إجهاض الثورة

صباح السبت ١٥ يوليو ٢٠٠٠.

جالسة إلى مكتبي أحاول الكتابة، أود أن أُنهيَ هذا الجزء الأخير من قصة حياتي، القلم بين أصابعي لا يتحرك، شريف يقرأ الصُّحف في الصباح، ثم يجلس إلى مكتبه يواصل كتابة روايته الجديدة، لا أعرف كيف ينتقل بهذه السهولة من قراءة الأخبار إلى كتابة الرِّوَاية؛ إنْ قرأت الصُّحف أتوقف عن الكتابة يومًا أو يومين حتى يزولَ التوترُ والغضب، حتى أنسى حوادث القتل والحرب، أو أخبار المفاوضات من أجل السلام، كلاهما محكوم بقوة السلاح والمال والإعلام؛ الثالوث الذي يحكم العلاقات بين الدول أو الجماعات والأفراد.

أصبحت أقرأ الصُّحف بطريقتي الخاصة، أكتشف التناقضَ بين السطور المكتوبة وغير المكتوبة، والصور المرسومة في الصفحة الأولى، الابتسامات العريضة فوق الوجه واليد تختفي وراء الظهر ممسكة بآلة القتل. هذا الصباح كانت صورة الثالوث في كامب ديفيد الثَّانية، منذ واحد وعشرين عامًا كانت كامب ديفيد الأولى، الوجوه الثلاثة في الصفحة الأولى، الرَّئيس الأمريكي والرَّئيس الإسرائيلي والرَّئيس المصري، يبتسمون للكاميرا ويتفاوضون من أجل السلام، كلمة السلام تعني الاستسلام أمام بطش السلاح والمال والإعلام. خرج الرَّئيس المصري صِفْر اليدين يبتسم للكاميرا يعلن الانتصار، وفي عيد النصر ٦ أكتوبر ١٩٨١ انطلقت مِائة وعشرون رصاصة في صدره، سقط قتيلًا وهو يشهد موكب النصر المصنوع من البالونات والألعاب النارية الملونة، سار في جنازته الرؤساء الأميركيون والإسرائيليون وتخلف الشَّعب المصري عن الموكب. ذلك اليوم كنت في زنزانة داخل سجن النِّساء بالقناطر الخيرية، كان الرَّئيس المصري القتيل هو الذي أمر باعتقالي ضمن المعارضين لمعاهدة كامب ديفيد، كان يسميها معاهدة النصر والسلام، أصبح اسمها اليوم معاهدة الهزيمة والاستسلام، لا تتكشف الأوراق السرية للمفاوضات والمعاهدات إلا بعد عشرين أو ثلاثين عامًا من حدوثها، لا تعرف الشعوب شيئًا عما يدور في المداولات السرية، تنشر الصُّحف وأجهزة الإعلام أخبارًا ملفَّقة، يعيش النَّاس في أوهام النصر، وأوهام الثراء بعد الموت، في قصور الجنة، يموتون والابتسامة على وجوههم وقلوبهم محروقة وفلذات أكبادهم مقتولة.

هكذا كانت صورة الرَّئيس الفلسطيني في كامب ديفيد الثَّانية، يبتسم للكاميرا، يداه وراء ظهره فارغتان، لا يملك شيئًا، لا السلام ولا المال ولا الإعلام، ظهره عارٍ لا يستند إلى أية قوة، جردوه من سلاحه ومن شعبه، جرُّوه إلى مائدة المفاوضات في كامب ديفيد.

الرَّئيس الأمريكي يبتسم في وجه الرَّئيس الإسرائيلي، أياديهما تتشابك من وراء الظهر، يتبادلان السلاح والمال والإعلام، حصلت إسرائيل بالأمس فقط على ٢٫٨ مليار دولار، وحصلت مصر على ٢ مليار دولار، صدر قرار الكونجرس الأميركي والمفاوضات تجري في كامب ديفيد. قرأت الخبر في الصُّحف بالأمس، واليوم السبت ١٥ يوليو ٢٠٠٠ أرى صورة الرؤساء الثلاثة الأميركي والإسرائيلي والفلسطيني، تحت الصورة مانشيت كبير يتألق تحت أضواء النصر: تلعب مصر دورًا قياديًّا في عملية السلام كامب ديفيد الثَّانية كما لعبت في كامب ديفيد الأولى.

شريف يناولني الصحيفة لأقرأ الأخبار، أختفي في غرفتي، أشعر بالعار! ما علاقة خبر المعونة الأمريكية لمصر ومعاهدة كامب ديفيد الأولى والثَّانية؟!

كلمة المعونة تجعل الدم يصعد إلى رأسي، كأنما شريان سينفجر حتمًا، ترن كلمة المعونة في أذني نابية، مثل البصقة أو الصفعة على الوجه. منذ عهد السادات أصبحتْ مصر تتلقى المعونة الأميركية؛ من أجل استمرار المعونة تحدث التنازلات. قلت لشريف: الدَّوْلة التي تعيش عالةً على غيرها كالمرأة أو الطفل الذي يعيش عالة على غيره، منذ بلغت سن الرشد أصبحت أعول نفسي بنفسي، لكن كيف يكون الفرد مستقلًّا في وطن غير مستقل؟!

منذ الطفولة أهتف مع أبي، الاستقلال التام أو الموت الزُّؤَام. لم أعرف ما هو الموت الزُّؤَام، تصورت أنني لن أموت وإن سِرْتُ إلى الموت بقدمي، كنت أسمع أمي تقول: نرمي نوال في النار ترجع سليمة. أصبحت أمشي داخل النار دون أن أحترق، أسافر إلى جبهة القتال ثم أعود دون أن أموت.

كم مرة سافرت وعدت من دون أن أفقد ذراعًا أو ساقًا، بعد هزيمة ١٩٦٧ تطوعت ضمن مجموعة من الأطباء، سافرنا إلى جبهة القتال في القنال، كان عددنا ستة أطباء متطوعين، انقسمنا إلى ثلاث فرق، كل فرقة تتكون من طبيبين، سافرت الفرقة الأولى إلى السويس، والثَّانية إلى الإسماعيلية، والثالثة إلى بورسعيد، كنت ضمن الفرقة التي سافرت الإسماعيلية مع زميل لي اسمه الدُّكتور طلعت حمودة.

كان صباحًا مُكْفَهِرًّا مُلَبَّدًا بالغُيوم، تركت مكتبي في وزارة الصِّحَّة لأركبَ العربة اللوري إلى مدينة الإسماعيلية، جلست إلى جوار السائق في المقعد الأمامي، صعد طلعت حمودة من الخلف وجلس فوق دكَّة خشبية بين الصناديق المعبأة بزجاجات الدم والبلازما، كان شابًّا من عمري نحيف الجسم قصير القامة، يمكن أن يجلس بسهولة في أي مقعد، الطريق بين القاهرة والإسماعيلية يستغرق بالسَّيَّارَة حوالي الساعتين، عجلات العربة اللوري ضخمة تضرب الأسفلت بقوة، أصابع السائق طويلة سمراء مشققة، تحوط عجلة القيادة كالأم تحتضن طفلها في صدرها، عيناه غائرتان تحت جبهة عريضة تتطلعان نحو جبهة القتال بشيء من القلق، يرتدي بدلة صفراء مهترئة، طاقية فوق رأسه لونها أصفر شاحب، شعر رأسه كثيف مجعد يتخلله الشيب، عمره خمسون عامًا، بدا لي عجوزًا وأنا في تلك المرحلة من الشَّباب، كنت أناديه عم محمد، يناديني باسم الضكطورة … يذكِّرني بلهجة دادة أم إبراهيم وأقاربي في القرية، كان صامتًا طوال الطريق، مستغرقًا في التفكير، جسده القصير الممتلئ يهتز مع اهتزازات العربة اللوري، أصوات الزجاجات تتخبط داخل الصناديق، صوت الدُّكتور طلعت حمودة يأتينا من الخلف: فاضل كام كيلو يا عم محمد على الإسماعيلية؟

– أربعة كيلو يا ضكطور.

– أنا سامع أصوات انفجارات.

– أيوه يا ضكطور.

– جايه منين دي يا عم محمد؟

– عساكر إسرائيل بيضربوا الإسماعيلية من البر التاني.

أتابع الحوار بين السائق والدُّكتور طلعت حمودة دون أن أدرك ماذا يحدث، لم أكن أعرف ما هي الحرب حتى ذلك اليوم في نهاية عام ١٩٦٧، لم أكن أسمع صوت القنابل إلا في الأفلام، لم أكن شهدت القتلى والأشلاء الممزقة إلا في الصور.

سمعت صوتًا غريبًا، يشبه صوت الريح تعوي بصَفَّارة حادَّة تكاد تخرق الأذن، يشبه صوت طائرة نفاثة أو جسم صلب مدبب يخترق الكون بسرعة تفوق سرعة الضوء. كانت العربة اللوري قد دخلت الإسماعيلية، ضغط السائق على دواسة البنزين، اختار الطرق الجانبية بعيدًا عن شاطئ القنال، لم تكن إلا دقائق حتى وصلنا إلى المستشفى، في هذه الدقائق توقف عقلي عن التفكير، اختفى الدُّكتور طلعت حمودة تحت الصناديق، أخفيت رأسي بذراعي الاثنتين، سمعت عم محمود يقول: ربنا ستر يا ضكطورة، فيه دانة عدت من ورانا، ربنا ستر!

كانت المرة الأولى التي أسمع فيها كلمة «دانة» إنها مثل القذيفة التي تنطلق في الجو وتُحدث ذلك الصوت الشبيه بصَفَّارة الريح العاتية، يعقبها على الفور صوت الانفجارات. رأيت جدرانًا تسقط ونيرانًا تشتعل، أغمضت عيني كأنما في الحلم، كأنما العربة اللوري تمشي داخل النار، وصوت أمي يأتيني من تحت الأرض: نوال نرميها في النار ترجع سليمة.

فتحت عيني على مشهد عجيب، وجدت نفسي واقفة أمام باب المستشفى، العربة اللوري واقفة بجوار الرصيف داخلَها الصناديق، مقعد السائق عم محمد خالٍ ليس فيه أحد، فقط ذراعه اليمنى بأصابعه الخمسة السمراء المشققة قابضة على عجلة القيادة، أين ذهب جسد السائق عم محمد؟! رأيت بعض الوجوه من حولي، وصوتي يقول كأنما ليس صوتي: فين عم محمد؟! فين الدُّكتور طلعت حمودة؟!

كان الدُّكتور طلعت حمودة منبطحًا تحت الصناديق فوق أرض العربة اللوري، أخرجوه من الباب الخلفي شاحب الوجه يهمس بصوت متحشرج: حصل إيه يا دكتورة نوال؟

– مش عارفة يا دكتور طلعت.

رأيت من حولنا بعض التمورجية بالمرايل البيضاء، أصواتهم تصرخ فينا: ادخلوا المخبأ بسرعة! أخذوني والدُّكتور طلعت حمودة إلى المخبأ تحت المستشفى، كان هناك مدير المستشفى والأطباء والممرضات والتمورجية وعدد من الجرحى، سمعت أصواتًا تقول: عم محمد راح، مسكين، ضربته الدانة، وفجأة اهتز المخبأ كأنما زلزال يرجُّ الأرض، تَساقط الترابُ فوق رأسي من السقف، تصورت أن السقف سوف يسقط، وسوف نموت كلنا تحت الأنقاض.

توالت القذائف والدانات فوقَ المكان الذي نحن فيه، انخلع قلبي وانبطح الجميع فوق الأرض، تصورت أنهم ماتوا جميعًا وأنا الوحيدة على قيد الحياة، ثم سمعت صوت مدير المستشفى يقول: الضرب المرة دي جاد، يظهر عاوزين يهدُّوا المستشفى. وقال أحد الأطباء: أصلهم بقوا قريبين أوي مننا، بقوا على الناحية التانية من القنال قصادنا على طول، وجايز شايفينا.

كان الجنود الإسرائيليون قد وصلوا إلى الضفة الأخرى من قناة السويس، بعد احتلالهم لأرض سيناء كلها بعد خمسة أيام فقط من حرب يونيو ١٩٦٧، وكان التراب يتساقط فوق رأسي وأنا جالسة فوق الأرض متكوِّرة حول نفسي، أضع يدي فوق أذني حتى لا أسمعَ صوت الدانات التي تصفِّر وتعوي كالريح العاتية، يعم السكون لحظةً ثم تدَوِّي الصَّفَّارة في أذني، يعقبها صوت الانفجار ويتساقط مزيد من التراب فوق رأسي، اخترقت إحدى الدانات جدار المخبأ ورأيت مدير المستشفى راكعًا يصلي يقرأ الشهادة بصوت مرتعش.

يوم من الأيام السوداء في حياتي، رأيت الموت دون أن أموت، دون أن أفقد الوعي لحظة واحدة.

غرقت تحتَ التراب المتساقط من السقف إلا أنني بقيت في مكاني أتنفس، وكان هناك في الناحية الأخرى جهاز تليفزيون فوق منضدة، كانت الصور تظهر على الشَّاشة رغم الدانات، لم ينقطع التيار الكهربي، ولم ينقطع الإرسالُ لحظةً واحدة، لم أعرف ماذا كان يُعرض فوق الشَّاشة، ربما أحد الأفلام القديمة لأني رأيت راقصة تشبه سامية جمال ترقص وفريد الأطرش يغني. كان مشهدًا غريبًا مذهلًا، نحن في الإسماعيلية غارقين تحت التراب تنهال علينا الدانات من الجيش الإسرائيلي المرابط على ضفة القنال، ومدينة القاهرة ترقص وتغني.

بدا المشهد كأنما في مسرحية عبثية، وقد تطوعتُ للموت من أجل وطن يرقص ويغني بينما أنا أموت، إلا أنني نجوت وعدت إلى القاهرة بعد عدة أيام. مات زميلي الدُّكتور طلعت حمودة بعد أسبوع واحد بالسكتة القلبية وهو يقود سيارته في الشَّارع بجوار وزارة الصِّحَّة. وقلت لشريف: تصور يا شريف كان التلفزيون نازل رقص وغُنا واحنا تحت الأرض بنموت! يظهر التلفزيون في بلد واحنا في بلد تانية! وكتبت قصة قصيرة بعنوان بلد غير بلد. ودق جرس الباب صباح يوم، رأيت أحد الرِّجَال يناولني ورقة صغيرة: استدعاء الدُّكتورة نوال السعداوي للحضور إلى إدارة المخابرات العامة بسراي القبة. أخذني شريف بسيارته الفيات الصغيرة إلى مبنى المخابرات، انتظرني في الشَّارع ما يقرب من ست ساعات، تركوني في غرفة تشبه الزنزانة أربع ساعات، ثم جاء رجل بوليس، أخذ يحقق معي ساعتين، أول سؤال كان عجيبًا: لماذا سافرت إلى الإسماعيلية؟ أدركتُ أننا نعيش في دولة المخابرات، وأن النظام في مصر لم يتغير منذ الملك فاروق، وكما طارد البوليسُ الفدائيين بعد أن عادوا من حرب ١٩٥١، وحرب ١٩٥٦، فإنه يطارد الأطباء الذين تطوعوا لبناء الطوارئ الطبية في مدن القنال الثلاث بعد حرب ١٩٦٧.

أما الدُّكتور طلعت حمودة فقد مات بالسكتة القلبية بعد أيام قليلة من عودتنا من الإسماعيلية، ترك وراءه زوجة شابة وطفلين صغيرين، أقاموا له في وزارة الصِّحَّة حفل تأبين، يشبه حفل تأبين زميلي أحمد المنيسي الذي استُشهد على أرض القنال في نهاية عام ١٩٥١، حفروا اسمه على لوحة الشهداء في فناء الوزراء، سقطت اللوحة بعد سنوات قليلة، وراح اسم طلعت حمودة في العدم، بمثل ما راح اسم أحمد المنيسي وأحمد حلمي وغيرهما من الفدائيين. أما السائق عم محمد فقد اندثر اسمه مع جسمه في العدم، دون حفل تأبين، دون لوحة شرف يسقط فوقها اسمه.

في صيف عام ١٩٦٨ أرسلت نقابة الأطباء إلى جبهة القتال في الأردن فريقًا من الأطباء المتطوعين، كنت الطبيبة الوحيدة التي تطوعت للسفر ضمن مجموعة من خمسة أطباء، لماذا تطوعت؟! لا أعرف، كنت في حاجة إلى السفر بعيدًا عن القاهرة، بعيدًا عن الصُّحف وشاشة التلفزيون، لم أكن أطيق رؤية تلك الوجوه التي تظهر فوق الشَّاشة أو على الصفحة الأولى من الجرائد اليومية، لم أعد أطيق سماع الأكاذيب في الإذاعات، سجلت اسمي ضمن الأطباء المسافرين إلى جبهة القتال في الأردن.

وجدت نفسي أعيش في خيمة بمنطقة الأغوار بالقرب من السلط، أركب عربة الإسعاف مع امرأة يداها وقدماها محروقة بالشمس، تلف رأسها بالشال الفلسطيني، يسمونها أم الفدائيين. كانت عربة الإسعاف تنطلق بنا في الليل تقود العربة فتاة فلسطينية فدائية، عيناها مرفوعتان إلى أعلى، فيهما بريق خاطف، تتطلع نحو شاطئ نهر الأردن، إلى جوارها سلاحها، السَّيَّارَة مصفحة من نوع الجيب، عجلة القيادة كبيرة تقبض عليها يد الفتاة، أصابعها طويلة، عظامها قوية تشع من تحت الجلد ما يشبه الضوء، وحركة خفيفة لها إرادتها الخاصة، أصابع كالحديد لا تَلِين، قابضة على عجلة القيادة الحديدية كأنما هي لُعبة أطفال، أرمق يدي خِلْسة وأنا جالسة إلى جوارها، عظام أصابعي تبدو رقيقة هشة، يدي اليمنى معقودة مع يدي اليسرى فوق حِجْري، يدها اليمنى تقود السَّيَّارة وحدَها دون الاستعانة بيدها اليسرى؛ مبتورة عند الكوع، تستعين بها حين تهتز فوق مطبات الطريق.

كانت صامتة شاخصة إلى الأمام، وجهها من الجانب من الفولاذ أو الماس، نوع من الأحجار الكريمة المشعة، لا أستطيع أن أحرك عيني بعيدًا عن هذا الأنف المرفوع الشامخ، يشق الظلمة مثل نصل السيف، أيكون لأنفي مثل هذه الارتفاعة الشامخة، لم تحرك رأسها ناحيتي، وأنا لا أحرك رأسي بعيدًا عنها.

في المقعد الخلفي جلستْ أم الفدائيين، عيناها غائرتان عميقتان تغطيهما طبقة شفافة من الدموع، تشبه اللمعة الخاطفة أو الابتسامة الدَّائمة، تشبه أم إبراهيم أو جدتي الفلاحة في قريتي على ضفاف النيل، ملامح وجهها مؤكدة في عتمة الليل، الجبهة البارزة القوية مثل النتوء الصخري يطل على النهر، يناديها الفدائيون «أُمَّنا»، كما ينادون الأرض الضفة الأخرى من النهر، حيث الوطن والأهل، هي تناديهم أطفالي كما تنادي الأرض نبتها الأخضر. لم يكن لها بيت، لا رجل ولا أب ولا أم، البيوت كلها بيتها، الرِّجَال كلهم رجالها، النِّساء نساؤها، في ذاكرتها منذ ثلاثين عامًا قصة حب، وجنين في أحشائها لم تلده أبدًا، أو ولدته ثم ضاع منها في الأغوار.

الظلام مكتمل والقمر والنجوم غابت، العربة المصفحة تشق الليل كالسهم المارق، الجنود الإسرائيليون يُطِلُّون علينا من أبراج المراقبة، الظلمة تحوطنا، تخفينا عن عيونهم، وصلنا إلى حُطام مدينة اسمها الكرامة، وقعت معركة الكرامة من شهرين فقط، ٢١ مارس ١٩٦٨، قُتل كل سكانها. توقفت العربة بجوار جدار أسود مثقوب بالرصاص والدانات، مرسوم عليه وجه طفل يبتسم، عين الطفل اليمنى مثقوبة تحت الابتسامة وحروف متعرجة محفورة في الحجر: سنقاتل حتى الموت. البيوت كلها متهدمة، الشوارع والأزقة خالية من البشر. عثرت وأنا أمشي في شيء صغير، فردة حذاء طفل، انحنت الفتاة الفدائية بجسمها النحيف الممشوق، التقطت فردة الحذاء بأصابعها الطويلة القوية، ضمتها إلى صدرها كأنما تضم الطفل، عيناها مرفوعتان تشقان الظلمة، تتطلعان إلى الأرض وراء النهر، إلى البيت القديم الذي ولدتْ فيه، كانت في العاشرة من عمرها حين استولى الإسرائيليون على البيت، ذبحوا أباها أمامَها، أربعة منهم اغتصبوا أمها واحدًا وراء الآخر، ثم بقر أحدُهم بطنَها قبل أن يقطع ثدييها بخبطة واحدة. أخوها أخذوه إلى السِّجن الذي يسمونه سجن الأنصار، قطعوا أصابع يده اليمنى، لم يعد قادرًا على حمل السلاح، يجلدونه كلَّ يوم بالسياط، يُدخلون في فتحة الشرج عمودًا من الحديد، يطفئون السجائر في جسده، بتروا ساقيه وذراعيه، دون جدوى، لا يمكن أن يعترف، لا ينطق اسم أحد زملائه الفدائيين أو الفدائيات، نماذج من القوة الإنسانية يعجِز عنها الخيال.

عادت الفتاة إلى العربة ومعها فردة الحذاء، وضعتها إلى جوار سلاحها، وانطلقت في الأغوار. عند حافَة النهر توقفت، كان هناك الجريح راقدًا داخل العشب، حوطته أم الفدائيين بذراعيها كالأم تعثر على ابنها، تناديه باسم طفلها الغائب، لم تعد الأسماء تهم، غسان أو يوسف أو فتحي أو زياد، كلهم هذا الجسد الجريح ينزف الدم، فقد ذراعيه وساقيه، يَئِنُّ بصوت مكتوم، يناديها أمي، وهي تغرقه بدموعها وتناديه ابني.

حملنا الفدائي الجريح إلى الخيمة في معسكر السلط، شُفي بعد ثلاثة شهور، أصبح يمشي داخلَ مقعد يتحرك فوق العجلات، جسد ورأس بلا أطراف، عيناه زرقاوان عميقتان تشعَّان ما يشبه اللهب الأزرق، ابتسامته عريضة، أسنانه بيضاء مثل فصوص من اللؤلؤ.

في المدرسة الابتدائية في منوف كانت لي زميلة اسمها حميدة مبتورة الساقين، داست عليهما عجلات كارو في يوم العيد، لم يكن في إمكاني النظر إلى جسمها المبتور، يرتعد جسدي لمنظر الأجساد المشوهة، كأنما التشويه مرض مُعْدٍ ينتقل لمجرد النظر.

في الخيمة كنت أنام تحت رأسي قطعة حجر ناعمة دافئة تشع حرارة الشمس في الليل، إلى جواري أم الفدائيين نائمة عيناها نصف مفتوحتين، شفتاها نصف منفرجتين، أنفاسها عميقة مسموعة في صمت الليل، ملايين الأصوات الخافتة الهامسة تصنع الصمت، تدوِّي في أذني بكلمة واحدة: «ابني».

تركت في القاهرة ابني عاطف عمره عامان ونصف، وابنتي منى عمرها عشرة أعوام، يرعاهما زوجي شريف، غبت عنهم ثلاثة شهور ونصف الشهر، الحنين إليهم يشدني إلى القاهرة، أود العودة وأود البقاء. بدأت رواية جديدة أعطيتها عنوان: عين الحياة، بطلتها امرأة تشبه أم الفدائيين، طويلة القامة فارعة مثل جدتي الفلاحة في القرية، هذه المرأة ظلت تتراءى لي في النَّوم حتى جلست إلى مكتبي، تجسدت فوق الورق باسم عين الحياة. بعد عودتي إلى القاهرة كنت أتابع أخبارها حتى ماتت في مدينة عمَّان بالأردن في سبتمبر الأسود عام ١٩٧٠، قبل موت جمال عبد الناصر بشهر واحد؛ لكنها بقيت حية في روايتي عين الحياة، يقرؤها النَّاس في بلادنا العربية، وفي بلاد أخرى بعد أن نشرت الترجمة فيما بعد. أستعيد صورتها وهي تمشي على حافَة النهر تبحث، لم يكن بحثًا عاديًّا تعرف فيه الشيء المفقود، أو تعرف أنها قد تجده وقد لا تجده، كان بحثًا غريبًا عن ابن لم تلده، أو ولدته ثم ضاع منها في زمان ومكان لا تدري عنهما شيئًا.

•••

الليلة الأخيرة في معسكر السلط قبل أن أعودَ إلى القاهرة، خرجت من الخيمة أتمشى في الأغوار، كنت أرتدي بدلة الفدائيين، من فوقها معطف الأطباء الأبيض، الليل ساكن إلا من حفيف الأشجار، صوت مياه النهر من بعيد، نسمة الصيف الناعمة تتسلل بين جبال الأردن، أمشي في الأغوار كأنما أمشي في حُلم داخلَ حُلم. أسمع وقع حذائي على الأرض الصخرية، لونها أحمر كالدم يغطيها عشب أخضر، ريح باردة خفيفة من الشمال لها رائحة الخيال، نسمة دافئة تهب من الناحية الأخرى، حيث يرقد الشاب قبل أن يفقد أطرافَه، أغمض عينيه ويحلم أنه عاد إلى الضفة الغربية حيث ترقد أمه العجوز، تبحث في النَّوم عن ابنها الغائب في الضفة الشرقية، تصطك أسنانه قليلًا كأنما من الرجفة، أو رعشة الخيال، الريح محملة برائحة الحلم، صوته يسري في أذني في سكون الليل: أراكِ في مِعْطَفك الأبيض تسيرين بين الخيام، أراكِ بالعين في جسدي، في مكان غير المكان الذي توجد فيه العيون، هل عندك وقت لأكشف لك عن هذه العين وأخبرك بسِرِّ قوة ذراعيَّ وساقيَّ؟! لا تخافي يا دكتورة هناك في الضفة الأخرى وراءَ النهر أعداءٌ اعتقدوا أنني مت، لكني لم أمت، أنا فقط جريح، والجرح ليس في محجر العين، أنا أراك هنا والآنَ في ضوء القمر المختفي، أشهد ما بعد الموت، لماذا أنتِ صامتة؟ هل أنتِ جريحة مثلي؟ لا تخافي إن فقدْتِ ذراعيك وساقيك، ما دمتِ قادرة على الاستماع إليَّ، فأنتِ قهرتِ الموت، قهرتِ العدو داخلَكِ قبلَ العدو هناك على الضفة الأخرى، وأنا مثلك قادر على الاستماع إليك، ليس لأمثالك إلا الاقتراب، أو التلامس جسدًا لجسد، أعطيني يدَكِ، ضعيها فوق صدري العاري لألمسها وتلمسين، انتظري لا تبتعدي عني، لا تخافي من شكلي المختلف، ربما فقدت أطرافي لكني لم أفقد قلبي، لست من الرِّجَال الذي يغتصبون النِّساء في الظلمة، لم يعد لي جسد رجل أو امرأة، إنما هي الرغبة الأخرى يا دكتورة، أتعرفين الرغبة الأخرى؟!

كان راقدًا فوق ظهره مبتور الذراعين والساقين، حول عينه اليسرى رِباط من الشاش الغارق في الدم، بشرته بلون الطوب الأحمر، لم يكن وَهْمًا ولا خيالًا، كان فدائيًّا فلسطينيًّا في لحظات الاحتضار الأخيرة، يفتح فمه ويغلقه في صمت، يحاول أن يَكْشِفَ قبلَ أن يرحل عن سرٍّ خفيٍّ، اقتربْتُ بأذني من فمه وقلت: تكلم … أنا أسمعك يا غسان.

– يا دكتورة أتعرفين الرغبة الأخرى؟! كل الأجسام الراقدة هنا في الخيام كانوا شبابًا مثلي فقراء، لا يملكون شيئًا في الحياة إلا أجسادهم، وهذه الأجساد أيضًا لا يملكونها، تملكها القيادة العسكرية، وهي قيادة لها رائحة تشمينها من البعد، أتعرفين رائحة القيادة؟! هواء ثقيل بارد يهب من هذه الناحية، انظري، لم أكن أعرف أن السلطة لها رائحة، ولها صوت يَصْطَكُّ مثل قرقعة الحديد أو ارتطام الفولاذ بالمعادن الصُّلبة، يتحول الصدى إلى صوت أشبه بهذا الصوت الذي نسمعه، اسمعي!

حركت رأسي في الاتجاهات الأربعة أحاول التقاط صوت الريح فلم أسمع إلا صمت الليل، ملايين الأصوات الهامسة التي تصنع الصمت، قربت أذني من فمه.

– لا أسمع شيئًا يا غسان.

– لأنك فقدت أذنيك يا دكتورة منذ زمن بعيد، منذ ولدت على هذه الأرض، وأردتِ أن تحمي نفسك من سماع الكلمات النابية؛ مثل كملة «مَرَة»، ألم تسمعي كلمة السباب الأولى فوق هذه الأرض؟ إذا أرادوا إهانة رجل يقولون له: «ابن الْمَرَة». إن أعدائي قادرون على تمزيق جسدي بالألم، لكنه أخف منذ هذه الإهانة، وفي يوم قال لي قائدنا أو زعيمنا كما يسمونه، قال لي: «ابن المره»، منذ ذلك اليوم فقدت أذني حتى لا أسمع الكلمة مرَّة أخرى. لم أكن فعلت شيئًا سوى أنني لم أضع قليلًا من السكر في فنجان قهوته، نسيت أنه يشرب القهوة ع الريحة كما تقولون في مصر، وكان يفقد مزاجه إن لم يشرب قهوته ع الريحة في الصباح، يصبح هائجًا كالضبع، يكاد يعض مَن حوله بأسنانه، ومن فمه تنثال كلمات السباب، أولها هذه الكلمة يا ابن المره! وهربت من المعسكر بعد أن فقدت أذني، وكنت قد فقدت ذراعي اليمنى في عملية فدائية داخلَ الضفة الأخرى، في قلب أرض العدو، التي كانت أرض أمي، نجحت في تدمير معسكر العدو وبدأت أهرب لأعود إلى هنا، وأنا أزحف فوق بطني شممت رائحة أمي في الأرض، تمهلت قليلًا، توقفت لحظة أملأ صدري بالرائحة، وانهمرت طلقات الرصاص من حولي مثل سرائب الحمام الأبيض في ظلمة الليل، لم أعرف أنها طلقات رصاص، كنت مستغرقًا في اللذة الطفولية، عدت طفلًا أدسُّ أنفي داخلَ صدر أمي وأملأ صدري بالرائحة، أتذكرين رائحة أمك يا دكتورة؟!

– رائحة أمي؟!

فاجأني السؤال، ماتت أمي منذ تسع سنوات، نسيت رائحة أمي، بدأ الهواء يتحرك حاملًا لي الرائحة، أوشكت الإمساك بها قبل أن تتسرب من الذاكرة، لكن الهواء تحرك بفعل الريح؛ فهربت مني كما تهرب السمكة الصغيرة من بين أصابعي في البحر.

جلستُ فوق قطعة حجر بجوار الخيمة، وهو راقد كما كان فوق ظهره، قطعة مربعة من اللحم البشري بلا ذراعين ولا ساقين، عين مربوطة بالشاش، العين الأخرى ترمقني في الظلمة كالنجمة الوحيدة في سماء سوداء، صوته يدخل مَسامَّ جسدي مع نسمة الليل كالحُلم.

– هربت من المعسكر يا دكتورة أزحف فوق قطعة من الخشب لها أربع عجلات، أدفعها بكتفي، لم أعرف ماذا أفعل بجسمي بلا أطراف ولا آذان ولا عيون، ولا شيء إلا هذا الصدر المكشوف والضلوع تحتها قلبي يخفق ممتلئًا بالحنين للحب، ورأيت عيون الأطفال ترمقني من بعيد في خوف، يتحسسون أذرعهم وسيقانهم، يطمئنون إلى وجودها، يخشَوْن فقدانها، كأنما يرَوْن مستقبلهم فيَّ، وعيون الكبار ترمقني من بعيد أيضًا، يُلقون إليَّ بقطعة من النقود من بعيد، لا يكاد يقترب مني أحدهم إلا وضاعت منه أطرافه وأذناه وعيناه، تسقط قطعة النقود فوق بطني، ألتقطها بلساني، الذي أصبح يدي ألتقط بها الأشياء، وصنعت لي القيادة ملفًّا صغيرًا ضمن ملفات أصحاب العاهات أو الشحاذين، كنت ألتقط طعامي من فضلات النَّاس في الطريق، وإذا جاء المبعوث الأميركي يزور قائدنا تنتشر عربات الجيب المصفحة في الشوارع تلم الشحاذين، تكنس الشوارع من القمامة، تدهن سيقان الأشجار بالبويا البيضاء، ترفع الأعلام وأقواس النصر، تحولت من الفدائي وجه الوطن المشرف إلى الوجه المخزي المطلوب إخفاؤه كالعورة عن عيون الضيوف.

– وكيف عدت إلى معسكر الفدائيين يا غسان؟

– آه يا دكتورة، هذا سؤال مهم، جاءني مندوب من القيادة وسألني؛ أيهما تفضل: أن تعيش شحاذًا محتقَرًا أم تموت شهيدًا مكرمًا؟ قلت على الفور: أموت! كنت أنشد الموت دون جدوى، أريد أن أمسك بيدي مسدسًا أو موس حلاقة لأقتل نفسي، لم تكن لي يد أمسك بها آلة القتل، ربطوا حول صدري وبطني حزامًا من القنابل الموقوتة، حملوني مثل طرد من الديناميت إلى معسكر الأعداء لسوء الحظ لم تنفجر القنابل، كانت كلها مغشوشة، صفقات الأسلحة الفاسدة تجارة دولية، تقتسم القيادات الربح فيما بينها. سقطت أسيرًا بين أيدي الأعداء تشاءموا من منظري فأعادوني إلى قيادتي كنوع من العقاب لها، وضعوني في هذه الخيمة في معسكر السلط.

كلما أرادوا تفجير معسكر في الضفة الأخرى ربطوا حزام القنابل حول صدري وبطني، أنطلق في مهمتي سعيدًا، وعندي أمل وحيد، ألا تكون القنابل مغشوشة لأموت شهيدًا وأدخل الجنة مع الأنبياء، ويحصل أبي بعد موتي على المعاش، كان أبي ينشد موتي فهو رجل فقير يعول أسرة كبيرة. أحيانًا أصدق أن هناك جنة بعد الموت، وأحيانًا تبدو لي الجنة مجرد خدعة من اختراع القيادة، أتعرفين أحدًا في هذه القيادة يا دكتورة؟ القيادة هي القيادة في أي بلد في العالم، هل وقعتِ في حب أحدهم؟ هل وقع أحدهم في حبك؟

– أنا يا غسان؟!

– أيوه! إنتِ! كيف جئتِ إلى هنا يا دكتورة؟ لا أحد يأتي إلى هنا من دون أن يمر على القيادة، دون أن تفحصَه القيادة، إنهم رغم قُبح الملامح، فيهم شيء من الجاذبية، وتشتد الجاذبية بارتفاع المكانة؛ لهذا يحظى القائد بنصيب أكبر من النِّساء … هل أغراكِ أحدهم بالتطوع والموت في سبيله؟! نعم في سبيله وليس في سبيل الله أو الوطن؛ فالمرأة أكثر ذكاءً من الرَّجل، لا يمكن أن تموت المرأة من أجل كلمة مجردة، بل من أجل شيء ملموس حقيقي؛ مثل جسد رجل له ذراعان يضمانها في الليل، وأنا رجل بلا ذراعين ولا ساقين لم تعد هناك امرأة ترغب في الموت من أجلي.

الساعة تنقضي وراءَ الساعة وأنا جالسة فوق قطعة الحجر بجوار الخيمة، وهو راقد فوق ظهره، صدره يعلو ويهبط بأنفاس متقطعة، تعلوه طبقة من التراب والدم، عينه الوحيدة لا تزال مفتوحة ترمقني في الظلمة وتومض مثل ذُؤابة ضوء توشك على الانطفاء، صوته ينخفض قليلًا، يتقطع، أكاد لا أسمعه، أقرب أذني من فمه.

– استمر … أنا أسمعك يا غسان.

– صوتك الحنن يكشف أنكِ عرفت في حياتك رجالًا كثيرين، إن صدركِ مثل صدر الأم رقدت فوقَه رءوسٌ كثيرة متعبة، لكنك كنت تطردين الرِّجَال الأطفال الباحثين عن الأم، كنت تبحثين عن رجل مكتمل الرجولة يحمل السلاح ويقتل العدو، تريدين فدائيًّا شجاعًا لا يخاف الموت، تضعين رأسكِ فوق صدره كأنما هو صدر أمك؛ ألهذا جئت إلى هنا يا دكتورة؟!

– لا يا غسان، أنا لا أبحث عن صدر أضع عليه رأسي، لكني بعد الهزيمة لم أعد أطيق الحياة في مدينة القاهرة، الهواء هناك أصبح مشبعًا بالدخان والهزيمة، العيون منكسرة حزينة، حتى جمال عبد الناصر نفسه تهدلت ملامحه وانكسرت عيناه مثل الأسد الجريح.

– سمعت من الزملاء أنكِ كاتبة، هل جئتِ إلى هنا بحثًا عن رواية جديدة؟ كنت في طفولتي أكتب الشعر وكانت هناك لها عينان سوداوان مملوءتان بالأمل والحلم مثل شعاع الشمس، عيناها أراهما بعيني الواحدة تشبهان هذه الطفلة؟

– هل تراني يا غسان؟

– لا يا دكتورة، لا أراك؛ لأن العين الباقية لم تعد ترى، لكني أراك بقلبي، صوتك يذكرني بصوت أمي، أحلم كلَّ ليلة أنني عدت إلى حضن الأم في الوطن القريب البعيد، أحلم بامرأة لها صدر الأم وجسد الأنثى، لكن الأمومة والأنوثة لا يجتمعان في امرأة واحدة، وأنت طبيبة وكاتبة لا يمكن لرجل أن يلمسك إلا إذا كان جريحًا أو موضوع رواية جديدة، أتحلمين مثلي بالموت ودخول جنة عَدْن؟ لكن الجنة خلقت لنا نحن الذكور وليس فيها للإناث دور إلا الجواري الحوريات، أتعرفين هذه الحقيقة يا دكتورة؟

– نعم أعرفها يا غسان؛ لذلك لم أحلم أبدًا بدخول الجنة.

– أنت إنسانة ذكية، كشف زيف الذكورة والأنوثة، تجتازين المحيط الواسع بينهما بخطوة واحدة من قدمك، وأنا أريد منكِ طفلًا يرث ذكاءك قبل أن أموت، أتحققين رغبة إنسان فقد كل شيء من أجل الوطن إلا القدرة على الإنجاب؟!

رأيته يضغط على أسنانه كأنما يكتم ألمًا عميقًا في الجسد، يمر بلسانه على صدره المملوء بالجروح والكدمات، كان يتحرك فوق المقعد ذي العجلات بصعوبة، يريد أن يتبول، يخجل أن يتبول أمامي، تحت الشعر الأسود الكثيف أسفلَ بطنه كانت المثانة منتفخة ممتلئة حتى الحافَة، يجز على أسنانه من شدة الألم، أسمع صوت اصطكاك الفكين القويين، وأقدام حديدية تصطك بالأرض، شباب فدائيون استيقظوا من النَّوم بدءوا يؤدون التدريبات، ينظفون بنادقهم يملأونها بالرصاص، يطلقونها في الجو، الفجر لم يطلع بعد، وأنا متكورة حول نفسي أمامَ باب الخيمة، أرتدي المعطف الأبيض فوق بدلة الحرب، في جيبي قلم رصاص جاف، في الجيب الآخر مفكرتي اليومية، قد أنزع منها ورقة غير مكتوبة لأكتب عليها اسم دواء، أو كلمة غسان، صوته أصبح ممزوجًا بالعرق والدم. الآن لم يعد جسده يفزعني، لم أعد أراه مشوَّهًا، أحوطه بذراعي كأنما هو طفلي، حملت به وولدته في مكان وزمان لا أدري عنهما شيئًا، إنه يموت بين ذراعيَّ، أنا أحقق له رغبته الأخيرة قبل أن يموت.

مات غسان تلك الليلة قبل أن يطلع الفجر، وضعوه داخل حفرة في الأرض وأهالوا التراب فوقَه، عدت إلى القاهرة صباح اليوم التالي، كان شريف ينتظرني بالمطار، رآني شاحبة الوجه معفرة الملابس، سألني: ماذا حدث في الأردن؟ قلت: مات غسان يا شريف. قال: من هو غسان يا نوال؟ قلت: شاعر مجهول ربما ينجب طفلًا ذكيًّا في جنة عَدْن يرجم إبليس بالحجارة. ضحك شريف وقال: أهي رواية جديدة؟!

كان ذلك في نهاية صيف عام ١٩٦٨، لم أكن أعرف أنه بعد عشرين عامًا بالضبط سوف يتزايد عدد الأطفال في فلسطين، أطفال من الأولاد والبنات يشبهون غسان، ملامحهم فدائية منحوتة في الصخر، عيونهم يكسوها البريق، أصابعهم قوية، أعدادهم كثيرة أكثر من الأعداء، قلوبهم شُجاعة لا تهاب النار ولا تطمع في الجنة، قلوب أطفال وُلدوا بلا أب ولا أم، يمسك الواحد منهم أو الواحدة منهن حجرًا. قامت ثورة الأطفال عام ١٩٨٨، عُرفت باسم ثورة الحجارة، انتصر الأطفال على الجنود المسلحين، أصبحت ثورتهم حديثَ العالم، كادت موازين القوى تنقلب ضد إسرائيل لولا عملية الإجهاض السرية، المؤامرة الجديدة تحت اسم المفاوضات في أوسلو ومدريد، وكامب ديڨيد الأولى والثَّانية، ولا نكاد نعرف متى تكون الثالثة والرابعة، ربما بعد الموت في يوم القيامة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤