المسألة السابعة والثمانون

ما علة كثرة غم من كان أعقل، وقلة غم من كل أجهل؟

وهذا باب موجود في واحد واحد، ثم تجده في الجنس والجنس، كالسودان والحُمْرَان؛ فإنك تجد السودان أطرب وأجهل، والحمران أعقل وأكثر فكرًا وأشد اهتمامًا.

هذا، ويُقال إن الفرح من الدم، والحمران أكثر دمًا، وأعدل مزاجًا، وأوجد لأسباب الفرح وآلات الطرب، وأقدر على الدنيا بكل وجه.

وأنت ترى أيضًا هذا العارض في رفيقين خليطين: أحدهما مهموم بالطبع، وآخر مُتَفَكِّهٌ بالطبع.

الجواب

قال أبو علي مسكويه، رحمه الله:

الغم يعرض من جهتين مختلفتين: إحداهما جهة الفكر، والأخرى جهة المزاج.

فأما الفكر فإنه يعرض منه الغم إذا كان المرء ينتظر به مكروهًا.

وأما المزاج فهو أن ينحرف مزاج الدم إلى السواد أو الاحتراق فيتكدر به الروح الذي سببه بخار الدم في مجاري الشرايين، وبحسب صفاء ذلك الدم يكون صفاء بخاره وانبساطه وسرعة حركته وجريانه في ذلك التجويف.

وإذا كان سبب الغم معلومًا، فمقابله الذي هو سبب الفرح والسرور معلوم أيضًا.

فالعاقل لأجل جولان فكره يكثُر انتظاره مكاره الدنيا، ومن لا يكثُر فكره ولا ينتظر مكروهًا فلا سبب له يغمه.

وأما المزاج الذي ذكرناه فقد أحكمه «جالينوس» وأصحابه وسائر الأطباء ممن تقدَّمه أو تأخر عنه.

وهذا المزاج ليس يخلو أن يكون طارئًا أو حادثًا أو طبيعيًّا في أصل الخلقة: فإن كان حادثًا فهو مرض وينبغي أن يُعالَج بما تُعالَج به أصناف الماليخوليا وأنواع الأمراض السوداوية التي سببها فساد الدم بالاحتراق وانحرافه إلى السوداء.

وإن كان أصليًّا وخِلْقة فلا علاج له؛ لأنه ليس بمرض كأجيال من الناس وأممٍ أمزجتهم كذلك.

فأما ما حكيته عن السودان؛ فإن الزنوج خاصة لهم الفرح والنشاط، وسببه اعتدال دم القلب فيهم، وليس كما ظننت أن أمزجتهم تابعة لسواد ألوانهم، وذلك أن سبب سواد ألوانهم هو قرب الشمس منهم وممرُّها في حضيض فلكها على سَمْت رءوسهم، فهي تحرق جلودهم وشعورهم فيعرض فيها — أعني في شعورهم — التفلفل الذي هو بالحقيقة تشيُّط الشعر؛ ولأجل أن الحرارة تستولي على ظاهرهم فهي تجذب الحرارة الغريزية من باطنهم إليها؛ لأن الحرارة تميل إلى جهة الحرارة، فلا تكثُر الحرارة الغريزية في قلوبهم لأجل ذلك.

وإذا لم تكن الحرارة الغريزية في القلب قوية لم يعرض للدم الذي هناك احتراق بل هو إلى الصفاء والرقة أقرب.

ودماء الزنوج رقيقة أبدًا صافية ولذلك تقل الشجاعة أيضًا فيهم.

فأما الحُمْرَان فأكثرهم في ناحية الشمال والبلدان الباردة التي تبعد الشمس عنهم، وتقوى الحرارة الغريزية في قلوبهم، ولاشتمال البرد على ظاهرهم تبقى جلودهم بيضاء وشعورهم سِبَاطًا، وتعود حرارتهم إلى داخل أبدانهم هربًا من البرد الذي في هوائهم لبُعْد الشمس عنهم، فهم لذلك أشجع وأقوى حرارة قلوب.

ودماؤهم لأجل ذلك إلى الكُدُورة والسواد والخروج عن الاعتدال.

وأهل الاعتدال الذي يبعدون عن الشمال وعن الجنوب ويسكنون الإقليم الأوسط هم أسلم من هذه الآفاق وأصح أمزجة وأقرب إلى الاعتدال.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤