المسألة الحادية والعشرون والمائة

قال أبو حيان:

لِمَ صار صاحب الهم ومن غلب عليه الفكر في مُلِمٍّ يُولَع بمس لحيته وربما نكت الأرض بإصبعه وعبث بالحصى؟

وقد يختلف الحال في ذلك حتى إنك لتجد واحدًا يحب عند صدمة الهم ولوعة الحزن جمعًا وناسًا ومجلسًا مزدحمًا يُرِيغ بذلك تفرِيحًا ويجد عنده خفًّا، وآخر يفزع إلى الخلوة، ثم لا يقع إلا بمكان موحش ونشز ضيِّق وطريقٍ غامض، وآخر يؤْثِر الخلوة ولكن يَحِنُّ إلى بستان حالٍ وروضٍ مُزْهِرٍ ونهرٍ جارٍ.

ثم تختلف الحال بين هؤلاء حتى إنك لتجد واحدًا عند غاشية ذلك الفكر أصفى طبعًا، وأذكى قلبًا، وأحضر ذهنًا، وحتى يقول القافية النادرة ويصنِّف الرسالة الفاخرة، وحتى يحفظ علمًا جمًّا ويستقبل أيامه نُصْحًا، وآخر يَذْهَل ويَعْلَه، ويزول عنه الرأي ويتحير، حتى لو هُدِيَ ما اهتدى، ولو أُمِرَ لَمَا فَقِه، ولو نُهِيَ لَمَا وَبِهَ.

الجواب

قال أبو علي مسكويه، رحمه الله:

إن النفس لا تُعطِّل الجوارح إلا عند النوم لأسباب ليس هذا موضع ذِكْرها.

والعقل يستهجن البطالة، ولا بد من تحريك الأعضاء في اليقظة إما بقصدٍ وإرادةٍ، وبصناعة ولأغراض مقصودة، وإما بعبثٍ ولهوٍ، وعند غفلةٍ وسهو، ولأجل ذلك نهت الشريعة عن الغفلة، ونهى الأدب عن الكسل، وأُمِرَ الناس وسُوَّاس المدن بترك العطلة واشتغال الناس بضروب الأعمال.

ولقباحة العطلة ونفور العقل عنها اشتغل الفُرَّاغ بلعب الشطرنج والنَّرْد على سخافتهما وأخذهما من العمر وذهابهما بالزمان في غير طائل؛ فإن الجلوس بلا شغلٍ ولا حركة بغير ضرورة أمرٌ يأباه الناس كافة لِمَا ذكرناه.

فصاحب الفكر والهم لا تتعطل جوارحه، وإنما ينبغي أن يتعود الإنسان بالتأديب حركاتٍ جميلةً مثل القضيب الذي وُضِعَ للملوك، وقد كُرِهَ ذلك أيضًا ونُسِبَ إلى النَّزَق وجُعِلَ في جنس الولع بالخاتم.

فأما مسُّ اللحية وقلْع الزِّئْبر من الثوب فمعدود من المرض؛ لأنه حركةٌ غير منتظمة ولا جاريةٍ على سُنَّة الأدب، بل هو عبثٌ يدلُّ على أن صاحبه قد احتمل حتى عَزَب عقله وذهب تمييزه دفعة، ولا ينبغي ذلك لمن له تمييز وبه مُسْكَة أن يفعله، بل يُنَبَّه عليه من نفسه ويتركه إن كان عادته.

فأما اختلاف الحال في الناس فيمن يحب الاجتماع مع الناس أو يحب الخلوة — وغير ذلك مما حكيته وذكرت أقسامه — فإن ذلك تابع للمزاج؛ وذاك أن صاحب السوداء والفكر السوداوي يحب الخلوة والتفرُّد ويأنس بذلك، وأما صاحب الفكر الدموي فإنه يحب الاجتماع والناس وربما آثر النزهة والفرجة.

وأما ما حكيت عمن يصنع الشِّعر ويصنِّف الرسالة ويشغل نفسه بالعلوم فجميع ذلك إنما يكون بحسب عادة من يطرُقه الفكر؛ فإن كان قبل ذلك ممن يرتاض ببعض هذه الأشياء أو يُكثر الفكر فيها فإنه بعد وُرُود العارض يلجأ إلى ما كان عليه ويعود إلى عادته بنفسٍ ثائرة مضطرة إلى الفكر، فينفُذ فيما كان فيه، ولا بد أن يصير ذلك الفكر من جنس ما دهمه، أعني أنه يقول القافية ويصنِّف الرسالة في ذلك المعنى الذي طرأ عليه، لكن يستعين عليه بفكر كأن يتصرف في شِعْر آخر فيرُده إلى الأهم الذي يُقَلْقِلُه ويحفزه، فيجيء كلامه وشِعره أحدَّ وأصفى مما كان.

وأما الذي يَذْهَل ويَعْلَه ويتحير، فهو الذي لم يكن قبل وُرُود ذلك الشُّغل عليه ممن لا يرتاض بشعر ولا ترسُّل ولا عادته أن يلجأ إلى فكره ويستعمله في استخراج الخبايا واللطائف، فإذا طَرَقَه عارضٌ يحتاج فيه إلى فكر لم يجده وأصابه من الوَلَه والدَّهَش ما ذكرت.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤