنا بالفعل — محضر يُعلن وفاة سيمون ليمبر الساعة ١٨:٣٦ — وتتجه الآن نحو المكتب المجاور، الذي يضم السجل الوطني لرفض التبرع بالأعضاء، ملف آمن للغاية مُصرَّح فقط لعشرة أشخاص بفحصه، ولا يستطيعون ذلك سوى عند إشهار وفاة مَن يَرِد ذكره في وثيقة قانونية.

عند عودتها إلى مكتبها، تقول مارت كارار لتوما إن الأمور جيدة ثم تقيد عينيها بالكمبيوتر، تفتح ملف كريستال، تنقر على الوثائق المختلفة التي تشكله، ورقة معلومات عامة، تقييم طبي لكل عضو، نتائج الماسح الضوئي، الموجات فوق الصوتية، التحاليل المختلفة، تدرس كل العناصر، تلاحظ على الفور فصيلة دم سيمون ليمبر النادرة نسبيًّا (B سالب). اكتمل الملف. مارت تُقِر بصحته وتمنحه رقم هوية، رقم مسلسل يضمن سرية المانح؛ من الآن لن يظهر اسم سيمون ليمبر في المراسلات القادمة بين الوكالة والمستشفيات المختلفة التي تسألها. يبدأ بروتوكول توزيع الأعضاء، سواء كان كبدًا، رئتين، كليتين، وقلبًا.

يهبط الليل. في طرف الجادة، الملعب مُضاء وشكله كحلقة مستطيلة — خرشوفة — ينسخ في السماء هالة رمادية تعبرها طائرات مساء الأحد. حان الوقت، الآن، للالتفات إلى مَن ينتظر، في الأراضي، وأحيانًا فيما وراء حدود البلاد، ناس مسجلة في قوائم وفقًا للعضو المطلوب زراعته، يتساءلون كل صباح مع الاستيقاظ إذا كان دورهم قد تحرك، إذا كانوا قد صعدوا على الورقة، ناس لا تستطيع تصور أي مستقبل وقيدوا حياتهم، معلَّقين في حالة عضوهم. هذا الشيء الخاص بسيف ديموقليس فوق الرأس، ينبغي تخيل هذا.

ملفاتهم الطبية متمركزة في كمبيوتر مارت كارار الذي تفحصه حاليًّا، بينما تمص قرص نيكوتين، وتذكرت بعد أن نظرت إلى ساعتها أنها نسيت إلغاء طلب هذا العشاء المتوقع خلال ساعتين من الآن لدى ابنتها وصهرها، لا تحب الذهاب إلى بيتهما، يتم التعبير عنه بوضوح في اللحظة الحالية، لا أحب الذهاب هناك، الجو بارد هناك؛ إذ لا تستطيع القول رغم هذا إذا كانت هي جدران الشقة المبقعة بطلاء أبيض جميل بالكازين هي التي تجعلها ترتجف، أم أن غياب منفضة السجائر والشرفة، اللحم، الفوضى، التوتر، أو أيضًا المقاعد التي بلا أرجلٍ أو أذرعٍ من مالي، وأريكة للراحة، الحساء النباتي الذي يُقَدَّم في طاسات مغاربية، الشموع بعطور «قش مقصوص»، «نار الخشب»، «نعناع بري»، الشبع الأنيق لمَن ينام مبكرًا تحت ألحفة من القطيفة الهندية، الخدر الرقيق المقطر في كل مكان في مملكتهما، أو ربما هذان الزوجان هما اللذان يخيفانها، هذان الزوجان اللذان ابتلعا في أقل من عامين ابنتها الوحيدة، فصلتها في زوجية آمنة، مُلطفة، بلسم بعد سنوات من الترحال وحيدة؛ ابنتها الجامحة ومتعددة اللغات الآن لا يمكن التعرف عليها.

في برمجيات خاصة، تقوم مارت كارار بإدخال جميع البيانات الطبية المتعلقة بقلب، رئتي، كبد وكليتي سيمون ليمبر، ثم تُطلق محرك البحث كي يفرز من قوائم الانتظار المرضى المؤهلين لاستقبالها. مجموع نقاط المطابقة الأدق إذا كان المقصود الكبد والكليتين. يتم تحديد المتلقين المتوافقين، تجمع زراعة الأعضاء بين الواقع الجغرافي، مواقع أخذ الأعضاء ومواقع زراعتها، فترسم خريطة حية تتضمن مسافات يجب تغطيتها في فترة زمنية محدودة، تخص قابلية الأعضاء للحياة، وتحرك التفكير اللوجيستي، تقدير الكيلومترات والوقت، تحديد موقع المطارات والطرق السريعة، محطات القطار، الطيارين والطائرات، عربات متخصصة وسائقون محنكون، إلى حد أن بُعد المؤسسة الإقليمي يضيف مؤشرًا قياسيًّا جديدًا في تحديد حفنة من المرضى.

التوافق الأول بين المتبرع والمستلم هو توافق الدم، توافق الفصائل ABO. تتطلب زراعة القلب نفس فصيلة الدم ونوع مولد المضاد، ولأن دم سيمون ليمبر هو B سالب، يؤدي الاختيار الأول إلى تقليص فوري للقائمة الأولية التي تضم قرابة ثلاثمائة مريض ينتظرون زراعة العضو. تضاعف مارت كارار من سرعة ضرباتها على لوحة المفاتيح، ونشعر بها تنقض بحثًا عن المتلقي، ربما في هذه اللحظة، ناسية كل شيء. تبحث بعد ذلك توافق النسيج مع نظام HLA الأساسي أيضًا: الشفرة HLA (مستضد الكُرِيَّات البيضاء البشرية) هي بطاقة الشخص البيولوجية، التي تتدخل في دفاعه المناعي و، إذا كان من المستحيل تقريبًا أن نعثر بين المانحين على مَن تتطابق شفرة HLA بصرامة مع المتلقي، فينبغي لها أن تكون الأقرب قدر الإمكان كي تتم عملية زراعة العضو في أفضل الشروط، وتقليل مخاطر الرفض.

أدخلت مارت كارار سن سيمون في برنامج الكمبيوتر كي تصبح الأولوية لفحص قائمة المتلقين في قسم طب الأطفال. ثم تتحقق من وجود مريض متوافق في حالة طوارئ قصوى، أي مريض حياته في خطر، قد يموت بين لحظة وأخرى، ومن ثمة سُجِّلَ في أولوية هذه القائمة. تطبق أيضًا بحرص بروتوكولًا متطورًا، كل مرحلة فيه تتبع السابقة وتحدد التالية. بالنسبة للقلب، بالإضافة إلى توافق الدم والنظم الدفاعية، مظهر العضو الفيزيائي، تشريحه، عرضه، كلها تلعب دورًا، معايير الطول والوزن تقلل أيضًا من الاختيار السابق — فقلب شاب طويل وقوي لا يمكن زرعه في جسد طفل، على سبيل المثال، والعكس — عندما ترتبط معالم جغرافيا زراعة الأعضاء، هي، بمعطى مقدس، بين اللحظة التي يتوقف فيها القلب في جسد المانح واللحظة التي ينطلق فيها مرة أخرى في جسد المتلقي، فالعضو يظل صالحًا أربع ساعات.

يتبلور البحث، ومارتا تقرب وجهها من الشاشة، عيناها هائلتان ومشوهتان خلف زجاج نظارتها. فجأةً، أصابعها المصفرة من داخل السُّلامى الثالث تشل الفأرة؛ بالنسبة للقلب، تم التعرف على حالة طارئة، امرأة، واحد وخمسون عامًا، فصيلة الدم B، طول ١٫٧٣، وزن ٦٥كج، تُعالَج في «لا بيتييه-سالبتريير»، قسم الأستاذ الجامعي هارفان. تأخذ الوقت الكافي لقراءة وإعادة قراءة البيانات المعروضة، تعلم أن المكالمة التي توشك على إجرائها ستؤدي إلى تسريع عام لكافة سرعات الطرف الآخر من الخط، تدفق الكهرباء في العقول، ضخ الطاقة في الأجساد، بمعنى آخر، الأمل.

أهلًا، هنا وكالة الطب الحيوي — عناية وانتباه إضافيان في سكرتارية القسم — تتضاعف الاتصالات من الخط المركزي حتى خط غرفة العمليات، ثم صوت صريح، هارفان أسمعكم، ومارت كارار تنطلق، سريعة وواضحة، الطبيبة كارار، وكالة الطب الحيوي، لديَّ قلب — هذا جنوني، تقوله بهذه الكلمات، أحبال صوتية تخلت عنها بأربعين عامًا من السجائر وكرات النيكوتين تقع بضربات لسان في تجويف حنكها — لديَّ قلب لمريضة في قسمكم تنتظر عملية الزرع، قلب متوافق. رد فعل فوري — دون أدنى شظية صمت: حسنًا، أرسلوا إليَّ الملف. وكارار تُخلص: حدث، لديكم عشرون دقيقة.

بعدئذٍ، تنزل مارت كارار سطرًا من قائمة المتلقين التي تظهر على الشاشة وتستدعي مستشفى «نانت» الجامعي، قسم آخر لجراحة القلب ويدور نفس الحوار بشأن طفل عمره سبع سنوات ينتظر منذ قرابة أربعين يومًا، توضح مارتا كارار: ننتظر إجابةَ «لا بيتييه»، ثم، من جديد: لديكم عشرون دقيقة. بعدئذٍ يتم الاتصال بقسم ثالث في مستشفى «دو لا تيمون»، في مرسيليا. يبدأ انتظار، يضبط إيقاعه اتصالات هاتفية تستمر بين طبيب «سان-دني» والمنسق في «هافر» من أجل تزامن التفكير في العملية وتركيبها، توقع تنظيم غرفة العمليات، وتوفير معلومات محكمة عن حالة دورة المانح الدموية — من أجل استقرار جيد في الوقت الحاضر. تعرف مارتا كارار توما ريميج جيدًا، التقته في دورات تدريبية تنظمها الوكالة، ندوات كانت تتحدث فيها كطبيبة تخدير ورائدة في إنشاء الهيئة في آن، ومن دواعي سرورها أن يكون هو محادثها اليوم، هي تثق فيه، تعرف أنه أمين، تقني، وحساس، إنه شخص يعرف الطريق كما يقولون، وبالتأكيد يسرها أكثر أيضًا أن تركيزه يحتوي حموته، لا يترك أبدًا ظهور أي شيء آخر سوى حدة متوازنة، ويتجاهل حلقات الهستيريا الدرامية عندما يكون غالبًا يسيرًا للغاية استغلال المأساة الإنسانية التي تعمل كتمهيد في كل إجراء يخص زراعة الأعضاء — شخص مثله، فرصة للعالم كله.

الإجابات الخاصة بالكبد، الكليتين والرئتين تتساقط الواحدة وراء الأخرى بعد نفس هذه الإجراءات — تأخذ سترازبورج الكبد (طفلة في السادسة) ليون الرئتين (مراهقة في السابعة عشرة)، رووان الكليتين (طفل في التاسعة) — بينما هناك، في منعطفات الملعب، يفتحون سحاب السترات بحركة خاطفة مثلما نبدأ خطة، «بووف» — إنها سترات نجوم الروك الجلدية، سترات طيارين كاكي ببطانة برتقالية — بينما يسدلون الأوشحة على الوجوه مثلما يفعل اللصوص في لحظة الهجوم على مركبة المسافرين، أو الطلبة في مظاهرة أمام القنابل المسيلة للدموع، وأن مئات من الأيادي الخبيرة تُخرِج قنابل الدخان المخبأة تحت الكنزات، عالقة في الظهر بالحزام، مدسوسة في السراويل؛ لكن كيف مرت هذه الأشياء في التفتيش؟ النيران الأولى يُفَك مكبسها بينما اللاعبون يُعلَن عنهم في «بورت لا شابيل»، دخان أحمر، دخان أخضر، دخان أبيض، يتكثف الصخب في المدرجات بينما يتم نشر لافتة طويلة، «قادة، لاعبون، مدربون، كلهم بالخارج»، منصة المشجعين منبهرة للغاية، مدمجة، مكدسة، كتلة من القوة والعدوان، كتلة عدائية، إلى حد أن مَن ينضم إليها يسرع الخطى، مفتونًا، بينما جِباه رجال الأمن تتغطى بالتجاعيد ويبدءون في الركض بالأحصنة، مقيدين في حلتهم، سترات مفكوكة أزرارها وأربطة عنق ترفرف فوق البطون، يصرخون في اللاسلكي، انزعاج في المنعطف الشمالي، لا ينبغي أن يفيض، تنتشر أسماء طيور، المركبات بالزجاج الملون غادرت للتو الطريق السريع، عربات وثيرة وصامتة على نحو رائع تلتحق الآن بمسارات مخصصة للأشخاص المهمين للغاية، وتطوق الساحة لتتوقف أمام المداخل المخصصة للاعبين. قامت مارت، فتحت النافذة، تمر أشكال ظلية أمام مبنى الوكالة وتصعد الطريق في خطوات متسارعة في اتجاه الملعب، شباب الحي الذي يعرفون المنطقة، تبعث برسالة موجزة لابنتها: طوارئ في المكتب، أكلمك غدًا، ماما، بعدها تدق علبة العلكة على درابزين الشرفة، تضم يدًا تحت بلبل العلبة، تكتشف العلبة الفارغة وتعض شفتيها، تعلم أنها فرقت السجائر في هذا المكتب، مخترعة مخابئ لم تعد متيقنةً من العثور عليها، لكن حاليًّا تقرر أن تمضغ مرةً أخرى.

تتخيل أن الآلاف من الناس تجمعوا في دائرة، هناك، حول نجيلة خضراء متألقة إلى حد الاعتقاد بأنها رُسِمَت بفرشاة، كل ساق عشبة مضاءة بمادة تخلط الراتنج وزيت التربنتين أو اللافندر التي، بعد تبخر المذيب، قد تشكل هذا الفيلم المتين والشفاف كانعكاس فضي، مثل تجهيز على قطن جديد، خمار من شمع، وتفكر أنه في ساعة تجهيز أعضاء سيمون ليمبر الحية، في وقت توزيعها في أجساد مريضة، آلاف من الرئات تنتفخ معًا هناك، أكباد آلاف تمتلئ بالبيرة، كُلْيات بالآلاف ترشح في انسجام مواد الجسد، آلاف من القلوب تضخ في الجو، وفجأةً مأخوذة بتشظي العالم، بالانقطاع المطلق للحقيقي على هذا المحيط، الإنسانية المسحوقة في تنوع مسارات لا نهائي إحساس بالقلق اختبرته من قبل؛ هذا اليوم من شهر مارس في عام ١٩٨٤م، بينما كانت جالسة في الحافلة رقم ٦٩ متجهة إلى إحدى عيادات الدائرة ١٩ للإجهاض، خلال أقل من ستة أشهر من ميلاد ابنتها التي تربيها وحدها، كان المطر يتدفق على النوافذ، نظرت إلى وجوه الركاب القليلين المحيطين الواحد بعد الآخر، وجوه نلتقيها في حافلات باريس في منتصف الصباح، وجوه بأعين هاربة بعيدًا أو مُركزة على تعليمات السلامة الواردة في رسم تخطيطي، مثبتة على زر النداء، ضائعة داخل صوان الأذن البشرية، أعين تتجنب بعضها، سيدات مسنات بأكياس تسوق، أمهات أسر شابات يحملن طفلهن مثل الكنغر، أصحاب معاشات في طريقهم لمكتبة البلدية لقراءة دوريتهم اليومية، عاطلين لمدة طويلة في حُلة ورباط عنق رديئة، غارقين في جريدتهم دون التمكن من قراءتها، دون أن يتدفق على الصفحة أدنى شرارة معنى، لكن معلقون بالورقة كأنهم يتماسكون في عالم لم يعد لهم — رغم هذا — مكانٌ فيه، حيث لن يجدوا أبدًا قريبًا ما يبقيهم على قيد الحياة، أشخاص أحيانًا موجودون على بُعد أقل من عشرين سنتيمترًا منها، وكلهم يجهلون ما سيفعله هذا القرار الذي أخذَتْه، والذي لا عودة فيه خلال ساعتين، ناس كانوا يعيشون حياتهم ولم تتقاسم معهم أي شيء، لا شيء، عدا هذه الحافلة في مطر غزير ومفاجئ، هذه المقاعد المستهلكة، وهذه المقابض اللزجة التي كانت تتدلى من السقف مثل حبال مُعَدَّة للشنق، لا شيء، لكل حياته، لكل التي تخصه، ها هو، شعرت أن عينيها تستحمان بالدموع، وضغطت أكثر على القضيب المعدني كي لا تسقط، وبالتأكيد مارست في هذه اللحظة تجربة الوحدة.

تُسمَع أولى صفارات عربات الشرطة قرابة الساعة السابعة والنصف. تعيد غلق النافذة — البرد — ساعة أخرى قبل إشارة البداية. احتواء إثارة المؤيدين تبدو صعبة، كل هذه القلوب معًا هذا كثير للغاية، ما هو ملصق هذه الليلة؟ يمر الوقت. مارت كارار تفحص من جديد هذا الملف الأول، راضيةً بغرابة عن توافقه مع ملف المانح، لن نجد أفضل منه، ما الذي يفعلونه في «لا بيتييه»؟ في هذه الثانية يرن الهاتف، إنه هارفان: نأخذ.

تضع مارت كارار السماعة، وتتصل على الفور ﺑ «لو هافر»، تُعلِم توما بأن فريق من «لا بيتييه-سالبتريير» سيتصل به لينظم معه وصوله، المتلقي مريضة من قسم هارفان، تعرفه؟ اسمًا. تبتسم. تضيف: الفريق هناك مدرب جيدًا، هم مهرة. يراجع توما الوقت في ساعته، يصرح: هذا حسن، سنبدأ نقل الأعضاء، نتوقع الدخول في غرفة العمليات خلال ثلاث ساعات تقريبًا من الآن، نعاود الاتصال بيننا. يغلقان السماعة. هارفان. تنطق مارت هذا الاسم بصوت عالٍ. هارفان. هي أيضًا، تعرفه. عرفته قبل أن تتعرف عليه، هذا الاسم الجميل، هذا الاسم الغريب الذي يتردد في ممرات المستشفيات الباريسية منذ أكثر من قرن إلى حد أنهم كانوا يقولون ببساطة إنه من آل هارفان لإبرام تبادل رفع من تميز أحد الممارسين، أو يتحدثون عن «سلالة هارفان» لوصف العائلة التي منحت الكلية أساتذة وممارسين بالعشرات، من آل شارل-هنري، وآل لويس، آل جول، ثم آل روبير، وآل برنار، اليوم آل ماتيو، آل جيل، وآل فِنسان … كلهم أطباء كانوا يعملون، وعملوا في مؤسسات عامة، فنحن خدم الدولة، حسبما يحبون الظن أثناء مشاركتهم في ماراثون نيويورك، أو التزلج في الشتاء في كورشيفال، أو يشاركون في سباق الزوارق في خليج موربيان في قارب بهيكل واحد من الكربون، ليتميزوا بالتالي عندها عن عوام الأطباء الجشعين عندما كان عدد كبير منهم، بين الأصغر سنًّا، يستكمل استشارة المستشفى بفتح عيادة خاصة في الأحياء الهادئة بأوراق أشجار متساقطة، ويتشاركون أحيانًا مع هارفان لتغطية كل أطياف أمراض الجسم البشري، ويقترحون فحوصًا كاملة سريعة لرجال أعمال وزنهم زائد، أشخاص متعجلون يشغلهم زيادة الكوليسترول، تصحر الشعر، منغصات البروستاتا وهبوط الرغبة الجنسية — من بينهم خمسة أجيال متتالية في أمراض الرئة وفقًا لنَسَب أبوي فضل البكورة الذكورية في لحظة نقل كراسي الأساتذة وإدارة أقسام، من بينهم فتاة، بريجيت، مصنفةٌ الأولى خلال فترة التخصص في باريس عام ١٩٥٢م، لكنها غادرت المكان بعد عامين، مقتنعةً بأنها مغرمة بمبتدِئ يدعمه والدها، بينما كانت تخضع في الحقيقة لضغط خفي، يطالبها بإفساح المجال، زيادة المساحة الحيوية لشباب الذكور من العشيرة؛ ومن بينهم هو؛ إيمانويل هارفان، الجرَّاح.

تتذكر أنها تسكعت بعض الوقت خلال عام التخصص مع عصبة يديرها ثنائي من أبناء عمومة هارفان. كان أحدهما يدرس أمراض القلب عند الأطفال، والآخر أمراض النساء. كانا يمتلكان «ريشة هارفان»، نفس خصلة الشعر الأبيض النامية مرفوعة في منتصف جباههما، التي كانا يملساها إلى الخلف على شعرهما الداكن، ختم عائلي وعلامة تعرُّف، أثر أسطورة، انضموا لزركشتي البيضاء وكل مثيرات الإعجاب المخصصة لتخفيف يقظة الفتيات؛ كانا يرتديان الجينز ٥٠١ وقمصان «أوكسفورد»، معاطف بيج واقية من المطر ببطانة اسكتلندية يرفعان ياقاتها، لا يخرجان بأحذية رياضية؛ بل باﻟ «شورشز» رغم احتقارهما لحذاء الموكاسان بفاكهة البلوط، كانا متوسطَي الطول، ملتويَين، بشرة شاحبة وأعين ذهبية، شفاه رفيعة، تفاحة آدم ناتئة إلى حد أن رؤيتها تنزلق تحت جلد رقبتيهما كان يجعل مارت تبدأ في البلع على الفور؛ كانا متشابهين ويشبهان أيضًا إيمانويل هارفان، هذا الذي يصلح القلوب ويزرعها في «لا بيتييه-سالبتريير»، الأصغر منهما بعشر سنوات.

هذا كان يهبط درجات قاعة الاستماع في الوقت المحدد خلال الندوات، ناظرًا مباشرة إلى الأمام، ويختمه بالقفز فوق آخر درجة كي يحمله اندفاعه ويصل إلى مقره بقفزة رياضية، ورقة في اليد لن يقرأها، يبدأ بيانه دون أن يحيي حتى الحاضرين، كان يفضل البدايات المختصرة والهجمات الحادة، طريقة للوصول إلى الهدف مباشرة دون الالتزام بالعادات، دون ذكر أصول لقبه، وكأن من المفترض أن كل مَن في القاعة يعرف مَن هو، أي هارفان، ابن هارفان، حفيد هارفان، وطريقة أيضًا، بلا شك، لإنعاش مستمعين كانوا يميلون إلى النوم في بداية بعد الظهيرة. مخدرون قليلًا بعد هذه الوجبات الشهيرة التي يتم تناولها في مطاعم قريبة محجوزة لهذه المناسبة، مقاصف مرتجلة حيث تصطف أكواز النبيذ الأحمر على سماط ورقي، دائمًا نبيذ «كوربيير» المتواضع والقوي الذي يلائم اللحوم نصف المشوية، ومع أولى كلمات هارفان، كانت القاعة تخرج من سُباتها الهضمي، يتذكر الكل، رؤيته نحيلًا ورياضيًّا للغاية، وأنه كان ركيزة تأهيل لدرَّاج من الدرجة الأولى، مأوى يحمل ألوان المستشفى في مختلف أحداث التأهيل الرياضي، أشخاص قادرون على قيادة الدراجة مائتي كيلومتر صباح يوم الأحد، طالما أنه يجمع مع حياة القسم. أشخاص مستعدون للنهوض من النوم لعمل ذلك، حتى لو أصابهم اليأس لعدم تمكنهم من النوم أكثر، عدم تمكنهم من مداعبة زوجاتهم، ممارسة الجنس، اللعب مع أطفالهم أو التسكع ببساطة وهم يستمعون للإذاعة، الحمام دائمًا أكثر إشراقًا، ورائحة الخبز المحمص دائمًا مرغوب فيه أكثر في هذه الصباحات، أشخاص كانوا يأملون أن يكونوا، إذَنْ، ضمن هذه الصداقة الغريبة، وربما دفعوا ثمنًا غاليًا؛ بل تحايلوا ليختارهم هارفان. «مختارون» كان المصطلح المخصص، ما دام هارفان، وقد تحقق فجأةً من وجودهم، أشار إليهم بإصبع السبابة، وأمال رأسه جانبًا لتقييم بنية جسدهم، ليتأكد من وجود منافس محتمل، وبينما ابتسامة غريبة تلوي وجهه، سألهم: هل تحبون الدراجة؟

ركوب الدراجة بجانب هارفان، التجول في سرعته لبضع ساعات كان يستحق مواجهة زوجاتهم الغاضبات لوجودهن وحيدات مع أطفالهن يوم الأحد حتى منتصف بعد الظهيرة، ملاحظاتهن التهكمية بخبث — لا تقلق يا عزيزي، أعرف أنك تضحي بنفسك من أجل العائلة — يستحق تحمل لومهن — لا تفكر إلا في نفسك — وجُملهن الجارحة عندما ينظرن إليهم باحتقار ويقيمن كرشهم — لا ترتكب حماقة وتُصاب بأزمة قلبية! — يستحق العودة ولونهم قرمزي، مستنفَدين، سيقانهم لم تعد تتحمل جسدهم، والأرداف تُؤلمهم إلى حد الحلم بحمام للمقعدة، لكنهم يتهاوَون على أول أريكة يجدونها في طريقهم، بل في سريرهم، القيلولة مستحقة. وهذه الراحة المغتَصَبة، بداهةً، كانت تشعل مرة أخرى غضب النساء الموزعات في حلقة حول أنانية الرجال، طموحهم الغبي، خضوعهم، خوفهم من الشيخوخة، كن يرفعن الأذرع إلى السماء وهن يخطبن بصوت عالٍ، أو يبسطن أياديهن على الكليتين وهن يُبعدن الكوعين، البطن للأمام، ويضايقهن، كوميديا إيطالية. ما إن يتحسن حالهم، كان يستحق التسكع على أجهزة كمبيوتر لشراء فوطة صفراء على وجه السرعة على موقع متخصص، شورت ضيق ملائم، وكل المعدات المناسبة، وينتهي بهم الأمر بالصياح: اخرسي! لمن كانت تتذمر في الطرف الآخر من الشقة، وينتهي به الأمر بأن يجعلها تبكي، و، الغريب رغم هذا أنه لم يكن هناك واحدة تساند هذا المشروع الذكوري، ولا أي واحدة، صاحبة حياة مهنية أو مطيعة ببساطة، تشجع رجُلها على اعتلاء دراجة لمتابعة هارفان في طرق وادي «شيفروز»، واستعراض السرعة، خفيفًا، متحملًا. نعم، لم ينخدع أحد، وعندما كنَّ يتحدثن فيما بينهن، يرثين التملك الملتوي لأزواجهن، يحدث أن يذكرن «ليزيستراتا» (Lysistrata)، عازمات على الإضراب عن الجنس كي يتوقف الرجال عن محاكاتهم الخانعة، أو يستمتعن للغاية بوصفهن لرفيقهم المهزوم بعد السباق، ثم في الختام كان الأمر غريبًا. ليذهبوا هناك إذا كان هذا يسعدهم، ليذهبوا هناك، لينهكوا أنفسهم هناك، حلفاء وأعداء، مفضلين ومنافسين. وسرعان ما لم تنهض أي واحدة منهن في السادسة صباحًا لإعداد القهوة وتقديمها لزوجها بيد محبة، لقد ظللن في السرير، منكمشات في الألحفة، مشعثات، فاترات ومنتحبات.

آخر مرة سمِعَت فيها مارت كارار هارفان، كانت عندما ألقى محاضرة مبهرة حول طرق استخدام اﻟ «سيكلوسبورين» في العلاجات بمضادات الرفض الذي ثوَّر عمليات نقل وزرع الأعضاء في بداية الثمانينيات، جامعًا في اثنتي عشرة دقيقة تاريخ هذا الدواء المثبط للمناعة — منتج استخدامه يقلل من دفاعات عضو المتلقي المناعية ويسمح بتقليص مخاطر رفض العضو المزروع — في نهايتها مرر يدًا في شعره ودفع من على جبينه إلى الخلف بالخصلة البيضاء الشهيرة التي تعفيه من ذكر أصول اسم الأب، يتساءل، فجأةً: أسئلة؟ عد: واحد، اثنان، ثلاثة في رأسه، وختم مداخلته بذكر نهاية عمليات زرع القلب، تقادمهم المقبل ما دام الوقت قد حان للتفكير في القلوب الصناعية، عجائب تكنولوجية اختُرِعَت وجرى تطويرها في مختبرٍ فرنسي، تم تسليم إجازة البدء في الاختبارات الأولى في بولندا، في سلوفينيا، في المملكة العربية السعودية، أو في بلجيكا. عضو حيوي من تسعمائة جرام، طوَّره جرَّاح فرنسي مشهور عالميًّا خلال عشرين عامًا، سيتم زرعه في مرضى مصابين بقصورٍ حادٍّ في القلب، ومَن تشخيصُهم الحيوي: مُعاقٌ. أربكت هذه الخاتمة القاعة، طفت ضجة بين الحضور، أيقظت الغافين، فكرة القلب الصناعي أكملت تفريغ العضو من قدرته الرمزية، ورغم أن أغلب الرءوس وافقت وسجلت في دفاترها كلمات هارفان بأسلوب تِلِغرافي، كان هناك مَن ارتجف، متأثرًا ومعترضًا بغموض، ورأينا بعض الأفراد المنتبهين يُدخلون يدًا في سترتهم، خلف ربطة عنقهم، تحت قميصهم ويضعونها مكان قلبهم ليشعروا به وهو ينبض.

ضربة البدء حدثت. الانطلاق والضجة التي تنبعث من الملعب أصبحت هديرًا مستمرًّا يضغط على فترات غير منتظمة؛ هدف في الجون، سباق مضاد يهدد فجأةً، تعبير مجازي، تصادم عنيف، هدف. تترك مارت كارار نفسها تستند على ظهر كرسيها، تم توزيع أعضاء المانح، إنشاء المسارات، تشكيل الفرق، كل شيء يسير على قدم وساق. وريميج يسيطر. نأمل عدم وجود مفاجأة سيئة خلال أخذ العينات، تُفكر، نأمل ألا تكشف هيئة الأعضاء عن أي شيء لم يُظهره الماسح الضوئي، الموجات فوق الصوتية، والتحليلات، أو حتى اشتبهت فيه. ستدخن عن طيب خاطر سيجارة صغيرة، مع بيرة صغيرة وشطيرة بيرجر بالجبن جيدة مع صلصة الشواء، تُنشط مضغها كي تسلب من العلكة آخر ذرة نيكوتين، ذكرى طعم، أريج، حتى مخفف، تفكر في حارس الأمن الذي ينبغي أن يتابع المباراة محنيًّا فوق شاشة محمول، علبة مارلبورو لايت في متناول اليد.

***

تهز كورديليا أوول علبة سجائر بالضبط أمام ريفول بينما تنغلق أبواب المصعد، أنزلُ للاستراحة، خمس دقائق، تشير إليه في الفاصلة التي تضيق تدريجيًّا، ثم يَظهر لها وجهُها، مشوشًا على الجدار المعدني الذي لا يعكس تمامًا هنا كالمرآة لكن ينقل قناعًا؛ انتهت البشرة الناعمة والعينان اللامعتان، تأثير بقايا الليلة البيضاء، هذا الجمال الذي ما زال مضطربًا. فسد وجهها مثلما يفسد اللبن، خطوط منهارة، بشرة عكرة، رمادي زيتوني يميل للكاكي في عمق الهالات وعلامات رقبتها اسودت. عندما تصبح وحدها في المصعد، تغرق السجائر في جيبها، تخرج من الجهة الأخرى المحمول، بنظرة سريعة، دائمًا لا شيء، تتأكد من مؤشرات الجهاز، ترتعد من الحر، تنظر بشكلٍ أفضل، آه، لا توجد شبكة، لا يوجد رافد صغير، أصغر شرارة، تستعيد الأمل على الفور، ربما حاول الاتصال ولم يتمكن، وما إن هبطت إلى الطابق الأرضي حتى بلغت وهي تجري باب الخروج الجانبي المخصص للعاملين بالمستشفى، تدفع بالقضيب المستعرض، ها هي بالخارج، هم ثلاثة أو أربعة يدخنون هنا، وهم يتقافزون في مكانهم في المنطقة العاجية التي تخطها العلامة المضيئة على البرد القارص، ممرضون مساعدون، وممرض لا تعرفه، والهواء بارد إلى حد أنه من المستحيل التمييز بين دخان السجائر من دخان ثاني أكسيد الكربون الذي يزفرونه معًا. تطفئ هاتفها الجوال، ثم تقوم بتشغيل الجهاز من جديد، كي تعيد العملية كلها من الصفر، أن تتخلص من شكوكها. ذراعاها العاريتان تزرقان بوضوح، وسرعان ما ترتعد كل أعضائها. يلتقط هنا؟ تلتفت نحو المجموعة، الأصوات التي تجيب تتراكب: نعم، هذا حسن، أنا لديَّ، أنا أيضًا. وما إن يُعاد تفعيل جهازها، حتى تستجوبه؛ تقوم بهذه العمليات دون الاعتقاد فيها، متيقنة، الآن، أن لا شيء وُضِعَ من أجلها في صندوقها، متيقنة أنه ينبغي أن تكف عن التفكير في الأمر كي يحدث شيء ما.

شبكة وفيرة، العلامة صفر. تشعل سيجارة. أحد الأشخاص الحاضرين أمامها يقول لها: حضرتكِ في الإنعاش، صحيح؟ إنه أصهب ضخم، بحلقة في الأذن اليسرى ويدَين طويلتين بأصابع قرمزية، أظافر قصيرة. نعم، تجيب كورديليا وهي تخفض ذقنها الصغير الذي يرتعد، إنها بلا قوة، يخترقها البرد فيقشعر بدنها، بطن متألم من كثرة الارتجاف تحت معطفها الرقيق، تتشبث بسيجارتها، تدخن مثل ضائعة، العينان حارقتان فجأةً، تبكيان، الرجل ينظر إليها وهو يبتسم: الأمور على ما يرام؟ خير؟ لا شيء، تجيب، لا شيء، أشعر بالبرد هذا كل شيء؛ لكن الرجل اقترب منها: الإنعاش شاق، هه؟ نرى أشياء غريبة، صحيح؟ تتنفس كورديليا بقوة وتسحب نفسًا: لا، الأمور حسنة، إنه البرد، أؤكد لكم، التعب. تسيل الدموع على خديها، بطيئة، مصبوغة بالرِّمِل، دموع صبيَّة تتخلى عن أوهامها. كل ما هو جنوني فيها عنيف ومتَّقد، هذه الخفة بأقصى سرعة، لعوب وشرسة، خطوة الملكة هذه التي لا تزال لديها بعد هذه الظهيرة في أروقة الإنعاش، كل هذا يجرفه الماء بأقصى سرعة، ويزحف في دماغها، ثقيل، لزج؛ لأنها في الثالثة والعشرين من عمرها، كانت في الثامنة والعشرين، وفي الثامنة والعشرين كان عمرها واحدًا وثلاثين، يطير الوقت بينما تُلقي هي نظرة باردة على وجودها، قرض بنكي مصاص الفائض، نظرة تقتل الواحدة تلو الأخرى قطاعات حياتها المختلفة — شقة صغيرة رطبة تتكاثر فيها الصراصير وعفن نبات البقلة على وصلة البلاط، صداقات في الحياة وفي الموت يُعاد تشكيلها على هامش عائلات منشأة حديثًا، مستقطبة على مهد يتركها متبلدة الإحساس، أيام مشبعة بالتوتر وأمسيات فتيات على الهامش لكن نظيفات تمامًا من شعر الجسد، يوقوقن في كافيتريات الحانات الكئيبة، سيخ من إناث متاحات وضحكات مكرهة مَن ينتهي بها الأمر دائمًا بالاندماج معهم، جُبن، انتهازية، أو حلقات جنسية نادرة على فرشات قذرة، على سخام شحمي لباب موقف سيارات، أشخاص غالبًا خرقى، متعجلون، بخلاء، وفي الختام لا يميلون للعطاء كثيرًا، الخمر بالكمية الضرورية لتلميع المهم، ها هو ملخص الوضع؛ اللقاء الوحيد الذي يضع قلبها على المحك هو شخص يرفع لها خصلة شعر ليشعل لها سيجارتها، يلمس الصدغ وشحمة الأذن بخفة، ويرفع فن الظهور المفاجئ إلى أعلى المستويات، وفي واقع الأمر، هذا يظهر في أي وقت، دون أن يكون من الممكن التنبؤ بهذه الحركة، كأنه يظل مختبئًا خلف عمود وفجأةً يمرر رأسًا ليفاجئها في الضوء الذهبي لنهاية نهار، متصلًا في الليل من مقهي قريب، أو متقدمًا نحوها ذات صباح من ركن الشارع، ومتسللًا دائمًا بالمثل في الختام، البراعة الكبرى، قبل أن يعود — إنها التعرية الكبرى التي لا يقاومها أي شيء، حتى فمها، حتى جسدها الذي تعتني به — أسبوعيًّا، أنابيب كريم تنحيف، وساعة «الباليه الأرضي» هذه في قاعة مثلجة في مركز «دوكس فوبان» التجاري — هي وحيدة وموصومة، محبطة، تتوعد وتصك الأسنان عندما تعصف خيبة أملها بأراضيها ومناطقها الداخلية، تعتم الوجوه، تعفن الإيماءات، يزيف النوايا، إنها تتورم، تتكاثر، تُفسد الأنهار والغابات، تلوث الصحاري، تعدي المياه الجوفية، تمزق بتلات الزهور وتشوه شعر الحيوانات، إنها تلطخ الجليد البحري فيما وراء الدائرة القطبية وتدنس الفجر اليوناني، توسخ أجمل القصائد بسوء حظ محزن، إنها تنهب الكوكب وكل ما يسكنه من الانفجار الكبير حتى صواريخ المستقبل، وتخلط العالم كله، هذا العالم الأجوف، هذا العالم الوهمي.

سأذهب هناك، تلقي بسيجارتها على الأرض، تسحقها بطرف حذاء الباليه القماش، الرجل الأصهب الضخم يراقبها: أنتِ أفضل؟ تهز رأسها: تمام، سلام. تقوم بنصف دورة، تندفع داخل المبنى، ومسار العودة فاصل تستخدمه كي تستعيد هدوءها قبل أن تعود إلى القسم، حيث يتكثف العمل في هذه الساعة؛ عصبية المساء، مرضى مضطربون، الرعاية الأخيرة قبل الليل، السوائل الأخيرة، الأقراص الأخيرة، وسحب الأعضاء هذا الذي سيحدث خلال بضع ساعات — كان ريفول قد مر ليسألها إذا كان يمكنها أن تكون البديلة في آخر لحظة، إطالة نوبتها لاستئناف الخدمة في غرفة العمليات، طلب استثنائي وافقت عليه. تنعطف عبر المقصف لتأخذ حساء بالطماطم من آلة توزيع المشروبات الساخنة، نراها تصعد مجددًا إلى القاعة الكبيرة المثلجة، شيء صغير نحيل بفكين ضيقَين، وفي وقت لاحق تَلكمُ الجهاز لتسريع التصريف، الشراب مقزز، يغلي إلى حد تشوه الكوب تحت أصابعها، لكنها تشربه دفعة واحدة، فتشعر بالدفء على الفور، وفجأةً تراهما يمران أمامها، الأب والأم، أقارب مريض الغرفة رقم سبعة، هذا الشاب الذي وُضِعَت له قسطرة خلال بعد الظهيرة، الذي مات وسيتم أخذ أعضائه هذه الليلة، إنهما هما؛ تتابع بعينيها سيرهما البطيء نحو الأبواب الزجاجية العالية، تتكئ على عمود كي تراهما بشكلٍ أفضل؛ أصبح الزجاج مرآة في هذه الساعة، إنهما ينعكسان فيها كما تنعكس الأشباح على سطح المستنقعات في ليالي الشتاء؛ إنهما ظل أنفسهما قد نقول لوصفهما، ابتذال التعبير لا يكشف عن التفكك الداخلي لهذين الزوجين قدر تأكيده على ما كانا عليه في الصباح نفسه، رجل وامرأة فخوران في العالم، وبرؤيتهما يسيران جنبًا إلى جنب على الأرض المطلية بضوء بارد، الكل يمكنه أن يدرك أن هذين الاثنين يواصلان من الآن المسار الذي بدأ منذ بضع ساعات مضت، لم يعودا يعيشان في نفس عالم كورديليا وسكان الأرض الآخرين، وإنما يبتعدان عنه بالفعل، يغيبان عنه، وينتقلان نحو مجال آخر، ربما كان مَن ظل فيه على قيد الحياة لوقت، معًا ولا مواساة لهما، مَن فقدوا طفلًا.

تحتوي كورديليا في نظرتها صورتهما الظليَّة التي تتضاءل عند مدخل موقف السيارات، تمَّحي في الليل، ثم تطلق صرخةً، تنزع نفسها من العمود، تنتفض مثل مُهر، تلتقط هاتفها، يرتسم وجهها من جديد ويستعيد الألوان، وفي حركة تأرجح بقوة غير مسبوقة، تقوم بهذا الانقلاب الداخلي الذي ينعشها، هذا الاندفاع الذي يدل على الاستئناف، تطلب بسرعة رقم هذا الرجل الذي اختفى في الساعة الخامسة صباحًا، تتفاجأ بنفسها تتفاعل، تعزف على المفاتيح بمهارة، كأنها أرادت التخلص في آن من الشيء ومواجهة الخضوع حيث يعزلها حزنها، كأنها كانت تريد كبح الاعتلال الذي ينقض عليها وتذكر إمكانية الحب. واحدة، اثنتان، ثلاث رنات، ثم صوت الرجل الذي يطلب بثلاث لغات ترك رسالة، أحبك، وتغلق الهاتف، منتعشة على نحو غريب، متخففة من ثقل؛ فجأةً، تملك الحياة كلها أمامها، تقول لنفسها إنها تبكي دائمًا عندما تكون متعبة، وينقصها المغنسيوم.

***

«لو». لم يتصلا ﺑ «لو»، لم يسعيا للكلام معها — لم يفكرا فيها، عدا كي يطلبا أن يُنْطَق اسمها في أذن أخيها في اللحظة التي يوقفون فيها القلب. لكن «لو»، هذه الفتاة الصغيرة ذات السبعة أعوام، جزَعها لرؤية أمها تغادر متعجلة إلى المستشفى، انتظارها، وحدتها، كل هذا، لم يفكرا فيه، ربما واجها عبء الموت الأهوج، اندمجا في الدراما، لا يجدان أي عذر ويذعران عندما يكتشفان رقم الجيران على جوال ماريان، مصحوبًا بالإشارة إلى رسالة صوتية لا يملكان القوة لسماعها، والآن تضغط ماريان على دواسة الوقود، السرعة، هامسة أمام زجاج السيارة: نحن على وصول، نعود إلى المنزل.

تُدَق الأجراس في قمة كنيسة سانت فِنسان، والسماء اتخذت المظهر المجعد لشمعة طرية. كانت الساعة العاشرة والنصف عندما تسلقا منعطفات ساحل «إنجوفيل» — يندفعان في موقف السيارات تحت الأرض للمبنى، إنها العودة، سنبقى معًا هذه الليلة، قالت ماريان وهي توقف المحرك — لكن هل كانت لديهما القوة فقط للانفصال في هذه الليلة، ماريان تظل هنا مع «لو»، شين يعود في هاتين الغرفتين المؤجرتين على وجه السرعة في نوفمبر الماضي، في «دولومار»؟ تجد ماريان صعوبة في إدخال المفتاح في سكرة الباب، لا تتمكن من إطلاق الآلية، الطقطقة المعدنية تمتد إلى الفتحة، بينما شين يدبدب خلفها، وعندما ينفتح الباب في الختام، يكونان غير متزنين ويتأرجحان في الداخل. لا ينيران أي ضوء، لكن يرتميان جنبًا إلى جنب على هذه الأريكة التي وجداها على حافة طريق ريفي في يوم ممطر، مغلفة مثل سكاكر في غطاء من قماش شفاف، وحولهما تنحرف حاليًّا جدران من نشاف، تمتص المقهى الخردة هذا الذي يعلن عن انحسار اليوم؛ سواد ما يحيط بهما، ينومهما مغناطيسيًّا كلما أصبح العالم المحيط بهما أقل التواءً؛ تُظهِر اللوحات القليلة وجوهًا أخرى، أشكالًا أخرى، الأثاث ينتفخ، عناصر السجاد تُمحى، الغرفة مثل ورقة بنترات الفضة منسية في حوض به سائل مُظهر، وهذا التحول، هذا الركود التصاعدي، ما يحيط بهما، الإحساس بالعذاب الجسدي الذي يشعران به لا يكفي لتثبيتهم في الواقع، إنه كابوس، سينتهي الأمر بالاستيقاظ، هذا ما تقوله ماريان لنفسها وهي تحدق في السقف. وأيضًا كان سيمون سيعود إلى بيته، هنا، الآن، إذا كان سيجعل القفل يقعقع بدوره ثم يظهر في الشقة وهو يصفع الباب خلفه، بهذه الحركة غير الملائمة والصاخبة التي كانت تميز دخوله بالضبط، متسببةً في صياح والدته، سيمون كُفَّ عن صفق هذا الباب! إذا كان يغادر في هذه اللحظة، لوح التزلج تحت الذراع في غطائه، شعر رطب، يدان ووجه زرق من جراء البرد، أنهكه البحر، ستكون ماريان أول مَن يصدق، ستنهض، ستتقدم نحوه لتقترح عليه البيض بالفلفل الأحمر، معكرونة، شيء ساخن ومقوٍّ، نعم، لن ترى شبحًا وإنما عودة طفلها بالفعل.

تتقدم يد ماريان كي تلمس يد شين، أو ذراعه، أو فخذه، أي مكان من جسده يمكنها الوصول إليه، لكن هذه اليد تتقدم في الفراغ، إذ إن شين قد نهض للتو، خلع سترته، وهبط ليبحث عن «لو». سار نحو الباب، لكن الجرس يدق، يفتح. ماريان تصرخ: إنها الصغيرة. إنها منفعلة، تدخل وهي تجري في الشقة، ارتدت سترة رياضية طويلة من القطن فوق ملابسها، عقدت وشاحًا في شعرها، وهناك مَن علق على ظهرها جناحي فراشة بقماش تول قزحي، بمساعدة شريط لاصق — هي أيضًا، الشعر أسود، ناعم، البشرة سمراء، العينان هجينتان، ممتدتان بلطف — فجأةً تتوقف أمام والدها، مندهشة لرؤيته بالكنزة الصوف داخل الشقة: عدت؟ خلفها، تظل الجارة على العتبة لكن تتقدم بالرأس داخل الشقة — لغة جسد الزرافة — وجهها تساؤل في الهواء الطلق: عدت يا شين؟ لقد وصلنا. يغلق جملته، ليس لديه الرغبة في الكلام، أمامه تتقافز «لو» وهي تبحث في حقيبتها، وينتهي بها الأمر بأن تعطيه ورقة بيضاء: رسمت رسمة لسيمون. تتقدم في الصالون، ومكتشفة والدتها مقلوبة في الأريكة، تسأل فجأةً: أين سيمون؟ لا يزال في المستشفى؟ دون أن تنتظر الإجابة تقوم بنصف دورة، تنطلق في البهو، الجناحان مهتزان والخطوة منطلقة، نسمعها تفتح غرفة، تنادي أخاها، ثم هي أبواب أخرى تصفق، ونفس الاسم الذي يعود، عندئذٍ تظهر الطفلة من جديد في المدخل، أمام والديها الواقفين، متغيرين، اللذين ينتظران دون أن يستطيعا الكلام، دون أن يستطيعا النطق بشيء آخر سوى بهدوء، «لو»، بينما الجارة، شاحبة، تتراجع في مطلع الدرج، تشير بالسبابة أنها تفهم، لا تريد إزعاجهم، تعيد غلق الباب.

تواجه الطفلة والديها بينما ينتهي اليوم في الغرب، ليُسقط المدينة تدريجيًّا في الظلام، والآن أصبحوا مجرد ظلال. يقترب شين وماريان، الصغيرة لا تتحرك، تلتزم الصمت عندما تلتهم عيناها العتمة — بياض بؤبؤ عينيها مثل الكاولين — يرفعها شين، ثم تعانقهما ماريان — الأجساد الثلاثة مختلطة، جفون مغلقة مثل النصب في ذكرى غرقى مشيدة في أبواب جنوب أيرلندا — ثم يعودون إلى الأريكة، ينتقلون في خط مائل دون أن ينفصلوا، ثلاثي روماني يحمي نفسه من الخارج، هنا يتقوقعون في أنفسهم وفي روائح جسدهم. للصغيرة رائحة اﻟ «بريوش» وحلوى اﻟ «هاريبو»، وهي المرة الأولى التي يستعيدون فيها تنفسهم منذ إعلان الكارثة، المرة الأولى التي يصنعون عشًّا في كهف الانسحاب في قلب فنائهم، وإذا اقتربنا، إذا كنا دمثين وصامتين، نسمع صوت قلوبهم تضخ معًا الحياة التي تبقى، وتدق، مضطربة، وكأن مستشعرات حساسة وُضِعَت على الصمامات أو على السدادات، وأنها كانت تصدر خطوطًا تحت-صوتية، هذه الخطوط التي كانت تنطلق بسرعة في الفضاء، تندفع عبر المادة، واثقة، محددة، تجمع اليابان، بحر سيتو، جزيرة، شاطئ غير متمدن، وهذا الكوخ الخشبي حيث نوثق ضربات قلوب البشر، علامات القلوب هذه المجمعة في العالم كله، مودعة أو مسجلة هناك من قبل من قام بكل الرحلة، وبينما قلبا ماريان وشين يسجلان إيقاعًا مشتركًا، إيقاع الطبلة الصغيرة، إلى أن تستقيم فجأةً، على بشرة جبهتها رشيش العرق: لماذا نحن في الظلام؟ قطة، تنزلق خارج عناق والديها، تجول في أرجاء الغرفة لتضيء كل المصابيح، واحدًا واحدًا، ثم تلتفت نحو والديها وتعلن: أنا جائعةٌ.

تتضاعف التنبيهات الصوتية، معلنةً عن الرسائل التي تتساقط في العلب الصوتية. ينبغي التفكير في الكلام الآن، في الإعلام، إنه ابتلاء آخر يتبدى. تخرج ماريان إلى الشرفة، ظلت مرتدية معطفها، تشعل سيجارة، تستعد للاتصال لمعرفة أخبار كريس وجوان، تكتشف اتصالًا من جولييت، فجأةً لا تعرف ماذا تفعل، الخوف من الكلام والخوف من السماع، الخوف من أن يتراجع في حلقها؛ إذ إن جولييت كانت مميزة؛ قدَّمها سيمون لها على مضض في ديسمبر الماضي، يوم أربعاء، كانا في المطبخ عندما عادت في ساعة غير معتادة، لم يقل «أمي» لكن: «جولييت، ماريان» بالتحديد، متمتمًا على الفور بين أسنانه لنذهب، لدينا أشياء نفعلها، عندما كانت ماريان قد بدأت بالفعل الحوار مع الشابة، إذَنْ أنتم في نفس مدرسة سيمون الثانوية؟ مذهولة باكتشاف كيف كانت تبدو الفتاة المقيمة في قلب ابنها، وهذه كانت نموذجًا متفردًا إلى حد بعيد كي تندهش، لم تشبه أحدًا، على الأقل ليست من معجبات الشواطئ ما دامت نحيفة، بلا ثديين، وجه جميل غريب، عينان تأكلان وجهها، أذنان بثقوب متعددة، وأسنانها متباعدة، وشعرها أشقر شاحب مقصوص على غرار «جين سيبرج» في فيلم «على آخر نفس»؛ اليوم الأول هذا، كانت ترتدي جينز «نحيل» من القطيفة المضلعة وردي شاحب مع حذاء رياضي برقبة أخضر بلون العشب، طقم يتكون من كنزة وسترة «جاكار» تحت معطف واقٍ من المطر أحمر، انتظر سيمون بفارغ الصبر ردها على ماريان، ثم جرها نحو الباب وهو يسحبها من كوعها، وفيما بعد كان قد بدأ في ترك اسمها يجول هنا وهناك، ينشره في وسط النصوص النادرة التي يوافق عليها، مناسبات انتهت بالمنافسة مع مناسبات أصدقائه ومناسبات مناطق الباسيفيك؛ إنه يتغير، فكرت ماريان، إذ إن سيمون ترك من الآن ماكدونالدز من أجل هذه الحانة الأيرلندية برائحة الكلب المبلول، يقرأ روايات يابانية، يذهب ليجمع أخشابًا تطفو على الشاطئ، ويذاكر أحيانًا معها، الكيمياء، الفيزياء، الأحياء، مواد كان متفوقًا فيها، هي لا، وذات مساء سمعته ماريان يصف لها تكوُّن الموجة: انظري (يبدو أنه كان يعمل رسمًا توضيحيًّا)، حركة البحر المتموجة تنتقل نحو الشاطئ، تتصلب كلما قل عمق الماء، نسمي هذا منطقة الرفع، هنا تتصلب الأمواج، الأمر أحيانًا عنيف للغاية، ثم تبلغ حركة التموج منطقة التكسر، الذي يمكن أن يغطي مائة متر إذا كان عمق المركز صخريًّا، إنها نقطة التكسر، بعد ذلك تتكسر الأمواج في منطقة ركوب الأمواج الداخلية؛ لكنها تستمر في التنقل نحو الشاطئ، تمام؟ (يبدو أنها وافقت، فهزت ذقنها الصغير)، وفي نهاية الرحلة، إذا كنا محظوظين فعلًا، يوجد فتاة هنا، على الشاطئ، فتاة لا بأس بها، في معطف واقٍ من المطر أحمر؛ كانا يتحدثان ليلًا في وقت متأخر عندما ينام البيت، وربما كانا حتى يتهامسان: أحبك، لا يعرفان ما يقولانه لبعضهما لكن كانا يقولانه فحسب الواحد للآخر، هنا كان الأساسي؛ إذ إن جولييت كانت قلب سيمون. تقف ماريان في الشرفة، أصابع يثبتها البرد على الدرابزين المعدني. من هذا النتوء الخليجي، تشرف على المدينة، المصب، البحر. عواميد إضاءة بصلية الهيكل تُضاء بمصابيح برتقالية تبرز المحاور الرئيسة، الميناء والساحل، شعلات باردة تخلق في السماء هالات من مسحوق رمادي مزرَق، تشير الأنوار إلى مدخل الميناء في نهاية حاجز الميناء الكبير، بينما هو السواد فيما وراء الشريط الساحلي هذا المساء، لا يوجد أي مركبٍ راسٍ في الميناء، لا يوجد أي وميض؛ لكن كتلة بطيئة، نابضة، الظلمات. ما الذي سيصبح عليه حب جولييت حين يبدأ قلب سيمون في الخفقان من جديد في جسد مجهول، ما الذي سيصبح عليه كل ما كان يُترِع هذا القلب، انفعالاته التي ترسبت ببطءٍ منذ اليوم الأول أو تُنقَل هنا وهناك في اندفاعة حماس أو موجة غضب، صداقاته ونفوره، ضغائنه، زخمه، ميوله الخطيرة والحنونة؟ ما الذي ستصبح عليه الإطلاقة الكهربائية التي كانت تحفز قلبه عند تقدم الموجة؟ ما الذي سيصبح عليه هذا القلب المترع، الممتلئ، الممتلئ بإفراط، هذا القلب الملآن؟ تنظر ماريان للفناء، أشجار الصنوبر ثابتة، الأيك المنكفئة، السيارات في الموقف تحت مصابيح الشارع، نوافذ سكان المنازل المقابلة التي تسكب الضوء الساخن في الظلمة — توهجات قاعات الاستقبال وأصفر المطابخ — زبرجد، زعفران، ميموزا، وهذا الأصفر اﻟ «نابولي» الأكثر إشراقًا أيضًا خلف بخار الزجاج، والمستطيل الأخضر لعشب الملعب، مستشعٌّ، إنها قريبًا وجبة مساء الأحد، هذه الوجبة المختلفة، خدمة ذاتية وصينية، تلفاز، توست فرنسي، فطيرة، بيض مسلوق، طقس كان يعني أنها لن تطبخ أي شيء هذا المساء، وها هم يستلقون من أجل مباراة كرة قدم بالذات، أو فيلم يشاهدونه معًا، ووجه سيمون الجانبي ينفصل بوضوح في المصباح. تلتفت. شين هنا، ينظر إليها، الجبهة ملتصقة في الفتحة الزجاجية، بينما «لو» نائمة، على الأريكة.

***

اتصال مرة أخرى، مرة أخرى هاتف يرتجف على مائدة ويدٌ تأخذ — هذه بخاتم ذهبي، حلقة عريضة لا تلمع، مضلعة بحلزونيات — مرة أخرى صوت يلي الزمجرة المهتزة — هذه مرت على المفرمة، نفهم جيدًا لماذا، قرأنا «هارفان جر» على شاشة الجوال — آلو؟ ومرة أخرى إعلان — يمكننا أن نقرأه على وجه المرأة التي تسمع، الانفعال يسيل تحت الجلد، بعدها تنقبض الملامح من جديد، مطوية: لدينا قلب، قلب متوافق. يسافر فريق فورًا لسحبه. احضري حضرتكِ الآن. عملية زرع العضو ستتم هذه الليلة. ستدخلين غرفة العمليات قرب منتصف الليل.

تضع السماعة، إنها تلهث. تلتفت نحو النافذة الوحيدة للغرفة وتنهض كي تفتحها بالاتكاء بكلتا يديها على مائدة المكتب كي تقف، الخطوات الثلاث التالية مؤلمة، وأكثر أيضًا المجهود الذي يجب أن تبذله لتدير مقبض النافذة. ينتشر الشتاء في الإطار — لوحة صلبة، نصف شفافة وجليدية. يزجج أصوات الشارع التي تُدَق، معزولة، مثل شائعة الليل في مدينة في الأقاليم، يُحيِّد صرخة المترو الهوائي وهو يفرمل في مدخل محطة «شيفاليريه»، يكمم الروائح ويترك طبقة جليدية رقيقة على وجهها، ترتعش، ترفع العينين ببطءٍ إلى الجانب الآخر من جادة فنسان-أوريول، في المواجهة بالضبط، يلمس نوافذ المبنى الذي يأوي قسم أمراض القلب لمستشفى لا بيتييه-سالبتريير، حيث ثلاثة أيام من قبل ذهبت لفحوص بيَّنت أن حالة قلبها قد تدهورت للغاية، وتبرر طلب طبيب القلب إلى وكالة الطب الحيوي ليسجلها كأولوية في قائمة المتلقين. تفكر أنها مستمرة في أن تحيا، هنا، في هذه الثانية؛ تقول لنفسها: أُنقذت، سأحيا؛ تقول لنفسها: شخص ما في مكان ما مات بغتةً؛ تقول لنفسها: إنه الآن، إنها هذه الليلة؛ يصدمها حدث الإعلان هذا؛ تريد ألا يبتعد أبدًا بريق الحاضر هذا في تمثل ذهني، يجد استمراره؛ تقول لنفسها: أنا فانية.

تتنفس الشتاء باستفاضة، عينان مغلقتان: ينحرف الكوكب المزرق في طية الكون، معلقًا في صمت في مادة غازية، الغابة تتلألأ بثقوبٍ مستقيمةٍ، النمل الأحمر يتحرك على سفح الأشجار في هلام لزج، الحديقة تتمدد — رغاوٍ وأحجار، عشب بعد المطر، حزم فروع ثقيلة، مخالب النخل — المدينة المنتفخة تحتضن الحشد، يفتح الأطفال أعينهم في الظلمة في أسرة فوق بعضها؛ تتخيل قلبها، قطعة لحم أحمر مظلمة، مُرشَّحَة، مليفة، أنابيب من كل الجهات، هذا العضو الذي ناله النخر، هذا العضو الذي يُصيب بالعجز. تعيد غلق النافذة، ينبغي أن تستعد.

قرابة عام تقيم كلير ميجان في هاتين الغرفتين دون أن تكون قد ألقت عليهما نظرة سريعة، بيتييه-سالبتريير والدور الأول تكفيان كي توقع على الفور شيكًا بمبلغ باهظ لموظف الوكالة، إنها قذرة، صغيرة ومظلمة، إفريز شرفة الدور الثاني يظلم نافذتها مثل واقي القبعة. لكن ليس لديها الخيار. هذا هو أن تكون مريضًا، تقول لنفسها: ألا نملك الخيار؟ قلبها لا يترك لها الخيار.

إنه التهاب عضلة القلب. عرفته منذ ثلاث سنوات، خلال استشارة أمراض القلب في بيتييه-سالبتريير. منذ ثمانية أيام مضت، كانت الإنفلونزا مرةً أخرى وكانت تقلب المدفأة التي تطقطق، غطاء على الكتفين، بينما على النافذة، في الحديقة، تنام أزهار أنف العجل وقفازات الراعي في الريح. كانت قد رأت طبيبًا في «فونتانبلو»، متحججًا بالحرارة، الإرهاق العضلي والتعب، لكنه أهمل هذه النبضات العابرة، هذا الألم في الصدر، هذا الضيق في التنفس، المصاحب للمجهود، خالطًا هذه العلامات مع السأم، الشتاء، نقص الضوء، نوع من الإنهاك العام. كانت قد خرجت من المراجعة الطبية مزودةً بعلاج ضد الإنفلونزا، ستظل في الغرفة، وستعمل وهي في السرير. بعد بضعة أيام، بينما كانت تجر نفسها في باريس كي ترى والدتها، تسقط في حالة صدمة؛ هبط تدفق دمها، أصبح جلدها شاحبًا، باردًا ومتعرقًا. قادوها إلى الطوارئ بصفارات إنذار صارخة — تعبير مبتذل في مسلسل أمريكي — أنعشوها، ثم بدأت الأبحاث الأولى. على الفور أكد تحليل الدم وجود التهاب، ثم تم مسح القلب إلكترونيًّا. ثم، تتالت الفحوص؛ يكشف جهاز التخطيط الكهربائي عن خلل كهربائي، تبين الأشعة قلبًا متمددًا قليلًا، تثبت الموجات فوق الصوتية في الختام قصور القلب. تمكث كلير في المستشفى، ينقلونها إلى قسم أمراض القلب، حيث تتضح نتائج الفحوص. تصوير القلب والأوعية طبيعي، مما يستبعد فرضية أزمة قلبية، إلى حد أنهم يقررون أخذ خزعة من القلب؛ يوخزون كلير داخل عضلة القلب عن طريق الوريد الوداجي. بعد بضع ساعات، تعلن النتيجة عن وجود ثمانية مقاطع معادية: التهاب عضلة القلب.

يمتد العلاج على جبهتين: قصور القلب — القلب يتدهور، لم يعد يضخ بطريقة مؤثرة — واضطرابات الإيقاع. يأمرون كلير براحة إجبارية، صفر مجهود جسدي، تناول مضادات لعدم انتظام ضربات القلب ومثبطات البيتا، ويزرعون فيها أيضًا جهازًا مزيلًا للرجفان للحيلولة دون أي موت مفاجئ. ويعالجون في آن الالتهاب الفيروسي بوصف أدوية قوية مثبطة للمناعة ومضادة للالتهابات. لكن المرض يستمر في أخطر أشكاله، إنه ينتشر في النسيج العضلي، يتمدد القلب دائمًا أكثر، وكل ثانية تُرجئ خطرًا مميتًا. دمار العضو لا رجعةً فيه؛ ينبغي زرع العضو. قلب إنسان آخر يُزرَع كبديل لقلبها — حركات الطبيب، هنا أيضًا، تقلد الفعل الجراحي — إنه، عاجلًا أو آجلًا، الحل الوحيد لها.

في المساء نفسه، عادت لبيتها، أصغر أبنائها جاء ليأخذها من المستشفى، إنه هو مَن يقود على طريق العودة. ستوافقين أليس كذلك؟ يهمس لها بلطف. توافق دون تفكير — إنها محطمة. عندما وصلت إلى منزلها على حافة الغابة، هذا المنزل الخيالي حيث تعيش الآن وحدها، فأولادها كبروا، صعدت لتنام في غرفتها، على الظهر، العينان على السقف؛ الخوف يسمرها في السرير، يمحو الأيام القادمة دون تدبير أي مهرب ممكن — إنه الخوف من الموت، والخوف من الألم، الخوف من العملية، من علاجات ما بعد الجراحة، الخوف من الرفض ومن أن يبدأ كل شيء من جديد، الخوف من إقحام جسد غريب في جسدها، وأن تصبح كائنًا خرافيًّا، ألَّا تكون نفسها أبدًا.

ينبغي أن تغير السكن، تخاطر بالحياة في هذه القرية التي تقع على بعد سبعة وخمسين كيلومترًا من باريس، بعيدًا عن المحاور الكبرى.

تكره كلير هذا المنزل الجديد على الفور. ساخنًا صيفًا وشتاءً، الكهرباء في وضح النهار، الضجيج. آخر بوابة قبل غرفة العمليات، تتصوره أكثر كغرفة انتظار الموت، تفكر أنها ستموت فيها دون أن تستطيع الخروج منها، إذ رغم أنها ليست طريحة الفراش، فإنها محاصرة فيه، كل إعادة توطين تتطلب جهدًا خارقًا، كل خطوة على الدرج تزيد ألمها سوءًا، كل حركة تثير الإحساس بأن قلبها ينفصل عن باقي جسدها، يترك قفصها الصدري، يسقط فيه في قطع منفصلة، خلع يجعل منها هذه المخلوقة المهزوزة، عرجاء، على حافة الكسر، إلى حد يحصر الفضاء حولها يومًا بعد يوم، يحدُّ مجال حركاتها، يعزل تحركها، جورب حريمي، شيء ليفي يخنق تنفسها ويلطخ حياتها. تصبح كئيبة. لابنها الصغير الذي أتى لرؤيتها ذات مساء، تصرح أن انتظار إيواء قلب شخص ميت مزعج، هذا وضع غريب، تعرف وهذا يتعبني.

في البدء، تحرن عن الإقامة حقًّا، لِتمُت أو لِتنجُ، لن تمكث، إنه شيء مؤقت. كانت على أعصابها رغم هذا. الأسابيع الأولى المقضية في هذا المنزل عدَّلت علاقتها بالزمن. ليس لأنه غيَّر السرعة، وقد أبطأه الشلل، قلق التأجيل، أو كل ما يمنع، ليس أيضًا لأنه يستقر مثلما يستقر الدم في رئتي كلير، لا، إنه يتحلل في استمرارية كئيبة. لم يعد تناوب الليل والنهار يعمل كوقفة — عتمة الأماكن المستمرة تساهم فيها — وهي لا تفعل سوى النوم، بحجة صدمة هذا الانتقال الإجباري. الكبيران يثبتان يوم الأحد تدريجيًّا كيوم الزيارة، مما يحزنها دون أن تعرف بالتحديد لماذا. يلومانها أحيانًا لقلة حماسها، أمام لا بيتييه، على أي حال، لا يمكن عمل ما هو أفضل، يقولان لها دون أن يضحكا. الأصغر بالمقابل يصل في أي وقت، ويأخذها في حضنه للحظات طويلة — يفوقها طولًا بمقدار رأس.

شتاءٌ قاتمٌ، ربيعٌ قاسٍ؛ لا ترى الاخضرار مرةً أخرى في الغابة، والألوان التي تنفجر مرةً أخرى، صريحة، وتفتقد نباتات الغابة، والجذوع الذهبية والسرخسيات، الضوء الذي يمشط الفضاء بأشعة رأسية، حشد الضجيج، الزهور الرقمية المنتشرة في الظل الجزئي وراء المرتفعات على مسارات سرية — صيف يائس. إنها تضمحل — تحتاجين بيئة مناسبة، وجبات في ساعات ثابتة، تسليح يومي، يكررون بينما يمرون لرؤيتها، ويجدونها مكتئبة، بعيدة، مترددة ولنقل الحقيقة، مخيفة. جمالها كشقراء بأعين سوداء تدهور، تآكل بالقلق وقلة الخروج، شعرها باهت، عيناها جافتان، نفَسها كريه، وتعيش في ملابس مترهلة. ابناها الكبيران يبحثان عن شخص يمكنه الاعتناء بها، مساعدة في المنزل، تأتي لأعمال المنزل، المشتريات، متابعة العلاج. عندما علمت بهذه المؤامرة، تتحسن، الغضب، هل المقصود التعدي على الحرية القليلة التي تبقت لها؟ تتمتم إنها إقامة جبرية، بيضاء ومريرة، لم تعد تتحمل وجهة نظر الصحة عن المرض.

أول اتصال يصلها مساء ١٥ أغسطس، النافذة مفتوحة، الساعة الثامنة مساءً، نختنق في المكان — إنها لا بيتييه، لدينا قلب، إنه هذه الليلة، إنه الآن، دائمًا نفس الكلام المكرر — هي غير مستعدة، تضع شوكتها في طبقها الذي لم تمسه، تنظر لعائلتها المرصوصة حولها، مجتمعة لعيد ميلادها، خمسون عامًا هذا جدير بالاحتفال، أكواعهم على طول الجسم مثل أجنحة عصافير، والدتها، أولادها الثلاثة، الشابة التي تعيش مع الكبير وابنهما الصغير، كلهم متجمدون ما عدا الطفل ذا العينين الحلزونيتين، سأذهب هناك، ينبغي أن أذهب، تتدافع المقاعد، كئوس الشمبانيا تهتز، تتدفق وتنسكب، حقيبة مغلقة بمعجون أسنان ورشاش، يتم هبوط الدرج بهذا البطء المندفع مما يجعلنا نتعثر ونوبخ بعضنا — نسيان مثلج الفواكه في المطبخ، نسيان بطاقة التأمين الصحي، نسيان الهاتف — ثم هو الطريق اللزج، السماء المدخنة، الناس المعلقة في النوافذ، رجل جذعه عارٍ ينزه كلبه، الصبي الصغير الذي يركض على الرصيف، وتمسك به والدته، السُّواح الذين يستشيرون خرائطهم مع خروجهم من المترو، وفي الختام المستشفى الذي تحفه الأضواء، الإدارة، الغرفة التي تلمع من النظافة التي لا تزال تنتظر فيها، جالسة على حافة هذا السرير الذي لن تفتحه، إذ أخيرًا يتحركون في الممر، خطوات تقرع الأرض ويظهر هارفان، إنه أمامها، شاحب وجاف، العينان محددتان بالأحمر: لقد رفضنا العضو في نهاية الأمر.

تستمع إليه وهو يذكر بالتفصيل قراره دون إظهار أي شيء — القلب غير جميل، صغير وأوعيته الدموية سيئة، إنها مخاطرة غير مفيدة، ينبغي الانتظار حتى الآن. يعتقد هارفان أنها تحت صدمة الإحباط، منهارة بسبب الفرحة الكاذبة، لكنها مذهولة، مصعوقة، بسرعة أكثر من فكرة في رأسها، الخروج من هنا، تتدلى قدماها في الفراغ، تنزلق فخذاها تدريجيًّا نحو حافة المرقد، تهبط بهدوء على الأرض، ثم تستقيم، سأعود إلى البيت. في الخارج، يطلق أولادها النار في أدغال تنشر على الفور ترابها الحارق، تنفجر أمها في البكاء في حضن الأصغر، رفيقة الكبير تواصل مطاردة الصبي الصغير الذي لا يريد أن ينام، وكل شيء يتفكك. تنطلق المجموعة في الاتجاه المعاكس، وقد فقدت الشهية، مستحيل استئناف الوجبة من حيث تُرِكَت، لكن الشرب نعم، شمبانيا وردية في كئوس فقاعية، وينتهي الأمر بكلير بأن تحمل كأسها الممتلئة فوق المائدة وهي تبتسم جميلة الآن، لنبتهج! لست مضحكة، تعرفين، يهمس لها أصغر أبنائها.

بعدئذٍ، تتغير طبيعة الوقت، يستعيد شكله. أو بالأحرى يأخذ بالضبط شكل الانتظار؛ يثقب ويتمدد. من الآن لم يعد للساعات استخدام آخر غير أن تكون متوفرة، أن يتمكن حدث الزرع من الانبثاق، يمكن للقلب أن يظهر في أي لحظة، ينبغي أن أكون حيَّةً، ينبغي أن أكون مستعدة.

تصبح الدقائق مرنةً، الثواني طيِّعة، وفي الختام هو الخريف، وكلير تقرر استيراد كتبها ومصابيحها في هذه الأمتار الثلاثين المربعة، أصغر أولادها يركب الإنترنت اللاسلكي، تبتاع «فوتيي» بوحدات، مائدة خشب، تجمع بعض الأشياء، تريد استئناف الترجمة.

في لندن يُحيي ناشرها عودتها، يبعث لها بأول ديوان لشارلوت برونتي، قصائد منشورة مع إخوتها بأسماء مستعارة مذكرة: كورور، إليس وأكتون بيل. يمر الخريف في بيت ريفي صغير بارد للغاية تضرب فيه الرياح حيث ثلاث أخوات وأخ يكتبون ويقرءون معًا على ضوء الشموع، يتحدون في الكتب، عباقرة محمومون، متحمسون، معذبون، يخترعون عوالم، يصارعون المستنقع، يشربون لترات من الشاي، ويدخنون الأفيون. قوتهم تصل إلى كلير التي تتعافى. كل يوم عمل يتم العمل فيه يسلم حصته من المحاولات، يضع بضع صفحات، ومع مرور الأسابيع يتأسس إيقاع عمل، كأن المقصود مزامنة الانتظار — الذي يتضح، حالة قلبها تتدهور — مع زمانية أخرى، الخاصة بالقصائد المطلوب ترجمتها. لديها أحيانًا الإحساس باستبدال تقلصات عضوها المريض المؤلمة بمُراوحةٍ سلِسة، تتحقق بين فرنسية ميلادها والإنجليزية التي تعلمتها، وأن هذه الحركة الدوارة تخلق فيها تجويفًا عميقًا على شكل مهد، تجويفًا جديدًا — كان عليها أن تتعلم لغة أخرى لمعرفة لغتها، أيضًا كانت تتساءل إذا كان هذا القلب الآخر سيسمح لها بأن يتعارفا أيضًا: أفسح لك مكانًا، يا قلبي، أَخْلُقُ مكانًا من أجلك.

في ليلة رأس السنة، يظهر رجل السطح، يضع على سريرها ضمة ورد أصبعي قِرمِزي. تعرفه منذ الطفولة، كبِرا معًا — حبيبان، صديقان، أخ وأخت، متواطئان، إنهما تقريبًا ما يمكن أن يكونه رجل وامرأة لبعضهما.

تبتسم كلير: المفاجآت مخاطرة، أنا مريضة قلب كما تعرف. الواقع أنه ينبغي أن تجلس وتعود لحالتها الطبيعية بينما الرجل يخلع معطفه. الورد يأتي من عندها، هي تشعر بذلك. إنها سامة، تعرف؟ تقول وهي تشير إليها بأصبعها؛ التي نمنع الأطفال من لمسها، استنشاقها، قطفها، تذوقها. تتذكر أصابعها وعليها مسحوق أرجواني كانت تتأمله، مبهورة، وحدها في الطريق، وكلمة «سم» التي تنتفخ فوق رأسها الطفل وهي تحمل أصابعها نحو فمها. يفصل الرجل ببطءٍ بتلة يضعها في راحة يده: خذي، انظري. البتلة لونها ساطع إلى حد يجعلها تبدو اصطناعية، قولبة بلاستيك، ترتجف على راحة يده وتتغطى بتجاعيد مجهرية بينما يخبرها: يبطئ سم الديجيتال الموجود في الزهور وينظم حركات القلب، إنه يقوي انقباض القلب، إنه جزيء جيد لكِ.

هذه الليلة، تسقط في النوم مع الزهور. يخلع الرجل ملابسها بحرص، يفرد البتلات واحدة تلو الأخرى ثم يرتبها على جلدها العاري مثل قشر سمكة، لغز نباتي يشكل معطفًا احتفاليًّا يحرص على إتقانه، هامسًا من وقت لآخر: لا تتحركي، رجاء، بينما كانت هي قد غرقت منذ فترة طويلة في بهجة مُشِلَّة، مزينة ومُعتنى بها مثل ملكة. عندما استيقظت، كان الوقت لا يزال ليلًا، لكن الأطفال كانوا متحمسين بالفعل في الشقة التي تقع فوقها، يطلقون الصرخات، وكعوبهم تدق بقوة الأرض الخشبية، كانوا يهرعون ليمزقوا ورق الهدايا التي ظهرت في الليل بجوار شجرة عيد ميلاد شبحية. كان صديقها قد رحل. هزت البتلات عن جسدها وصنعت منها سلطة تبَّلتها بزيت الكمأة والخل البلسمي.

تي شيرت، بعض الملابس الداخلية، ثياب نوم، خُف، منتجات تجميل، الكمبيوتر المحمول، الهاتف، أجهزة الشحن المختلفة. ملفها الطبي — النماذج الإدارية، الفحوص الأخيرة، وتلك الأظرف الصلبة الكبيرة التي تحتوي على صور الأشعة، الماسحات الضوئية، الرنين المغناطيسي — إنها تستمتع بوحدتها لحظة تعبئة حقيبتها، بنزول الطابق بخطوات حذرة، بأن تأخذ وقتها في الخارج. تعبر الجادة بالعرض باحثةً عن التقاط نظرة السائقين الذين يفرملون أمامها، تسمع القضبان الحارقة تهتز فوق رأسها، تود ملاقاة حيوان، نَمِر كأمر مثالي، أو بومة بيضاء، قرص الوجه في شكل قلب، لكن كلب ضال سيقوم بالمهمة جيدًا، أو نحل رائع ببساطة، إنها مرعوبة كما لم يسبق من قبل، بنَّجها الخوف. ينبغي مع ذلك الاتصال تقول لنفسها وهي تدخل مجال المستشفى، تُظهِر أرقام أبنائها، تبعث إليهم برسالة — إنه الآن، إنه هذه الليلة — تتصل بوالدتها التي ينبغي أن تخلد الآن للنوم، وفي الختام صديقها بالورد الأصبعي في الطرف الآخر من العالم، إشارات هي انبعاثات هذه اللحظة الحاضرة وتتمدد لوقت طويل في مادة الزمن، تلتفت مرة أخرى، تسند نظرتها على نافذة شقتها، وفجأةً كل الساعات التي قضتها تنتظر وراء هذا الجدار الزجاجي تتكثف في شظية من الزمن وتلتقي في قذالها في اللحظة نفسها التي تمر فيها من حاجز المستشفى الحديدي، نقرة مذهلة تقذف بها في النطاق، على الشريط المطلي بالقطران الذي يحاذي المباني، ثم هي انعطاف إلى اليسار، وتدخل معهد أمراض القلب، ردهة، مصعدان — تمنع نفسها من التفكير في اختيار مَن سيجلب لها الحظ — الطابق الثالث وهذا الممر المضيء مثل محطة فضائية، مكان العمل مقسَّم بالزجاج، وهارفان واقفٌ، المعطف نظيف وأزراره مغلقة، الخصلة البيضاء ملتصقة خلف الجبين: كنت أنتظر حضرتكِ.

***

تنسحق المارجريتا على حائط الشقة الصغيرة، ثم، عندما تسقط على البساط، تنسخ فوق التليفزيون غروب شمس نابوليتاني. تقيِّم المرأة الشابة رميتها بعين راضية، ثم تلتفت نحو كومة العلب البيضاء الموجودة على طاولة المطبخ الأمريكي، تفتح ببطء الورق المقوى رباعي الزوايا بامتياز، تجعل قرص الأمريكانا الحارق ينزلق على راحتها، ثم تقف أمام الحائط، الذراع مطوية، اليد صينية، وبامتدادٍ سريع للذراع، تقوم بعرضٍ آخر بين شباكي الحجرة، علامة جديدة، شرائح السجق المستديرة ترسم على الحائط كوكبة غريبة. بينما تستعد لتمزيق العلبة الثالثة، بيتزا منتفخة بأربعة أنواع من الجبن، تستند على خليط مصفر لأجبان ذائبة، مثل عجينة لاصقة محتملة، يخرج رجل من الحمام، لامعًا، يسجل وقفة على عتبة الحجرة متوقعًا تهديدًا، ومشاهدًا المرأة تسلح الحركة الثالثة بقذيفة في اتجاهه، يتدحرج على الأرض، رد فعل خالص، ثم وبطنه على الأرض ينتقل فورًا على ظهره ليراقب المرأة الشابة من زاوية منخفضة، تبتسم، تتحول عنه، عيناها تمسحان المكان، وحريصةً على استهداف منطقة استقبال جديدة، تلقي بالبيتزا على باب المدخل. بعد ذلك، تقفز فوق الشاب المذهول، وتعبر لغسل يديها خلف الطاولة. يقوم الرجل أيضًا، يتأكد من غياب بقع على ملابسه، ثم يتحقق من الخسائر وهو يدور حول نفسه، مجال دائري، يعود إلى المرأة الشابة المتمركزة أمام الحوض.

تشرب كوب ماء، كتفاها المتلألئتان تنبثقان من قميص بألوان فريق «أدزورو» تقويرته المستديرة تمكن من تخمين ثديين صغيرين حُرَّين وخفيفين، ساقان هائلتان امتدادٌ لقماش أزرق فضفاض من الساتان، طبقة رقيقة من العرق تتلألأ فوق فمها، إنها جميلة مثل النهار عندما تنبض عظام فكها تحت جلده — الغضب — ولا تنظر إليه عندما تتلاقى وتبتعد من أسفل لأعلى ذراعيها الطويلتين ذواتي الجمال القديم كي تخلع قميصها الداخلي، الذي لم يعد مفيدًا، لتعري جذعًا رائعًا تكونه دوائر مختلفة، ثديان، منطقة الحلمتين، الحلمتان، الرحم، البطن، السرة، بداية مزدوجة لكرتي المؤخرة، التي تشكلها مثلثات مختلفة تشير إلى الأرض، القص المتساوي الساقين، حدب العانة وتجويف الكليتين، التي تحفر خطوطًا مختلفة، الوسيط الظهري الذي يؤكد تقسيم الجسم إلى نصفين متطابقين، أخدود يذكِّر في المرأة بعرق ورقة الشجر ومحور تماثل الفراشة، الكل يؤكده مُعَيَّن صغير مكان قمة القص — عظم الترقوة المظلم — أي تأمل لأشكال كاملة معجب بتوازن النسب والتنظيم المثالي فيها، عينُه المهنية تقيِّم أكثر من كل استكشافات تشريح جسم الإنسان، ومن هذا على نحو خاص، يستمتع بفحصه للمريض، مكتشفًا بشغف أدنى تنافر في الناقلات، أصغر العيوب، أتفه فارق، منعطف الجنف فوق الفقرات القطنية، خال الشامة هذه، هنا، تحت الإبط، هذه الجسأة بين أصابع القدم في المكان الذي تنضغط فيه القدم في سن الحذاء، وهذا الحول الخفيف في العينين، دلال في العين المميزة عندما تفتقد النوم، التي تستخرج منها مظهر شاردة الذهن هذا، مظهر فتاةٍ هاربة، الذي يحبه كثيرون فيها.

ترتدي كنزة برقبة مقلوبة، وتخلع سروالها القصير لتنزلق في سروال جينز ملتصق بالجلد، ثم ترتدي حذاءً طويلًا بكعب إبرة، إنها نهاية المشهد إلى حد ما، ثم تتوجه نحو باب الدخول الملوث بالدهن، تفتحه وتصفقه خلفها دون أن تلتفت نحو هذا الشاب الواقف في الوسط الجميل للبيت الملطخ، الذي ينظر إليها وهي ترحل، مرتاحًا.

ستذهب لأخذ عضو من مستشفى لُو هافْر. إنه قلب، إنه الآن. عندما سمع هذه الجملة في فم هارفان، مذكورة بوضوح كما تخيلها منذ عدة أشهر، قصيرة وجافة، كان فيرجيليو بروفا على وشك أن يخنق نفسه، الفرحة والإحباط يُشكِّلان في حلقِه كُرة مُرَّة. بالتأكيد كان في المناوبة، ورغم حماسه لمهمته، فالإعلان، هذا حقيقي، كان في أسوأ توقيت — تزامن نادر للغاية بين حدثين لا يمكن أن يضيعهما: واحد فرنسا/إيطاليا + روز راغبة في المنزل. رغم هذا، تساءل لفترة طويلة عن السبب الذي دفع هارفان إلى إزعاجه بالاتصال به شخصيًّا، مكتشفًا هنا نية شريرة لإذلاله خلال أمسية تاريخية، لأنه يعرف أنه كان لاعب كرة قدم، زودته تدريبات صباح الأحد ما يجنبه شرعًا ركوب الدراجات. «تعذيب»، همس فيرجيليو، مصعوقًا، حينما شاهد اهتزاز سرب من راشدين بخوذات مدببة وسراويل قصيرة مبرقشة وفي مركزه هارفان يلعب دور الملكة.

فيرجيليو جالس في المقعد الخلفي لسيارة الأجرة التي تسير نحو بيتييه-سالبتريير، يسدل على كتفيه قلنسوته المؤطرة بالفراء ويستعيد هدوءه. توترات الساعات الأخيرة أربكته بينما ينبغي أن يكون متمكنًا من قدرته، قادرًا كما لم يسبق له مثيل. إذ إن هذه الليلة ستكون ليلته، هذه الليلة ستكون ليلة عظيمة. من جودة نقل العضو تعتمد جودة زراعة العضو، هذا هو القانون المبدئي، وهذه الليلة هو في الخط الأمامي.

حان وقت استعادة هدوئه، يفكر، شابكًا أصابعه في قفاز جلدي، حان وقت التخلص من هذه الفتاة، من هذه المجنونة، وليتباهى بغريزته في الحفاظ على الذات، حتى لو اضطره هذا أن يحرم نفسه منها، من جسدها مفرط النشاط وبريق حضوره. يراجع الساعة السابقة بفزع، فاجأته روز في منزله بينما كان قد خطط للخروج ومشاهدة كرة القدم مع آخرين، ثم مطالبة بإصرار، رائعة لكن مهددة بغموض، أن يمكثا في منزله لمشاهدة المباراة ويطلبا بيتزا، مزودة بحجةٍ مرحة — زِي لاعبة فريق «أدزورو» لكرة قدم هذا — التوتر الجنسي يلتف تدريجيًّا، محاربة وكبيرة، في المباراة المقبلة، التشابك يظهر سعادة ممكنة ومثيرة للاهتمام بجنون، التي أضاف لها اتصال هارفان مع ضربات الثامنة مساءً مزيدًا من الإثارة؛ مؤشرات الانفعالات تثقب السقف. قفز على الفور على قدميه وأجاب أنا هنا، أنا مستعد، أنا قادم، هاربًا من عيني روز، لكن يبالغ في تعبيرات وجه مأساوي — حاجبان ممدودان، وشفة سفلى مرتفعة على شفة عليا، بيضاوية الذقن ممددة بحزن — تعبيرات كانت تعني كارثة، سوء حظ، تعاسة، وكان يتوجه إلى روز، يكشر من أجلها في هذه اللحظة، اليد تحرك الهواء، دمية، ممثل رديء، بينما نظرته، هو، تشع فرحة — قلب! — لم تنخدع. تسلل متراجعًا للخلف ليستحم، يرتدي من جديد ملابس نظيفة ودافئة و، مع خروجه من الحمام، كان الوضع قد أصبح خارج السيطرة. مشهد رائع وخانق، لكنه، وهو يشاهده حاليًّا بالحركة البطيئة يدرك عظمة المنطق، لا يفعل سوى أن يفاقم من تفوق روز، جمالها الذي لا يُقارَن ومزاجها الناري، المرأة الشابة توقف غضبها في لغة جسد سيادي وتحافظ على صمت ملكي بينما كثيرات لن يفعلن سوى النحيب. «سبلاش»! «سبلاش»! «سبلاش»! وكلما فكر أكثر، قلت مسألة قطع العلاقة مع هذا الكائن القابل للاشتعال لأعلى الدرجات ومن ناحيةٍ أخرى، فريدة في العالم، لن يتخلى عنها أبدًا، أيًّا ما كان ما يقوله الآخرون عنها، مَن يعتبرها مجنونة، مَن يعتبرها «حافة-حافة» كما يقولون، ظاهريًّا كما هو مفهوم، بينما هم قد يدفعون ثمنًا غاليًا للمس جلد عضلة الترابيز في جوف ركبتها.

كانت قد دفعت بباب المحاضرات التي يتابعها طلبة مستشفى لا بيتييه سالبتريير في بداية العام الجامعي، التعليم الرسمي الخاص بسنوات العيادات الخارجية يأخذ شكل أعمال مُوجَّهة من نوع خاص: دراسة الحالات السريرية. خلال جلسات طويلة، مواقف معاشة في الأقسام، أو سيناريوهات متخيَّلة وفقًا لأسئلة محددة ينبغي العمل عليها كان «يُعاد تمثيلها» للطلبة، كي يتعلموا أسس الاستماع إلى المريض، تعلم حركات الفحص، يتدرب على فحص المريض والتعرف على المرض وتحديد بروتوكول تولي المسئولية. هذه الأعمال العملية المعدة حول الثنائي معالَج/معالِج كانت تحدث علنًا وتتطلب أحيانًا إعدادًا جماعيًّا أوسع؛ لتعزيز القدرة على التركيز والحوار بين فروع المعرفة المختلفة. كان المقصود محاربة تقسيم التخصصات الطبية، التي تقطع الجسد الإنساني إلى مجموعة معارف وممارسات معزولة عن بعضها، لتكشف عن عجزها عن النظر إلى المريض ككل. غير أن علم أصول التدريس الجديد هذا، المؤسس على المحاكاة، أثار الشكوك؛ استخدام الخيال في عملية استيعاب معرفة علمية، فكرة تنظيم في شكل لعبة — كأنك أنت الطبيب، وأنت ستكون المريض — كان فيها ما يجعل أساتذة الكلية مرتابين. لكنهم قبلوا بالأمر، اتفقوا على أن هذه الأداة تخلط موادَّ شديدةَ الثراء، تشمل الذاتية، الانفعال، ويعمل في الحوار مريض/طبيب، هذه الكلمة الهشة، خاطئة أو في غير موضعها، التي ينبغي سماعها ومعرفة فك شفراتها. في لعبة الأدوار هذه، اتُّفِقَ على أن يقوم الطلبة، ممارسين وظيفتهم المقبلة، بدور الأطباء، وبناءً عليه قرروا توظيف ممثلين ليلعبوا دور المرضى.

تقدموا بعد ظهور إعلان صغير في مجلة أسبوعية مخصصة لمحترفي المسرح. الغالبية ممثلون ظروفهم صعبة، مبتدئون يمتلئون بالوعود، أو كومبارس أبديون في الإنتاج التليفزيوني، ماسحو أرض المواقع الإعلانية، بدلاء ممثلين، ممثلون ثانويون، هيئات، يَجرون وراء اختيارات الأدوار لجمع الساعات، كسب ما يمكِّنهم من دفع الإيجار— في أغلب الأحيان سكن مشترك في دائرة شمال-شرق باريس، أو في الضواحي القريبة — أو تحولوا إلى مدربين لأيام تدريب على تقنيات البيع — من المنزل أو غيره — وينتهي بهم الأمر أحيانًا بأن يؤجروا أجسادهم لتكون حقول تجارب، متذوقي الزبادي، مختبري مرطب، غسول شعر ضد القمل، أقراص مدرة للبول.

كانوا كثرةً، فاختاروا منهم. شكل لجنة التحكيم أساتذة طب بعضهم، فضلًا عن ذلك، ممارسون، يقدرون المسرح ويعلنون ذلك. عندما دخلت روز قاعة تجربة الأداء وسارت بمحاذاة الطاولات، مرتدية حذاءً رياضيًّا برباط مغاير، وسروال أديداس أرجوانيًّا، وكنزة من خيوط شبيهة بالمعدن بألوان الشمس، اضطرب المكان — ألم يقل جسدها ووجهها شيئًا لهم؟ — أعطوها قائمة بالحركات التي تفعلها وكلمات تنطقها كي ترتجل أنها مريضة، هرعت للكشف النسائي بعد أن اكتشفت كرة مشكوكًا فيها في ثديها الأيسر و، خلال الربع ساعة التي تلت، أثار التزامها الإعجاب؛ رأوها ممددة عارية الصدر على أرضية المكان — البلاط هنا أيضًا — ترشد يد الطالب، هنا، هنا، يؤلمني، نعم، هنا، ثم طال المشهد فاستقر الاضطراب، كان الطالب مبالغًا، هذا حقيقي، في وقت الفحص، متنقلًا من ثدي لآخر، يبدأ مجددًا دائمًا، غير مبالٍ بكلمات الحوار، أصم مع ذلك عن المعلومات الأساسية التي كانت تعطيها له، ومن بينها اشتداد الألم في نهاية الدورة الشهرية، إلى حد أن انتهى بها الأمر بالقيام فجأةً، الوجه محمر، وصفعته. أحسنتِ يا آنسة! هنأوها، ووظفوها مباشرةً.

منذ الأيام الأولى، قبلت روز سرًّا شروط العقد، معتبرةً عمل «مريضة» هذا، الذي حصلت عليه لفترة العام الجامعي، تدريبًا لنفسها، فرصة لزيادة نطاق لعبتها، قوة فنها. استخفت بغباء من الأمراض العادية — التي تصورتها كذلك — مفضلة الاستئثار بالهستيريا أو الاكتئاب الحاد، سجل كانت تبرع فيه، بطلة رومانتيكية أو شريرة وغامضة، تسمح لنفسها أحيانًا بانحرافات غير متوقعة في السيناريو الأصلي — وقاحة أذهلت المحللين والأطباء النفسانيين ودكاترة الأعصاب الذين يديرون الجلسات، وخلقت البلبلة بين الطلبة، مما جعلهم يرجونها بأن تقلل قليلًا من الأعراض؛ تذوقت الغرقى، ذوي الميول الانتحارية، الشرهين، المهووسين شبقيًّا، مرضى السكر، أحبت العرجاوات، المعتوهات — كانت حالة ألم المقعدة لامرأة من برتاني فرصة لحوار جميل حول صلة الدم في شمال «فينيستير» — الحدباوات — نجحت في محاكاة دوران الفقرات في القفص الصدري — وكل ما يتطلب إزعاج جسدها؛ كانت تحب أن تمثل المرأة الحامل المصابة بانقباضات مبكرة؛ ولكن كانت أقل تألقًا في تجسيد أُمٍّ شابة تصف أعراض رضيع عمره ثلاثة أشهر — كان التوتر يتلألأ على جبين طبيبة الأطفال المتدربة؛ التي تشاءمت، وسردت أنواع السرطان.

رغم هذا، لم تكن أبدًا أفضل من ذلك في شهر ديسمبر، عندما كان عليها محاكاة الذبحة الصدرية. كان طبيب القلب المشهور الذي يقود الدراسة قد وصف الألم بهذه الكلمات: جلس دبٌّ على قفصك الصدري. كانت روز قد كورت عيني اللوز، مبهورة، دب؟ اضطرت أن تجمع من جديد انفعالات طفولية، القفص الكبير ذو الرائحة الكريهة بصخور بلاستيكية بيضاء كالقشدة مشكَّلة بلا عناية، والحيوان الضخم، من خمسة إلى سبعمائة كيلو، وجهه المثلث والعينان متقاربتان، التواء زائف، فرو ياقوتي روبي مترب بالرمال، وصراخ الأطفال عندما قام على قائمتيه الخلفيتين، ليصل ارتفاعه مترين؛ أعادت التفكير في مشاهد الصيد ﻟ «شاوشيسكو» في اﻟ «كاربات» — الدببة موجَّهون من الفلاحين ومجذوبون بالطعام المقدم في دلاء، خارجون من عمق فرجة الغابة أمام كوخ خشبي مثبت على ركائز متينة، يتقدمون بالضبط في إطار نافذة إطلاق النار، خلفه عميل الجهات الأمنية يُعِد البندقية ليسلمها بعدئذٍ للديكتاتور حين يقترب الوحش بما فيه الكفاية كي لا يخطئه — تذكرت في الختام مشهدًا من فيلم Grizzly Man رجل الدب. اندفعت روز من عمق القاعة، سارت نحو الطالب الذي كان يحل محل الشريك، ثم توقفت. هل ميزت الحيوان على حافة نباتات الغابة، يمرر رأسًا بين البامبو، أو متأرجحًا على قوائمه الأربع، كسولًا، الفرو بلون الكاشو، يحك بكسل لحاءً بمخالبه غير القابلة للانقباض قبل أن يغير اتجاهه وينتصب مثل إنسان؟ هل رأت وحش الكهف في نهاية شهور البيات الشتوي، يتمطى، يدفئ السوائل مع وقوف جسده، ويعيد تنشيط قطرة الدم في قلبه؟ هل ميزته في الغسق ينبش قمامة سوبر ماركت، يزمجر من الابتهاج تحت قمر ضخم؟ أم فكرت في ثقل آخر تمامًا: رجل؟ تأرجحت للخلف بكل طولها — أثار صوت جسدها الساقط فجأةً اللغط في القاعة — وفي تصلب متشنج، أطلقت صرخة ألم طويلة، اختنقت على الفور بحشرجة صامتة، وكفَّت بعدها عن التنفس، ساكنة تمامًا. بدا قفصها الصدري مسطحًا ويغوص كحوض، بينما انتفخ وجهه، متطورًا نحو الأحمر، شفتان ملتصقتان عديمتا اللون عما قريب، عينان مقلوبتان في المحجرين، بينما بدأت أعضاؤها، هي، تتليف وكأنْ عبَرَتْها شحنة كهرباء، لم تكن هذه الواقعية في التكوين شائعة للغاية، مما دفع البعض إلى الوقوف في القاعة لرؤية أفضل، وقد نبههم الوجه القرمزي والبطن المقعر، هرول شكل هابطًا سلالم المدرج ليكون بالقرب من روز، دفع الطالب الذي كان قد بدأ يقرأ كحمار، رصينًا، الأسطر الأولى من استمارتها وانحنى عليها لإنعاشها، بينما هُرِعَت أخصائية القلب البارزة بدورها، مستهدفة قزحية بؤبؤ العينين بمصباحٍ قلمٍ. قطبت روز حاجبًا، فتحت عينًا، ثم الأخرى، استقامت في رفسة نشطة، استجوبت الحشد من حولها، ولأول مرة، عرفت لذة التصفيق لها، انحنت بظهر مفرود أمام الطلبة الواقفين في المدرجات.

هُرِعَ الشاب، غاضبًا لتعرضه للاستغلال، وانتقدها لغياب السيطرة على عَرضها، الذبحة الصدرية ليست سكتة قلبية، حضرتكِ تخلطين بين الاثنين، هذا ليس نفس الشيء، تطلب الأمر مزيدًا من الحساسية والتعقيد، حضرتكِ تحرفين التمرين. لفهم ما يقوله، يعدد واحدًا تلو الآخر أعراض الذبحة الصدرية: تقلص مؤلم في الصدر، الإحساس بالثقل بعرض الصدر كله، وأننا مشدودون في حلقة، مع، أحيانًا، آلام أخرى نموذجية في الفك السفلي، أحد الساعدين، أو الأندر الظهر، الحلق، لكن في الختام لا ننهار. ثم يذكر أعراض توقف القلب: انطلاق إيقاع القلب بمعدل ثلاثمائة نبضة في الدقيقة، رجفان بطيني يؤدي إلى توقف التنفس، مما يسبب إغماء، كل هذا في أقل من دقيقة. يمكنه الآن أن يذكر بالتفصيل أنواع العلاج، قائمة الأدوية، مثبطات تراكم الصفائح الدموية التي تسهل الدورة الدموية والنيتروغليسرين الذي يخفف الألم بتوسيع مسارات الشرايين التاجية، آسر، لم يعد يعرف ما يقوله، لم يعد يستطيع التوقف عن الكلام، يلقي بجمل مثل الأنشوطة ليبقيها بجواره، سرعان ما يجمح قلبه على إيقاع سريع على نحو غير طبيعي، دقات قلب متسارعة تقترب من مائتي خفقة في الدقيقة، يخاطر بالرجفان البطيني الذي وصفه لها للتو، ويخاطر بالإغماء، بصراحة بأي شيء، التفتت روز نحوه، بطيئة، عجرفة نجمة أزهرت للتو، تتأمله من رأسه إلى أخمص قدميه، تعلن له وهي مبتسمة أن دبًّا أتى ليجلس على قفصها الصدري، هل كان يعلم ذلك فقط، وتوضح له بنعومة ومكر أنها مستعدة لتكرار التجربة طالما سيقلد الدب، فلديه بدنه ورقته، أضع يدي في النار.

يُعتبر فيروجيليو بروفا بالفعل دبًّا في مرونته وبطئه، وانفجاره. مع ذلك هو أشقر داكن، لحية بلون القش وشعر ناعم ملقى للخلف، مجعد قليلًا على القفا، أنف مستقيم، ملامح رقيقة لإيطالي من الشمال (من «فريول»). وإلا فهي مشية راقص باليه في رقصة كتالونية يلامس المائة كيلو، بدانة شخص سمين سابقًا تصنفه في السميك، في الممتلئ، لكن دون زائدة مرئية، بعبارة أخرى دون طيات ودون تورم، إنه جسد لحيم ببساطة، طبقة دهن بكثافة متساوية تغطيه، وتصبح ألطف في أطراف أعضائه، التي هي جميلة للغاية؛ اليدين. مستقرًّا في عملاق جذاب وفاتن، في مكانةٍ مشهورة مرتبطة ببلاغة صوت دافئ، بمزاج متحمس رغم أنه يتسم بالمبالغة، بشهية مفتوحة للمعرفة وبقوة في العمل غير مألوفة كثيرًا، جسده يعرف رغم هذا تقلبات مؤلمة، مرونة تجعله يتعذب، آويًا نصيبه من المهانة والهواجس — صدمات بسبب السخرية منه عندما كان مستديرًا، ممتلئًا، منتفخًا أو سمينًا بكل بساطة، غضب لأنهم استخفوا به لهذا السبب، وكسول جنسيًّا، حذر بكل أنواعه — وململمًا في كرة في المعدة هذا التقزز من الذات مثل تعذيب. يضع نفسه تحت سيطرة دائمة، يفحصها لساعات لغبار في العين، يرطب بشرته لفترة طويلة مع ضربة شمس، استجواب مكثف بسبب صوت مرتعش، عنق صلب، متشنج. إحساس بالتعب، هذا الجسد هو وجع فيرجيليو الكبير، هاجسه وانتصاره — إذ إنه من الآن يثير الإعجاب، هذا لا جدال فيه، ينبغي رؤية عيني روز وهي تجول فيه — إلى حد أن الأشرار، غيورون من نجاحه، لا يترددون في أن يؤكدوا، ساخرين، أنه جعل نفسه طبيبًا فقط كي يتعلم السيطرة عليه، يوازن أمزجته، يروض تمثيله الغذائي.

كان رائدًا في مدرسة باريس الداخلية، متخطيًا سنوات الدراسة بوتيرة سريعة للغاية، ليقللهم إلى اثني عشر، متضمنة الزمالة الجامعية ومساعدة الجرَّاح، بينما أنجز معظم الطلاب نفس الاختيارات على امتداد خمسة عشر؛ لكن أيضًا ليست لديَّ الإمكانيات، أنا، كان يحب القول، فاتن، لست من السراي، ويفرط في الإيطالي المعتم فيه، ابن مهاجرين، غير شرعي، الشغيل الحاصل على منحة، ويردد مثلها بالآلاف — مبدع في النظرية مثلما هو موهوب على نحو استثنائي في التطبيق، متوهج ومتغطرس، محمولٌ بطموحٍ أطلسي، وطاقة لا تنضب، هو مزعج للغاية، هذا حقيقي، ويظل غالبًا غيرَ مفهوم — والدته، مرعوبة بنجاحاته، مَن يظن نفسه؟! هذا الصبي، عندما يحرقه غضب كئيب وهو يراها تعصر يديها ثم تجففهما في مئزره، تفهرس التراتبيات الثقافية فوق التراتبيات الاجتماعية، كان ينتهي بها الأمر بأن تنظر إليه بلا توافق، متسائلة كيف فعل؟ ممَّ هو مصنوع؟ تسمعه يئن يوم مناقشة رسالته قائلًا إن حضورها هي كان غير مفيد حقًّا، إنها لا تفهم شيئًا، إنه ليس مكانها، إنها تفضل أن تطبخ له وليمة له وحده، هذه المعجنات، هذا الكعك الذي كان يحبه.

اختار القلب إذَنْ، ثم جراحة القلب. فأثار الدهشة، لاعتقادهم أنه كان يمكنه تكوين ثروة بمسح الوحمات إلكترونيًّا، بحقن حمض الهيالورونيك في تجاعيد الشخصيات الشجاعة، والبوتوكس على تكور عظمتي الوجنتين، بإعادة تشكيل بطون النساء الواهنة اللائي أنجبن عدة مرات، بتصوير الأجساد بالأشعة السينية، بتطوير الأمصال في معامل سويسرية، بإلقاء محاضرات في إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية عن أمراض المستشفيات، بأن يصبح خبير تغذية رفيع المستوى. أو كان يمكنه أن يتدفأ بالمجد باختيار جراحة الأعصاب، بل جراحة الكبد، اختصاصات كانت تستطيع بتعقيداتها، بعلو درجتها في التكنولوجيا المتطورة. بدلًا من ذلك القلب. القلب العجوز الطيب. القلب محرك. المضخة التي تشكو، تنسد، تخرب، شغل سبَّاك، يحب أن يقول: نستمع، نجعله يصدر صوتًا، تحديد العطل، تغيير القطع، — إصلاح الآلة، كل هذا يلائمني، ممثل سيئ تمامًا — في هذه اللحظة، متأرجحٌ بتخبط بين قدم وأخرى، ليقلل من هيبة الانضباط عندما يتملق كل جنون العظمة هذا لديه.

لكن فيرجيليو اختار القلب ليكون موجودًا على أعلى مستوى، مرتكزًا على فكرة أن هالة العضو السيادية ستقع عليه، كما وقعت على جرَّاحي القلب الذين كانوا يخطفون البصر في ممرات المستشفيات، سباكون ونصف آلهة؛ إذ إن اللقب يتجاوز القلب، وهم فهموا هذا جيدًا. حتى وهو منهار — العضلة وهي تعمل لا تكفي في فصل الأحياء عن الأموات — هو بالنسبة له عضو الجسد المركزي، مكان أكثر التظاهرات حسمًا وأكثرها ضرورةً للحياة، وطبقاته الرمزية في عينيه لا تُمَس؛ بل أكثر، آلية متطورة ومشغَّل للخيالي فائق القوة في آن، يعتبره فيرجيليو حجر زاوية التصورات التي ترتب علاقة الإنسان بجسده، بالبشر، بالخلق، بالآلهة. والجرَّاح الشاب يبهره تسجيل الكلمة هذا، حضوره المتكرر في هذا المستوى السحري للغة الذي يقع دائمًا عند التقاطع الدقيق للحرفي والمجازي، العضلي والعاطفي، يستمتع بالاستعارات والأشكال التي تجعله مشابهًا للحياة نفسها ويكرر بلا انقطاع أن القلب أول مَن ظهر وسيكون آخر مَن يختفي. في ليلة في لا بيتييه، جالسًا أمام مائدة مع آخرين في غرفة المناوبة أمام لوحة جدارية كبيرة رسمها المتدربون — تشابك مذهل لمشاهد جنسية والفعل الجراحي، نوع من عربدة مرعبة، تحب الضحك ومريضة؛ حيث تطفو بين المؤخرات، الأثداء، وأعضاء ذكورة ضخمة، وبضع شخصيات هامة، من بينها هارفان أو اثنان، غالبًا مرسومة بأسلوب اللطخة في أوضاع فاحشة، وضع الأرنبة أو المبشرين، مشرط في متناول اليد — قدم نص موت جان دارك، مسرحي في هذه اللحظة، العينان تلمعان مثل كرات سَبَج، وحكى ببطء كيف قادوا الأسيرة بالعربة من سجنها إلى ميدان «فيو مارشيه» حيث احتشدوا، وصف هيئتها النحيفة في سترة لطخوها بالكبريت حتى تحترق أسرع، المحرقة، مرتفعة للغاية، الجلاد «تيراج» الذي يصعد لربطها بالعمود — كان فيرجيليو، الذي حفزه اهتمام من كانوا يستمعون إليه، يحاكي المشهد، يعقد في الهواء روابط قوية: قبل أن يشعل الحزم كرجل متمرس، الذراع التي تخفض الشعلة على الحطب والأخشاب الزيتية، الدخان الذي يصعد، الصرخات، دعوات جان دارك قبل الاختناق، ثم السقالة مضاءة مثل شعلة، وهذا القلب الذي اكتشفوه سليمًا عندما احترق الجسد تمامًا، أحمر تحت الرماد، كاملًا، إلى حد أنهم اضطروا إلى إشعال النار مرة أخرى ليتخلصوا منه.

طالب استثنائي، متدرب خارج المألوف، يزعج فيرجيليو تسلسل المستشفى الهرمي، ويعاني من التداخل في مجموعات ذات مصائر مشتركة، معلنًا براديكالية مضاهية، فوضوية، أرثوذكسية، وحقد إزاء اﻟ «عائلات»، طوائف عاشقة، محارم وتواطؤ بيولوجي — بينما، مثل كثيرين آخرين، يبهره كل مَن في القسم من آل هارفان، يشده الوارثون، يأسره حكمهم، صحتهم، قوة عددهم، متطفل على أملاكهم، ذائقتهم ولهجتهم، دعابتهم، ملاعبهم للتنس في أرض غير مرصوفة، إلى حد أن يتم استقباله لديهم، مشاركة ثقافتهم، شرب نبيذهم، مجاملة والدتهم، مضاجعة أخواتهم — افتراس صريح — كل هذا يصيبه بالجنون، يتآمر مثل مريض ليصل إليهم، مركزًا مثل ساحر الثعابين، ثم يكره نفسه عندما يستيقظ ويرى نفسه في شراشفهم، غليظ فجأةً، يسب بخبث، شخص غير مهذب يخبئ تحت السرير زجاجة «شيفاز»، ينهب أدوات المائدة «ليموج» والستائر الإنجليزية «شينتز»، وينتهي به الأمر دائمًا بالهرب، ضائعًا. رفع دخوله قسم الجراحة في مستشفى لا بيتييه سالبتريير من اضطرابه درجة؛ واعيًا بقيمته، يحتقر بادئ ذي بدء منافسات الحظائر، يتجاهل أولياء العهد المطيعين، ويعمل على الاقتراب من هارفان، الاقتراب منه على نحو وثيق، ليسمعه بفكر، يشك، يرتعد، كي يلتقط بالثانية تقريبًا لحظة قراره ويراه في تأهب حركته، يعرف أن بجواره سيتعلم من الآن ما لا يمكنه تعلمه في مكان آخر.

يعرض فيرجيليو على شاشة هاتفه تشكيل المنتخب الإيطالي، يتأكد من أن بالوتيلي يلعب، «موتا» أيضًا، نعم، هذا جيد، و«بيرلو»، ولدينا «بوفون»، ثم يتبادل التوقعات والسباب مع رئيسَي عيادة آخرين، سيجلسان الليلة أمام شاشة بلازما عملاقة ويشربان في صحته، الفرنسيان اللذان يكرهان لعبة الدفاع الإيطالية ويدعمان فريقًا غير مستعد جسديًّا. تنطلق السيارة بسرعة على امتداد نهر السين، مسطح وسلس مثل مسار، ومع اقترابها من مدخل المستشفى من ناحية «شيفاليريه»، يحرص على تقليص اضطرابه وضيقه، متجاهلًا مزادات المراهنين. سرعان ما لم يعد يفعل غير الابتسام، دون أن يجيب على رسائل الاثنين الآخرين. يعاود وجه روز الظهور، يستعد كي يكتب لها رسالة غرامية — شيء مثل: مُنحَنى عينيكِ يلتف حول قلبي — يغير رأيه، هذه الفتاة مجنونة، مجنونة وخطِرة، ولا ينبغي لأي شيء، هذا المساء، أن يخل بتركيزه، سيطرته، يؤثر على نجاحه وعمله.

***

تصل فرق نقل الأعضاء الواحدة بعد الأخرى بدءًا من الساعة العاشرة مساء. تنطلق فرق «روان» بالسيارة، ساعة فقط في الطريق تفصل مركز المستشفى الجامعي عن مستشفى مدينة «هافْر»، أما فرق «ليون» وستراسبورج وباريس فهي ستأخذ الطيارة.

نظمت الفرق تنقلها، اتصلت بشركة طيران وافقت على المهمة هذا الأحد، وتأكدت من فتح مطار «أوكتوفيل-سور-مير» الليلي الصغير، وأضفَت الطابع الرسمي على كافة التفاصيل اللوجيستية. في «لا بيتييه» كان فيرجيليو يدبدب على الأرض من نفاذ الصبر بجوار ممرضة المناوبة التي كانت تتصل بجميع الجهات ولم تقمْ فورًا بحساب الشابة ذات المعطف الأبيض، أيضًا واقفة هنا، صامتة، التي انفصلت عن الحائط عندما تلاقت نظرتهما لتتقدم نحوه، صباح الخير، أليس هارفان، أنا متدربة القسم الجديد، أنا في نقل العضو معكم. تفرس فيرجيليو في وجهها؛ لا توجد أي خصلة بيضاء تنمو مرفوعة بالضبط في منتصف جبينها الجميل، لكنها واحدة منهم، وقبيحة، لا يبدو عليها السِّن، العينان صفراوان والأنف كمنقار نسر، لديها واسطة. تعكر مزاجه. المعطف الأبيض الجميل بياقة من الفرو لم يعجبه على نحو خاص. ليس صراحةً الزي المناسب للتنقل في المستشفيات. إنها من الشابات اللاتي يتنقلن كسائحات، ويعتقدن أن النقود تنمو في الأشجار، فكر، منزعجًا. حسنًا، ألا تخشَين الطائرة على الأقل؟ سألها بجفاء، ثم تحول بعيدًا عنها، بينما أجابته هي أن: لا، أبدًا. سلمته ممرضة المناوبة خريطة طريق طُبِعَت للتو: هيا بنا، الطائرة على مدرج المطار، المغادرة تُحَدَّد خلال أربعين دقيقة. التقط فيرجيليو حقيبته وتوجه إلى باب خروج القسم دون إلقاء نظرة على أليس، التي سايرت خطاه، ثم كان المصعد، سيارة الأجرة، المحاور الرئيسة ومطار لو بورجيه؛ حيث صادفا رجلي أعمال يُعانيان من اضطراب الرحلات الطويلة، يرتديان معاطف طويلة من الكشمير، يعانقان حقائب فاخرة، وسرعان ما رأياهما يصعدان في طائرة «بيتشكرافت» ٢٠٠ ويربطان حزام الأمان دون أن يتبادلا كلمة واحدة.

الطقس مناسب: رياح قليلة ولا ثلج، ليس بعد. الطيار، في الثلاثين بالتأكيد، بأسنان مصطفة تمامًا، يعلن عن أحوال طيران جيدة ورحلة تُقَدَّر بخمسٍ وأربعين دقيقة، ثم يختفي في قمرة القيادة. ما إن جلس فيرجيليو، حتى غاص في مجلة مالية متروكة على مقعده، بينما التفتت أليس إلى النافذة، وأخذت تتأمل باريس المحاكة بوميضها كلما ارتفعت الطائرة الصغيرة — شكل اللوز، النهر والجزر، الميادين والشرايين الرئيسة، المناطق المضيئة من الأحياء الراقية، المناطق المظلمة من المدن، الغابات، الكل يُظلِم إذا نقلنا نظرنا من القلب نحو حدود العاصمة، فيما وراء الحلقة المضيئة لجادة الضاحية؛ تتابع سباق هذه النقط الحمراء والصفراء الصغيرة التي تنزلق على محاور غير مرئية، نشاط صامت للقشرة الأرضية — بعد ذلك، ترتفع اﻟ «بيتشكرافت» فوق مادة مائية وهو الليل السماوي، عندئذٍ وبالتأكيد منفصلون عن الأرض على هذا النحو، مقذوفون خارج كل سجل اجتماعي، ينظر فيرجيليو بشكلٍ مختلف لمن يرافقه — ربما بدأ يجدها أقل إثارةً للاشمئزاز — هذا هو أول نقل للأعضاء؟ يسأل. تنتفض الفتاة وتبتعد عن النافذة وتنظر إليه: نعم، أول نقل، وأول زرع للعضو. يغلق فيرجيليو مجلته ويحذرها: الجزء الأول من الليل يمكن أن تتأثري، إنه نقل لأعضاء متعددة، الطفل عمره تسعة عشر عامًا، نغامر بأخذ كل شيء منه، الأعضاء، الأوعية، الأنسجة، «طاخ» سنجرف كل شيء — تُفتَح يده وتُقفَل في تقلص قبضة فائقة السرعة. تنظر إليه أليس — تعبيرها، الغامض، قد يعني «أنا خائفة» بنفس قدر «أنا من عائلة هارفان، نسيت الآن؟»، ثم تعتدل، تربط حزامها من جديد، بينما فيرجيليو، مزعزعًا، يتصرف بالمثل؛ إنه الهبوط في «أوكتوفيل».

فُتِحَ المطار الصغير خصيصًا من أجلهما، المدرج مشار إليه بعلامات مضيئة، البرج مُضاء في قمته، تهبط الطائرة، مضطربة بهزات متشنجة، ينزلق الباب ويُفرَد درج الطائرة، يهبط فيرجيليو وأليس على مدرج المطار، واعتبارًا من هذه اللحظة هي نفس الحركة الوحيدة التي تحملهما كأنهما يتنقلان على سجادة متحركة، مسار بلا انقطاع وسلاسة سحرية، عابرَين خارجًا بائسًا — هذا المحيط من الأسفلت حيث نسمع البحر — داخليًّا متحركًا ودافئًا، سيارة الأجرة، خارجيًّا ثلجيًّا، موقف المستشفى، داخليًّا يعرفون شفراته، قسم الجراحة.

ينتظرهم توما ريميج مثل سيد المنزل في بيته. مصافحات، قهوة إسبرسو، كل يقدم نفسه، تُخلَق ترابطات ودائمًا اسم هارفان ينشر هالته. يعد الجمع — كل فريق هو ثنائي مكون من جرَّاح كبير ومتدرب، يُضاف إليهما طبيب تخدير، ممرضة تخدير، ممرضة غرفة العمليات، ممرض مساعد، وهو نفسه — ثلاثة عشر إذَنْ، هذا سينتهي بجمع غفير في نطاق غرفة العمليات القلعة المنيعة، منطقة السر المتاحة فقط لحاملي الرموز الرقمية المتعددة. اللعنة! الكثافة السكانية هنا بالداخل، فكر توما.

غرفة العمليات مُعَدَّة. أجهزة الإضاءة تُلقي ضوءًا أبيض على طاولة العمليات، عموديًّا وبلا ظل، الكشافات المجمَّعة في باقة دائرية تركز حزمها على جسد سيمون ليمبر الذي تم إحضاره للتو على سريره، والذي لا يزال لديه نفْس النشاط — تؤثر فينا رؤيته على هذا النحو. إنه في منتصف الغرفة — إنه قلب العالم. دائرة أولى حوله تحدد منطقة معقمة لا يستطيع الغرباء عن العملية تخطيها؛ لا ينبغي مس أي شيء، تلويثه، إصابته بعدوى، الأعضاء التي نستعد لاستقبالها هنا هي أشياء مقدسة. في ركن من الحجرة، تحاول كورديليا أوول الفهم. غيرت ملابسها، تركت هاتفها المحمول في خزانة بغرفة تبديل الملابس وانفصلت عنه، لم تعد تشعر بالشكل الصلب للعلبة السوداء على فخذها، مهتز ومخادع مثل طفيلي، كل هذا جعلها تتأرجح في واقع آخر؛ نعم، إنه هنا الحدث، فكرت وعيناها مثبتتان على الممدد أمامها، هنا أكون. تعرف الأماكن، لأنها تدربت في غرفة العمليات، لكنها لم تعشْ أبدًا سوى تعبئة مكثفة بهدف إنقاذ المرضى، والحفاظ على الحياة، وتجد صعوبة في تخيل العملية التي تتشكل، ما دام الشاب قد مات الآن، أليس كذلك، وأن التدخل الجراحي يستهدف شفاء آخرين غيره. أعدَّت التجهيزات، رتبت الأواني، والآن تلخص بصوت منخفض نظام تحضير الأعضاء، تهمس خلف قناعها: (١) الكليتان، (٢) الكبد، (٣) الرئتان، (٤) القلب. ثم تعيد من جديد بالعكس، تسمِّع لنفسها سير نقل الأعضاء المُعَد وفقًا لمدة فقر الدم الموضعي التي يتحملها العضو — بعبارة أخرى مدة بقائه على قيد الحياة حين تُقطَع عنه الأوعية الدموية — (١) القلب، (٢) الرئتان، (٣) الكبد، (٤) الكليتان.

الجسد ممدد، عارٍ، الذراعان على شكل صليب، لإخراج القفص الصدري والبطن على نحو مناسب. إنه مُعَد، حليق، مدهون. ثم يُغطَّى بمجال معقم يحدد نافذة من الجلد حول جسده، محيط جلدي يغطي القفص الصدري والبطن.

هيا بنا. نبدأ. أول فريق حاضر في غرفة العمليات، أطباء الكلى، إذَنْ، يفتتحون العمل؛ إنهم الذين يفتحون الجسد وهم مَن يغلقه في الختام. رجلان ينغمسان، مثنى غير مترابط لوريل وهاردي، الطويل النحيف هو الجرَّاح والصغير المستدير هو المتدرب. إنه الطويل النحيف، فضلًا عن ذلك، أول مَن ينحني ويبضع البطن — فتحة في جدار البطن ثنائية تحت الضلع إلى حد أن نوعًا من الصليب يرتسم عليها. عندئذٍ ينشطر الجسد إلى منطقتين مميزتين على مستوى الحجاب الحاجز: منطقة البطن؛ حيث يقيم الكبد والكليتان، ومنطقة القفص الصدري؛ حيث يقيم القلب والرئتان. بعد ذلك، نضع على الشق فواصل مباعدة بمفتاح شبيكي نديرها باليد لتوسيع الفتحة — نلاحظ أن قوة الأذرع مدعوة هنا، متحالفة مع تقنية دقيقة، ونتبين فجأةً البعد اليدوي للعملية، المواجهة الجسدية مع الواقع المتطلب في هذا المكان. الجزء الداخلي من الجسم، داخل مضطرب ورطب، يتوهج تحت المصابيح.

سيقوم المتدربون بإعداد عضوهم بالتناوب. تدور شفرات سريعة وصارمة حول الأعضاء لتحريرها من ملحقاتها، من روابطها، من أغطيتها المختلفة؛ لكن لم يتم قطع أي شيء بعد. طبيبا المسالك البولية، الموجودان على كل جانب من الطاولة، يتحاوران خلال هذه المتتالية، يجد الجرَّاح في هذه العملية الجراحية فرصةً لتدريب المتدرب، إنه منحنٍ على الكليتين، يفكك حركاته ويصف تقنياته بينما التلميذ يوافق، يتساءل أحيانًا.

بعد ساعة، تدخَّل الألزاسيتان، ثنائي نسائي من نفس الطول والحجم؛ الجرَّاحة، إحدى النجمات الصاعدات في الوسط المتميز نسبيًّا في جراحة الكبد، تمتنع عن أي كلمة، تحتفظ بنظرة لا مبالية خلف نظارة صغيرة محاطة بحديد، وتعمل على كبدها بعزم يشبه الشجار، ملتزمة كليًّا في فعل يبدو أنه يجد امتلاءه في امتهانه، في ممارسته، والشريكة التي ترافقها لا ترفع عينيها عن يديها ببراعتها الاستثنائية.

تمر خمس وثلاثون دقيقة أخرى، ويتقدم جرَّاحا القفص الصدري في غرفة العمليات. هذا دور فيرجيليو في اللعب، إنه هو، إنها ساعته. يحذر الألزاسيتين أنه يستعد للقص، ثم بعدئذٍ مباشرةً ينفذ القطع الطولي للقص. لا ينحني على نقيض الآخرين بل يظل مستقيم الظهر، الذقن مائل والذراعان ممددتان للأمام — طريقة للمحافظة على مسافة مع الجسد. القفص الصدري مفتوح، وفيرجيليو، وقتئذٍ، يكتشف القلب، قلبه، يتأمل حجمه، ينظر بالتفصيل إلى البطينين، الأذينين، يراقب حركته الانقباضية الجميلة، وأليس تراقبه وهو يستمتع بالعضو. القلب رائع.

يعمل بسرعة مذهلة، ذراع مصارع، وأصابع صانعة الدانتيل، يفحص الأورطي ثم، واحدًا واحدًا، الوريدين الأجوفين؛ يفصل العضلات. أليس، الموجودة أمامه من الناحية الأخرى من طاولة العمليات، مأخوذة بما ترى، بالاستعراض حول هذا الجسد، بمجمل الأفعال التي هو مادتها؛ تراقب وجه فيرجيليو، تتساءل: ما الذي يعنيه بالنسبة له التدخل في ميت؟ ما الذي يشعر به، وفيم يفكر؟ يهتز الفضاء حولها فجأةً، كأن الفصل بين الأحياء والأموات لم يعد له وجود هنا.

بعد انتهاء التشريح، يُدخلون أنبوبة الحقنة. تثقب الأوعية بإبرة لإدخال قسطرات صغيرة بها سيمُر خلالها السائل الذي يهدف إلى تبريد الأعضاء. تراقب طبيبة التخدير على الشاشات حالة الدورة الدموية للمانح، المستقرة تمامًا، بينما تزود كورديليا الممارسين بالأوعية اللازمة، مع الحرص على تكرار اسم الضمادة، رقم الملقط أو النصل في لحظة وضعه في راحة اليد الممتدة مفتوحة أمامها، بقفاز بلاستيكي، وكلما زاد توزيعها، زاد صوتها قوة، زاد إحساسها بامتلاك مكانها. إنه جاهز الآن، وضعت أنبوبة الحقنة، سنتمكن من أن نشبك الشريان الأورطي. وكل واحد من الممارسين الموجودين في غرفة العمليات يُعلِّم على خريطة التشريح ما جاء لأخذه، يتعرف على القطعة المخصصة له.

يمكننا أن نشبك؟ صوت فيرجيليو، مرتفعًا في غرفة العمليات رغم أنه مختنق في القناع، جعل توما ينتفض. لا، انتظروا! لقد صرخ. تلتفت النظرات نحوه، الأيدي تثبت فوق الجسم، أذرع معطلة بزاوية قائمة، يعلقون التدخل بينما يتسلل المنسق ليصل إلى السرير ويقترب منه في ارتفاع أذن سيمون ليمبر. ما يهمس به له عندئذٍ، بأكثر أصواته إنسانية، رغم أنه يعلم أن كلماته تفسد في فراغ فتاك، هو صلاة الابتهال الموعودة، وأسماء أولئك الذين يرافقونه؛ يهمس له أن شين وماريان معه، و«لو» أيضًا، والجدة، يهمس له أن جولييت ترافقه — جولييت التي تعرف الآن، أمر سيمون، مكالمة من شين بعد قرابة العاشرة مساء بعد أن تركت رسائل مذعورة على نحو متزايد على هاتف ماريان المحمول، اتصال غير مفهوم، لأن والد سيمون بدا كأنه يتجول خارج اللغة، دون أن يتمكن من صياغة أي جملة، لكن حشرجات نعم، مقاطع مفرومة، صوتيات متقطعة، اختناقات، عندئذٍ أدركت جولييت أنه لم يكن هناك شيء آخر يمكن سماعه، لم تكن هناك كلمات، وكان هذا ما ينبغي أن نسمعه، أجابته أنا قادمة، في نفس واحد، ثم اندفعت في الليل، لتلحق في عدوها منزل عائلة ليمبر، هابطة بسرعة المنحدر الكبير، دون معطف، دون وشاح أو أي شيء، شراب «إلف» في حذاء رياضي، مفاتيحها في يد والمحمول في الأخرى، وسرعان ما أصبح البرد الجارح حرقًا، كانت تحترق في المنحدر، تمثال صغير مفكك أوشك على السقوط عدة مرات يكابد لتنسيق خطواته، كانت تتنفس بشكلٍ سيئ، ليس كما علمها سيمون على الإطلاق كي تتنفس بشكل صحيح، لا تراعي أي انتظام، وتنسى الزفير، عظمتا الساقين الأماميتين موجوعتان والكعبان حارقان، أذنان ثقيلتان كما عند هبوط الطائرة، ومواطن جانبية تضغط على بطنها، لقد انحنت إلى النصف لكنها استمرت في الركض على الرصيف الضيق للغاية، خادشة كوعها على الجدار الحجري العالي الذي يطوق المنحنى، كانت تجري بسرعة على هذا الطريق الذي تسلقه من أجلها منذ خمسة أشهر، نفس المنعطف في الاتجاه العكسي، يوم «قصيدة المشنوقين الغنائية» هذه والغطاء العاشق من البلاستيك الأحمر الذي رفعهما معًا، هذا اليوم، هذا اليوم الأول، كانت تجري حتى تقطعت أنفاسها الآن، والسيارات التي كانت تصادفها وهي تصعد، تلتقطها في أشعة مصابيحها الأمامية البيضاء، يبطئون من سرعتهم، السائقون المذهولون يواصلون مراقبتها طويلًا في مرآة الرؤية الخلفية، صبية في قميص بنصف كم في الشارع، في هذه الساعة، في هذا البرد، وهذه السحنة المرعوبة التي تَسِمها! ثم أصبحت على مرأى من فتحة قاعة الاستقبال الزجاجية المطفأة، فأسرعت أكثر ودخلت المسكن، عبرت مساحة حادة من مجموعة نباتية وسياج أشجار جعلتها تشعر أنها في غابة معادية، ثم انطلقت أيضًا على الدرج الصغير حيث سقطت، شكلت سجادة الأوراق التي رسخها البرد حلبة تزلج، كشطت وجهها وغطت صدغها وذقنها بالطين، ثم كان بيت الدرج، الطوابق الثلاثة، وعندما بلغت العتبة، مشوهة مثل الآخرين، يصعب التعرف عليها، فتح لها شين الباب قبل أن ترن الجرس، احتضنها، ضمها إليه، بينما خلفه، في الظلمة، كانت ماريان مرتدية المعطف تدخن جوار «لو» النائمة، أيا جولييت، عندئذٍ أتت الدموع — ثم يُخرِج توما السماعات التي عقمها من جيبه، يدخلها في أذني سيمون، يشغِّل المسجل المحمول، مسار ٧، تتشكل الموجة الأخيرة في الأفق، أمام الجرف، تصعد، حتى تجتاح السماء كلها، تتشكل وتفقد شكلها، تنشر في تحولها هباء المادة وكمال الدوامة، تجرف قاع المحيط، تحرك الطبقات المترسبة وتهز الرواسب، تكتشف الأحفوريات وتقلب الخزائن، تكشف عن هذه اللافقاريات التي تعمق ثخانة الزمن، هذه الأصداف المتحجرة من مائة وخمسين مليون عام، وزجاجات البيرة تلك، مداعبات الطائرات هذه، وهذه المسدسات، هذه العظام المبيضة مثل اللحاء، قاع البحر مثير للاهتمام مثل مَكَبِّ نفاية عملاق، وفيلم فائق الحساسية، بيولوجيا خالصة، ترفع جلد الأرض، تقلب الذاكرة، تجدد التربة التي عاش فيها سيمون ليمبر — الكثيب الناعم الذي في جوفه تقاسم علبة بطاطس مقلية بالخردل مع جولييت، غابة الصنوبر حيث لجئوا خلال العاصفة والبامبو بالضبط خلفها، خيزرانات طولها أربعون مترًا، رقصته آسيوية، في هذا اليوم، ثقبت القطرات الدافئة الرمل الرمادي واختلطت الروائح، حادة ومالحة، كان لشفتي جولييت هذه المرة لون الليمون الهندي — ثم في الختام تنفجر وتتشتت، تتطاير البقع، إنه اضطراب كبير وتلألؤ، بينما حول سرير العمليات يصبح الصمت ثقيلًا، ينتظرون، تتقاطع النظرات فوق الجسد، تُدَبْدب أصابع القدم، تصبر الأصابع، لكن الكل يقبل أن يسم لحظة إيقاف قلب سيمون ليمبر. انتهى المسار، يخلع سماعتي الرأس ويعود إلى مكانه. مرة أخرى: هل يمكن أن نشبك؟

لنضع الملاقط!

يتوقف القلب عن الخفقان. يتم إفراغ الجسم ببطءٍ من دمه، الذي يحل محله سائل مُبرَّد، يُحقن بمعدل مرتفع، فيشطف الأعضاء من الداخل، بينما تُوضَع مكعبات الثلج حولهما على الفور — وبلا شك، في هذه اللحظة نظر فيرجيليو إلى أليس هارفان ليرى إذا كانت تفقد الوعي، لأن الدم الذي يتدفق من الجسد يُصَب في حوض، وخامة الوعاء البلاستيكي تُضَخِّم الأصوات مثل غرفة الصدى، هذه الضجة، أكثر من الرؤية، مؤثرة، لكن لا، الشابَّة هنا راسخة تمامًا، رغم أن الجبين شاحب ويتلألأ بالعرق، إلى حد أنه يعود إلى العمل، يبدأ العد التنازلي.

عندئذٍ يصبح القفص الصدري من جديد مكان مواجهة طقسية؛ حيث يتعارك جرَّاحو القلب والقفص الصدري ليمنحوا أنفسهم مزيدًا من الطول في بقايا الوريد هذا، أو لكسب بضعة مليمترات إضافية من الشرايين الرئوية — فيرجيليو، رفيق لكن متوتر، ينتهي به الأمر بأن يثور على مَن أمامه: يمكنك أن تترك لي هامشًا ضئيلًا، سنتيمترًا أو اثنين، هل ما أطلبه منك كثير؟

تملص توما ريميج من غرفة العمليات، للاتصال تليفونيًّا بمختلف الأقسام التي ستحدث فيها عمليات الزرع، وإطلاعهم على وقت وضع المشابك الجراحية لإغلاق الأورطي — الحادية عشرة وخمس وثلاثون دقيقة — بيان يصقل فورًا زمانية العملية القادمة — إعداد المتلقي، عودة العضو، الزرع. عند عودته، يتحقق أول نقل عضو في صمت تام. يقوم فيرجيليو باجتثاث القلب؛ الوريدان الأجوفان، الأوردة الرئوية الأربعة، يتم قطع الأورطي والشريان الرئوي — قطوع لا تشوبها شائبة. القلب مأخوذ من جسد سيمون ليمبر. يمكننا رؤيته خارج الجسم، هذا جنوني! يمكننا للحظة قصيرة فهم كتلته وحجمه، نحاول التقاط شكله المتماثل، انتفاخه المزدوج، لونه الجميل البرتقالي بميل للحمرة أو للقِرمزي، نبحث لنرى فيه الرسم الرمزي العالمي للحب، شعار ورقة اللعب، واﻟ «تي شيرت» — I NY — النقوش البارزة على المقابر الملكية وأوعية القرابين الملكية المقدسة، رمز إله الحب «إيروس» الدجال، شكل قلب يسوع المقدس في التصوير الديني — العضو الذي تعرضه اليد ويُقَدَّم إلى العالم، يقطر بدموع من دماء لكنه مُحاط بهالة ضوء ساطع — أو كل أيقونة لرسالة من المحمول تشير إلى تصفح لا نهاية له من الانفعالات العاطفية. يلتقطه فيرجيليو ويغرقه على الفور في برطمان ممتلئ بسائل نصف شفاف، محلول يشل القلب ويضمن درجة حرارة ٤ مئوية — المقصود تبريد العضو بسرعة، للحفاظ عليه — بعدئذٍ الكل محمي في كيس طبي مُحكَم مُعَقَّم، ثم في جيب ثانٍ، والكل مدفون في الثلج مُكَوَّم في وسط صندوق، بدرجة حرارة ثابتة، مُركَّب، مُزَوَّد بعَجَل صغير.

يُختَم الصندوق، فيرجيليو يُحَيي المجموعة؛ لكن لا أحد من المحيطين بجسد سيمون ليمبر يرفع رأسه، لا أحد يتحرك، عدا جرَّاح القفص الصدري الذي يجيبه بصوت قوي منحنيًا على الرئتين: لم تترك لي شيئًا يُذكَر كهامش، هه، حقير! ويُطلِق ضحكة مرتجة. بينما بطلة ستراسبورج، هي، تستعد لفصل الكبد الهش للغاية بأن تركز مثل لاعبة جمباز قبل الدخول إلى العارضة — نتصور أنها غمست اليدين في وعاء به أكسيد الماغنيسيوم، وتدعك الكفَّين — وأن طبيبي الكُلى ينتظران ليمنحا نفسيهما الكليتَين.

تتريث أليس. إنها تركز في المشهد، تحدق في كل واحد من المجتمعين حول المائدة والجسد الساكن الذي هو مركزه المضيء — تعبُر لوحة درس تشريح لرامبرانت كبرق أمام عينيها، تتذكر أن والدها، طبيب أورام بأظافر طويلة وملتوية مثل البراثن، كان قد علق مستنسخًا لها في مدخل شقة العائلة، وكان يعبِّر كثيرًا عن إعجابه وهو يربت عليها بالسبابة: ها هو، هذا هو الإنسان! لكنها كانت طفلة مفكرة وتفضل أن ترى فيها مجلس سَحَرة بدلًا من أطباء يسكنون أقاربها، يقفون فترات طويلة أمام الشخصيات الغريبة المنظَّمة على نحو بديع حول جثة شاحبة للغاية، الملابس سوداء قاتمة، الوجوه الطاهرة التي استندت عليها أدمغتهم العالمة، ترف الطيات النفيسة مثل أوريجامي من رقاقات البسكوت، وزركشة الدانتيلا واللحى الرقيقة، التي في وسطها كان هذا الجسد الغليظ، هذا القناع الغامض والفتحة في الذراع التي تُظهِر العظام والأربطة، اللحم حيث غاصت شفرة الرجل ذي القبعة السوداء، لذا كانت تستمع للوحة، أكثر من الإعجاب بها مبهورة بالتبادل الذي يتبدى، فانتهى بها الأمر بأن تتعلم أن جرح جدار الصفاق اُعْتُبِرَ لفترة طويلة انتهاكًا لقدسية جسد الإنسان، هذا المخلوق من الله، وفهمت أن كل شكل من أشكال المعرفة تحتوي على حصتها من الانتهاك، فقررت إذا كان الأمر كذلك، «عمل الطب»، بما أنها بالإضافة إلى ذلك أكبر البنات الأربع، مَن كان والدها يركب إلى المستشفى يوم الأربعاء، مَن أهداها يوم عيد ميلادها الثالث عشر سماعة طبيب محترف وهو يهمس في أذنها: آل هارفان معاتيه، يا هارفانية صغيرة، سنضاجعهم كلهم.

تتراجع أليس تدريجيًّا، وكل ما تراه يتجمد ويضيء مثل الديوراما. فجأةً، ما تدركه ليس مادة مطلقة بدلًا من الجسد المُمَدَّد، مادة يمكن استخدامها وتشاركها، لم تعد آلية متوقفة نقشرها كي نحجز القطع الجيدة، وإنما مادة ذات إمكانية غير مسبوقة؛ جسد إنساني، قوته ونهايته، نهايته الإنسانية. هو هذا الانفعال ذاك، أكثر من أي نافورة دماء مسكوبة في صندوق بلاستيك، الذي يمكنه أن يجعلها تفقد وعيها. صوت فيرجيليو بعيدًا بالفعل في ظهرها، ستأتين؟ ماذا تفعلين؟ أسرعي! تلتفت وتركض كي تلحق به في الممر.

ناقل متخصص يصحبهم إلى المطار. يندفعون على مستوى الأرض، بينما أعينهم تصاحب حركة الأرقام على ساعة لوحة القيادة، يتابعون رقصة العِصِيِّ المضيئة التي تستلقي وتنهض، تذهب وتجيء على عقارب ساعاتهم، على الأشكال المنقطة على شاشة هاتفهم. اتصال هاتفي، محمول فيرجيليو يضيء. إنه هارفان. كيف هو؟

واضح.

يدورون حول المدينة من الشمال، ويأخذون طريق «فونتين-لا-مالي»، يحاذون أشكالًا مُدمَجَة وغير محددة في آن، أحياء حدودية، مدن مزروعة في الحقول في مؤخرة المدينة، أسراب من بيوت صغيرة موزعة حول حلقة من الأسمنت، يعبرون غابة، دائمًا ولا أي نجمة، لا ضوء متقطع قصير لطائرة أو لطبق طائر، لا شيء، يسرع السائق على الطريق الإقليمي متخطيًا حدود السرعة بكثير، إنه سائق متمرس ومعتاد على هذا النوع من المهام، ينظر أمامه مباشرة، ساعداه ثابتان ومتوتران، ويهمس في ميكروفون صغير للغاية متصل بسماعة الأذن أحدث صيحة: أنا قادم، لا تغفي، أنا قادم. الصندوق العازل مثبت في الخزنة في الخلف، وأليس تتصور جدرانه المغلقة بإحكام التي تغلف القلب، هذه الأغشية التي تحميه، تتخيل أنه هذا المحرك الذي يدفعهم في الفضاء، مثل محرك مركبة فضائية. تلتفت وترفع مؤخرتها لتراه تحت الملف، تقرأ في الظلام البطاقة الملصقة على جداره، وتلاحظ، من بين المعلومات الضرورية لتتبع العضو، تنويهًا غريبًا: عنصر أو منتج من جسد إنساني لاستخدام علاجي. وبالضبط تحته، رقم المانح البلوري.

يرجع فيرجيليو برأسه إلى الخلف على المقعد الطويل، يزفر، تزحف عيناه على وجه أليس الجانبي، خيال ظل قرب النافذة، منزعجًا فجأةً من وجودها، يصبح ألطف: كيف الحال؟ السؤال غير متوقع — شخص حتى الآن بغيض — يبث الراديو صوت ميسي جراي التي تغني مرارًا وتكرارًا «هزوا مؤخراتكم يا أولاد ويا بنات، ثمة جمال في العالم»، وأليس تريد فجأةً البكاء — انفعال يستحوذ عليها بالداخل، ويرفعها في ترنح — لكنها تحبس دموعها، وتغلق أسنانها، بينما تحول رأسها: نعم، نعم، ممتاز. عندئذٍ يسحب هاتفه المحمول من جيبه للمرة الألف، لكن بدلًا من مراجعة الوقت يضغط على المفاتيح، يشعر بالضيق تدريجيًّا: لا يشحن. يتمتم: خراء، خراء! تتشجع أليس فتسأله: الأمور ليست على ما يُرام؟ فيرجيليو لا يرفع رأسه للإجابة عليها: إنها المباراة! أردت نتائج المباراة. عندئذٍ دون أن يلتفت، يعلن السائق ببرود أنها إيطاليا، واحد - صفر. يطلق فيرجيليو صرخة، يصلب قبضة يرفعها في السيارة، ثم يسأل على الفور: مَن سجَّل؟ يشغل الرجل الإشارة ويفرمل، هناك تقاطع طرق مُضاء؛ إذ أمامه حفرة بيضاء: إنه بيرلو. أليس المذهولة، تراقب فيرجيليو الذي يكتب بسرعة رهيبة، رسالة، أو رسالتَي، انتصار، بينما يهمس: هذا، حسن هذا، ثم يرفع حاجبًا نحوها، لاعب رائع بيرلو هذا! ابتسامته تخنق وجهه، والآن هو المطار، هدير البحر القريب للغاية من قاع الجرف، والصندوق البلاستيكي الذي يُلَف حتى مدرج الإقلاع، حتى سلم الصعود إلى الطائرة ويُرفَع حتى كابينة القيادة، صندوق بلاستيكي مثل عرائس اﻟ «ماتريوشكا» الذي يحتوي على جيب الأمان البلاستيكي الشفاف، الذي يحتوي على برطمان خاص يحتوي على قلب سيمون ليمبر، الذي لا يحتوي على أي شيء سوى الحياة نفسها، إمكانية حياة، والذي بعد خمس دقائق سيطير في الفضاء.

***

ماريان لا تنام، نعلم ذلك، لا حبوب منومة لا شيء، الألم يجعلها منتشية، انحدرت لحالة الغفوة، هنا يمكنها التماسك. في الساعة الثالثة والعشرين وخمسين دقيقة، نراها تنهض وهي تقفز في أريكة غرفة الاستقبال؛ هل التقطت اللحظة التي كف فيها الدم عن التدفق في الأورطي؟ هل كان لديها الحدس بهذه اللحظة؟ رغم الكيلومترات التي تتمدد في المصب، بين الشقة والمستشفى، قرب غير مادي يمنح الليل عمقًا ذهنيًّا فاتنًا، مخيفًا بشكل مبهم، وكأن الخطوط المغناطيسية الخارجية تُدَعَّم في صدع زَمَكاني، ويربطها بهذا الفضاء المحظور حيث يوجد طفلها، ينسج منطقة يقظة.

ليل قطبي، يبدو أن السماء المعتمة تذوب، طبقة السحب تتمزق، مثل صوف، يظهر الدب الأكبر. قلب سيمون يهاجر الآن، إنه يهرب في الأجرام السماوية، على القضبان، على الطرق، متنقلًا في هذا الصندوق المائي البلاستيكي، المحبَّب قليلًا، يلمع في أشعة الضوء الكهربائي، مصحوبًا بحماية وحرص مذهل، مثلما كانوا يصحبون في الماضي قلوب الأمراء، مثلما كانوا يرون أحشاءهم وهيكلهم العظمي، الجثة مقسمة كي تتوزع، في كنيسة، في كاتدرائية، في دير، لضمان حق نسبها، صلوات لخلاصِها، مستقبل لذاكرتها. نسمع صوت القباقيب منذ غور الطرق، على أرض القرى الطينية وبلاط المدن، ضربتها البطيئة والسيادية، ثم نستنتج لهب المشاعل التي كانت تخلق ظلالًا سائلة في أوراق الشجر، على واجهات البيوت، على الوجوه الهاذية، كانوا يتجمعون على الأبواب، منشفة حول العنق، ينزعون قبعاتهم ويؤدون شارة الصليب في صمت لرؤية مرور هذا الموكب الباهر، المركبة السوداء التي يجرها ستة أحصنة في حداد عظيم، مغطاة بكسوات وأردية كهنوتية ثمينة، موكب الفرسان الاثني عشر حاملًا مشاعل، المعاطف الطويلة السوداء وشارات الحداد متدلية، وأحيانًا أيضًا غلام الأمير وخادمه الشخصي يلوحون بشموع بيضاء، وأحيانًا أيضًا مجموعات الحرس، والفارس الذي يقود الكل وهو يبكي كان يرافق القلب إلى قبره، متقدمًا نحو عمق القبو، نحو كنيسة دير مختار، أو كنيسة قصر ميلاده، نحو كوة محفورة في الرخام الأسود ويزينها أعمدة سلومونية، ضريح يعلوه تاج برَّاق، بقلادة شعارات ورموز ثمينة، أمثال لاتينية موزعة على رايات حجرية، وكثيرًا ما كانوا يحاولون رؤية لمحة عبر فتحة الستائر داخل العربة، على المقعد حيث ضابط المعاملات، مَن كان سيسلم القلب بيدين نظيفتين لأولئك الذين سيتولون أمره الآن وسيُصَلون من أجله، وفي الأغلب يكون أسقفَ اعتراف، صديقًا، أخًا؛ لكن الظلمة لم تكن تسمح أبدًا برؤية هذا الرجل، ولا الصندوق الذي يُوضَع على وسادة من البفتة السوداء، ناهيك عن القلب بداخله، «العضو الأساسي»، ملك الجسد، ما دام مكانه في مركز الصدر مثل الملك في مملكته، مثل الشمس في الكون، وهذا القلب الذي يعشعش في شاش حِيكَ بالذهب، هذا القلب الذي كنا نبكيه.

كان قلب سيمون يهاجر إلى مكان آخر في البلاد، تكسب كليتاه، كبده ورئتاه أقاليم أخرى، كانت تتسلل نحو أجساد أخرى. ما الذي سيدوم، في هذا الانفجار، من وحدة ابنها؟ كيف نوصل ذاكرته المنفردة بهذا الجسد المشتت؟ ما الذي سيكون عن حضوره، عن انعكاسه على الأرض، عن شبحه؟ تحوم هذه الأسئلة حولها مثل أطواق مُحرِقة، ثم يتشكل وجه سيمون أمام عينيها، سليمًا وفريدًا. إنه لا يُختَزَل، إنه هو. تشعر بهدوء عميق. الليل يحترق بالخارج مثل صحراء من جبس.

***

في مستشفى «بيتييه»، يحيطون بكلير. اُصْطُحِبَت إلى غرفة قسم جراحة القلب التي نُظِّفَت كلها، عُقِّمَت، حماية شفافة تغطي الأسطح، عبير المطهرات راكد في الحجرة. سرير متحرك عالٍ للغاية، فوتيي جلد أزرق، مائدة خالية، و، في كرن من المكان، باب موارب لحمام. تضع حقيبتها، تجلس على السرير. كل ما ترتديه أسود — هذه الكنزة القديمة مفتوحة الكتفين — وتنشق بأكمل وجه عن الغرفة، على غرار رسم تخطيطي. تبدأ الرسائل في السقوط في هاتفها المحمول، من ابنيها، والدتها، صديقتها، كلهم أتوا، إنهم يهرعون، لكن لا رسالة من الرجل ذي النبات الرقمي، الذي جلس القرفصاء على كعبيه مستندًا على حاجز خشبي من البامبو بين الكلاب الضالة والخنازير البرية، في قرية في عمق خليج سيام.

الممرضة التي تدخل تعلن لها بنبرة رجل كهل، القبضتان على الحوض: إذَنْ، هي الليلة الكبيرة! إنها ترتدي خوذة شعر ملح وفلفل، ونظارة مربعة، لون وردي طفيف يصبغ جفنيها. ترفع كلير راحتي يديها نحو السماء وهي تهز الكتفَين، تبتسم: نعم، الليلة كل شيء ممكن. تقدم لها الممرضة أكياسًا طبية مسطحة وشفافة تعكس الضوء تحت السقف، مثل أوراق الجلاتين، تنحني للأمام، تنفصل قلادة عن جلدها، لمعة مقتضبة في الفراغ — إنه قلب صغير من الفضة محفور عليه وعد، اليوم أكثر من الأمس وأقل من الغد، حلية صغيرة مرجعها كتيب منتجات، تُباع بالمراسلة. أسيرة، تتابع كلير ببصرها تأرجحها — ثم تستقيم الممرضة، تشير إلى الأكياس الطبية: إنها ملابس غرفة العمليات، ستلبسينها للذهاب إليها، وكلير تراها في خليط من نفاد الصبر والإحجام — مادة الشعور نفسها التي تعمل منذ عام سلفًا، والاسم الآخر للانتظار. تجيب، مدعية اللامبالاة: سننتظر وصول القلب رغم هذا، لا؟ تهز المرأة رأسها وتنظر إلى ساعتها: لا، سترحلين إلى غرفة العمليات خلال ساعتين، عندما نحصل على بياناتك. سيصل العضو في المكان قرابة الساعة ١٢:٣٠ ليلًا، ينبغي أن تكوني مستعدة، سيتم تنفيذ عملية الزرع على الفور. تذهب.

تفرغ كلير أغراضها وتضع منتجاتها في الحمام، تضع الشاحن في هاتفها المحمول، تضعه على سريرها؛ تجعل المكان يخصها. تتصل بأبنائها — يركضون على الطريق الأسفلتي، في ممر المترو، تسمع صدى خطواتهم في الممرات: نحن هنا، سنصل، يلهثون قلقًا. يريدون طمأنتها، مساندتها. يخطئون، هي لا تخشى العملية. ليس هذا. ما يعذبها هو فكرة هذا القلب الجديد، وأن شخصًا مات اليوم حتى يمكن أن يحدث كل هذا، وأنه يستطيع أن يغزوها ويغيرها، يحولها — تاريخ زراعة الأعضاء، الفسائل، الحيوانات والنباتات.

تدور في الغرفة. إذا كانت هبة، فكرت، فهي من نوع خاص على أي حال. لا يوجد مانح في هذه العملية، لا أحد اعتزم التبرع وبالمثل لا يوجد متنازل، ما دامت غير قادرة على رفض العضو، ينبغي أن تستقبله إذا أرادت البقاء، ما هذا؟ إعادة تدوير عضو كان صالحًا للاستخدام، ضمان وظيفته كمضخة؟ بدأت في خلع ملابسها، تجلس على السرير، تخلع حذاءها الطويل، جواربها. معنى هذا النقل الذي تستفيد منه بلعبة حظ لا تُصَدَّق عن توافق غير مسبوق لدمها وشفرتها الوراثية مع تلك الخاصة بشخص مات اليوم. كل هذا يصبح مشوشًا. هي لا تحب فكرة الامتياز غير المبرر، اليانصيب، تشعر أنها مثل تمثال محشو يمسك به الملقط في تراكم الأشياء المكدسة خلف واجهة عرض في الملاهي. لكن قبل كل شيء، لن يمكنها أبدًا أن تقول شكرًا، هذه هي القصة كلها. بل تقديم هبة مناسبة بالمقابل للانعتاق من هذا الدين الأبدي، وتعبُرها فكرة أنها في فخ للأبد. الأرض باردة للغاية تحت قدميها، ينتابها الخوف، كل شيء ينسحب.

تقترب من النافذة. تتسارع خيالات في ممرات المستشفى، سيارات بطيئة تسير بين المباني التي تعيد رسم خريطة تشريح الجسد البشري في الليل، عضوًا عضوًا، ومرضًا مرضًا، يُفصل الأطفال عن البالغين، يُجمع الأمهات، العجائز، الموتى. تحب أن تتمكن من تقبيل أبنائها قبل أن تكون مغطاة برداء الكاهن الورقي هذا المنسوج الذي يطفو دون أن يغطيها، ويعطيها الشعور بأنها عارية في تيار هواء، تحتفظ بعينيها جافتين، لكنها تعاني من تفكيك ضخامة ما تعيشه، تضع اليد هنا، بين ثدييها، تنصت لإيقاعه دائمًا أسرع إلى حد مفرط رغم الأدوية، دائمًا غير متوقع أيضًا، وتنطق اسمه بصوت عالٍ: قلب.

ساعات المقابلة مع الأطباء المكلفين بتقييمها النفسي، وقت اقتراحهم بإجراء عملية زراعة العضو — بيان بعلاقتها العاطفية، مقياس درجة اندماجها الاجتماعي، فحص سلوكها في مواجهة التعب والقلق، طاعتها في مواجهة العلاجات بعد العملية الجراحية التي ستكون ثقيلة وطويلة — لم يعرفوا كيف يخبرونها بما سيحدث لقلبها، فيما بعد. ربما يوجد في مكان ما صندوق أعضاء. تقول لنفسها، وهي تخلع حليها وساعتها، نوع من مكب للنفايات، وأن قلبها سيُودَع هنا مع آخرين غيره، يُخلى من المستشفى عبر أبواب القسم، في أكياس قمامة كبيرة؛ تفكر في حاوية للمواد العضوية حيث سيتم إعادة تدويره، ليرجع في حالة مادة غير واضحة، سمادٌ من لحمٍ مُعاد تشكيله يقدمه آل «أتريوس» بتوحشهم الذي لا حدود له لمنافسيهم الذين يدخلون قاعة القصر وشهيتهم مفتوحة للغاية، أقراص أو شريحة لحم بصلصة الترتار، عجين يُعطى للكلاب في أوعية كبيرة، طُعم للدببة والثدييات البحرية — وربما عندئذٍ سيتحول هؤلاء بعد أن ابتلعوا المادة، ستتغطى قشرتهم بشعر بلاتيني مثلها، ربما سينمو لهم أهداب طويلة مخملية.

يطرقون على الباب ويدخلون الغرفة على الفور دون انتظار إجابة، إنه إيمانويل هارفان. ينغرز أمامها، يصرح أن القلب سيُسحَب قرابة الساعة الحادية عشرة، معطيات العضو لا عيب فيها، ثم يصمت، يراقبها: تريدين الحديث معي؟ تجلس على السرير، تكور الظهر، تضع يديها مفرودتين جيدًا على الحشية، وتلف الكاحل على الكاحل، قدماها ساحرتان، أظافرها تلمع، مطلية بأحمر متوهج، إنها تنفجر في الغرفة الخلوروزية مثل تويجات رقمية بالفعل: لديَّ أسئلة، أسئلة عن الواهب. يهز هارفان رأسه، مفكرًا أنها تبالغ، هي تعرف الإجابة: سبق أن تحدثنا في الأمر. لكن كلير تُصِر، شعرها الأشقر يشكل أقواسًا على خديها: أريد أن أتمكن من التفكير في الأمر. تضيف، لتقنعه: على سبيل المثال، من أين يأتي هذا القلب، الذي هو غير باريسي؟ يحدق هارفان في وجهها، يقطب حاجبيه: كيف تعرف الآن هذا؟ ثم يوافق: «سين-ماريتيم». تغلق كلير العينين، تسرع: ذَكر أم أنثى؟ هارفان على الفور: ذَكر، يصل إلى الباب المفتوح على الممر، تسمعه يغيب، تفتح الجفنين: انتظر حضرتك، عمره من فضلك؟ لكن هارفان اختفى.

يصل أبناؤها الثلاثة معًا فورًا، سحنتهم سيئة، الكبير قَلِقٌ على نحو رهيب لا يترك اليد، الثاني يدور في الغرفة ومكررًا مرارًا وتكرارًا: كل شيء سيسير على ما يرام. الأصغر جلب لها علبة سكر في شكل قلوب. هارفان «آس»، الأفضل في اختصاصه، سبعون عملية زرع قلب سنويًّا، وأفضل فريق، أنتِ بين أيادٍ جيدة. يقول لها بصوت يرتعد. توافق بشكل آلي، تراقب وجهه دون أن تسمعه حقًّا: أعرف، لا تقلق. الأمر أصعب مع والدتها التي لا تكف عن البكاء؛ لأن الحياة غير عادلة، إنها تريد أن تأخذ مكانها على منضدة العمليات؛ لتخلص بأن الطبيعي أكثر والأكثر توقعًا أن تكون هي مَن تموت، أو على الأقل تكون أول مَن يخاطر بحياتها. تفقد كلير صبرها: لكن لن أموت، ليس لديَّ أبدًا النية في الموت. الأولاد منهكون، يسيئون معاملة جدتهم: اصمتي الآن، الوضع في حالة فوضى. تعود الممرضة في الغرفة وتربت على ميناء ساعتها وتلخص الوضع: كل شيء حسن، ينبغي أن تستعدي. تُقبِّل كلير أبناءها، تلمس الخد، تهمس لكل واحد منهم: غدًا يا حبي.

فيما بعد، عارية، دخلت مقصورة الاستحمام، واغتسلت مطولًا بالبيتادين، ترش جسدها بالكامل بالسائل الأصفر، وتفرك نفسها بقوة. بمجرد أن تجف، ترتدي الرداء الفضفاض المعقم، ثم تبدأ مرةً أخرى في الانتظار.

قرابة الساعة العاشرة، تدخل طبيبة التخدير في الغرفة: كل شيء على ما يرام؟ إنها امرأة طويلة، كتفان وحوض ضيقة، رقبة بجعة، الابتسامة شاحبة، لها يدان طويلتان باردتان تلمس يديها عندما تقدم لها أول دواء — كي تسترخي — تتمدد كلير على سريرها، تعب مفاجئ رغم أنها منفعلة كما لم يحدث أبدًا. بعد ساعة أخرى يدخل حامل نقالة غرفة العمليات بدوره، يمسك بمقابض سريرها: سنجري لكم العملية على الطاولة، ونعيدكم على سريركم فيما بعد. ثم ينقلها دون أي كلمة. يجوبان أمتارًا من الممرات، لا تعرف أين تضع عينيها، ترى أسقفًا مملة تمر، وأسلاكًا كهربائية متعرجة مثل ثعابين النهر. يتسارع قلبها كلما اقتربا من منطقة غرفة العمليات، يعبران أبوابًا مشفرة مزودة بغرف معادلة الضغط. المكان يُجَزَّأ مرةً أخرى، ثم تُنقَل في قاعة صغيرة حيث يجعلونها تنتظر: سيأتون لأخذكم. تخف حدة الوقت، منتصف الليل عن قريب.

خلف باب غرفة العمليات، تراجع طبيبة التخدير وضع المعدات الخاصة بمتابعة المريضة؛ تضع أقطابًا كهربائية من أجل يقظة القلب، تركب قساطر لتقرأ الضغط باستمرار على الشاشة، وهذا الجهاز الذي يقرص طرف الأصبع لمراقبة إجمالي الأكسجين في الدم. تركب محقنة الأوردة، تعلق جيب السائل نصف شفاف، تضبط الأقفال — حركات بسيطة، طورتها خبرة ثلاثين عامًا، مُنَفَّذة بإتقان تام — حسنًا، يمكننا البدء، الكل هنا؟ لكن لا أحد هنا بالضبط، الفريق يستعد في غرفة تبديل الملابس، يرتدي سراويل وقمصانًا زرقاء سماوية، معاطف بأكمام قصيرة وسترات بأكمام طويلة، كل شخص يضع غطاءَي رأس على الأقل ليغطي فروة رأسه كاملةً، وكمامتين أيضًا أمام الفم. خُف، ما فوق الخف، قفازات معقمة في أزواج متعددة متجددة بوفرة. يغتسلون بمياه وفيرة، يغسلون الساعدين حتى الكوعين بمحاليل مطهرة، ينظفون الأظافر، مرة، مرتين، ثلاثًا. ثم هو الدخول إلى غرفة العمليات. أجساد غير مميزة تدخل المكان، تضبط الأجهزة، لكن إذا كان الوجه قد اختفى، تظل الهيئة، القامة، طريقة الحركة، مقياس الجسد، الحركية، والنظرة التي تؤسس لغة أخرى في هذا النطاق. يوجد هنا أخصائي الإرواء، متدرب غرفة العمليات، ممرضتان لتضميد الجروح، وطبيبتا تخدير — يعمل هارفان منذ ثلاثين عامًا مع هذا الثنائي من الصديقات القدامى، نفذ أول عملية زرع أعضاء معهن.

من ناحية أخرى، ها هو يصل، كأنه يبدأ سباقًا. ارتدى معطفًا — مريلة بتغطية فائقة، يُلبَس من الأمام وينعقد في الظهر، الكم مربوط بالإبهام بحلقة — طوله حتى منتصف السمانة يُذكِّر بمرايل الجزار تلك التي تجعل المقعدة ضيقة. يقترب من كلير للكلمة الأخيرة: سيكون القلب هنا خلال ثلاثين دقيقة، إنه رائع، إنه مصنوع من أجلكم، ستتفاهمان تمامًا. تبتسم كلير: لكنكم ستنتظرون بالفعل إلى أن يصبح في غرفة العمليات قبل أن تنزعوا مني هذا، أليس كذلك؟ هارفان، مذهولًا: حضرتكِ جادة؟

يخدرون كلير. سرعان ما تظهر صور تحت جفنيها، تدفق بلاستيكي لأشكال لينة ودرجات ألوان ساخنة، تحولات لا نهائية لأسطح، انتشار متغير لخلايا وأنسجة بينما الممرضات يخفين رأسها وجسدها تحت أوراق بلاستيك صفراء كبيرة، مُغطاة بدورها بمجال العمليات؛ وحدها منطقة من الجلد تظل مرئية، واضحة تحت أشعة الضوء، مؤثرة، هذه المنطقة التي سنحفرها. يقوم هارفان بالحركات الأولى، يسجل على قفصها الصدري مسار الشق القادم بمساعدة قلم معقم، يُعَلم الأماكن المحددة لفتحات صغيرة — سيضعون فيها أنابيب ستُدخل في الجسد جهازًا للكاميرات. ثم طبيبة التخدير المعلقة بهاتف غرفة العمليات تعلن: هذا حسن، إنهم قادمون.

***

غرفة عمليات أخرى في مصب نهر ليلي، لكنها مهجورة هذه، أمر بَدْء الفِرق عكس أمر إعداد أدوات عمليات الزراعة، آخر مَن سيظل بجوار سيمون ليمبر هم مَن أخذوا الكليتين، أطباء المسالك البولية، دائمًا هم. إنهم مكلفون بمنح الجسد مظهرًا خارجيًّا سليمًا.

توما ريميج هنا أيضًا، يلمع وجهه من الإرهاق وخدَّاه مسطحان، ورغم انفتاح ساعات مختلفة، متسعة نحو نهاية العملية، ساعات متأخرة في زمنية أبطأ ومادتها أكثر ليونة في آن، هو يؤكد حضوره. كل فعل من أفعاله، حتى ما لا يكاد يُلحَظ، يعبر عن فكرة أنه لا، لم ينته الأمر بعد، لا، لم ينته بعد. بالتأكيد يثير غيظ الآخرين من كثرة مد رقبته من فوق أكتافهم، من كثرة استباق حركات الجرَّاحين والممرضات. سيكون من السهل للغاية الآن التخلي عن الأمر، ترك علامة أو علامتين، الإسراع من الرعاية الأخيرة، تصفية الشيء، ما الذي يتغير بشكلٍ أساسي؟ يقاوم توما بصمت تيار الإنهاك العام، أو الحاجة الملحة لإنهائه، لا يتخلى عن أي شيء؛ هذه المرحلة من إزالة الأعضاء، ترميم جسد المانح، لا يمكن أن يكون مبتذلًا، إنه إصلاح؛ ينبغي الإصلاح الآن، إصلاح الأضرار. إعادة ما مُنِحَ مثلما منح. خلاف ذلك، فهي الهمجية. حوله، تُرفَع الأعين نحو السماء، يتنهدون: لا تقلق، ماذا تعتقد؟ لن نستعجل أي شيء، كل شيء سيتم كما ينبغي.

جسد سيمون ليمبر أجوف، يبدو أن الجلد قد امتُصَّ من الداخل في بعض الأماكن. هذا المظهر الضموري لم يكن مظهره عندما دخل غرفة العمليات، إنه يصرخ من التشوهات التي خضع لها، ويتعارض مع الوعد الذي قُطِعَ للوالدين: ينبغي ملؤه. بسرعة يخلق الممارسون بطانة باستخدام حقول النسيج وربطات، حشوة خشنة مطلوب تشكيلها على أفضل وجه وفقًا لحجم وشكل الأعضاء التي جرى أخذها، ثم تنظيمها في المكان والموقع. تنشغل الأيادي والحركات الكَريمة، هي تلك الخاصة بالترميم — المقصود منح سيمون ليمبر مظهره الأصلي من جديد، حتى يكون هو، وهذه الصورة عنه، حتى يمكن مَن سيجدونه غدًا في المشرحة من أرشفته في ذاكرتهم، حتى يتمكنوا من التعرف عليه كما كان. نغلق الآن الجسد على نفسه — على فراغه، على صمته. خياطة الجروح باللفق — خياطة بخيط مفرد، معقود في كل حافة — ستكون حساسة، أنيقة، مُتقَنة، إبرة الممارس، رفيعة ودقيقة، ترسم خطًّا مستقيمًا منقطًا، والمؤثر هو أن الخياطة، هذه الحركة العتيقة المترسبة في ذاكرة البشر منذ الإبر المثقوبة للعصر الحجري، يمكنها أن تجمع غرفة العمليات وتُنهي عمليةً بهذا المحتوي التكنولوجي. علاوةً على ذلك، يعمل الجرَّاح بحدس مطلق، في اللاوعي الكلي لحركته، يده تنفذ حلقات منتظمة أعلى الجرح، حلقات قصيرة ومتطابقة، لتُعْقَد وتُغْلَق. في مواجهته، يستمر المتدرب الشاب في المراقبة والتعلم، هذه هي المرة الأولى التي يحضر فيها هو أيضًا إزالة أعضاء متعددة، ولا شك أنه كان يحب أن يقوم بالخياطة، لا شك أنه كان يريد أن يضع هو أيضًا يده على جسم المتبرع كي ينضم إلى الحركة الجماعية، لكن كثافة العملية الجراحية امتصت تصوراته، و، تعب أو عصبية، ترفرف فراشات سوداء في مجال رؤيته، هو يتصلب، يقول لنفسه إنه لم يفقد قواه عندما أُفْرِغَ الدم في الدلو، هذه بداية، وأن الأساسي هو أن تظل واقفًا حتى نقطة النهاية.

في الساعة الواحدة والنصف، يضع أطباء المسالك البولية أدواتهم، يرفعون رأسهم، يتنفسون، يخفضون قناعهم ويغادرون غرفة العمليات، يأخذون الكليتين. يظل توما ريميج وكورديليا أُوول، التي يبدو أنها صامدة تحت تأثير توتر متبقٍّ، لم تنمْ قرابة أربعين ساعة وتشعر أنها إذا فرملت ستسقط، ستنهار في المكان. تبدأ عمل النهاية. تجرد الأدوات، تملأ الملصقات، تسجل أرقامًا على ورق مطبوع، تسجل مواعيد. وهذه الإجراءات الإدارية، المنفذة بصرامة إنسان آلي، تترك لها المجال حرًّا كي تهذي، كي تنفجر ومضات في دماغها، تلاشٍ تدريجي يربط شذرات من جسد، فتات كلمات، أجزاء من أماكن — يؤدي ممشى المستشفى إلى ممر مُقوَّس بروائح رائعة، خصلة الشعر ترتعش على شعلة الولاعة، أضواء الشوارع البرتقالية تتماوج رأسيًّا في عينَي حبيبها، حوريات البحر ذوات الشعر الأخضر يتحركن فوق هيكل شاحنة صغيرة. يهتز هاتفها أخيرًا في الليل — استمرارية مسامية تنطبع على وجه سيمون ليمبر، الذي راعته بعد ظهر هذا اليوم، فحصته وربتت عليه، وهذه الشابَّة بجسدها المنثور بعلامات عض جنسي بني — بشرة نمر — تفكر فجأةً في الوقت الذي ستحتاج إليه كي تترسب هذه الساعات، كي تُصفي العنف منها، توضح معناها: ما الذي عشتُه للتو؟ عيناها مشوشتان، تنظر إلى ساعتها، تخفض قناعها: ينبغي أن أعود إلى القسم حاليًّا، المتدربة وحدها في الطابق الأعلى، سأعود. يومئ توما برأسه دون النظر إليها: تمام، سأنهي الأمر، خذي وقتكِ. تبتعد خطوات الفتاة وينغلق باب غرفة العمليات. توما وحده الآن. يجوب المكان بنظرة دائرية بطيئة وما يراه يجعله يرتجف؛ إنه مُدَمَّر هنا، فوضى من معدات وأسلاك كهربائية، شاشات مشوشة، أوانٍ مستعملة، أقمشة ملوثة على طبالي العمل، طاولة العمليات متسخة والأرض مرشوشة بالدم. أي شخص يمر برأسه ستطرف عيناه في الضوء البارد ثم سيكوِّن لنفسه صورةً عن ساحة معركة بعد الهجوم، صورة حرب وعنف. توما يرتجف، ويشرع وحيدًا في العمل.

جسد سيمون ليمبر جثة من الآن فصاعدًا. ما تتركه الحياة خلفها عندما انسحبت، ما يودعه الموت في ساحة المعركة. إنه جسد غاضب. هيكل، جثة، جلد. جلد الصبي يأخذ ببطءٍ لون العاج، يبدو أنه يتجافى، محاطًا بهالة هذا البصيص الصريح الذي يسقط من مصباح غرفة العمليات، يبدو أنه يصبح صدر سلحفاة، درعًا، والندبات بعرض البطن تذكِّر بضربة قاتلة — الرمح في خاصرة المسيح، ضربة سيف المحارب، شفرة الفارس — إذَنْ هل حركة الخياطة هذه هي التي أبعدت أنشودة الشاعر الملحمي، رابسودي اليونان القديمة، أهو وجه سيمون، جماله كشاب منحدر من موج البحر، شعره الممتلئ بالملح الذي لا يزال مُجَعَّدًا مثل شعر رفاق يوليسيس الذين يزعجونه، هل هو جرحه في شكل الصليب؟ لكن توما يبدأ في الغناء. أنشودة رقيقة، بالكاد مسموعة لتلك أو ذاك الذي سيكون معه في الغرفة؛ لكنها أنشودة تتزامن مع الأفعال التي تشكل الغسل الجنائزي، أنشودة ترافق وتصف، أغنية تشهد.

يتم وضع المعدات اللازمة لغسل الجسد قبل المغادرة إلى المشرحة على عربة بعجلات. ارتدى توما مريلة يتم التخلص منها فوق معطفه، وضع قفازين يُستَخدَمان مرة واحدة، جمَّع مناشف — هي أيضًا تُستَخْدَم مرةً واحدةً، مرةً واحدةً، لسيمون ليمبر — وكمادات سليلوز ناعمة، حقيبة قمامة صفراء. يبدأ بإغلاق عينيَ الصبي باستخدام وسادة جافة للعين، وبعد ذلك، ليغلق فمه، يلف قطعتَي قماش، يضع إحداها تحت القذال حتى يثني فقرات العنق، بينما الأخرى تدعم الذقن بالاستناد عموديًّا على القفص الصدري. ثم، يزيل من الجسد كل ما يغزوه، هذه الأسلاك وهذه الأنابيب، محاقن الأوردة والقسطرة البولية، يخلصه من كل ما يعبر خلاله، يضمه، يعيق الرؤية، يطلقه، وعندئذٍ يظهر جسد سيمون ليمبر في النور، أكثر عريًا، فجأةً، من عارٍ؛ جسد إنساني مقذوف خارج الإنسانية، مادة مقلقة منجرفة في ليل بركاني، في فضاء هُراء بلا ملامح، لكنْ كيانٌ يعطيه نشيد توما حضورًا، تدوينًا جديدًا. فهذا الجسد الذي فجرته الحياة يستعيد وحدته تحت اليد التي تغسله، في نفَس الصوت الذي يغني؛ هذا الجسد الذي تعرض لشيء خارج المألوف يحشد الآن الموت المشترك، رفقة البشر. يصبح موضوعًا للمديح، يجملونه.

يغسل توما الجسد، حركاته هادئة وغير مقيدة، وصوته الغنائي يستند على الجثة حتى لا ترتخي تمامًا كما تنفصل عن اللغة لتدعم نفسها، تتحرر من بناء الجملة الأرضية لتضع نفسها في هذا المكان الدقيق للكون؛ حيث تتقاطع الحياة والموت. إنه يلهم وينتهي، يلهم وينتهي، يلهم وينتهي؛ إنه يرافق اليد التي تزور نموذج الجسد للمرة الأخيرة، ويتعرف على كل ثنية وكل مساحة من الجلد، بما فيها هذا الوشم في الكتف، هذا الأرابيسك الأسود الزمردي الذي كتب في لحمه الصيف الذي قال لنفسه فيه إن جسده ملكه فقط، إن جسده يُعبِّر عن شيء منه. يضغط توما الآن على نقاط البزل التي بقيت في المكان الذي اخترقت فيه القسطرة الجلد الخارجي، يُقمط الصبي، بل يعيد تصفيف شعره فيجعل وجهه يتألق. يتصاعد الغناء في غرفة العمليات، بينما يلف توما الجثة في ملاءة نظيفة — هذه الملاءة التي سيتم ربطها فيما بعد حول الرأس والقدمين — وعند مراقبته وهو يعمل، نفكر في الطقوس الجنائزية التي كانت تحافظ على سلامة جمال البطل اليوناني الذي جاء ليموت عن عمد في ساحة المعركة، حتى يضمن لنفسه مكانًا في ذاكرة البشر، حتى يمكن للمدن، للعائلات، وللشعراء أن يتغنوا باسمه، يحيوا ذكرى حياته. إنه الموت الجميل، إنها أغنية موت جميل. ليس ارتقاء القربان المضحى به، ليس تمجيدًا لروح المتوفى الذي سينسحب في دوائر تصاعدية نحو السماء، لكن تشييد يعيد بناء تفرد سيمون ليمبر، يجعل الشاب يطفو من الكثبان الرملية، لوح ركوب الأمواج تحت الذراع، يجعله يركض أمام الشاطئ مع آخرين غيره، يجعله يتعارك بسبب إهانة قافزًا والقبضتان على ارتفاع الوجه، ومحتفظًا بهما مشدودتين، يجعله يقفز في حفرة قاعة حفل موسيقي، يرقص اﻟ «بوجو» مثل مجنون، وينام على بطنه في سرير طفولته، يجعله يجعل «لو» تدور — السمانتان الصغيرتان ترفرفان فوق الأرضية الخشب — يجعله يجلس في منتصف الليل أمام والدته التي تدخن في المطبخ لتحدثه عن والده، يجعله يخلع ملابس جولييت ويمد لها يده كي تقفز بلا خوف من حائط الشاطئ، يدفعه في فضاء ما بعد الموت الذي لم يعد الموت يصل إليه، فضاء النصر السرمدي، فضاء تاريخ ووصف الأساطير، فضاء الغناء والكتابة.

تظهر كورديليا بعد ساعة. قامت بدورة في القسم، فتحت الأبواب، قامت بجولة في غرفة الإفاقة، فحصت الثوابت في الغرف، وتدفق المحاقن الكهربائية وإدرار البول، نظرت إلى الكائنات التي كانت تنام هنا، على وجوههم التي كانت أحيانًا تكشر من العذاب، راقبت وضعهم، استمعت إلى أنفاسهم، ثم نزلت لرؤية توما. تفاجئه يغني، تسمعه حتى قبل أن تراه؛ إذ إن صوته قوي الآن، ولاضطرابها تتحجر، الظهر متصلب على باب غرفة العمليات، اليدان بطول الجسد، الرأس للخلف، إنها تنصت. فيما بعد، يرفع توما عينيه: جئتِ في الوقت المناسب. كورديليا تتقدم إلى الطاولة. يتم رفع الورقة البيضاء إلى قمة عظم قص سيمون، إنها تحفر ملامح وجهه، وحبوب الجلد، والغضاريف الشفافة، ولب الشفاه. إنه جميل؟ يسألها توما؛ نعم، جدًّا. تجيب هي.

عندئذٍ ينظران إلى بعضهما بقوة، ومعًا يرفعان الجسد، الذي رغم كل شيء لا يزال وزنه ثقيلًا، يأخذ كل واحد منهما مكانه في أحد الأطراف ويسحبانه على نقالة، في كفن، قبل أن يناديا متعهدي الجنازة. صباح غدٍ، سيتم تسليم سيمون ليمبر للأسرة، لشين وماريان، لجولييت، وإلى «لو»، سيعود إليهم كاملًا.

***

هبطت الطائرة في بورجيه في الساعة الثانية عشرة وخمسين دقيقة ليلًا. الوقت لا هوادة فيه. تنسيق لوجستي لا تشوبه شائبة، سيارة تنتظرهم. هذه ليست سيارة أجرة بل سيارة متخصصة في هذا النوع من المهام، وهي منضبطة حراريًّا — الأبواب مكتوب عليها: سيارة ذات أولوية، تبرع بالأعضاء. هدوء عميق يسود قمرة القيادة؛ إذا كان التوتر محسوسًا، فلا أثر هنا لإخراج عن الطوارئ من أجل تقرير تلفزيوني عن مجد زارعي الأعضاء والسلسلة البشرية البطولية، ولا مشهدَ صامتًا هستيريًّا منقولًا على لافتة ساعة توقيت بالأحمر في زاوية الشاشة، ولا أي أثر أيضًا لصفارة إنذار أو جماعة من السائقين يرتدون الخوذات البيضاء والأحذية السوداء برقبة طويلة يفتحون الطريق بدعم كبير من الإبهام المتوتر ووجوه باردة، فكين منقبضين. تدور العملية، مُتحَكَّم فيها و، حاليًّا، المرور على الطريق السريع ضعيف؛ لأن تدفق عودة نهاية الأسبوع في مساء هذا الأحد قد خف. أمامهم تنتصب باريس تحت قبة ضوء جُسَيمي. مكالمة من غرفة العمليات أثناء مرورهم في «جارونور»: تم تجهيز المريضة، نبدأ الإعداد، أين أنتم؟ نحن على بعد عشر دقائق من «لاشابيل». نحن في الوقت المناسب. يهمس فيرجيليو، وينظر إلى أليس، صورة جانبية لطائر ليلي — جبهة مقعرة، أنف كمنقار، الجلد الناعم الجميل — تستقر على ياقة فراء معطفها الأبيض، لها حقًّا رأس بومة ثلجية هذه، يفكر.

على ارتفاع ملعب فرنسا، الطريق مسدود. سُحقًا. ينهض فيرجيليو، ينكمش. ما الذي لا يزالون يفعلونه هنا؟ يلتزم السائق الصمت. إنها المباراة، هم لا يريدون العودة إلى ديارهم. ازدحم المرور بخليط سيارات بنوافذ مفتوحة، مأهولة بشباب مخمور من الفرحة يلوح بالعلم الإيطالي الذي يتباهى به بطرف العصا في البرد، حافلات استأجرتها جمعيات المشجعين، وخزانات مبردة لمسافات طويلة عالقة في فخ البهجة. يعلنون عن تصادم في المقدمة. تُطلق أليس صرخةً، ينقبض فيرجيليو. سنتيمتر بعد سنتيمتر، يتمكن السائق من توسيع الفواصل بين أجسام السيارات لتنزلق سيارته بينها، ويصل إلى نطاق موقف الطوارئ، الذي يصعده بسرعة مخفضة لنحو كيلومتر واحد، متخطيًا الحادث العقدي، وبعد ذلك المسار فارغ والإسراع قوي، البقع المضيئة المتباعدة على حاجز الأمان لم تعد تشكِّل سوى سلك طويل مضيء في الليل. إبطاء جديد في لا شابيل. سنأخذ الدائري. عتبة المدينة تنسجم مع أبوابها من الشرق، من «أوبرفيلييه» إلى «برسي»، منحنى طويل في نهايته يُعاد زرع السيارة نحو اليمين، تَلِجُ المدينة، عندئذٍ هي ضفاف نهر السين، أبراج المكتبة، ثم منعطف حاد إلى اليسار ويصعدون إلى جادة فنسين-أوريول، يفرملون في مرتفع شيفاليريه، يدخلون نطاق المستشفى، هذا هو المكان، تتوقف السيارة أمام المباني. اثنتان وثلاثون دقيقة، ليست سيئة. يبتسم فيرجيليو.

***

في غرفة العمليات، لا يكاد يرفع المرء رأسه عندما يرحلون، معًا، يحضرون الكنز على حافة السرير مثل غنيمة عند قدمي سيد. وصولهم لن يحيد العملية عن مسارها ويخلق أي قطع، فالعملية، هنا، بدأت بالفعل. بالكاد يرحبون بهم عندما يأتون، يرتدون ملابسهم المعقمة بالفعل، أذرع مغسولة، أيادٍ مطهرة، والآن لا يرى فيرجيليو من أليس سوى هاتين العينين الغريبتين، بطيئتين وكثيفتين، حيث يتعقد أصفر مبعثر، أخضر مصفر وعسل، زبرجد مدخن. رغم هذا ينتهي الأمر بهارفان، بالصياح فيهم: إذَنْ، سارت الأمور بشكل جيد مع القلب؟ وفيرجيليو، بنفس النبرة الصافية يجيب: نعم، مجرد اختناق في العودة.

وضع القلب في وعاء من «كوبول»، بالقرب من السرير. تتسلق أليس درجة صغيرة في طرف المائدة، ستراقب عملية الزرع، تتمايل ساقاها قليلًا عندما ترتفع على الدرجة، بينما فيرجيليو يتقدم ليحل محل متدرب غرفة العمليات، وبالكاد لا يأخذ الأواني من يديه وكل شيء فيه يعبر عن رغبته في أن يكون هنا، تحت أضواء «سياليتيك» الثلاثة، فوق الجذع، وأن يكون مواجهًا لهارفان. الآن هما يعملان معًا.

فجأةً، مكتشفًا قلب كلير، يطلق هارفان صفيرًا ويقول متعجبًا: إنه لم يكن حقًّا في كامل صحته، هذا، ولن نستاء بالتغاضي عنه. وافق مَن حوله شبه ضاحكين إذ فاجأهم اكتشافه طريفًا في غرفة العمليات وفَكِهًا، بينما يبقي كل عضو في فريقه في ضغط مرعب، العين على كل شيء وحتى وراء الرأس، لكن غرفة العمليات هي بالفعل المكان الوحيد الذي يشعر فيه أنه موجود، حيث يجد تعبيرًا عمن يكون، صرامته المفرطة، وإيمانه بالإنسان، جنون العظمة، رغباته في السيطرة؛ هنا يستدعي عشيرته ويذكر واحدًا تلو الآخر ممن بنى علميًّا فعل زراعة الأعضاء، الزارعين الأوائل، الرواد، كريستيان برنار في كيب تاون عام ١٩٦٧م، نورمان شومواي في ستانفورد عام ١٩٦٨م، أو أيضًا كريستيان كابرول هنا، في «بيتييه»، رجال اخترعوا زراعة الأعضاء، تصوروها ذهنيًّا، ركبوها وفككوها مئات المرات قبل أن يحققوها، كلهم رجال الستينيات، مدمنو العمل ونجوم جذابون، متنافسون، إعلاميون، يتشاجرون على المرتبة الأولى ولا يترددون في سرقتها من بعضهم، يثيرون إعجاب النساء في حفلات الزفاف الجماعية محاطين بفتيات يرتدين أحذية ركوب الخيل وتنانير قصيرة من نوع ماري كوانت، يضعن المساحيق على غرار تويجي، أوتوقراطيون بجرأة مجنونة، أفراد تغطيهم الكرامة لكنهم مسعورون.

المقصود في البدء الاهتمام بالأوردة التي تقود الدم في وخارج العضو. تُقَطَّع الأوردة واحدًا، واحدًا، تُسَد، يتم العمل عليها — هارفان وفيرجيليو يعملان بسرعة، لكن يبدو أن السرعة هي التي تسند الفعل؛ إذ قد ترتعد أيديهما إذا أبطأت — ثم هذا مؤثر، يستخرج القلب من الجسد لتعمل الدورة الدموية خارجه، تحل آلة مكان قلب كلير طوال ساعتين، آلة ستعيد إنتاج حلقة الدم المغلقة في جسدها. في هذه اللحظة، يطلب هارفان الصمت، يجعل شفرة ترن على أنبوب من معدن، ثم ينطق باللاتينية عبر قناعه الجملة الطقسية في هذه المرحلة من العملية: تمرين تشريحي على حركة القلب والدم في الحيوانات — تكريمًا لويليام هارفي، أول طبيب وصف، عام ١٦٢٨م، نظام الدورة الدموية كاملًا في الجسد الإنساني، ومشيرًا بالفعل للقلب كمضخة ذات أثر هيدروليكي، عضلة تضمن استمرارية التدفق بحركاتها ونبضاتها. في غرفة العمليات، دون توقف، يجيب الكل: آمين!

هذا الطقس الغريب يربك أخصائي الإرواء. هو لا يعرف اللغة اللاتينية، ويتساءل عما يحدث. إنه ممرض برموش مرفوعة، شاب، ٢٥، ٢٦ عامًا، الوحيد هنا الذي لم يعمل أبدًا مع هارفان. إنه جالس على مقعد عالٍ بلا ظهر أو ذراعين أمام آلته، تقريبًا مثل مقدم الأغاني أمام جهاز الأسطوانات، ولا أحد هنا سيجد نفسه أفضل منه في فوضى الخيوط التي تخرج من الصناديق السوداء الكبيرة. مُرشِّح، مؤكسج، ينطلق الدم في أنابيب رفيعة شفافة، شفرة ألوان على أقراص ذاتية اللصق تحدد اتجاهها. على الشاشة، علامة الصورة البيانية الكهربائية للقلب خطية، درجة حرارة الجسم ٣٢ مئوية، لكن كلير حية حقًّا. أطباء التخدير يتبادلون مراجعة الثوابت، والبلع الجيد للمنتجات؛ يمكننا المواصلة.

عندئذٍ ينحني فيرجيليو، ويلتقط القلب من الحاوية. يتم رش أربطة الجيوب المختلفة التي تحميه بمطهر، ثم تُفَك، وبعد ذلك يستخرج العضو من البرطمان، يمسكه بكلتا يديه، ويضعه في قاع القفص الصدري. أليس، التي لا تزال على الخطوة المعدنية حيث رفعت نفسها على أصابع قدميها، تُبقي عينيها ثابتتين، مفتونة، وتخاطر بفقدان توازنها عندما تحرك ذقنها لرؤية ما يحدث هنا، داخل الجسم — هي ليست الوحيدة التي تمتد رقبتها على هذا النحو، متدرب غرفة العمليات جاء ليقف بجانب هارفان، يتقدم هو أيضًا، يقطر عرقًا حتى تنزلق نظارته على أنفه ويوشك على فقدها، يتراجع في آخر لحظة ليعيدها في مكانها، يصدم محقنة أوردة، كن حذرًا من فضلك، يقول طبيب التخدير بصوت جافٍّ، قبل أن يقدم له الكمادة.

بدأ الجرَّاحون الآن العمل في خياطة طويلة؛ إنهم يعملون على إعادة توصيل القلب من الأسفل إلى الأعلى، كي يثبتوه في أربع نقاط، يتم خياطة أذين المتلقي الأيسر مع الجزء التكميلي من أذين قلب المانح الأيسر، وبالمثل مع الأذين الأيمن، يتم توصيل الشريان الرئوي للمتلقي بمنفذ البطين الأيمن للمانح، ثم توصيل الشريان الرئوي للمتلقي بمنفذ البطين الأيمن للمانح، الشريان الأورطي بمنفذ البطين الأيسر. على فترات منتظمة، يقوم فيرجيليو بتدليك القلب، يرفُّه بكلتا يديه، عندئذٍ تختفي قبضتاه في جسد كلير. هناك شيء روتيني أكثر يحدث الآن، تنتفخ مقاطع من حوارات، أحيانًا جلبة، نكت غرفة العمليات، مزحة متدربين. يستعلم هارفان عن المباراة من فيرجيليو مع هذا الخليط من التفضل والتواطؤ المتصنع الذي يغضب الإيطالي: إذَنْ، ما الذي تقوله أنت، فيرجيليو، عن استراتيجية الإيطاليين، هل تعتقد أن هذا ينتج مباريات جميلة؟ ويجيبه الشاب، بإيجاز: إن بيرلو لاعب كبير جدًّا. يتم العمل في الجسد ودرجة حرارته منخفضة، لكن الجو حار الآن في غرفة العمليات، ينظفون جبين الممارسين بإسفنجة، الصدغ والشفاه، يساعدونهم في تغيير القفازات والملابس بانتظام. تقوم الممرضة بإلغاء تثبيت الجيوب، ثم تقدم لهم الواقي مفرودًا ومقلوبًا. الطاقة البشرية التي تُنفَق هنا، التوتر الجسدي، لكن أيضًا ديناميكية الفعل لا شيء أقل من نقل الحياة. لا يمكن أن تنتج أي شيء آخر غير هذه الرطوبة التي تبدأ في التزايد، والتحليق في الغرفة.

يكتمل عمل الخياطة في الختام. يطهرون العضو، يفرغون الهواء ليتجنبوا صعود الفقاعات في دماغ كلير؛ يمكن للقلب من الآن أن يستقبل الدم. التوتر يصعد حول المائدة، يعلن هارفان: حسنًا، هذا حسنٌ، يمكننا أن نملأ. الآن. يتم الملء بالملِّيمتر، إنه يتطلب تدفقًا بعيارٍ مفرطٍ، أيُّ عملية عنيفة بإفراط ستشوه العضو الذي لن يستطيع أبدًا استعادة شكله الأولي. تحبس الممرضات أنفاسهن، أطباء التخدير يراقبون، المسئول عن الحقن يعرق هو أيضًا، بينما أليس، هي، تظل هادئةً. لا أحد يتحرك في غرفة العمليات، صمت مضغوط يغطي سرير الجراحة، بينما القلب يُسقَى ببطء. عندئذٍ تجيء في الختام اللحظة الكهربائية. يلتقط فيرجيليو لوحَي تحميل، يعطيهما إلى هارفان، يظلان معلقين في الهواء لحظة تلاقي النظرات، ثم يحرك هارفان ذقنه نحو فيرجيليو: هيا، قم بالأمر. وفي هذه اللحظة، ربما يجمع فيرجيليو كل ما يعرفه من صلوات وخرافات، ربما يتضرع إلى السماء أو على النقيض؛ يستعيد كل ما تم إنجازه، نتيجة الأفعال ونتيجة الكلمات، نتيجة المجالات والمشاعر. يضع بعناية اللوحين الكهربائيين على كل جانب من القلب، يُلقي نظرة على شاشة التخطيط الكهربائي. نصدم؟ إشعال! يتلقى القلب الصدمة، العالم كله يتجمد — فوق ما هو الآن قلب كلير. يتحرك العضو ببطءٍ، اثنتين، ثلاث اختلاجات، ثم يثبت. يبلع فيرجيليو ريقه، هارفان وضع يده على حافة السرير وأليس بيضاء إلى حد أن طبيبة التخدير، خوفًا من انهيارها، تسحبها من ذراعها كي تنزل من المنصة. تجربة ثانية. نصدم؟ إشعال.

عندئذٍ، ينقبض القلب، رعشة، ثم هي هزات تكاد لا تُلحَظ، لكن يمكننا رؤيتها إذا اقتربنا، هذه الضربات الضعيفة، ويبدأ العضو من جديدٍ في ضخ الدم في القلب، ويستعيد مكانه، ثم هي نبضات منتظمة، سريعة بغرابة، وتشكل إيقاعًا، وضربتها تُذكِّر بضربات قلب جنين، هذه الرعشة التي نسمعها خلال أولى الموجات فوق الصوتية، وهي حقًّا أول ضربةٍ التي تُسمَع، الضربة الأولى، التي تميز الفجر.

هل سمعت كلير نشيد توما ريميج في أحلامه المخدرة، أغنية الموت الجميل هذه؟ هل سمعت صوتها في ليل الساعة الرابعة صباحًا بينما كانت تستقبل قلب سيمون ليمبر؟ وتظل تحت المساعدة الخارجية عن الجسم لمدة نصف ساعة أخرى، ثم تقطب هي أيضًا، موسعات بحامل لاسترخاء الأنسجة من أجل خياطة آنسة رقيقة، وتظل في غرفة العمليات تحت المراقبة، محاطة بشاشات سوداء حيث ترتسم موجات قلبها المضيئة، الوقت الذي يستغرقه جسدها كي يستعيد قواه، الوقت الذي يستغرقه ترتيب المكان المضطرب، الوقت الذي يستغرقه حصر الأدوات والكمادات، ومسح الدم، الوقت الذي يستغرقه الفريق ليفترق، ويخلع الكل ملابس غرفة العمليات ويرتدي ملابسه، يمرر الماء على الوجه وينظف اليدين، ثم يغادر فناء المستشفى كي يلحق بأول مترو، الوقت الذي تستعيد فيه أليس ألوانها وتخاطر بابتسامة بينما هارفان يهمس في أذنها: إذَنْ، أيتها اﻟ «هارفانية» الصغيرة، ما رأيكِ في كل هذا؟ الوقت الذي يرفع فيه فيرجيليو غطاء الرأس ويخفض قناعه، يقرر أن يقترح عليها الذهاب لاحتساء البيرة بجوار «مونبرناس»، طبق بطاطس محمرة، شريحة لحم «إنتركوت» نصف مشوية بهدف أن يظلا في الجو المحيط، الوقت الذي ترتدي فيه معطفها الأبيض ويداعب الياقة الحيوانية، الوقت الذي تُضاء فيه نباتات الغابة في الختام، تزرق فيه الطحالب، يغني الحسون وينتهي ركوب الأمواج الكبير في الليل الرقمي. إنها الساعة الخامسة وتسع وأربعون.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤