المسألة السادسة عشرة والمائة

هل يجوز لإنسان أن يعي العلوم كلها على افتنانها وطُرُقها واختلاف اللغات بها والعبارات عنها؟

فإن كان يجوز، فهل يجب؟ وإن وجب، فهل يوجد؟ وإن كان وُجِد، فهل عُرِف؟

وإن كان جائزًا، فما وجه جوازه؟ وإن كان يستحيل، فما وجه استحالته؟ فإن في الجواب بيانًا عن خفيات العالم.

الجواب

قال أبو علي مسكويه، رحمه الله:

أحد الحدود التي حُدَّت بها الفلسفة أنها علم الموجودات كلها بما هي موجودات، ولكن ليس على الشرائط التي ذكرتها في مسألتك، أعني قولك: «على افتنانها وطُرقها واختلاف اللغات بها والعبارات عنها»؛ فإن علمًا واحدًا من بين العلوم لا يجوز أن يحتوي على جميع هذه الشرائط فيه؛ لأن جزئيات العلوم بلا نهاية، وما لا نهاية له لا يخرج إلى الوجود، ولكن المطلوب من كل علم هو الوقوف على كلياته التي تشتمل على جميع أجزائه بالقوة، مثال ذلك أن الطب إذا تُعُلِّمَتْ أصوله وقوانينه التي بها يُستخرج نوع المرض ونوع العلاج فقد كفى فيه ذلك، فأما أن يُعْرَف منه جميع أجزاء الأمراض فذلك مُحال، وكذلك تجد كُتُب جالينوس وغيره من الأطباء فإنها تُعلِّمك أصول الأمراض والعلاجات، فإذا باشرت الصناعة وَرَدَ عليك من أجزاء مرضٍ واحدٍ ما لا يُمكِنك إحصاؤه، ويبقى من أجزائه ما لا يمكن إحصاؤه أحدًا بعدك.

وإذا كان الأمر على ذلك فالجواب عن مسألتك يكون مقيَّدًا على ما ذكرته، فأما اختلاف الطرق والعبارات فلا معنى لتعاطي معرفتها؛ فإن المقصود من العلوم هي ذواتها من أيِّ طريق وُصِلَ إليها وبأي لغة عُبِّر عنها كان كافيًا.

•••

وأما قولك: هل يجب؟ فأقول: إنه واجبٌ لأن التفلسف واجبٌ من أجل أنه كمال الإنسانية وبلوغ أقصى درجتها، وكل شيء كان له كمالٌ فإن غايته البلوغ إلى ذلك الكمال، ومن قصَّر من الناس عن بلوغ كماله مع حصول الأسباب وارتفاع الموانع عنه، فهو غير معذور فيه.

•••

وأما قولك: هل يوجد؟ فإنه موجودٌ؛ لأن الفلسفة موجودة، وهي صناعة الصناعات، وما رُتِّب شيءٌ من أجزائها كما رتبت هي نفسها؛ فإنه قد بُدئ من أدنى درجة يبتدئ بها المتعلم إلى أقصى مرتبة يجوز أن يبلغها، وهذا لجميعه أصولٌ وشروحٌ على غاية الإحكام، وهي معروفة موجودة غير ممنوع منها، ولا مضنونٍ بها على من يطلبها، وفيه مُنَّةٌ لتعلُّمها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤