الفصل الثالث

١

عندما قَدِمَت أوليفيا لأول مرة إلى المنزل العتيق زوجةً لآنسون بينتلاند، كانت بَلدَة دورهام، الواقعة إلى الداخل مِن منزل آل بينتلاند والبحر، محجوبة عن الأنظار، ومُستترة وسط طَيَّةٍ من الأرض تحدد البدايات الباهتة لجبال نيو هامبشاير. كان يسُود الأجواء المحيطة قدرٌ مِن السلام والسكينة: إذ كان المرء يَعرف أن بين طيات الأرض البعيدة التي يعلُوها برجٌ أبيض مُستدقُّ الطرف تَقبع بلدة هادئة ذات بيوت خشبية بيضاء اللون مَبنيَّة على امتداد شارع واحد يُسمَّى «هاي ستريت» وهو الشارع الرئيسي الذي تُظلِّله صيفًا أشجار الدردار العتيقة. في تلك الأيام الخوالي، كان هناك قرية ريفية، شبه ناعسة، تعجُّ بمنازل خاوية مُنتشِرة هنا وهناك تتهالَك ببطء — قرية تضاءَلَ عددُ سكانها ليَصير أقلَّ مما كان عليه قبل مائة عام. وظلَّت ناعسةً وخاملةً هكذا لمدة خمسة وسبعين عامًا تقريبًا، منذ اليوم الذي سُلِبَت فيه من سكانها الشباب الأقوياء على يدِ مجموعة كبيرة من المواطنين المهاجرين. ووسط الحشائش الكثيفة التي تُحيط بالمُصَلَّى الكنسي العتيق يوجَد لوح رخامي سُجل عليه الحدث بنقشٍ نَصُّه:

«مِن هذا المكان، وفي الرابع عشر من أغسطس، عام ألف وثمانمائة وثمانية عشر، خرج القس يوشيا ميلفورد، قسُّ هذه الكنيسة، مع مائة وتسعين فردًا من أبرشيته، رجالًا ونساءً وأطفالًا، مُتحصِّنين بإيمانهم بالرب القدير، لتنفيذ مَشيئته وقُدرته في برِّية المحميَّة الغربية.»

وتحت النقش حُفرت أسماء تلك العائلات التي قطعت الرحلة لتأسيس بلدة جديدة فاقَت دورهام الهادئة ثراءً ورخاءً مئات المرات. ولم يكن اسم بينتلاند بين هذه الأسماء؛ لأنَّ آل بينتلاند كانوا أثرياء حتى في عام ألف وثمانمائة وثمانية عشر، وكانوا يقضُون فصل الشتاء في بوسطن وفصل الصيف في دورهام، على الأرض التي سلبها من البرية الرعيلُ الأول من الأسرة.

ومنذ ذلك اليوم وحتى وصلت الطواحين إلى دورهام، غرقت القرية تدريجيًّا في حالة من الخمول، وبعد فترة وجيزة انتهت الكنيسة نفسها، بعد أن جُرِّدت من سطوتها، وتحوَّلت إلى متحف مُترب يَمتلئ بالأثاث المنزلي الأمريكي القديم وعجلات الغزل — وهو مكان نادرًا ما يزُوره أحد ويَطليه المجلس البلدي على مضَض كل خمس سنوات؛ لأنه كان يُشتهَر بكونه مَعلمًا تاريخيًّا. وقد تحوَّلت عائلة بينتلاند منذ زمن بعيد إلى عقيدة الموحِّدين الواهِنة أو العقائد الأكثر توافُقية وتساهُلًا الخاصة بالكنيسة الأسقُفية الأمريكية.

أما الآن، وبعد ما يَقرُب مِن عِشرين عامًا على مجيء أوليفيا إلى منزل عائلة بينتلاند، عادت القرية مُفعَمة بالحيوية والنشاط، لدرجة أنها كانت قد تجاوَزَت بُقعتها الصغيرة من الأرض وامتدَّت على جانب الرابية المُتاخم للبحر، في صُفوفٍ مستقيمة منبسطة من البيوت الجصية القبيحة، التي تشغل كلٌّ منها أسرة صغيرة من أُسَر عمال الطواحين البولنديين. وداخل البلدة نفسها، عبر شارع هاي ستريت من أعلى البرج المستدق للمصلَّى العتيق، تُرى كنيسةٌ جديدة، مبنية من الجص والخشب المَطلي باللون الأخضر وتابعة لكنيسة روما العظيمة. وفي المنازل الخشبية العتيقة على امتداد شارع هاي ستريت كانت لا تزال تُوجَد بقية باقية من الأسر القديمة … من أمثال السيدة فيذرستون العجوز، التي اتخذت مِن الغسيل اليدوي مهنةً تعُول بها أربعة أحفادٍ مرضى ما كان ينبغي لهم أن يأتوا إلى هذه الحياة من الأساس؛ والآنسة هادون، وهي امرأة عجوز غريبة الأطوار تَرتدي دومًا عباءة سوداء وتعيش على إعانة من العجوز جون بينتلاند عليها بصفتِها من الأقارب البعيدين للعائلة؛ وهاري بيكهان، نجار القرية؛ والسيدة مالسون العجوز، التي تَعيش بمُفردها في منزل عتيق رطب وبسيط وجميل يَزخر بقِطَع من اليشم والعاج جُلِبَت من الصين على متن سفن جدها التجارية؛ والآنسة مورجاترويد، التي حوَّلت منذ وقتٍ طويل منزلها الصغير إلى مقهًى متهالك. وبقوا مُتناثرين هنا وهناك، قلة من الأحفاد اللطفاء المُعدِمين والمساكين المُنحدِرين من نَسل أولئك المستوطنين الأوائل الذين جاءوا إلى البلدة مع آل بينتلاند.

إلا أن الطواحين غيَّرت كل شيء، تلك الطواحين التي ضخَّت الثروة في جيوب عشرات العائلات الثرية التي كانت تعيش في فصل الصيف على بُعد أميال قليلة من دورهام.

حتى الريف نفسه كان قد تغير. لم يَعُد أيٌّ من أهالي نيو إنجلاند يملكون أراضيَ. وأحيانًا عند التجول عبر الأزقة، كان المرء يُصادف واحدًا من تلك البقية من ذلك العِرق، بوجهٍ طويل وسخيف جالسًا على جدارٍ حجري يلُوك مُضغة عشب؛ ولكن ذلك كان كل شيء؛ فالآخرون كان قد انتهى بهم الحال قبل فترة طويلة في طواحين مدينتَي سالم ولين أو غَيَّبَهم الموت، نتيجة الإفراط في زواج الأقارب وسوء التغذية. ووقعت القِلة المُتبقية مِن المزارع في أيدي البولنديين والتشيكيِّين، الذين كانوا أناسًا يتمتَّعون بالصلابة والقوة ويَنقُصُهم التحضُّر في ارتباطهم الوثيق بالأرض والحيوانات التي تُحيط بهم، وكانوا يتَّسمُون بقوة الأجساد، ولم يكونوا أخلاقيين جدًّا، وصنعوا مُعجزات في أرض منطقة نيو إنجلاند الصخرية القاحلة ووقفوا خلف جدرانهم يُحدقون بعيون مفتوحة على اتِّساعها في الأشخاص العظماء مثل آل بينتلاند وهم يمتطون خيولهم ويَرتدُون معاطف زهرية اللون وتُحيط بهم كلاب صيد الثعالب التي تهتزُّ ذيولها في عصبية. وعادت المزارع القديمة الأخرى، واحدة تلو الأخرى، إلى أحضان البرية بحيث يكون هناك متَّسع للخيول والكلاب لتُلاحق الثعالب وأجولة اليانسون.

لقد تغيَّر كل شيء تغيرًا هائلًا. ومن النوافِذ العليا للمنزل الحجري الضخم المَبنيِّ على الطراز الجورجي حيث كان يعيش آل بينتلاند، كان بوسع المرء أن يرى سِجلًّا بجميع التغيُّرات التي حدثت. كانت النوافذ تطلُّ على منظر طبيعي ممتدٍّ يتألَّف من مروجٍ عشبية مُتواضِعة وجدران حجرية، وأجمات من أشجار الصنوبر والبتولا البيضاء، وأهوار، ونهر بُني مُتعرِّج راكد. وأحيانًا في أواخر فصل الخريف كانت الظباء تَنزل مُتجولةً من على جبل نيو هامبشاير فتُشتِّت انتباه كلاب الصيد عن الثعالب وتُضللها بعيدًا بعد الركض وراء طريدة كانت تفوقها سرعةً بكثير.

وعلى مسافةٍ أقرب، وعند مُنعطف النهر، تقع الأرض التي وُلِدت عليها سابين كاليندار وعاشت فيها حتى صارت امرأةً ناضِجة — الأرض التي باعتها باستهتارٍ إلى أوهارا، السياسي الأيرلندي والمُنتمي إلى الروم الكاثوليك، الذي ظهر من العدم ليَستحوذ على الأرض، ويقلم سياجها الشجري، ويُصلح جدرانها المتصدِّعة، ويطلي أبنيتها القديمة ويضع عليها بواباتٍ وأسوارًا لامعة وجديدة جدًّا. وأنجز هذا بدقة بالغة حقًّا وعلى نحوٍ جيد للغاية لدرجة أن المكان بأكملِه كانت به مسحة من التطوير العقاري الذي تتَّسم به الضواحي. والآن، ها قد عادت سابين لتقضيَ فصل الصيف في أحد منازله ولتكون ودودًا جدًّا معه على مرأًى ومسمَع من العمة كاسي وآنسون بينتلاند، وعشرين ممن على شاكلتهما.

كانت أوليفيا تعرف عن ظهر قلب هذا المنظر الطبيعي الشاسِع بجماله الكئيب، كل غرس وحجر فيه، من مقلع الحجارة الخَطِر، الذي تكاد تَختفي أطرافه وراء شُجيرات عتيقة، إلى أجمة الصنوبر السوداء حيث اكتشف هيجينز قبل يومٍ أو يومَين فقط جِراء ثعالب وليدة. كانت تعرف هذا المنظر الطبيعي في الأيام الغائمة عندما يكون الجو باردًا ويبعث على الكآبة، وفي الأيام المُشرِقة والصافية جدًّا في نيو إنجلاند حين يبدُو كل غُصَين وكل ورقة محدَّدة المعالم بفعل الضوء، وفي تلك الأيام الباردة الرطبة التي يَنتشِر فيها ضباب رمادي عبر الأهوار آتيًا من البحر ليُغلف الريف بأكمله بظلام كئيب. كانت منطقة ريفية قاسية مُتصلِّبة ومُتحجِّرة لا تعرف المبالَغة في المرح أبدًا.

كانت أيضًا منطقة ريفية، تمنحها شعورًا مزمنًا بالوحدة … وهو شعور بدا على نحو غريب جدًّا أنه يزداد ولا يقلُّ أبدًا بمرور السنين. لم تكن قد تعودت مطلقًا على الكآبة المتقطعة لتلك المنطقة. في البداية، منذ فترة طويلة، بدت لها المنطقة مكانًا غضًّا وهادئًا ويمتلئ بالسكينة، مكانًا ربما تجد فيه الراحة والسكينة … ولكنها صارت منذ فترة طويلة تراه على حقيقته، كما كانت تراه سابين حين وقفت في نافذة غرفة المكتب، وقد انتابها الخوف من الظهور المفاجئ والغريب لسائس الخيل الضئيل البنية — منطقة ريفية جميلة وقاسية وباردة وجدباء قليلًا.

٢

مرَّت على أوليفيا أوقات بدا فيها أن ذكريات صباها تزداد وضوحًا فجأة وتنقضُّ عليها، بحيث تطغى على كل إحساس بالحاضر، أوقات أرادت فيها فجأةً وبقوة أن تعود إلى الماضي البعيد الذي كان قد بدا حينئذٍ تعيسًا؛ وكانت هذه الأوقات هي الأوقات التي شعرت فيها بأشد درجات الوحدة، الأوقات التي علمت فيها أنها مع مرور السنوات كانت قد انطوت على نفسها تمامًا؛ كانت تحمي نفسها مثلما تفعل السلحفاة حين تَسحب رأسها إلى داخل صَدفتِها. وفي الوقت نفسه، رغم الابتسامات والمجاملات واللطف المُبالَغ فيه، كانت تشعر بأنها حقًّا غريبة داخل منزل عائلة بينتلاند، وبأنه تُوجَد جدران وحواجز لا تستطيع أبدًا أن تهدمها، ولا تستطيع مطلقًا أن تتعدَّاها وتخترقها، مُعتقدات يستحيل عليها أن تؤمن بها.

كان من الصعب عليها الآن أن تتذكَّر بوضوحٍ شديد ما حدث لها قبل أن تأتي إلى دورهام؛ إذ بدا كل شيءٍ مفقودًا ومُشوَّشًا ومُتواريًا تحت وطأة إخلاصها لمنزل عائلة بينتلاند الشاسع. كانت قد نسيَت أسماء الأشخاص والأماكن واختلطت عليها الأيام والسنون. وأحيانًا كان يَصعب عليها أن تتذكَّر الرحلات البحرية المربكة المتكرِّرة عبر المحيط الأطلنطي ذهابًا وإيابًا والفنادق الشاسعة والمُوحشة والفسيحة التي تعاقبَت صورها واحدةً تلو الأخرى في سلسلة أحداث طفولتها الكئيبة وغير الواقعية.

كان بإمكانها أن تتذكَّر بوضوح مُثير للشفقة عامَين سعيدَين قضتهما في المدرسة ببلدة سان كلود الفرنسية، حيث عاشت لشهورٍ متَّصلة في غرفةٍ مُنفردة ربما تستطيع أن تُطلق عليها غرفتها الخاصة، حيث كانت تستريح، وتتحرَّر من الخوف الذي كان يَعتريها حين تَسمع والدتها تقول: «يجب أن نحزم أمتعتنا اليوم. سنُغادر غدًا إلى سانت بطرسبرج أو لندن أو سان ريمو أو القاهرة …»

ولا تكاد تتذكَّر المنزلَ الحجريَّ الضخم بأحجاره البُنية الداكنة المزوَّدَ بأبراجٍ وشرفات رائعة تطلُّ على بحيرة مشيجان. لقد بِيع وتهدم قبل فترة طويلة، وتدمَّر مثل كل شيءٍ كان يَنتمي إلى الماضي البعيد. عجزت عن تذكر الأب الذي تُوفي وهي في الثالثة من عمرها؛ ولكن بقيت منه على الأقل صورة فوتوغرافية مُصفرَّة لرجل عظيم وسيم مفتول العضلات ذي وجه أسكتلندي-أيرلندي مرِح، كان قد تُوفي في اللحظة التي صار فيها اسمه شهيرًا في كل مكانٍ باعتباره ذا نفوذ في واشنطن. كلَّا، لم يبقَ منه شيء سوى صورة فوتوغرافية قديمة، والابتسامة الباهتة الهزيلة الساخرة التي ورثتْها عنه، والطريقة التي تقول بها بلطف: «أجل! أجل!» حين كانت تَنوي التصرُّف بطريقة مناقضة تمامًا.

كانت تمرُّ عليها أوقات تصير فيها ذكرى أُمها مُبهَمة وعجيبة، كما لو أنها لم تكن سوى شكل يطلُّ من صورة غريبة ملتقطة في أوائل القرن العشرين … شكل لامرأة جميلة، ترتدي ملابس أنيقة تنسدل من كِلا الاتجاهين على خصر نحيل جدًّا. كانت مثل شكلٍ يخرج من إحدى تلك الصور الفوتوغرافية القديمة التي يتطلَّع إليها المرء في حالةٍ من الاستمتاع المُقبض. تذكرت امرأة جميلة مغرورة أنانية، مُولَعة بالإطراء، كانت على قدرٍ كافٍ من الفِطنة التي تحُول بينها وبين الزواج من واحدٍ من أولئك النبلاء البواسل السُّمر ذوي الألقاب الرنانة الذين كانوا يأتُون لزيارتها في غرفة استقبال الفندق التي لم يكن يَطالها تغيير أبدًا، لاصطحابها إلى حفلات الحدائق والمهرجانات والسباقات. ودومًا في خلفية الذكريات كانت ثمَّة صورة لفتاة صغيرة كئيبة، تغمُرها الوحدة والتَّوق إلى الأصدقاء، تُركت بمُفردِها لتُسلِّي نفسها بالخروج مع المربية السويسرية، وتكوين صداقات مع الأطفال الذين كانت تَلتقي بهم في المتنزهات أو الشواطئ وفي شوارع المدينة الأوروبية التي كانت أمها تزورها في تلك اللحظة … أصدقاء كانت تراهم اليوم ويختفُون في الغد ولا تراهم ثانيةً مطلقًا. ولاحظت الآن أن أُمَّها كانت تَنتمي إلى أمريكا تسعينيات القرن التاسع عشر. لم تكن الآن تراها شخصية حقيقية وإنما شخصية خرجت من إحدى روايات السيدة وارتون.

لكنَّها لم تكن قد تزوَّجت ثانيةً قَط؛ إذ كانت قد ظلَّت السيدة ماكونيل الجميلة الثرية من مدينة شيكاغو حتى ذلك اليوم المأساوي (أوضح ذكرى من ذكريات أوليفيا كلها وأفظعها على الإطلاق) حين وافتْها المنية فجأةً إثر إصابتها بالحُمى في قرية إيطالية نائية وحقيرة، ولم يكن معها ليعتني بها أحد سوى ابنتها (فتاة ذات سبعة عشر ربيعًا) ومُعالِج مُحتال وسائق سيارتها الروسي.

ووصل سَيل الذكريات المشوَّشة وغير المُبهجة على الإطلاق إلى الذروة في منزلٍ كئيبٍ مبني من الطوب الأحمر مُطلٍّ على ميدان واشنطن سكوير، حيث كانت قد ذهبت إلى هناك بصفتها فتاةً يتيمة لتعيش في كنف خالةٍ صارمة وقاسية كانت تُؤمن بأن العالَم كلُّه يَتمحور حول بلدة لينوكس، ووادي نهر هدسون، وميدان واشنطن سكوير — خالة لم تكن قد تحدثت مُطلقًا مع والد أوليفيا، لأنها، مثل آنسون والعمة كاسي، كانت مُتحاملةً على الرجال الأيرلنديين الذين يَظهرون فجأة من العدم، وينخرطون في الحياة، ويتمتعون بالحيوية والنشاط والروح المعنوية المرتفعة.

هكذا، في سنِّ الثامنة عشرة وجَدَت نفسها وحيدة في هذه الدنيا إلا من خالة قاسية الطبع، بلا أصدقاء باستثناء أولئك الذين كانت قد تعرَّفت عليهم وهي طِفلة على الشواطئ وفي المُتنزَّهات، والذين لم يَعُد بوسعها أن تتذكَّر أسماءهم. وكان العالم الثابت الوحيد الذي عرفته هو عالَم الخالة التي كانت تتحدَّث بلا انقطاع عن رَوعة مدينة نيويورك الفخمة التي كانت تفوح منها رائحة الكافور والتي لم يَعُد لها وجود.

الآن، كانت أوليفيا ترى كلَّ شيء بوضوح. أدركت السبب الذي جعَلَها ترى آنسون بينتلاند، حين جاء لزيارة خالتها ذات ليلة، رجلًا أنيقًا ومُذهلًا، ولحضوره على العشاء القُدرة على تحويل غرفة الطعام المصنوعة من خشب الجوز وخشب الماهوجني إلى مكان رائع. كان مِن نوعية الرجال الذين تصفُهم الفتيات ﺑ «رجل أكبر سنًّا»، وكان يتملَّقها بأدبه واهتمامه. كان قد اصطحبها، برفقة الخالة، لمشاهدة عرضٍ مسرحي لفرقة «المدينة»، وهو لا يدري أن عدم الاحتشام الذي سيتكشف هناك سيُجبرهم على الرحيل قبل انتهاء المسرحية. وخرجوا في أمسية أحد أيام الخميس (استطاعت حتى أن تتذكَّر اليوم بعينه) وما زالت تَبتسِم عندما تتذكَّر اعتقادَهم بأنَّ فتاةً قضت حياتها كلها في أَروقة الفنادق الأوروبية لا يَنبغي أن تعرف ما الذي كانت تدُور حوله المسرحية.

ثم انتهى الأمر بدعوتها إلى زيارة إلى منزل عائلة بينتلاند … إلى منزل عائلة بينتلاند، حيث وجدت عالَمًا لم تكن قد عرفته من قبل قَط، عالَمًا غضًّا وهادئًا وآمنًا؛ حيث تعامَل معها الجميع بلُطفٍ مبالَغ فيه لأسباب لم تَعرفها إلا بعد فترة طويلة. ولم يُخبروها أبدًا بالحقيقة بخصوص والدة آنسون، المرأة العجوز التي تعيش في عزلة بالجناح الشمالي من المنزل. قالوا إنها كانت مريضة جدًّا في الوقت الحالي ولا تَقوى على مُقابلة أي أحد. في ذلك اليوم البعيد بدا منزل عائلة بينتلاند، للفتاة المُرهَقة العديمة الأصدقاء، مثل فِراش أخضر فسيح ووثير يُمكنها أن تُلقيَ بنفسِها عليه وتستريح إلى الأبد، عالم يُمكنها فيه أن تُكوِّن صداقاتٍ وتُرسي جذورًا من شأنها أن تُشعرها بالأمان على الدوام. لفتاة اعتادت الإقامة في الفنادق، كان منزل عائلة بينتلاند جنَّة؛ لذا حين طلب آنسون بينتلاند يدها للزواج، وافقَت عليه لأنها لم تجده مُنفِّرًا حقًّا.

والآن، وبعد مرور كل هذه السنين، عاد الربيع من جديد … كان الربيع هو الوقت الذي أتت فيه إلى منزل عائلة بينتلاند لأول مرة، والآن بلَغَت التاسعة والثلاثين من عمرها ولا تزال شابة؛ بَيْدَ أن كلَّ شيء قد تغيَّر.

•••

شيئًا فشيئًا، في السنوات التي أعقبت ولادة سيبيل ثم جاك، اتخذت الصورة الإجمالية للحياة مع عائلة بينتلاند والمنزل الحَجري البُني اللون في شارع بيكون ستريت نمطًا معينًا، تشكَّلت من الانطباعات الأولى المشوشة والمُبهمة؛ بحيث أنها، عند استرجاعها للذكريات، بدأت تدريجيًّا تفهم الأمر بوضوح بالِغ نابع من تحرُّرها من الوهم.

رأت نفسها شابَّة خجولة عاملها الجميع بلُطفٍ مُبالَغ فيه لأنه من الضروري جدًّا لآنسون أن يجدَ زوجةً ويُنجب وريثًا … آنسون آخر نسل الذكور لعائلة عريقة مثل عائلة بينتلاند. (عائلة بينتلاند ومستعمرة خليج ماساتشوستس.) رأت نفسَها كما لا بدَّ وأنهم قد رأوها … شابة جميلة، أسَرَتْها مُعاملتهم اللطيفة، غريبة على عالَمهم ولكنها كانت على الأقل جذابة وراقية وثرية جدًّا. (عرفت الآن إلى أيِّ مدى كان المال حتمًا مُهمًّا عند العمة كاسي.) ورأت آنسون الآن، عبر كل هذه السنوات، ليس على هيئة أمير وسيم جاء ليُنقذها من يد خالتها الغولة، وإنما على حقيقته … رجلًا يُعاني من فقر دم، تجاوز الثلاثين من عمره، ويَمتلك لباقة رائعة. (كانت ثمَّة سخرية مريرة في ذكريات محاولاته المتردِّدة للتقرُّب منها، والنفور الذي تناول به تفاصيل الزواج … سخرية لم تفهمها فهمًا كاملًا إلا بعد أن تقدَّمت في العمر وصارت أكثر وعيًا بدروب الحياة.) مُسترجعةً الذكريات، رأته رجلًا حاول مرارًا وتكرارًا أن يتزوَّج من شاباتٍ عرفهن طوال حياته وفشل في الاقتران بهن لأنه بشكلٍ أو آخر كان قد اكتسب سمعة غامضة بأنه مُمل … شابًّا، لو أنه كان قد تُرك وشأنه، ما كان ليتقرَّب أبدًا من أي امرأة، ولذهب إلى قبره أعزب بَتُولًا كما جاء إلى الدنيا.

وأدركت الآن أنه لم يُحبها قطُّ ولو بأدنى قدر. تزوَّجها فقط لأنه لم يَسلم من الآخرين، الأحياء وكذلك الأموات، الذين بدوا على نحو غريب وكأنهم هم أيضًا أحياء في منزل عائلة بينتلاند. كان من تزوَّجوها هم العمة كاسي والآنسة بيفي المسكينة السخيفة والعجوز جون بينتلاند ذو النفوذ وأبناء العمومة وأولئك الأموات المعلَّقة صورهم في صفوف مُنمَّقة في الردهة. لم يكن آنسون سوى أداة في أيديهم؛ وحتى في أكثر اللحظات مرارة كانت تشعر على نحوٍ غريب بالأسف لحاله؛ لأن حياته، هو الآخر، كانت قد دُمِّرَت بأكملها.

وهكذا، شيئًا فشيئًا عبر كل تلك السنوات الطويلة، تحوَّلت أوليفيا ماكونيل الجميلة الخجولة والمجهولة — التي كان والدها سياسيًّا من مدينة شيكاجو ينتمي إلى الحزب الديمقراطي — إلى هذه المرأة الذاهِلة، وأحيانًا التعيسة، الدخيلة التي صارت بطريقة غامضة السند الذي يَستمدُّ منه الجميع القوة.

•••

كانت السعادة تغمُرها الآن لأنَّها تجرَّأت أخيرًا وواجهت آنسون وكل أولئك الذين كانوا يَقفون خلفه في غرفة الجلوس، الأحياء منهم والأموات، يُحدقون من فوق كتفه، ويُشجِّعونه. كان النقاش البغيض قد أدَّى إلى تنقية الأجواء قليلًا، رغم أنه جرحها. كان قد كشف النقاب لثانية عن الحقيقة التي كانت تسعى إليها لزمنٍ طويل جدًّا. كان آنسون مُحقًّا بشأن سابين؛ ففي الهواء الطلق الصافي لصباح ذلك اليوم في نيو إنجلاند أدركَتْ أن شُعورها بالقُرب من سابين هو ما منَحَها القوة لتكون بغيضة. لقد عرفت سابين العالم الكبير، مثلَما عرفتْه هي؛ ومِن ثم كان بوسعها أن ترى عالَمهم هنا في دورهام بوضوح لم يُحقِّقه الآخرون مُطلقًا. كانت قوية أيضًا بمَعرفتها أنه مهما حدث، كانت هي (أوليفيا) الشخص الوحيد الذي لم يكن بوسعهم تحمُّل خسارته؛ لأنهم صارُوا يَعتمدُون عليها منذ فترة طويلة جدًّا.

ولكنها كانت مجروحة. ظلَّت تُفكِّر مرارًا وتكرارًا فيما قاله آنسون … «على أيِّ حال، لن أسمَح بزواج ابنتي من أيرلندي من طبقة مُتدنية. فالعائلة بها ما يكفي من أمثاله.»

كانت تعرف أن آنسون سيشعر بالخجل مما قاله، ولكنها كانت تعرف، أيضًا، أنه سيَتظاهَر بأن شيئًا لم يَحدث، وبأنه لم يَقُل هذا الكلام مُطلقًا؛ لأنه كان تصرُّفًا غير لائق برجل نبيل يَنتمي إلى عائلة بينتلاند. سيَتظاهر، كما كان يَفعل دومًا، بأن الواقعة لم تَحدُث مطلقًا.

وعندما تحدث بهذه الطريقة، كان يَقصد أنه حريٌّ بها أن تكون مُمتنَّة لأنهم سمحوا لها بالزواج من فرد من عائلة بينتلاند. كان شيء ما دفينًا داخلهم جميعًا، قناعة كانت جزءًا من تكوينهم ذاته، جعلتهم واثِقين من هذه المزية. ولامرأة مثلها عرفت أكثر مما عرَف العالم من حولها، ورأت من الحقيقة أكثر مما رأى أيٌّ منهم، كان رد واحد فقط، سيُنتَزَع منها بحدة مأساوية … «أوه، يا إلهي! …»

٣

كانت غرفة الطعام فسيحة ومُربَّعة الشكل، وإذ كانت قد جُدِّدَت في فترة لاحقة على بقية المنزل، كانت مصنوعة من خشب الماهوجني الثقيل، ووُضعت في المُنتصَف طاولة كبيرة لامعة كان الجالسون عليها يظلُّون محافظين على تباعُدهم بعضهم عن بعض حفاظًا على الرسميات، حتى مع تصغير مُحيطها لأقصى قدْر مُمكن.

كانت تلك الطاولة تُستَخدَم كثيرًا؛ لأنه منذ أعاقت الظروف جون بينتلاند عن الخروج إلى العالَم الخارجي، كان يأتي بجزء منه إلى بيته بحفاوة ومودة أزعجتا أُخته كاسي إلى حدٍّ ما. كانت، مثل أغلب أفراد الأسرة، لا تهتمُّ بالطعام اهتمامًا كبيرًا، وتنظر إليه باعتباره ضرورة فحسب. وفيما يخصُّ ذوقها في الطعام، كانت ترى البرقوق المجفَّف بنفس أهمية طعام فاخر مثل الكمأة. وسرًّا في منزلها، يدفعها ولَعُها بالادخار، كثيرًا ما كانت تسدُّ رمقها بلقيمات من صوان الطعام، ولكن فِي أَوْقَاتٍ كهذه كانت الآنسة بيفي، التي كانت مع بساطتها نبيلة المَحتِد، تُعاني بشدة. كانت عبارة «الوجبة السريعة» قولًا مُتكررًا على لسان العمة كاسي؛ ومِن ثمَّ كانت تمتعِض من الطعام الغني المذاق الذي كان يتناوله العجوز جون بينتلاند وكنَّته، أوليفيا.

ومع ذلك، تناولت الكثير من الوجبات الرائعة على المائدة المصنوعة من خشب الماهوجني، بل واستطاعت أن تُجلِس عليها الآنسة بيفي، بجسدها المُمتلئ، التي كان جون العجوز يكره ضحكتَها السخيفة وتكرارها بخنوع لآراء أخته.

لم يتناول آنسون الغداء في المنزل قط؛ لأنه كان يذهب إلى بوسطن كل يوم في التاسعة صباحًا، مثل رجل أعمال، لديه الكثير من الشئون التي عليه أن يَتولَّاها. كان لدَيه مكتب في شارع ووتر ستريت وكان يَذهب إليه بانتظامٍ حماسي، ويقضي النهار في توافِه الأمور الخاصة بلجانِ وجمعيات النادي لتحسين هذا الشأن أو ذاك؛ إذ كان رجلًا يُحصِّن رُوحه بترتيب حياة الآخرين. كان رئيس لجنة «تنقذ» الشابات اللاتي يقعن في مُشكلات، ويُساهم بقدْر ما يُمكنه أن يخرجه من دخله الضئيل جدًّا في أنشطة جمعية الرقابة على الكتب والفنون. وكان يقضي جُلَّ يومه في مراسلة علماء الأنساب بخصوص موضوع كتابه «عائلة بينتلاند ومُستعمَرة خليج ماساتشوستس». ولم يَجْنِ في سنةٍ كاملة ما يكفي لدفع إيجار المكتب لشهرٍ واحد، ومع ذلك كان لا يُطيق حالات الفقر والإملاق الكثيرة التي تبلُغ إلى عِلمه. وقد كانت أسهم وسندات ملكية آل بينتلاند محفوظة بعناية بعيدًا عن مُتناول يده، وكان مَن فعَل ذلك هو أبوه الذي كان يرتاب في تلك الأنشطة التي كان آنسون يمارسها، والآن وقد شارف آنسون على الخمسين من عمره، لم يكن لدَيه سوى دخلٍ ضئيل تركَه له جده ومصروفٍ شخصي، يدفعه له والده شهريًّا، كما لو كان لا يزال شابًّا يَدرس في الكلية.

وهكذا عندما نزلت أوليفيا لتناول الغداء في اليوم التالي للحفل الراقص، لم تكن مُضطرَّة إلى مواجهة آنسون وشعوره بالخجل من مشهد المواجهة في الليلة السابقة. لم يكن موجودًا أحد سوى الجد وسيبيل وجاك، الذي كان في حالةٍ صحية تسمح بنزوله.

جلس الرجل المسن على رأس المائدة، في الموضع الذي لم يتنازل عنه أبدًا باعتباره الديكتاتور، زعيم الأسرة بأكملها. كان طويل القامة وقويَّ البِنية، وقد ازداد صلابةً بفِعل التعرُّض لمختلف الأجواء المناخية عبر السنوات التي عاشها في الريف، مُمتطيًا الخيول يومًا بعد يوم تحت الأمطار والعواصف الثلجية، وتحت أشعة الشمس وفي أجواء عاصفة، كما لو كان يَشتهي بطبعه حياة الجَلَد والمشقَّة التي عاشها أوائل عائلة بينتلاند حين جاءُوا إلى دورهام. كان يَمتطي دومًا الفرس الحمراء الجميلة المتوحِّشة الجامحة … وكان رجلٌ مُسِن صارم مثله لائقًا بهذه الفرس المشهورة بحدة الطبع. كان يُشبه أخته كاسي من حيث المظهر— فقد ظهر أحد أسلاف بينتلاند السُّود على نحوٍ غامض في سلالة العائلة قبل مائة عام تقريبًا، وكانت له عينان سوداوان مُتَّقِدتان تَبرُزان أسفل حاجبَين كثَّين … وكان رجلًا مُختلفًا عن ابنه من حيث المظهر الخارجي والقوة الجسَدية بقدْر ما يُمكن تخيُّله. (إذ إن آنسون كان نموذجًا لرجال بينتلاند؛ أشقر، ذا عينين زرقاوين مُستديرتَين وتميل بشرته إلى الاحمرار في حال تمتُّعه بالصحة.) كان المرء يقف في إجلالٍ بحضرة الرجل المُسن: كان ثمَّة تجهُّم واضح على الوجه الصلب والملامح القاسية والشفتَين المُتصلبتين، ومسحة استنكار غريب وغامض يتعذَّر على المرء معرفة مصدرها أو تحليل أسبابها.

كان ملتزمًا الصمتَ اليوم، تنتابه إحدى الحالات المزاجية الكئيبة التي كانت أوليفيا تَعرف جيدًا منها أنه مُغتم. كانت تعرف أن الأمر هذه المرة لم تكن له علاقة بمرض جاك؛ لأنَّ الصبيَّ كان جالسًا قبالتهم، ويبدو أقوى مما كان عليه طيلة أشهر … أشقر وشاحبًا ونحيفًا، والعروق الزرقاء بارزة في معصميه المُثيرَين للشفقة وصدغَيه النحيفَين الجميلَين.

اجتازت أوليفيا أوقاتًا عصيبة بسبب مرض جاك، وكانت تعيش هذه الأوقات دومًا مع جون بينتلاند، ولذلك نشأ بينهما — الأم والجد — شعور بالتفاهُم يتجاوز الحاجة إلى الكلام. كانا قد قضيا معًا لياليَ كثيرةً جدًّا بجوار الصبي، يُبقيانه على قيد الحياة بقوة إرادتهما الموحَّدة، مُرغِمَين إيَّاه على العيش، والتمسك بالحياة، حينما كان من شأنه أن يَستسلِم للموت ويلفظ أنفاسه الأخيرة بكل سهولة. تعاوَنا معًا للإبقاء على حياته؛ لأنَّهما أحبَّاه ولأنه كان آخِر الأبناء الذكور في العائلة.

أحيانًا كانت أوليفيا تَشعُر بأن سيبيل، هي الأخرى، لعبت دورًا في الصراع المُتواصِل مع الموت. مثل جدِّها، لم تكن الفتاة تتحدث مطلقًا عن هذه الأشياء، ولكن كان بوسع المرء أن يَستقرئها في الأعماق المضطربة لعينَيها البنفسجيتَين. كان ذلك الصراع الطويل المُرهق أحد المآسي التي لم يكونوا يتحدَّثون عنها مطلقًا في منزل عائلة بينتلاند، تاركين إيَّاه مطمورًا في الصمت. وكنتَ تجِد أحدهم يقول: «يبدو جاك في صحة جيدة اليوم»، ثم يُردف مُبتسمًا: «لعلَّ الأطباء مخطئون.» كانت سيبيل تُراقب شقيقها في تلك اللحظة، بتلك الطريقة الهادئة والغامضة، تُراقبه بحذَر لئلا يَكتشِف أنها تراقبه؛ لأنه كان يَكتشِف المتاعب بسهولة، بهذا النوع من الكياسة التي يتحلَّى بها الأشخاص الذين يُعانون من المرض على الدوام.

كاد الحديث أن يكون مُنعدمًا بينهم أثناء تناول الغداء. كانت سيبيل تُخطط لاصطحاب شقيقها في العربة التي تجرُّها الخيول في جولة عبر المزرعة ومنها إلى كثبان الرمال البيضاء.

قالت: «سيذهب هيجينز معنا. سيُرينا جِراء الثعالب الوليدة في الأجمة السوداء.»

وقال جاك: «إنه شيء غريب بخصوص هيجينز. فهو دومًا يكتشف هذه الأشياء قبل أي شخصٍ آخر. إنه يعرف متي يكون اليوم مُناسبًا لصيد السمك ومتى ستمطر. وهو لا يُخطئ أبدًا.»

قال الجد فجأة: «أجل … إنه لشيء غريب. إنه لا يُخطئ أبدًا … على الأقل طوال السنوات التي عرفتُه فيها.»

وكانت هذه هي المرة الوحيدة التي قال فيها أي شيء أثناء تناول الطعام، وحاوَلَت أوليفيا ملء الفراغات في الحديث، لكنها وجدت الأمر صعبًا، بوجود الصبي جالسًا قبالتها وقد بدا عليه الشحوب والمرض الشديدَين. أحيانًا كان يُخَيَّل إليها أنه لم يُولَد قَط، وأنه ظلَّ على الدوام بطريقةٍ أو أخرى جزءًا منها. وعندما يكون بعيدًا عن ناظرَيها، لم تكن تَعرف للراحة سبيلًا لأنه كان يستحوذ عليها دومًا شعور بالرعب من أنها ربما لن تراه ثانية أبدًا. وكانت تَعرف أن بداخل ذلك الجسد الضعيف رُوح، شعلة مُتأجِّجة، مُتَحَدِّرة من الرجل المُسنِّ ومنها هي نفسها، تتَّقد برغبة متحمسة للحياة ولركوب الخيل والسباحة والركض عبر المُروج المفتوحة … شعلة يَجِب إخمادها دومًا. ليتَه كان مثل أبيه، آنسون، الذي لم يَعرف أبدًا هذا التعطش للحياة …

تحدث الرجل المسن قائلًا: «عزيزتي أوليفيا … هلا شربتِ قهوتكِ معي في المكتبة؟ ثمة شيء أريد أن أناقشه معكِ.»

حينئذٍ عَرفَت. لقد كانت مُحقَّة. كان ثمة شيء يُكدره. كان دومًا يقول الشيء نفسه كلما واجهته مشكلة عويصة للغاية تعجز كتِفاه الهَرِمَتان عن حملِها. كان يقول دومًا في مثل هذه الظروف: «عزيزتي أوليفيا … هلا أتيتِ إلى المكتبة؟» لم يَستدعِ مطلقًا ابنه، أو أخته كاسي … لا أحد سوى أوليفيا. كانا يَتشاركان فيما بينهما أسرارًا لا يُمكن لأحدٍ أن يتخيَّلها أبدًا؛ وحين يموت، ستنتقل إليها كل هذه المشاكل … ستئول إليها لتتعامل معها … تلك المشاكل الموجودة في عائلة يقول عنها العالَم إنها عائلة ثرية ومُحترَمة وتكاد تخلو من المشاكل.

٤

بينما كانت تهمُّ بمُغادرة الغرفة لتتبعه، توقفت برهة لتتحدَّث إلى سيبيل قائلة: «هل أنت سعيدة يا عزيزتي؟ ألستِ نادمة على عدم عودتكِ للدراسة بسان كلود؟»

«لستُ نادمةً، يا أمي؛ ولِمَ لا أكون سعيدة هنا؟ أنا أحبُّ المكان، أكثر من أي شيءٍ آخر في الدنيا.»

دسَّت الفتاة يدَيها في جيوب معطفها المخصَّص لركوب الخيل.

«ألا تظنِّين أنني أخطئت بإرسالكِ إلى فرنسا للدراسة … بعيدًا عن الجميع هنا؟»

ضحكت سيبيل ونظرت إلى والدتها بالطريقة الصريحة المعهودة المنطوية على بعض السخرية حين تظنُّ أنها كشفت مؤامرة.

«هل أنتِ قلقة بشأن تزويجي؟ ما زلتُ في الثامنة عشرة من عمري. أمامي الكثير من الوقت.»

«أنا قَلِقة لأنني أظنُّ أنه سيكون من الصعب إرضاؤكِ.»

ضحكت مرةً أخرى. وقالت: «هذا صحيح. ولذلك سأتمهَّل.»

«هل أنتِ سعيدة بوجود تيريز هنا؟»

«بالتأكيد. أنتِ تعرفين أنني أحبُّ تيريز كثيرًا يا أمي.»

«عظيم … هيا اذهبي الآن. يجب أن أتحدَّث مع جدكِ.»

وخرجت الفتاة إلى الشرفة حيث وقف جاك تحت أشعة الشمس في انتظار عربة الخيول. كان دومًا يَتبع الشمس أينما كانت، ويجلس طواعية تحت أشعَّتها حتى ولو كان هذا في منتصف فصل الصيف، كما لو أنه لم يكن يشعر أبدًا بدرجةٍ كافية من الدفء.

كانت قَلِقة على سيبيل. وكانت قد بدأت تظنُّ أن العمة كاسي ربما كانت مُحقَّة حين قالت إنه حريٌّ بسيبيل أن تَلتحِق بمدرسة داخلية مع البنات اللاتي لطالَما عرفتهن، لتُصبح أكثر ثرثرةً وصخبًا ومُشاغَبةً وتلعب الهوكي وتتبادَل الرسائل القصيرة السخيفة مع الصبيان في المدرسة الداخلية الموجودة في القرية المُجاورة. ربما كان من الخطأ إرسال سيبيل للدراسة في مدرسة بالخارج حيث من شأنها أن تُقابل فتيات من فرنسا وإنجلترا وروسيا وأمريكا الجنوبية … أي من نصف بلدان العالم؛ مدرسة ستُضطر فيها، مثلما قالت العمة كاسي بمَرارة، إلى مصادقة «بنات راقصات ومغنيات أوبرا». عرفت الآن أن سيبيل لم يُعجبها الحفل الراقص تمامًا مثل تيريز التي هربت منه دون إعطاء أي تفسير. لكن في حالة تيريز، لم يكن الأمر ذا أهمية كبيرة، لأن رأسها العنيد كان يعجُّ بألوانٍ شتَّى من الأفكار الجامحة بخصوص العلم والرسم والكتب الغريبة عن عِلم النفس. كان ثمَّة شعور بالوحدة يَكتنف تيريز وأمها، سابين كاليندار، ولكن في حالتهما لم يكن هذا يهم. كانتا تتحليان، أيضًا، بصلابةٍ وبقدر من السخرية والازدراء كان يَحميهما. لم يكن لدى سيبيل أيٌّ من هذه الإسقاطات. ربما أخطأت أيضًا في تحويلها لسيبيل إلى «سيدة مجتمع راقية» — سيدة مجتمع راقية بالمعنى القديم للكلمة — لأنه بدا أنه لا يُوجَد مكان لنموذج سيدة المجتمع في منظومة الحياة كما ظهرت في الحفل الراقص الليلة السابقة. كان مِن الخطير أن يكون لديك سيدة مجتمع راقية، لا سيما سيدة مجتمع عازمة على الخوض في الدنيا بشغف كما تفعل سيبيل.

أرادت للفتاة أن تكون سعيدة، دون أن تَدري أن السبب وراء هذا أن سيبيل كانت تبدو مثلما كانت هي نفسها ذات يوم، وكانت جزءًا أصيلًا مِن نفسها، الجزء الذي لم يَعِش الحياة على الإطلاق.

•••

وجدت حماها يَجلِس إلى مكتبه الماهوجني الضخم في الغرفة العالية السقف الضيقة التي تُغطي حوائطها كتُب كانت مقدَّسة عنده، ومِن هذا المكتب كان يُدير المزرعة ويتعهَّد ثروةً، بُنِيَت تدريجيًّا بفِطنة، وبتدبير على مَدار أكثر من ثلاثمائة عام، ثروة لم يَستطع أبدًا أن يأتمنَ عليها ابنه. ففي هذه الغرفة الساحِرة، بكآبتها وبرودها، ورائحة الكلاب والتفاح ودخان الخشب الذي يفُوح منها، وأحيانًا رائحة الويسكي، كان يَنعزِل الرجل المُسنُّ حين تَنتابه نوبة هيستيرية متَّسمة بالحيرة، ويفقد الإدراك من الإفراط في الشراب. هنا كان أحيانًا يجلس ليلًا ونهارًا، بل ويخلد إلى النوم على كرسيه الجلدي، رافضًا مُقابلة أي شخصٍ باستثناء هيجينز، الذي كان يرعاه، وأوليفيا. ولذلك كانت أوليفيا وهيجينز وحدهما هما اللذان يعرفان بأمر هذه العزلة وتناول الشراب مُنفردًا. ولم يكن العالم الخارجي، وحتى العائلة نفسها، يَعرفان عن هذا الأمر إلا القليل — فقط القليل الذي كان يتسرَّب أحيانًا عبر نميمة الخدَم الذين يتسكعون ليلًا في الأزقة المظلمة وحول السياجات المحيطة بدورهام.

جلس وأمامه قهوته وكأس من كونياك كورفوازييه بينما أخذ يُدخن، ومظهره يدلُّ على الاستغراق في قلقٍ عارم؛ إذ إنه لم يرفع بصره على الفور حين دخلت الغرفة، وإنما جلس يُحدق أمامه بطريقة غريبة وكأنه مسحور. ولم يَرفع بصرَه إليها إلا على صوت إشعال الثقاب عندما سحبت سيجارة من العلبة الفضية وأشعلتها، وقال لها وهو يُركز عينَيه السوداوين المُتَّقدَتَين: «جاك يبدو في حالة جيدة جدًّا اليوم.»

•••

«أجل، أفضل مما كان عليه منذ فترة طويلة.»

«ربما يكون الأطباء مُخطئين، في نهاية المطاف.»

تنهَّدت أوليفيا وقالت بنبرة هادئة: «لو كنَّا صدقنا الأطباء، لكنَّا فقدناه منذ وقتٍ طويل.»

«أجل، هذا صحيح.»

صبَّت قهوتها بينما كان يُتمتم قائلًا: «ما أردتُ أن أحدثك بخصوصه هو هوراس بينتلاند. لقد مات. وصلَني الخبر هذا الصباح. لقد مات في بلدة مِنتون بفرنسا، والسؤال الآن ما إذا كان ينبغي أن نُحضره إلى الديار هنا ليُدفَن في دورهام مع بقية أفراد الأسرة.»

صمتت أوليفيا للحظةٍ ثم رفعت عينيها قائلةً: «ما رأيُكَ أنت؟ منذ متي وهو يَعيش في مِنتون؟»

«لقد مرَّ ما يقرب من ثلاثين عامًا منذ بدأتُ أرسل إليه المال ليبقى هناك. إنه مجرَّد ابن عم لي. ومع ذلك، نحن نشترك في نفس الجد وسيكون هو أول فردٍ من أفراد العائلة لا يُدفن هنا منذ ثلاثمائة عام.»

«حدث ذلك مع سافينا بينتلاند …»

«أجل … ولكنها مَدفونة هناك، وكانت ستُدفن هنا لو كان ذلك مُمكنًا.»

وأشار بيده في اتجاه البحر، إلى ما وراء الأهوار حيث تَرقُد الجميلة سافينا بينتلاند، التي كادت الآن أن تَصير أسطورة، في مكان ما على عُمق سحيق وسط الرمال البيضاء الناعمة في قاع المحيط.

تساءلت أوليفيا قائلةً: «هل كان سيَرغب في أن يُدفَن هنا؟»

«كتب لي رسالة وطلَب منِّي ذلك … قبل شهر أو شهرَين من وفاته. بدا أن الأمر كان في ذهنه. لقد صاغه بطريقةٍ غريبة. كتب لي أنه يُريد أن يعود إلى الديار.»

مجددًا استغرقَت أوليفيا في تفكير عميق لبعض الوقت. وبعد قليل تمتمت قائلةً: «غريب … مع أنَّ الناس كانوا قُساة معه.»

تصلبت شفتا الرجل المُسن قليلًا.

«كانت غلطتَه هو …»

«ومع ذلك … ثلاثون عامًا مدة طويلة.»

نفض رماد سيجاره ونظر إليها بحدَّة. وقال: «أتقصدين أن كلَّ شيءٍ ربما أصبح الآن في طيِّ النسيان؟»

أشارت أوليفيا بحركةٍ صغيرة من يدَيها البيضاوين، الخاليتَين من الخواتم، قائلةً: «ولِمَ لا؟»

«لأن الناس لا يَنسون أمورًا من هذا القبيل … ليس في عالَمنا، على أيِّ حال.»

بهدوء، في أعماق سريرتها، ظلت أوليفيا تُحاول تخيُّل هذا المدعو هوراس بينتلاند الذي لم تره مُطلقًا، ذلك الشيخ الغامض، الميت حاليًّا، الذي كان قد أُبعِد قبل ثلاثين عامًا.

«أليس لديك أيُّ أسبابٍ لعدم رغبتك في أن يكون هنا بين الآخرين جميعهم؟»

«أجل … هوراس الآن ميت … ولا يهمُّ كثيرًا إن دُفن رفاته هنا أو في فرنسا.»

«باستثناء، طبعًا، أنهم ربما كانوا هناك أكثر لطفًا معه … ليسوا قساة القلوب للغاية.»

غشِيَتْهما فترة من الصمت، كما لو أنَّ روح هوراس بينتلاند، الآثم الذي لم يكن اسمه يُذكر مطلقًا بين أفراد العائلة عدا فيما بين أوليفيا والرجل المسن، قد عادت بطريقةٍ ما ووقفت بينهما، في انتظار أن تسمع مصير رفاته على هذه الأرض. كانت فترة الصمت هذه واحدة من الفترات التي، عندما تكتنف المنزل العتيق، كانت أحيانًا تَغمر أوليفيا باضطراب غامض. وكانت عادةً ما تكتنف أهل البيت في الأمسيات الطويلة التي يجلس فيها جميع أفراد العائلة ليقرءوا في غرفة الجلوس العتيقة — كما لو أن أشباحًا غير مرئية واقفة تُراقبهم.

قالت أوليفيا: «إذا أراد أن يُدفن هنا، فلا أرى سببًا يمنع ذلك.»

«ستَعترض كاسي على نبش فضيحة قديمة نُسِيَت.»

«بالتأكيد هذا لا يهمُّ الآن … بعدما مات الشيخ المسكين. يُمكننا أن نكون لطفاء معه الآن … قطعًا يُمكننا أن نكون لطفاء معه الآن.»

تنهَّد جون بينتلاند فجأةً تنهيدة غريبة من فؤاد منكسر وبدت وكأنها أفلتت من قُدرته على إحكام السيطرة على مشاعره، وبعد لحظة قال: «أظنُّ أنكِ مُحقَّة يا أوليفيا … سأفعل ما تقولينه … لكنَّنا فقط سنُبقي الأمر سرًّا فيما بيننا حتى يحين الوقت الذي يتحتَّم علينا فيه أن نتكلَّم. وحينئذٍ … حينئذٍ سنُقيم جنازة هادئة.»

كانت ستتركه حينئذٍ وتُغادر لولا أنها عرفت من طريقته أن ثمة شيئًا آخر يُريد أن يقوله. إذ كانت لديه طريقة تجعلك تعرف رغبته دون كلام. بطريقة ما كنتَ تشعُر في حضرته أنه من المستحيل أن تنصرف إلا بعد أن يَصرفك هو. وكان لا يزال يُعامل ابنه، الذي كان يبلغ من العمر خمسين عامًا تقريبًا، كما لو كان صبيًّا صغيرًا.

انتظرت أوليفيا، وأخذت تشغل نفسها بإعادة ترتيب زهور الليلك الجديدة التي وُضعت في مزهرية طويلة فضية اللون على المكتب المصقول المصنوع من خشب الماهوجني.

قال فجأة: «رائحتُها زكية. هذه آخر ما سيتفتَّح منها، أليس كذلك؟»

«آخره حتى فصل الربيع القادم.»

قال مُكررًا كلماتها وكأنه يكلم نفسه: «الربيع القادم … الربيع القادم …» ثم قال فجأة: «الأمر الآخر الذي أودُّ أن أحدثك بشأنه هو سابين. المُمرضة أخبرتني أنها اكتشفت أن سابين هنا.» وأشار نحو الجناح الشَّمالي القديم بالإشارة التي يستخدمها أفراد العائلة عندما يتحدثون عن المقيمة فيه. وأردف قائلًا: «لقد طَلَبَتْ أن ترى سابين.»

«ومن الذي أخبرها بأن سابين قد عادت؟ كيف تسنَّى لها أن تَكتشِف ذلك؟»

«المُمرضة لا تعرف. لا بد أنها سمعت أحدًا ما يذكر الاسم تحت نافذتها. تقول المُمرضة إنَّ من يعانون من حالتها الصحية لديهم طرق غريبة لاكتشاف مثل هذه الأمور … وكأن لديهم حاسة سادسة.»

«هل تُريد منِّي أن أطلب ذلك من سابين؟ ستأتي إذا طلبتُ منها ذلك.»

«سيكون هذا بغيضًا. بالإضافة إلى ذلك، أظنُّ أن هذا قد يُوقِع ضررًا بطريقةٍ ما.»

لاذت أوليفيا بالصمت للحظة. ثم قالت: «كيف؟ ربما لن تتذكَّر سابين. عندما رأتها آخِر مرة، كانت سابين شابة.»

«لقد تشكَّلت لديها الآن فكرة أننا جميعًا ضدها، وأننا جميعًا نضطهدها بطريقةٍ ما.» سعل ونفث سحابةً من الدخان من بين شفتيه الرفيعتين. وتابع قائلًا: «من الصعب أن أشرح ما أقصده … أقصد أن سابين ربما تشجع ذلك الشعور … دون أن تَقصِد سابين ذلك على الإطلاق، ربما تُعطيها انطباعًا بأنها حليفة لها. ثمة شيء مُزعج بشأن سابين.»

قالت أوليفيا برفق: «آنسون يظنُّ ذلك أيضًا. لقد تحدَّث معي بخصوصه.»

«ما كان ينبغي أبدًا أن تعود إلى هنا. إنه صعب … ما أُحاول أن أقوله. كل ما في الأمر أنني أشعر بأنها تَنوي التسبب في أذًى ما. أظن أنها تكرهنا كلنا.»

«ليس كلنا …»

«ربما لا تكرهك أنتِ. فأنتِ لم تَنتمي إلى هنا أبدًا. فقط أولئك الذين بقوا منَّا هنا دومًا.»

«ولكنها مولعة بك.»

«كنتُ أنا وأبوها صديقين مُقرَّبَين. كان يُشبهها جدًّا … سيِّئَ الطبع ومَيَّالًا إلى قول الحقائق البغيضة … لم يكن رجلًا محبوبًا. ربما لهذا السبب هي ودودٌ تجاهي … بسببه.»

«كلَّا، الأمر يفوق ذلك …»

تدريجيًّا شعرت أوليفيا بأنها تُعاود الانزلاق في تلك الحالة من الذهول المضطرب الذي صار يستحوذ عليها أكثر فأكثر في الآونة الأخيرة. بدا أن الحياة تزداد هشاشةً وتعقيدًا، وإبهامًا وغموضًا، إلى أن صارت أحيانًا مُجرَّد مُستنقَع للمشكلات الدقيقة وجدت نفسها عالقة في خِضمِّه وعاجزة عن التصرف. لم يَعُد أحد يتحدَّث حديثًا مُباشرًا. كان الأمر أشبَهَ بالعيش في عالَمٍ من الألغاز. وهذا الرجل المسن، حموها، كان هو اللغز الأعظم على الإطلاق، لأنه من المستحيل مُطلقًا أن تعرف إلى أي مدًى كان يفهم ما يدور من حوله، وإلى أيِّ مدًى يختار التجاهُل من منطلق الاعتقاد بأن إنكار وجود الأمر سيُؤدي إلى زواله.

جلست في حيرة من أمرها، وبدأت تَنتزِع ورقة من أوراق عنقود زهور الليلك وتُمزِّقها إلى قطع صغيرة.

قالت: «أحيانًا، أظنُّ أن سابين تعيسة.»

«كلا … الأمر ليس كذلك … إنها مُتجاوِزة لمشاعر السعادة أو التعاسة. إنَّ فيها صلابةً وعنادًا لا يَلين … صلابة تُضاهي صلابة ماسة مَصقولة. إنها امرأة ذكية وغريبة الأطوار. إنها واحدة من تلك المخلوقات الغريبة التي يتخلَّص منها أناس مثلنا من وقتٍ لآخر. لا شيءَ يُشبههم تمامًا في هذا العالم. إنهم يَمضون لأقصى وأغرب حدود التطرُّف. كان هوراس مُماثلًا لها، ولكن بطريقةٍ مختلفة وأقل مصداقية.»

فجأة نظرت إليه أوليفيا، مُندهشةً من ومضة الذكاء والتبصُّر المفاجئة التي أبداها الرجل المُسن، واحدة من تلك اللمحات المُفاجئة الخاطفة التي جعلتْها تَعتقِد أنه، في أعماق روحه، كان أكثر عمقًا، وأكثر ذكاءً، وأكثر عنادًا وتحديًا للتقاليد مما سمح للعالم أن يظن. كان السؤال القديم يتردَّد دومًا في ذهنها. ما مدى ما كان يَعرفه؟ وما مدى ما لم يكن يعرفه … وراء الوجه المجعَّد القاسي المتصلِّب الهَرِم؟ أم أنها كانت نوعًا من الفراسة، ليست نابعةً من مرَض مزمن، كما هو الحال مع جاك، وإنما من التقدُّم في العمر؟

قالت: «سأسأل سابين.»

«هذا ليس ضروريًّا في الوقت الحالي. يبدو أنها نسيَت الأمر مؤقتًا. ولكنها ستتذكَّره مُجدَّدًا وحينها أظن أنه سيكون من الأفضل مجاراتها، مهما كانت العواقب. لعلَّها لن تُفكِّر في الأمر مُجددًا لأشهر … إلى أن تكون سابين قد رحلت … أردت فقط أن أسألكِ … أن أَستشيركِ يا أوليفيا. ظننتُ أن بإمكانك أن تُرتبي الأمر.»

نهضت، وبينما كانت تَستدير لتُغادر، سَمِعتْه يقول: «ربما تحب أن ترى بعض زهور الليلك في غرفتها.» تردَّد ثم أضاف بصوت جامد، هامد: «كانت مغرمة جدًّا بالزهور فيما مضى.»

قالت أوليفيا في نفسها وهي تتحاشى النظر إلى عينَيه الداكنتَين: «كانت مغرمة جدًّا بالزهور فيما مضى … هذا يعني قبل أربعين عامًا … أربعين عامًا طويلة. أوه، يا إلهي!» ولكن بعد ثانية قالت ببساطة: «لقد بدأت تَكره الزهور. إنها تتخيَّل أنها تمتصُّ الهواء وتخنقها. رؤيتها أمرٌ سيئ جدًّا لها.»

«كان ينبغي أن أعرف أنكِ فكرتِ في ذلك بالفعل.»

للحظة وقف العجوز في مواجهتها وعلى وجهه تعبير ثابت ومُتفحِّص جعلَها تشعر بالخجل ودفعها إلى أن تُشيح بوجهها عنه قليلًا؛ ثم فجأة، وبمسلكٍ تشوبُه هيبة غريبة وخوف من الرجل المتجهِّم المظهر، أمسك بيدِها وقبَّل جبينَها وهو يُتمتم: «أنتِ فتاة صالحة يا أوليفيا. إنهم مُحقُّون فيما يقولونه عنكِ. أنتِ فتاة صالحة. لا أعرف كيف كان سيتسنَّى لي اجتياز كل هذه السنوات من دونك.»

نظرتْ إليه مُبتسمةً، ولمست يدَه في مودة، ثم خرجت دون أن تتحدَّث مجددًا، وهي تفكر، كما فعلت من قبل آلاف المرات، في مدى بشاعة أن يكون المرءُ منذ مَولده عاجزًا عن الإفصاح عن مشاعره وخائفًا منها مثل جون بينتلاند. قالت في نفسها لا بدَّ أن الأمر أشبه بأن يعيش المرء مسجونًا إلى الأبد داخل قوقعة فولاذية يُمكنه أن يُطلَّ منها ويرى أصدقاءه ولكن دون أن يلمسهم أو يعرفهم.

ومن مدخل الباب، سمعت صوتًا مِن ورائها، يقول بنبرة شبة مَرِحة: «لا بد أن الأطباء أخطئوا بشأن جاك. لقد غَلَبْنَاهم أنا وأنتِ معًا يا أوليفيا.»

أجابت: «أجل»، وابتسمت له، ولكن عندما استدارت مرة أخرى لتَنصرف، طرأت على ذهنها فكرة غريبة ومخيفة بعض الشيء.

«ليت جاك يعيش حتى وفاة جدِّه، حينئذٍ سيموت الرجل المُسن سعيدًا. ليته يبقى على قيد الحياة حتى ذلك الحين …»

كانت لديها طريقة غريبة في رؤية الأمور في ضوء الحقيقة القاسية، ولقد عزَّزت طفولتُها البائسة والوحيدة هذه السمةَ الشخصية فيها. كانت قد جُبِلَت على هذا، والآن بعدما صارت امرأةً ناضجة وجدَتْ أن الأمر بطريقةٍ ما لم يكن نِقمة بقدْر ما هو نعمة. ففي عالمٍ اعتمد على خداع أفراده لأنفسهم، اكتشفت أن رؤية الحقيقة ومعرفتها جعلتها قوية. وربما لهذا السبب أصبحوا جميعًا يعتمدون عليها. ولكن مرَّت عليها أيضًا أوقاتٌ رغبت فيها بشدة أن تكون أُنثى ضعيفة ومسكينة، امرأة ربما تلجأ إلى زوجها وتجد فيه شخصًا أقوى منها. انتابها شعور غريب بالحسد تجاه سافينا بينتلاند، التي ماتت قبل أن تُولد … سافينا بينتلاند التي كانت أيقونة الجمال في هذه العائلة، الأنثى المُبذِّرة الطائشة، التي اشترت عقودًا من اللؤلؤ واستسلمَت لنوبات البكاء والإغماء.

ولكن لم يكن لديها (أوليفيا) أحد لتَعتمِد عليه سوى آنسون.

•••

وبعدما انصرفت جلس الرجل المُسن مدةً طويلة يُدخِّن ويشرب البراندي، تكتنِفُه وحدة صارت أشد قليلًا مما كانت عليه قُبيل أن يجلس ليتحدَّث مع أوليفيا. كان من عادته أن يجلس هكذا أحيانًا لمدة ساعة، غافلًا، على ما يبدو، عن العالَم من حوله؛ لقد دخلت أوليفيا أكثر من مرة في مثل تلك اللحظات وانصرفت مرةً أخرى، غير راغبة في فك التعويذة ولو حتى بكلمة واحدة.

وأخيرًا، عندما احترق السيجار حتى نهايته، سحق العقب المشتعل بحركة مقتضبة وعنيفة، ثم هبَّ واقفًا وخرج من الغرفة العالية السقف الضيقة ومنها إلى الرَّدهة المُؤدية إلى الدَّرَج المُظلم المُفضي إلى الجناح الشمالي العتيق. كان قد اعتاد صعود هذه الدرجات كل يوم منذ أن صار من الضروري إبقاء زوجته في الريف طوال العام … كل يوم، في الساعة نفسها، درجة تلوَ الأخرى، وطئ بحذائه الثقيل الضخم نفس السجادة البالية التي كانت تكسو السلالم. كانت الرحلة قد بدأت قبل عامٍ مضى كنوع من المتعة المُفعمة بالأمل، والتي صارت الآن بعد فترة طويلة، مجرَّدة من الأمل تمامًا، وصارت مجرَّد مُهمة كئيبة ومملة. كانت أشبَهَ برحلة تكفيرٍ عن الذنوب يقطعها حاجٌّ زحفًا على ركبتَيه صاعدًا درجاتٍ لا تُحصى من السلالم.

وعلى مدار أكثر من عشرين عامًا، وبقَدر ما بوسع أوليفيا أن تتذكَّر، لم يتغيَّب جون بينتلاند عن المنزل ليلةً إلا مرتَين فقط، وحينها كانت في ظرف حياة أو موت. وطيلة ذلك الوقت، سافر إلى نيويورك مرتَين ولم يُسافر مُطلقًا إلى أوروبا منذ أن كان صبيًّا حين قام بالجولة الكبرى التي وضع خطتها الجنرال كورتيس العجوز … منذ فترة بعيدة للغاية لدرجة أنها بدت حتمًا جزءًا من حياة أخرى. وطوال كل هذه السنوات، لم يَهرُب مُطلقًا ولو لمرة واحدة من العالم الذي اعتبرته عائلته مثاليًّا وكاملًا، والذي حتمًا بدا له دومًا عالَمًا مُقيدًا وغير كافٍ بعض الشيء. وربما يقول المرء إن القدَر وصِلة الدم والظروف أنهكته شيئًا فشيئًا حتى صار في النهاية يعبد الآلهة نفسها التي كانوا يعبدونها. ومن حينٍ إلى آخر، كان يُخطط للهروب منهم قليلًا من خلال الاستغراق في الشرب إلى حد فقدان الوعي، ولكنه دائمًا ما كان يستفيق مرةً أخرى ليجد أن شيئًا لم يتغيَّر، وليَكتشِف أن سجنه كان كما هو. وهكذا، لا بد أن الأمل مات تدريجيًّا.

ولكن لا أحد، ولا حتى أوليفيا، كان يعرف إن كان سعيدًا أم تعيسًا؛ ولن يعرف أحد حقًّا ما كان يدور بداخله، في أعماق نفسه، وراء الوجه المُسن الأشيب المتغضِّن.

حين يأتي ذكره، كان الناس يقولون: «لم يُوجَد مطلقًا زوج مُخلِص مثل جون بينتلاند.»

بتمهُّلٍ وحزمٍ سار عبر الردهة الضيقة حتى وصل إلى نهايتها، وهناك وقف ليطرق الباب الأبيض. اعتاد دومًا أن يطرق الباب؛ لأنه حدث في مرات، عندما دخل فجأة، أن رُؤيته أثرت عليها بشدة لدرجة أنها دخلت في حالةٍ هيسترية وصارت خارج حدود السيطرة تمامًا.

واستجابةً للطَّرْق، فُتِحَ الباب برفق واحترافية من جانب الآنسة إيجان، وهي مُمرضة أنيقة وبارعة ومُنعدِمة المشاعر ومُتيبِّسة للغاية؛ وبدا أن ابتسامتها كانت تَظهر وتختفي بطريقة ميكانيكية، مثل الأصوات التي تَصدُر عند الضغط على دمية آلية. ولكن كان من المستحيل أن يتخيَّل المرء الضغط على أي شيءٍ مُتيبِّس وخشن للغاية كالآنسة إيجان ذات الوجهِ المتورِّد. كانت ابتسامة تظهر فجأة بمجرد رؤية أي فردٍ مِن أفراد العائلة، ابتسامة تواضُع زائف مفادها: «أعلم جيدًا أنكم لا تستطيعون الاستغناء عني»؛ ابتسامة امرأة راضية جدًّا بتقاضي أجرٍ ثلاثة أضعاف ما تتقاضاه ممرضة عادية. وفي غضون ثلاث أو أربع سنوات، سيكون لدَيها ما يكفي من المدخرات لتفتتح مصحَّتها الخاصة.

عدَّلت ابتسامتها، وواجهت الرجل المسن، قائلةً: «إنها تبدو بحالة جيدة جدًّا اليوم … جيدة جدًّا.»

وعندما فُتِحَ الباب، عبَّأت الرواقَ بأكمله رائحةٌ كثيفةٌ ومُعقَّدةٌ تتصاعد من الأدوية التي تفوق الحصر المتراصَّة في صفوف فوق بعضها في عتمة الغرفة المُظلمة. دخل الرجل المسن الغرفة وأغلق الباب خلفه بسرعة؛ نظرًا لأنها كانت تتأثر بالإضاءة الشديدة. فلم يكن يُمكنها أن تتحمل وجود باب مفتوح أو نافذة مفتوحة بالقرب منها؛ وحتى في هذا اليوم المشرق أبقت الستائرُ المنسدلة الغرفةَ في ظلامٍ دامس.

كانت قد ترسَّخت لدَيها فكرة أن أناسًا بالخارج كانوا يَنتظرُون ليتلصَّصوا عليها … مئات منهم يضغطون وجوههم على الألواح الزجاجية ليختلسُوا النظر إلى غرفة نومها. مرت أيام تعذَّر فيها تهدئتها إلى أن غُطِّيَت ستائر النوافذ بطبقاتٍ سميكة من القماش الأسود. وكانت لا تَنهض من سريرها إلا عند حلول الظلام خوفًا من أن تراها الوجوه التي بالخارج واقفةً مُرتديةً ثياب نومها.

وفقط عندما يحلُّ الظلام كان بوسع المُمرضة، عن طريق التحايُل والمراوغة، تهوية الغرفة، ولهذا كانت تفوح منها رائحة كريهة مُنبعثة من الأدوية التي لم تتناولْها قط، ولكنها ظلت موضوعةً مرتبة بجوارها، صفًّا تلوَ الآخر، كما لو أنها تعاويذ أطباء مُشعوذين. هكذا كانوا يُجارونها مثلما كانوا يُجارونها في حجْب أشعة الشمس؛ لأن هذه كانت الطريقة الوحيدة التي أمكَنَهم بها أن يُبقوها هادئة ويتجنبوا إرسالها إلى مكانٍ ما كان مِن شأنها أن تُحبَس فيه خلف القضبان. وهذا أمر ما كان جون بينتلاند ليُفكِّر، مجرَّد تفكير، فيه.

عندما دخل وجدَها مُستلقيةً على الفراش، وجسدها النحيف والهزيل لا يكاد يَبين من تحت أغطية الفراش … مجرَّد شبح امرأة كانت يومًا جميلةً بطريقةٍ رقيقة. ولكن لم يبقَ الآن شيء من هذا الجمال باستثناء الشكل البديع للذَّقن والأنف والحاجبين. كانت مُستلقية هناك، امرأة عجوز غريبة الأطوار غير واقعية، ذات شعر أبيض خفيف، وبشرة رقيقة أشبه برِق كتابة، ووجه أخرقَ خالٍ من التعبيرات بلا تجاعيد وكأنه وجه طفل. وعندما جلس بجانبها، انفتحت العينان الزرقاوان المستديرتان الخاليتان من التعبير وحدَّقتا فيه دون أي أمارة على أنها تعرَّفت عليه. أمسك في يده بإحدى اليدَين النحيفتَين ذواتَي العروق الزرقاء، ولكنها ظلَّت، فحسْب، هامدةً، بينما جلس في صمتٍ وترفُّقٍ يراقبها.

مرةً واحدةً تكلم، مُناديًا إيَّاها بلهفة باسمها، «أجنيس»؛ ولكن لم تأتِهِ أيُّ علامة على ردٍّ، ولا حتى اختلاج واهن للجفون البيضاء الشفافة.

ومن ثَمَّ جلس طويلًا هكذا في الظلام الدامس، تُحيط به الرائحة الكريهة للأدوية، إلى أن استفاق على طرْق على الباب وظهور مُفاجئ لضوء النهار عندما فُتِح الباب ودخلت الآنسة إيجان، بعدما ضبطت ابتسامتها الخاطفة الكاشفة عن أسنانها، وقالت: «انتهت الخمس عشرة دقيقة يا سيد بينتلاند.»

وبعدما أُغلِق الباب خلفَه، غادر مُبتعدًا وهبط على مهَل وبتأنٍّ درجات السلم المُتهالكة مرةً أخرى وخرج إلى أشعة شمس نيو إنجلاند الربيعية الساطعة جدًّا. مارًّا بالشرفة الخضراء، المحاطة بباقاتٍ كبيرة من زهور السوسن والفاوانيا وعدد قليل من زهور التوليب الجديدة، شقَّ طريقه إلى ساحة الإسطبل، حيث كان هيجينز قد ترك الفرس الحمراء في عُهدة صبي بولندي كان يُؤدِّي مهامَّ غريبةً في أرجاء المزرعة. وقفت الفرس، التي تُضاهي في جمالها ورقتها زنبركًا فولاذيًا جميلًا، في توتُّرٍ تنبش الحصى بحوافرها وتهز رأسها الجميل. وبعيدًا عنها وقف الصبي، الذي كان صبيًّا أخرق جدًّا ذا شعر أصفر كثيف، مُمسكًا بزمامها وذراعه مفرودة.

وما إن رآهما الرجل المسن حتى ضحك وقال: «يجب ألا تدَعها تَستشعِر خوفك منها يا إجناز.»

أفلت الصبيُّ الزمام وتراجَع إلى الخلف مسافة قصيرة، وهو لا يزال يُراقب الفرس بِاسْتِيَاء. ثم قال مُتجهمًا: «حسنًا، حاوَلَت أن تعضني!»

وبسرعة، برشاقةِ الشباب، قفز جون بينتلاند على ظهر الفرس … بسرعة كانت كافيةً لأن تمنعها من الانزلاق بعيدًا عنه. وجرى صراع عنيف قصير بين الفارس والفرس، ووسط وابلٍ من الحجارة انطلقا بسرعة مُبتعدَين على الطريق المؤدِّي إلى المروج، مرورًا بأجمة أشجار الصنوبر السوداء ومَقلع الحجارة المهجور، في اتجاه منزل السيدة سومز.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤