القطيعة

ذهب الزوج، ولم يجرؤ رجل الفكر على إخباره بنبأ زوجته، ومضت الأيام، وجاء الميعاد، وحضرت السيدة فاستقبلها متجهمًا، فأدركت العلَّة وابتسمت قائلة: نعم! لقد كذبت عليك كثيرًا!

فقال لها بشيء من الجفاء: ليس يهمُّني الآن كذبك عليَّ، إنما المهم هذا الموقف الذي وضعتني فيه.

فقطَّبت جبينها: أي موقف؟

فقال: لماذا كذبتِ على زوجكِ أيضًا؟ لماذا أخفيت عنه أمر زيارتك لي؟

فضحكت ضحك الطفلة المدلَّلة المزهوة بعبثها، غير الحافلة بذنوبها: لست أدري، لقد نسيت أن أذكر لك أني — إلى جانب شغفي «بالتنيس» و«السينما» و«السباق» — أحب كذلك أحيانًا «الكذب»!

فحملق فيها دهشًا: سبحان الله! أهو أيضًا قد أصبح فرعًا من فروع اﻟ «سبور»؟!

فابتسمت وقالت: نعم … إن مهمتك في هدايتي شاقة كما ترى!

فلم يبتسم، ولم تنفرج أساريره، ولم يغادر وجهه ظل القلق القاتم، ولم يستطع أن يبرر أمام ضميره هذا الموقف الغامض، فقال مطرقًا، كالمخاطب لنفسه: وبعدُ؟ ما العمل؟

فقالت ساخرة: يا لَفداحة المصيبة! إن هذه الأكذوبة من غير شك جريمة لن تُغتفر!

– أتسخرين أيضًا؟

– أرجو المعذرة … إني أراكَ مهمومًا لغير أمرٍ يستوجب الهمَّ! كنت أحسبك مثلي، لا ترى في الحياة شيئًا يحمل على الاكتئاب!

– هنيئًا لكِ هذه النفس التي ترى الحياة خلال مضرب «التنيس»!

فقالت باسمة: إني أراها أكذوبة طريفة، وألعوبة لطيفة!

فقال وكأنه يناجي نفسه: ليس لي للأسف الحق في أن أراها كذلك … إنما هي حقيقة واقعة، وواجب محتوم، وعبء ثقيل، كُتِب عليَّ أن أحمله فوق منكبي حتى تحرج أنفاسي!

فقالت وهي تنظر إلى كتبه وورقه ومكتبه الغارق في ظلام المكان: نعم … إن حياتك حجر ملقًى على ظهرك، أُمرت أن تسير به إلى آخر المرحلة! لكن … لماذا أنت تراها كذلك؟!

فقال مفكرًا: لستُ أدري، ولقد قُلْتِها أنتِ: إني أُمرت أن أسير هكذا، وهل أملك أنا حرية النظر؟! إنك قد خُلقتِ لتعيشي حياتك، وأنا قد خُلقت لأعيش حياة فكرة، فأنا لست أرى الشمس والهواء، ولكني أرى الفكرة التي تحرِّك وجودي، كما تحرك اليدُ القفازَ.

هكذا أراد لنا القدر … ما أنتِ لديه إلا كرة من كرات «التنيس»، يقذف بها في الفضاء … فأنتِ حرة حرية هذه الكرة، أما أنا «فمضرب» في يده، مسخَّر لغايته، حبيس في كفِّه، لا يطلقني منها حتى ينتهي اللعب!

فقالت على مهلٍ، كأنها تتأمَّل عباراته: هذا صحيح … لكن؟

وعاد إلى نفسه، وذكر ما كان يشغل باله قبل ذلك، فأسرع يقول لها: لكن أخبريني أنتِ: لماذا أخفيتِ عن زوجك؟ وإلى متى تنوين المُضِيَّ في …؟

فعاد إلى شفتيها الابتسام، وقالت: ينبغي أن أريح ضميرك المعذب، وأقول لك إن أمرَ زياراتي يجب أن يظل بيننا سرًّا خفيًّا، وأنا وأنت وحدنا!

فقال لها: أتظنين أنك تريحين ضميري بهذا الكلام؟!

فنظرت إليه مليًّا: أتراني حقيقة أرتكب خطيئة من الخطايا؟

فقال لها على الفور: بلا شك … وتريدين أن تشركيني معك فيها!

– أفي احتفاظنا بهذا السر خطيئة؟

– ليس لنا أن نخفي عن زوجك سرًّا.

فأطرقت لحظةً، ثم رفعت رأسها، وقالت كالمخاطبة لنفسها: أليس لي أن أحتفظ في مجَاهل نفسي بمنطقة لا يرتفع إليها إنسان؟ إني أشعر بشيء لست أدري مبلغ فهمك إياه! إن المرأة وحدها تفهمه … لا بدَّ للمرأة من أن تخفي شيئًا عن زوجها … قد يكون سوارًا من الذهب تشتريه خلسة، وقد تكون ذكرى من ذكريات ماضٍ عزيز … وقد تكون فكرة نبيلة أو سخيفة تؤمن بها ولا تحب أن تشرك أحدًا فيها! إن إحساسي اليوم هو من هذا القبيل … إن زياراتي لك، وأحاديثي معك، وآرائي التي أفضي بها إليك، وسويعاتي التي نتبادل فيها معًا شئون الفكر، كل هذا ينبغي أن يوضع في صندوق من صناديق الحلي، ليس له غير مفتاحين: أحدهما معي، والآخر معك.

•••

أطرق الكاتب مليًّا ولم يُحِرْ جوابًا! مهما يكن من أمرٍ فإن هذه المرأة تضعه في موقف الحرج. وقد كان يتحمَّل هذا الموقف لو لم يرَ زوجها … أما وقد رآه وعرفه، ويتوقع أن يتكرر اللقاء، وأن تنمو بينهما الصلة، فكيف يستطيع المُضِيَّ في كتمان الأمر عنه؟ على أنه من ناحية أخرى يجب أن يفهم تفكير المرأة، وأن يحترم إرادتها، وأن يُبقي لها على هذا الخيال الجميل، الذي تحب دائمًا أن تحيط به الأشياء، إذن فلا مفرَّ من السكوت، وليتجاهل الصلة التي بينهما! وما دام الزوجان سيزورانه في أوقات مختلفة، فليفترض أنهما بالنسبة إليه صديقان منفصلان.

ولكن المرأة التفتت إليه قائلة: هنالك مع ذلك أمر يَحسن أن أنبِّهك إليه.

فنظر إليها قلقًا: ما هو؟

فقالت بهدوء: سوف يدعوك بالضرورة زوجي إلى زيارتنا، أو إلى مشاهدة «التنيس» حيث يقدِّمك إليَّ، فحذارِ أن يبدو عليك …

فلم يسمع الباقي، ولم يُطِقْ صبرًا، وصاح فيها صيحة دوَّت في المكان: أيتها السيدة! لن أسمح لهذا العبث أن يمتدَّ إلى أبعد من هذا! إنك من غير شكٍّ تعبثين وتلعبين، وأنا الذي أحسن الظن بتصرفك، وأسبغ عليه كل ما أستطيع من افتراضات عالية!

فاحمرَّ وجهها، وقالت ببراءة الطفل الذي لم يفطن إلى ذنبه: ما الذي حدث مني؟ ما الذي أغضبك؟

فحدَّد إليها البصر دهشًا: عجبًا! ألا تعرفين ماذا أغضبني؟

فقالت بشيء من الوداعة والدَّلِّ: أتتهمني بالعبث واللعب؟!

فقال، وقد ترفَّق في الكلام: وماذا أسمي طلبك إليَّ أن أمثل دَورًا روائيًّا، يوم يقدِّمني إليكِ زوجكِ؟ أتظنين رجلًا جادًّا مِثلي خليقًا بأن يفعل ذلك؟ إن ما تشاهدينه في «السينما» لا ينبغي أن يؤثر في فهمك لحقائق الأشياء، ولا أن يُفسِد من تقديرك للأمور! إنكِ أيتها السيدة ما زلتِ واقعةً تحت تأثير عالمكِ التافه، وما زال أساتذتك السخفاء؛ «السينما» و«التنيس» و«السباق» هي التي تقود خطواتك في الحياة!

فنظرت إليه نظرة كلها عتاب، لا ينكر أنها أثرت في نفسه، وقالت: أهذا رأيك فيَّ حقًّا؟

فتماسك وقال: نعم، مع أسفي الشديد!

– كنت أحسبك تعتقد أن زياراتي السابقة قد استطاعت أن ترفعني إليكَ درجات.

فقال لها، بدون مداراة: لا يا سيدتي! بل إنها قد استطاعت أن تنزلني إليكِ دركات! ففتحت فمها دهشةً لصراحته وخشونته، وقد فوجئت بهما لأول مرة. ومضى يقول: ألا تصدقين؟! ألا تصدقين أنكِ تجذبينني إلى أسفل؟!

فقالت بصوتٍ أحسَّ في باطنه غبطة مستورة وارتياحًا خفيًّا: أنا إذن لي عليك تأثير.

فأسرع قائلًا: سيِّئ! لقد حاولتِ أن تعلميني «الكذب»، وأن تهبطي بي إلى ملاعب «التنيس»، وأن تُلجئيني إلى تمثيل دَور من أدوار «السينما»! كل هذا في مدى زمن قصير! أرأيت مقدار نجاحكِ؟

فضحكت ضحكًا طويلًا رقيقًا، امتزج رنينه الفضي بوميض اللآلئ المنبعث من ثغرها … ثم قالت: وأنتَ؟ ألم تنجح معي في شيء؟

– لستُ ألمح بوادر نجاح مطلقًا!

غير أنه تذكَّر فجأةً قول زوجها له: إنها قرأت «تاييس» في ثلاث ليال، وإنها عكفت على مطالعة كتبه كلها! وإن هذه القراءة، مهما يكن الباعث لها، تُعتبَر تقدمًا على كل حال، وخطوة في طريق الوصول بالنفس إلى مرتبة أسمى. وأراد أن يستوثق من هذا الأمر، فسألها في ذلك، فتغيَّر وجهها قليلًا، ثم ملكت نفسها وقالت: من أخبرك أني قرأت كلَّ هذا؟!

– زوجك!

فقالت وهي تحدُّ إليه البصر: أَوَصدَّقته؟

فلم يدرِ بماذا يجيب، غير أنه تفكَّر مليًّا في الأمر، ثم قال للجميلة بجِدٍّ قاسٍ، وعزمٍ قاطعٍ: اسمعي أيتها السيدة! لقد انجلى لي الأمر الآن؛ أنتِ، فيما يظهر لي، قد بلغت غايتك … إن زوجك يعتقد على أيِّ حالٍ أنك تغيَّرت وأنك تقرئين، فإما أنك قد خدعتِ زوجكِ، وتحايلت عليه، وأدخلت في روعه — كذبًا — هذا الاعتقاد، فهو نجاح على طريقتك. وإما أنك حقيقة قد تغيرت وتذوقت الأدب، فتلك بُغيتنا، ولم تبقَ لك من حاجة إلى زيارتي، فاسمحي لي إذن أن أحييك، وأن أشكر لك تشريفك هذا المكان، وأن أودِّعَكِ!

فنظرت المرأة إلى وجهه لحظة، ورأت الجِدَّ في ملامحه والعزم في عينه، ولحظتْ منه حركةَ انصراف عنها إلى كُتبه وورقه ومشاغله الفكرية. وشعرت كأن سماءه الباردة قد نادته إليها، وأن عالمه الصارم قد استرده إليه، فلفظت من بين شفتيها بصوتٍ كالهمس: وداعًا!

ولم تَزِدْ على تلك الكلمة شيئًا، وتناولت قفازها، وجعلت تضع أصابعها فيه على مهلٍ، ثم قالت: وأشكرك!

ومضت إلى الباب، واختفت كما يختفي الشبح، وذهبت كما يذهب الحلم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤