الملوك الأربعة

روى مجاهد عن ابن عباس قال: ملك الأرض كلها أربعة: مؤمنان وكافران:
فأما المؤمنان: فسليمان وذو القرنين.
وأما الكافران: فالنمروذ بن كنعان وبخت نصر.

(١) المؤمن الأول سليمان

عن «أبي هريرة»، وعن «أبي الدرداء»، وعن «محمد بن سلمة»، عن النبي ، قال: «إن عفريتًا من الجن تفلت عليَّ البارحة ليقطع صلاتي، فأمكنني الله منه، فأخذته، فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد، حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان، والله لولا دعوة أخي سليمان، لأصبح موثقًا يلعب به ولدان المدينة» (رواه البخاري ومسلم والنسائي).

وأن هذه الدعوة أو الدعاء السليماني، الذي دفع النبي (محمدًا ) لترك هذا العفريت المنفلت، وحرمان ولدان المدينة — أبناء أنصار رسول الله — من اللعب بهذه اللعبة الفريدة من نوعها، فهو ما تتضمنه الآيات الكريمة: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (ص: ٣٤-٣٥). فكان دعاء «سليمان» إذن لربه هو: هب لي مُلكًا لا ينبغي لأحد من بعدي، وهو الملك الذي تطالعنا به كتب التراث الإسلامية متسلطًا على الكائنات جميعًا بما فيها العفاريت والجن، ومن ثم أطلق النبي عفريته الأسير، حتى لا يتجاوز سليمان، وربما كان هذا الدعاء في تلك الآية الكريمة، وراء المأثور الإسلامي: إن سليمان واحد من بين أربعة ملكوا الأرض كلها ما بين المشرق والمغرب.

أما عن الفتنة التي تشير إليها الآيات الكريمة، والجسد الملقى على عرش سليمان (عليه السلام)، ثم توبته ومكافأته بملك لا ينبغي لأحد من بعده، فيعقب عليها «ابن كثير» في موسوعته «البداية والنهاية» بقوله: «ذكر ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما من المفسرين ها هنا آثارًا كثيرة عن جماعة من السلف، أكثرها أو كلها متلقاة من الإسرائيليات، وفي كثير منها نكارات شديدة، وقد نبهنا على ذلك في كتابنا التفسير، واقتصرنا هنا على مجرد تلاوة الآيات.»١

وهكذا توقف «ابن كثير» عن التفسير، واقتصر على مجرد التلاوة، لما وجده في التفسيرات من نكارات متلقاة من الإسرائيليات، وربما كانت هذه النكارة تعود بأصلها إلى ما جاء في كتاب العبريين المقدس — أصحاب القصة والمملكة ورعية «سليمان» — حول اختلاف «سليمان» مع أخيه الأكبر «أدونيا» حول العرش، وما قام بينهما من صراع استند فيه «أدونيا» إلى مبدأين شرعيين: الأول هو كونه الابن البكر صاحب الحق في الملك والميراث حسب الشريعة العبرية، والثاني أنه كان يحوز تأييدًا شعبيًّا وجماهيريًّا هائلًا، وتمكن «سليمان» بمعاونة أمه من اغتصاب الحكم من صاحبه الشرعي، ثم جاء الخلاف الذي قطع آخر العرى بين الأخوين، وكان حول امرأة، وانتهى بأن أمر «سليمان» بذبح أخيه الأكبر؛ ومِن ثَمَّ وجب كشف الأستار عن الرواية كما جاءت بكتابها، حتى تكشف لنا النكارة، ثم نتبعها برواية القرآن الكريم، وما جاء في الأثر التراثي الإسلامي، إزالة للبس، ودحضًا للنكارة.

وخبر مقتل «أدونيا» على يد أخيه «سليمان» أو بأمر منه، جاء تفصيله في سفر الملوك الأول، وهو السفر الذي يحوي أهم أخبار الملك «سليمان»، الذي سنكتفي بالإشارة إلى رقم الإصحاح فيه عند الاستشهاد بمحتوياته، ويروي السفر هذا الخبر بقوله:

وجلس سليمان على كرسي داود أبيه وتثبت ملكه جدًّا. ثم جاء أدونيا ابن حجيث (أمه) إلى بتشبع أم سليمان. فقالت: أللسلام جئت؟ فقال: للسلام. ثم قال: لي معك كلمة، فقالت: تكلم. فقال: أنت تعلمين أن الملك كان لي، وقد جعل جميع إسرائيل وجوههم نحوي لأملك، فدار الملك وصار لأخي؛ لأنه من قبل الرب صار له. والآن أسألك سؤالًا واحدًا فلا ترديني فيه، فقالت له: تكلم. فقال: قولي لسليمان الملك — لأنه لا يردك — أن يعطيني أبيشج الشونمية امرأة. فقالت بتشبع: حسنًا، أنا أتكلم عنك إلى الملك. فدخلت بتشبع إلى الملك سليمان لتكلمه عن أدونيا … وقالت: إنما أسألك سؤالًا واحدًا صغيرًا لا تردني. فقال لها الملك: اسألي يا أمي لأني لا أردك. فقالت: لتعطِ أبيشج الشونمية لأدونيا أخيك امرأة. فأجاب الملك سليمان وقال لأمه: ولماذا أنت تسألين أبيشج الشونمية لأدونيا، فاسألي له الملك لأنه أخي الأكبر مني … وحلف سليمان الملك بالرب … والآن هو الرب الذي ثبتني وأجلسني على كرسي داود أبي، والذي صنع لي بيتًا، كما تكلم، إنه اليوم يقتل أدونيا. فأرسل الملك سليمان بيد بنايا هو بن يهويا داع، فبطش به، فمات. (ص٢)

وسفر الملوك الأول الذي وردت به هذه القصة، هو السفر نفسه الذي استفاض في الحديث عن مجد «سليمان» وحكمته وعظمة ملكه؛ مما يشير إلى أنه لم يقصد للملك إساءة، بقدر ما قصد الإشادة بمحبة الله لسليمان، التي دعت لتفضيله على «أدونيا» أخيه، وتمكينه من العرش رغم فعلته. وقد دعت استفاضة هذا السفر في تمجيد المملكة السليمانية الباحث الإسلامي الموسوعي «الدكتور أحمد شلبي»، إلى الاقتباس من موسوعة «ويلز» «معالم تاريخ الإنسانية» قولًا له أهميته ومغزاه، وهو «أن قصة مُلك سليمان وحكمته التي أوردها الكتاب المقدس، تعرضت لحشو وإضافات على نطاق واسع، على يد كاتب متأخر شغوف بالمبالغات. وقد استطاعت هذه الرواية أن تحمل العالم المسيحي، بل والإسلامي، على الاعتقاد بأن الملك سليمان كان من أشد الملوك عظمة وأبهة، وقد أسهب سفر الملوك الأول في تصوير مجد سليمان وأبهته وفخامته، ولكن الحق أنه إذا قيست منشآت سليمان، بمنشآت تحتمس الثالث أو رمسيس الثاني أو نبوخذ نصر، فإن منشآت سليمان تبدو من التوافه الهينات … وكانت مملكة سليمان رهينة تتجاذبها مصر وفينيقيا، وترجع أهميتها في معظم أمرها إلى ضعف مصر المؤقت … فسليمان وهو في أوج مجده لم يكن إلا ملكًا صغيرًا تابعًا، يحكم مدينة صغيرة، وكانت دولته من الهزال وسرعة الزوال، بحيث إنه لم تنقضِ بضعة أعوام على وفاته، حتى استولى شيشنق أول فراعنة الأسرة الثانية والعشرين على أورشليم.»٢

الملك والحكمة

ورغم مبالغات السفر المذكور، فإنه بخلاف حديث الملوك الأربعة، لم يخرج بحدود مملكة «سليمان» عن منطقة فلسطين الحالية «وكان سليمان متسلطًا على جميع الممالك، من النهر إلى أرض فلسطين، وإلى تخوم مصر» (ص٤). أما عن حكمته وعظمته، فيقرر الكتاب المقدس أنه أعطيهما بناء على دعائه ربه، وكان رد الرب عليه «هو ذا قد فعلت حسب كلامك، هو ذا أعطيك قلبًا حكيمًا ومميزًا، حتى إنه لم يكن مثلك قبلك، ولا يقوم بعدك نظير … فتعاظم الملك سليمان على كل ملوك الأرض، في الغنى والحكمة … وفاقت حكمة سليمان حكمة كل بني المشرق، وكل حكمة المصريين (لنلاحظ الأثر النفسي لذكرى أيام الاستعباد في مصر، ووجوب تفوق سليمان عليهم) فتكلم بثلاثة آلاف مثل، وكانت نشائده ألفًا وخمسًا، وتكلم عن الأشجار من الأرز التي في لبنان إلى الزوفا النابت في الحائط، وتكلم عن البهائم وعن الطير وعن الدبيب وعن السمك، وكانوا يأتون من جميع الشعوب ليسمعوا حكمة سليمان، من جميع ملوك الأرض الذين سمعوا بحكمته» (ص٣، ٤، ١٠).

وأول ما نلاحظه حول حدود المملكة، أنه ما كان لها وقد نبتت كدويلة بالأمس، وما كان لملك ناشئ، أن يصل بسلطانها إلى النهر «الفرات» وقت السيادة الآشورية وما أدراك ما الآشوريون، أو أن تتجرأ الدويلة فتتبسط في ممارسة السلطان على تخوم مصر وما أدراك ما الفراعين، وما كان لها أن تطال لبنان. بينما يقول السفر نفسه: إن سليمان كان يدفع لحيرام ملك صور وصيدا إتاوة سنوية «وأعطى سليمان حيرام عشرين ألف كر حنطة، وطعامًا لأهل بيته، وعشرين كر زيت، وهكذا كان سليمان يعطي حيرام سنة فسنة» (ص٥).

والملاحظة الثانية، هي أن حكمة «سليمان» تمثلت في ثلاثة آلاف مثل، وشعر حكمي تضمن حديثًا عن الشجر والطير والسمك والدبيب (أي النمل)، وتحتويه أسفار أخبار الأيام الثاني والأمثال ونشيد الإنشاد، وربما كان في الأصل العبراني للكتاب إصحاحات تحتوي على شيء يشبه كتاب «بيدبا» «كليلة ودمنة»، الذي يحوي أمثلة حكمية وضعها مؤلفها على ألسنة الحيوان والطير والهوام. أما الملحوظة الثالثة، فهي حول الأصل العبراني للكتاب المقدس، الذي كتب بلغة بدائية، بحروف غير صائتة، وساكنة، قبل تصويتها وتحريكها قياسًا على اللغة الآرامية، وهو ما يمكن أن يحدث خلطًا في فهم النصوص، وخاصة في الحروف، مثل حديثه «عن» الأشجار والحيوان والنمل، والتي يمكن في الحال القديمة فهمها أنها حديث «إلى» و«مع».

والكتاب المقدس في حديثه عن مجيء كل ملوك الأرض ليسمعوا من «سليمان» حكمته، نجده على غير عادته في التفصيل والتدقيق والتكرار، لا يذكر لنا سوى خبر عن ملكة منكورة، لا يعلم التاريخ من أمرها شيئًا، يقول فيه: «سمعت ملكة سبأ بخبر سليمان لمجد الرب، فأتت لتمتحنه بمسائل. فأتت إلى أورشليم بموكب عظيم جدًّا، بجمال حاملة أطيابًا وذهبًا كثيرًا جدًّا وحجارة كريمة. وأتت إلى سليمان وكلمته بكل ما كان بقلبها. فأخبرها سليمان بكل كلامها … فلما رأت ملكة سبأ كل حكمة سليمان، والبيت الذي بناه، وطعام مائدته، ومجلس عبيده، وموقف خدامه وملابسهم، وسقاته، ومحرقاته التي كان يصعدها في بيت الرب، لم يبقَ فيها روح بعد، فقالت للملك: صحيحًا كان الخبر الذي سمعته في أرضي عن أمورك وعن حكمتك، ولم أصدق الأخبار حتى جئت وأبصرت عيناي، فهو ذا الصنف الذي لم أخبر به … فانصرفت، وذهبت إلى أرضها» (ص١٠).

وهنا أيضًا نظر وملحوظات

الملحوظة الأولى أن النص لم يذكر اسم الملكة أصلًا، والثانية أن التعبير «وكلمته بكل ما كان بقلبها»، إنما كان يعني «بكل ما كان يدور في خاطرها من استفسارات؛ لتمتحنه بمسائل»، إذ كان مظنونًا آنذاك أن القلب مركز التفكير، وهو ما يشهد به الكتاب المقدس نفسه في قول الرب لسليمان: «هو ذا أعطيك قلبًا حكيمًا ومميزًا»، لكن قراءة أخرى يمكن أن تحول الأمر إلى حديث عن الحب ولوعته، وربما استدعى مركز العاشقين إنهاء حالة الوجد بزواج ملكي عظيم، والملحوظة الثالثة هي ما جاء عن اسم هذه الملكة في التراث العربي «بلقيس»، مقارنًا بما جاء في قول «إسحاق الأنطاكي» في القرن الخامس الميلادي، إن العرب كانوا يعبدون إلهة تدعى «بلتيس»، وقد ذكر «بلتيس» أيضًا «بر على» في معجمه على أنها المعبود الكوكبي «فينوس» أو الزهرة، وأنها هي التي مثلوها في صنم العزى؛ ومِن ثَمَّ يبدو أن اسم «بلقيس» لا يعدو كونه من بقايا العبادات الأسطورية القديمة، أما آخر أباطرة الحبشة «هيلاسلاسي» فكان يزعم أنه الحفيد الأخير في سلسلة أباطرة حكموا الحبشة، وأن هذا السلسال يعود بالبنوة إلى العلاقة التي قامت بين «سليمان» و«بلقيس»، بعد أن خلبت لبه بفتنتها، ولتأكيد علاقته بسليمان ملك اليهود، فقد استساغ لنفسه لقب «أسد يهوذا»، ولا يغيب عن فطن إمكان تحول الاسم «بلقيس» إلى «بلتيس»، نتيجة الخلط اللساني، وما اشتهر في الأسطورة: أن الزهرة كانت ربة فتنة وإغواء جسدي (ارجع للمزيد حول موضوعنا: الزهرة بين الخصب والحرب).٣
أما الملحوظة الرابعة، فهي بعد الشقة ما بين مملكة سبأ اليمنية وفلسطين، مرورًا بصحراء عظمى في الجزيرة العربية، وصعوبة تصور الملكة تحتمل كل هذه المشاق، لمجرد أن تمتحن «سليمان» بمسائل! إلا أن حل المسألة هنا، نجده في كشف لمدرسة الآثاري «فرتز هومل»، التي ذهبت إلى أن القبائل التي كوَّنت دولة سبأ اليمنية، كانت قبل نزوحها إلى اليمن، تسكن شرقي خليج العقبة، أي إنها كانت تسكن على الحدود الجنوبية لفلسطين الحالية،٤ وثمة دعم وجدناه لوجهة نظر «هومل» فيما جاء بالنصوص الرافدية القديمة، حول بدو أعراب يعيشون في مملكة يحكمها النساء. وأطلقت النصوص على هذه المملكة اسم «أريبي» أو «عريبي»، وأشارت إلى أنها تقع شرقي خليج العقبة، أو بالتدقيق إلى الجنوب الغربي من بلاد العراق.٥
وغير تلك الملكة المشغولة بحل المسائل، لا يحدثنا الكتاب المقدس عن استقبال البلاط السليماني لملك آخر من ملوك الأرض، والملحوظة الخامسة، فهي حول مجد وعظمة هذه المملكة، التي وصل خبرها إلى ملكة سبأ، وهو ما يعقب عليه الدكتور «أحمد سوسة» بقوله: «أما الوصف الذي اعتاد أكثر الباحثين ترديده عن اتساع وامتداد حدود مملكة سليمان، فيعده أكثر الباحثين من قبيل المبالغات التي درجت عليها دويلات تلك العصور، والحقيقة أن مملكة سليمان التي تبجح اليهود بعظمتها، كانت أشبه بمحمية مصرية مرابطة على حدود مصر، قائمة على حراب أسيادها الفراعنة، الذين كان أهم ما يهدفون إليه من وراء هذا الإسناد، حماية حدودهم الشرقية من غارات الأقوام الطامعة بمصر، وفي مقدمتهم الآشوريون، وكان سليمان يريد أن يجاري الفراعنة في البذخ، والظهور بما هو فوق طاقته وإمكانياته الاقتصادية، وذلك بإغداقه في إقامة الأبنية الشاهقة والقصور الفخمة، فأثقل كاهل الشعب بكثرة الضرائب، كما أثقل خزينة الدولة بالديون المتراكمة.»٦ وحتى هذه الأبنية الشاهقة التي أثقلت كاهل الشعب بالديون — فيما يرى «سوسة» — هي بدورها مسألة فيها نظر وملحوظات.

تغنيًا بهذه العظمة، يفاخر سفر الملوك الأول بجيش الملك «سليمان» الهائل، فيقول: «وكان لسليمان أربعون ألف مذود لخيل مركباته، واثنا عشر ألف فارس … فكان له ألف وأربعمائة مركبة» (ص٤، ١٠)، هذا ناهيك عن منشآته المعمارية، التي تمثلت في بناءين: الأول بيت الرب أو الهيكل (واسمه مأخوذ عن الكلمة الكنعانية هيكال)، والثاني هو القصر الذي خصصه «سليمان» عليه السلام كسكن خاص له، ومقر للحكم، فأما الهيكل فهو «البيت الذي بناه سليمان للرب، وطوله ستون ذراعًا، وعرضه عشرون ذراعًا، وسمكه ثلاثون ذراعًا … وجميع الببت غشاه بذهب … وعمل في المحراب كروبين … وغشى الكروبين بذهب (الكروبين مثني كروب، وهو نصب في هيئة نسر مجنح)» (ص٦). أما القصر فكان واضحًا أنه أكثر ضخامة وفخامة من بيت الرب، فقد كان «طوله مائة ذراع، وعرضه خمسون ذراعًا، وسمكه ثلاثون ذراعًا … كل هذا من أحجار كريمة … وكان مؤسسًا على حجارة كريمة … وعمل البحر مسبوكًا عشرة أذرع (يقصد حوض أسماك زينة)» (ص٧).

أما عرش الملك فقد «غشاه بذهب من إبريز، وللكرسي ست درجات … أسدان واقفان بجانب اليدين … واثنا عشر أسدًا واقفة هنا وهناك على الدرجات الست (يقصد تماثيل) … وجميع آنية شرب الملك من ذهب … وجعل الملك الفضة في أورشليم مثل الحجارة» (ص١٠). وحتى تستكمل العظمة، كان محتمًا أن يتمم الملك الأبهة بزوجة تليق به، ونسب يضاهيه جاهًا واقتدارًا، ولما لم يكن وقتها من هو أعظم من فراعنة مصر أبهة وجاهًا واقتدارًا، ورغم العداء المرير الذي تقطر مرارته في كل إصحاح من أسفار الكتاب المقدس، ضد مصر والمصريين، فقد «صاهر سليمان فرعون مصر، وأخذ بنت فرعون» (ص٣)، وقد قدم الفرعون لابنته هدية زفاف عظيمة، «وصعد فرعون ملك مصر، وأخذ جازر وأحرقها بالنار (جازر مدينة ساحلية فلسطينية)، وقتل الكنعانيين الساكنين في المدينة، وأعطاها مهرًا لابنته امرأة سليمان» (ص٩).

وحتى يستكمل الملك بقية مظاهر الأبهة، فقد «أحب الملك سليمان نساء غريبة كثيرة مع بنت فرعون، مؤابيات وعمونيات وآدوميات وصيدونيات وحيثيات … وكانت له سبعمائة من النساء السيدات، وثلاثمائة من السراري» (ص١١)، وكي يطيق الملك وصال هذا الحشد المهول من الأجساد، فقد منحه الله قدرة أكثر هولًا، تمثلت في قول الكتاب: «وكان طعام سليمان لليوم الواحد: ثلاثين كر سميد، وستين كر دقيق، وعشرة ثيران مسمنة وعشرين ثورًا من المراعي، ومائة خروف، ما عدا الأيائل والظباء واليحامير والإوز المسمن» (ص٤).

والأمر إضافة إلى طرافته، فإن فيه نظرًا وملحوظات: الملحوظة الأولى وتتعلق بهذا الجيش العرمرم من المركبات والفرسان، وهو ما يناله شك كبير، في ضوء نص آخر بالسفر نفسه، يشير إلى استعصاء المدينة الساحلية (جازر) على «سليمان»، حتى إن صهره الفرعون أرسل بضع كتائب احتلتها له، ثم أهدتها إياه كعربون صداق لعرس ابنة الفرعون، لكن حتى هذا الزواج بدوره يشوبه شك أكبر، خاصة مع ما نعلمه من وثائق التاريخ عن سنن الفراعين، الذين لم يدرجوا على زواج بناتهم لغير مصريين، حتى لو كانوا ملوكًا، اتباعًا لسنة سنت حق الملك للإناث من الأسر الحاكمة، وأن العرش كان لا يئول لوليه إلا بزواجه من الأميرة صاحبة الميراث؛ ومِن ثَمَّ سوغوا — ولا غضاضة — زواج الأخت الشقيقة ليتمكن الأمير من شرعية حكمه، وإذا عز وجود ذكر من داخل الأسرة المالكة، فكان لا بد للمرشح للعرش من المرور بطقوس دينية وتطهيرية وارتقائية يطول شرحها، تنتهي أيضًا بشرط زواجه من الأميرة الوارثة، فما بالنا والأمر يتعلق بملك من العبريين؟ أولئك الذين كانوا في نظر المصريين الاعتياديين وليس الملوك، وحسب نص الكتاب المقدس نفسه، رجسًا ونجسًا يجب على المصري تحاشيه واجتنابه، فلا يساكنه (كما يقرر إصحاح ٤٦ من سفر التكوين)، ولا يؤاكله (كما يقرر إصحاح ٤٣ من سفر التكوين).

وحتى لو سلمنا بصدق الرواية التوراتية حول هذا الزواج، فإن «ويلز» يعقب بالقول: «كان من الجائز أن يتنازل الفرعون، فيقبل في حريمه أميرة بابلية، ولكنه كان يرفض رفضًا باتًّا أن يسمح لأميرة مصرية لها ما لها من قداسة، أن تصبح زوجة لعاهل بابلي، فما بالك بملك صغير كسليمان، استطاع أن يتزوج أميرة مصرية. إن هذا يدل دلالة واضحة على انحطاط مهابة مصر وتدهورها في هذه الأثناء.»٧ ثم يشير إلى أنه لولا هذا التدهور المؤقت لما قامت مملكة «سليمان»، فتدهور مصر حينذاك هو الذي أدى إلى تخفيف هيمنتها على فلسطين وبلاد الشام؛ مما ساعد على قيام المملكة السليمانية، ومنح «داود» والد «سليمان» شيئًا من حرية الحركة والنشاط والتبسط في ممارسة السيادة.
والملحوظة الثانية تتعلق بمنشآت «سليمان»، التي تأكد أنه قد قام بها فنيون متخصصون، أرسلهم «حيرام» ملك صور وصيدا لسليمان، إضافة إلى المهندسين المصريين والرافديين، وذلك فيما وصل إليه البحاثة «موسكاتي».٨ أما الدكتور «شلبي»، فهو كعادته يلجأ إلى «ويلز» يستنطقه فيقول: «إننا لو استخرجنا من قصة التوراة أطوال معبد سليمان، لوجدنا أن بالإمكان وضعه داخل كنيسة صغيرة من كنائس الضواحي.»٩ وربما كان مناسبًا هنا إيراد تأكيد «غوستاف لوبون» لما انتهى إليه «موسكاتي»، إذ يقول: «لا ينبغي لنا أن نتحدث عن وجود شيء من فن النحت أو التصوير عند بني إسرائيل، وقل مثل هذا عن فن البناء عندهم، فانظر إلى هيكلهم المشهور، الذي نشر حوله كثير من الأبحاث المملة، تجده بناء أقيم على الطراز الآشوري المصري، من قبل بنائين من الأجانب كما تقول التوراة، ولم تكن قصور سليمان غير نسخ رديئة للقصور المصرية والآشورية.»١٠
والملحوظة الثالثة هي حول كمية الأحجار الكريمة، والذهب، التي استخدمها سليمان في بناء منشآته ودلالة على عظمة الملك، تلك العظمة التي أدت به لردم أسس المنشآت بالأحجار الكريمة، وجعلت الفضة في أورشليم كالحجارة، التي يعقب عليها موسكاتي بالقول: «إن الزيادة العظيمة في سعة البلاط وفخامته … اضطرت سليمان إلى إقامة نظام ضرائب، ألقى على شعبه عبئًا ثقيلًا … فكانت البلاد رغم الرخاء تسير نحو أزمة اقتصادية.»١١

وفي رأينا أن أبرز الأدلة على تفاقم هذه الأزمة واحتدادها، هو ما جاء في سفر الملوك الأول عن أسلوب سداد «سليمان» لديونه، من أجور البنائين والمهندسين للملك «حيرام»، فيقول: «وبعد نهاية عشرين سنة، بعدما بنى سليمان البيتين: بيت الرب وبيت الملك. وكان حيرام قد ساعف سليمان بخشب أرز وخشب سرو وذهب حسب كل مسرته. أعطى حينئذ الملك سليمان حيرام عشرين مدينة في أرض الجليل» (ص٩)، هذا بينما جعل «حيرام» من مملكة «سليمان» أرضًا مستباحة لجيوشه، ومعبرًا له إلى البحر الأحمر. وهو ما يستنتج من قول الكتاب المقدس: «وعمل الملك سليمان سفنًا في عصيون جابر (ربما العقبة الحالية) التي بجانب أيلة على شاطئ بحر سوف في أرض أدوم. فأرسل حيرام في السفن عبيده النواتي العارفين بالبحر مع عبيد سليمان، فأتوا إلى أوفير (مظنون أنها الصومال حاليًّا) وأخذوا من هناك ذهبًا …» (ص ٩).

ولم يأتِ عام ٩٢٣ق.م. حتى انقسمت مملكة «سليمان» على نفسها، عندما طلبت القبائل الشمالية من «رحبعام بن سليمان» إعفاءها من الضرائب، ورفض «رحبعام»، فكان أن قاموا بثورة انتهت بانفصال نصف المملكة الشمالي، وأسسوها مملكة تحمل اسم إسرائيل، أما الجنوبية فحملت اسم يهوذا.

ثنائيات التأسيس والسقوط

وانقسمت مملكة «سليمان» على نفسها بموته، عام ٩٢٣ق.م.

وفي رأينا أن هذا الانقسام في المملكة الناشئة، والذي انتهى بانهيارها التام واندثارها، هو ناتج طبيعي، وإفراز منطقي، لمجموعة من الصراعات بين مجموعة من النقائض، تتمثل في أكثر من ثنائية داخل المملكة السليمانية.

ثنائية أولى يمثلها عنصران: العنصر الوطني من أهل المنطقة الأصليين، الذين كانوا يشكلون ممالك صغيرة في هيئة مدن متناثرة، قبل أن تندرج جميعًا في المملكة العبرانية، والعنصر الثاني يمثله العبريون الوافدون، والذين شكلوا أمثل نماذج الاستعمار الاستيطاني. هذا إضافة إلى ما تركه العنف الذي صاحب إنشاء المملكة، وما تركه متأججًا في صدور أهل البلاد، والذي دعا كاتبًا إسلاميًّا كالدكتور «شلبي» للتعقيب عليه بقوله: «وكان عهد داود — بناء على ما جاء في العهد القديم — غارقًا في دماء الضحايا، شديد القسوة.» وعقب عليه «ويلز» بقوله: «وقصة داود بما تحوي من قتل وسفك دماء واغتيالات متلاحقة، يأخذ بعضها برقاب بعض، أشبه بتاريخ أحد الرؤساء المتوحشين، منها بتاريخ ملك متمدن.»١٢ وكلا الكاتبين إنما كان يعقب على ما ورد في سفر صموئيل الثاني، الذي يحكي قصة احتلال داود لمملكة عمون (المظنون أنها عمان الحالية)، فأخذ غنائمها وعلى رأسها تاج الملك، ثم قام بإبادة شاملة لكل العناصر الوطنية في المدينة المملكة، أو بنص الكتاب المقدس: «وأخرج الشعب الذي فيها، ووضعهم تحت مناشير ونوارج حديد وفئوس حديد، وأمَرَّهم في أتون الآجر» (ص١٢).

وثنائية أخرى يمثلها طرفان: الطرف الأول: الأرستقراطية الحاكمة وما ينطوي في داخلها من رجال المؤسسة السياسية وإدارات الدولة، والطرف الثاني أرستقراطية كهنوتية عريقة قامت وتمكنت منذ أيام النبي «موسى»، ومثلها بيت «لاوي» أو «ليفي» من أسباط بني إسرائيل، حتى استطاع «سليمان» وأبوه «داود» ترويضها وتسييسها، بإخضاع الكاهن الأكبر «أبيثار» لسلطان الملك، وبسط حماية الدولة على الدين، وإلحاق بيت «ليفي» بإدارات الدولة، ليس كهيئة قبلية تقوم بأعمال الكهانة، وإنما بإذابتهم كموظفين تابعين في المؤسسة السياسية، لكن ذلك لم يكن يعني عدم استبطان القسمة القبلية الأولى، وتحفز بيت «ليفي» وترقبه الفرص للقفز على كرسي السلطة.

وكان تسييس الكهانة ناتجًا عن تحول العبريين من حالة البداوة إلى حالة الاستقرار، في مناطق زراعية؛ مما حول بعضهم إلى العمل في فلاحة الأرض، والتوحد في كيان مركزي واحد، ربما مهد مع طول الوقت وبالتدرج الطبيعي لنضوج الأوضاع الاجتماعية، إلى تفجير الأطر القبلية، لإقامة المشاريع الكبرى التي تفرضها طبيعة الحياة في بيئة زراعية، لكن مشاريع «سليمان» لم تكن ناتج علاقة طبيعية بالأرض وطبيعتها، ولا ناتج إفراز تلقائي تطوري، كما كان في مصر والرافدين، وهو ما حدث لصالح الاستخدام الأمثل والموحد للطاقات البشرية في تلك الحضارات القديمة؛ لتنظيم الزراعة والسيطرة على المياه وإقامة المشاريع الضخمة، حيث كانت الأنهار الكبرى (النيل، دجلة، الفرات) وما تكوِّنه من شبكات مائية متعددة الروافد والترع والقنوات، يصعب أحيانًا السيطرة عليها وقت الفيضان، بحاجة إلى توحد الشعوب لترويض هذه المياه الهائلة؛ مما أدى لإفراز تلقائي لإمبراطوريات كبرى تتمركز في قوى موحدة ومركزية سياسية، تضم ملايين الرجال للأعمال الكبرى، بينما كانت أرض فلسطين طوال تاريخها على عكس جارتيها تمامًا؛ ولهذا السبب لم تشهد سوى الدويلات، أو المدن الدول أو المدن الممالك، وذلك لاختلاف بيئة فلسطين الطبيعية، عن البيئة في مصر والعراق، واعتمادها في مجال الفلاحة على الأمطار والنهير (قياسًا على أنهار مصر والعراق)، بينما شكَّل الرعي العمل الأساسي إلى جانب التجارة؛ ومِن ثَمَّ كان قيام المملكة السليمانية بتفجير الأطر القبلية، ليس استجابة لحاجات طبيعية وإفرازًا لمسار تاريخي وتطوري طويل، قدر ما كان استجابة لحاجات شخصية وعنصرية، بشكل قسري ومفروض من أعلى، لإقامة مشروعات ليس للناس فيها ناقة ولا جمل، كالقصور الفارهة مباهاة ومضاهاة للفراعين، وملوك آشور وبابل، ولإقامة هيكل ديني خاص بالقبيلة العبرانية؛ ليمثل الشكل الديني للدولة، ويميز القبيلة القابضة على أعنة السلطان.

هذا بالطبع مع ثنائية أخرى أساسية، ثنائية يهودية يهودية، تمثلها قبائل عبرية دخلت مصر وخرجت متأثرة بعبادات المصريين وأنظمتهم وعاداتهم، وقبائل عبرية أخرى ظلت تحتفظ ببداوتها على الحدود السينائية، حيث قام النبي موسى (عليه السلام) بإجراء عملية المزج بينهما في قادش، لكن الواضح أنه لم يكن صهرًا للقبائل أبدًا، قدر ما كان نوعًا من الائتلاف الكونفدرالي، الذي سرعان ما أبرزت تناقضاته مستجدات الأحداث في المملكة السليمانية، وانتهى بانقسام صنفي القبائل ما بين شمال وجنوب، أو بين إسرائيل ويهوذا.

ونتيجة لقيام المملكة السليمانية على أنقاض المدن الممالك، وتفجيرها القسري للأطر القبلية، نشأت ثنائية أخرى لم تكن تعرفها البلدان الفلسطينية وممالكها الصغيرة؛ إذ لم تكن هناك هوة كبرى تفصل أفراد المجتمع عن السلطات، بينما بات واضحًا أن المملكة السليمانية قد أنشأت هوة هائلة بين القبيلة العبرية في جانب، وباقي شعوب المنطقة الأصليين في جانب آخر، والذين تهاوت مدنهم، وأجبروا على الانضواء تحت سلطان الدولة. ثم كانت الأعمال الإنشائية عاملًا آخر سبَّب ثنائية جديدة، مثَّلها على الطرف الأرستقراطي الطبقة الحاكمة وموظفوها وكهانتها الرسمية وإداريوها وملاكها، ومثَّلها على الطرف الآخر العبيد والمعدمون، سواء أكانوا عبرانيين أم كنعانيين مواطنين، حيث جمعهم معًا شقاء تنطق به آيات الكتاب المقدس التي تقول في سفر الملوك الأول: «وسخر سليمان الملك من جميع إسرائيل، وكانت السخر ثلاثين ألف رجل.» و«جميع الشعب الباقين من الأموريين والحثيين والفرزيين والحويين واليبوسيين … الذين لم يقدر بنو إسرائيل أن يحرموهم (اصطلاح يحرم في التوراة أي يبيد)، جعل عليهم سليمان تسخير عبيد» (ص٥، ٩). وهو الأمر الذي أدى إلى ظهور طبقة من رجال الدين غير الرسميين، ومثَّلهم الدراويش والأنبياء الشعبيون، الذين أسهموا بما هو أكثر من العون والمساعدة لإسقاط النظام القائم، بل والعمل على تدمير المملكة، واستعداء الإمبراطوريات الكبرى عليها، وهو ما نجده مثلًا عند أنبياء مثل «عاموس» و«ميخا»، ومن بعده بشكل سافر عند «إشعياء» و«دانيال» و«أرميا» في مرحلتي السقوط والأسر.

وهكذا أدت الأوضاع إلى ظهور ثنائية أخرى تمثلت في رجال المؤسسة الدينية العاملة في جهاز الدولة الحاكم في جانب، ورجال الدين الشعبيين الذين شكلوا كوكبة الأنبياء الأساسيين في الكتاب المقدس في جانب آخر؛ مما أدى إلى تكون أيديولوجيتين مختلفتين تمامًا، متصارعتين حتى نهاية الدولة.

وساعد على تفاقم الصراع بين الأيديولوجيتين ثنائية صراعية، نتجت عن طبيعة البنية الاجتماعية التي شكلها هجين من شعوب زراعية أساسًا، وشعب بدوي يمثله العبرانيون، مع بعض القبائل الرعوية الأخرى في المنطقة، وهي الثنائية المرتبطة أساسًا بطبيعة أسلوب الإنتاج الزراعي لشعوب المنطقة، الذين اعتمدوا نوعًا من الحرية المطلقة على المستوى الديني، بحيث تعددت الأرباب تعددًا هائلًا، وهو ما استدعاه نظام الفلاحة ومواسمه المتعددة. فكان هناك «بعل» رب المطر، و«عنات» ربة الأرض، و«مولك» رب الخصب، و«موت» رب الجفاف، و«إيل» أبو الأرباب، مع عدد كبير من الآلهة المتعلقة بالزرع والخصب كإله الفأس وإلهة الماشية وإله الحنطة … إلخ، ويرتبط هذا التعدد بتباين التكوين الاجتماعي؛ مما أدى دومًا للسماح بهذه الحريات السماوية وطقوسها المرتبطة بمواسم الزرع، بينما ظلت البداوة على الجانب الآخر تستبطن قبيلتها ومعبودها القبلي الواحد، ممثلًا في سلف القبيلة وسيدها، وما يتضمنه ذلك من أن أنفة البدوي من الانقياد لدولة موحدة، ورفضه أن يُحكم من خارج قبيلته ونسبه؛ ومِن ثَمَّ، وحتى يتم قهر الحريات الأرضية، سمح بالحريات السماوية، فقرر الكتاب المقدس في السفر المذكور: «وكان في زمان شيخوخة سليمان أن نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى، ولم يكن قلبه كاملًا مع الرب إلهه كقلب داود أبيه، فذهب سليمان وراء عشتورت إلهة الصيدونيين، وملكوم رجس العمونيين … بنى سليمان مرتفعة لكموش رجس الموآبيين … ولمولك رجس بني عمون … فغضب الرب على سليمان لأن قلبه مال عن الرب إله إسرائيل» (ص١١).

هذا بينما على الطرف الآخر، تمسك الأنبياء الشعبيون بروح القبيلة الانفصالية المتفردة والثائرة والمتمسكة برب إسرائيل وحده، وبتحقيق الحرية على الأرض وفق شرائع البدو.

وإعمالًا لكل ذلك، فقد كان كافيًا أن يؤدي صراع النقائض الداخلي بين هذه الثنائيات دوره الأساسي والرئيسي؛ ليعجل بالنهاية المحتومة، والتي ساعد على حتمها عناصر التناقض الثانوي أو الخارجي، والمتمثل في علاقة غير متوازنة بين مملكتي إسرائيل ويهوذا، وبين الإمبراطوريتين اللتين كانتا تتنازعان سيادة العالم (مصر وآشور)، إضافة إلى القوة الكلدانية الطالعة، التي أحدثت اختلالًا في موازين القوى، واضطراب العلاقات العبرية بينها وبين القوى الكبرى المصرية والآشورية. فكان أن انقض «شيشنق» أول فراعنة الأسرة الثانية والعشرين على أورشليم ونهبها بعد أن أثخن فيها، ولم يلبث سرجون الثاني العاهل الآشوري أن انحدر بدوره، ليقضي على مملكة إسرائيل نهائيًّا عام ٧٢١ق.م. ليتبعه «نبوخذ نصر» الكلداني (المعروف في التراث الإسلامي باسم بخت نصر) فينهي الوجود العبراني، بالقضاء التام على مملكة يهوذا عام ٥٨٦ق.م.

وفي الأسر الآشوري، والأسر البابلي، ثم في الشتات، تحولت الدويلة، المملكة السالفة، إلى حلم عظيم وضخم، وخيال هائل، يتفق إيقاع هوله مع هول الوقعة والسقوط.

هذا ما كان عن نكارة الإسرائيليات — بتعبير «ابن كثير» — وموقفنا التحليلي منها، وهو موقف تأسس على مناقشة النص وليس على افتراض وقوع الحدث؛ لأن المشكلة الرئيسية التي يمكن أن تواجه أي باحث بشأن هذه المملكة السليمانية، هو أنه لا توجد أية معطيات آثارية أو وثائقية بشأن هذه المملكة، سواء في وثائق بابل أم آشور أم كلديا أم مصر أم فينيقيا، على كثرة ما اكتشف فيها من وثائق، كما لا توجد في أي مكان إشارة صريحة إلى سليمان أو أبيه داود، رغم ما أخبر به الكتاب المقدس عن عظمة هذه المملكة واتساع سطوتها وهيبتها، فسليمان وداود اسمان لا تعرفهما وثائق التاريخ، لا في نص ولا في نقش ولا حتى في بقايا آثارية يمكن تأويلها أو يُشتَمُّ منها أو يستنتج ما يشير إلى داود وولده عليهما السلام، بينما نجد في الوقت نفسه المزعوم للمملكة المزعومة في نصوص مصر، تقارير تذكر أمورًا مفصلة ودقيقة عن كافة أحوال المنطقة، والحدود السينائية، كنقل موظف، أو تحرك بعض الكتائب العسكرية، أو انتجاع قبيلة بدوية، وحتى الحفريات التي جرت في فلسطين، فإنها حتى الآن لم تفد بأي دليل مادي بوجود «سليمان» أو أبيه «داود»، ومن المشكوك فيه أن يطالعنا المستقبل القريب بمثل هذه الكشوف.

وقبل أن نغلق حديثنا حول جزئية صراع النقائض والسقوط، فإنه من الطريف إيراد عبارة جاءت في كتاب «روجيه جارودي» «فلسطين أرض الرسالات السماوية»، وهو كتاب جاء بعد إشهار إسلامه، وترجمه إلى العربية الداعية الإسلامي المعروف «الدكتور عبد الصبور شاهين»، حيث يقول «جارودي»: «أما أن سليمان كان يعدد الآلهة، فأمر لا شك فيه.» أما الأطرف فهو تعقيب المترجم الداعية وهو يبدي دهشته في الحاشية من «روجيه» المسلم بقوله: «غريب أن يذهب المؤلف مع هذا الرأي، رغم أنه يختلف عما قرره القرآن الكريم، فسليمان نبي كريم من أنبياء الله، ولا يمكن أن يخامر المسلمين شك في توحيده، ولكن لهذا الكتاب المقدس (يقصد الكتاب العبري) مواقف مهينة كاذبة من الرسل، لا تدل على حقيقتهم بقدر ما تدل على جانب الوضع والتحريف فيه.»١٣

مملكة العجائب

لأننا قد شرحنا مواقف الكتاب المقدس، وصورة الملك «سليمان» في مرآته، وعقبنا بما في مكنتنا من ملحوظات، فقد وجب الآن أن نعرض لصورة «سليمان» الملك العبري، ولكن في الإسلام، كما وردت في القرآن الكريم والحديث، إضافة إلى بعض ما جاء في كتب الأخبار الإسلامية والسير والأثر، وهو ما يفصل في الأمر بيقين الوحي والتنزيل المبين، لدى الصورة النقية لسليمان كنبي كريم، مقارنة بنكارات الإسرائيليين، دونما تعقيب، فقط ربما أضفنا عبارة تحمل ملحوظة من جانبنا، أو إشارة لأمر يؤدي إغفاله إلى سوء الفهم، ونمهد فقط لتوضيح هو من واجبات المصداقية مع الوحي الكريم وأسباب التنزيل، فمن المعلوم أن أهم تفاصيل رواية القرآن الكريم ودقائقها، حول نبوة «سليمان» عليه السلام، وملكه، قد جاءت في سورتين بالتحديد، هما سورة النمل وسورة ص. ومعلوم أيضًا أن كلتا السورتين من السور المكية، وفي المرحلة الزمنية السابقة على هجرة نبي الإسلام (محمد )، من أم القرى مكة إلى يثرب أو المدينة، حيث كان لليهود فيها مكان ومكانة، وكان طبيعيًّا أن تسبق الرسول إلى المدينة، تلك الآيات العظيمة، التي تحكي قصة المملكة اليهودية الغابرة، وموقف الإسلام ونبيه منها، والرأي الواضح بشأنها، ومع «سليمان» عليه السلام في الإسلام، نجدنا بإزاء أكبر حشد من الخوارق والمعجزات، ونعيش جوًّا سحريًّا في مملكة للعجائب، تمتلئ بالمردة والعفاريت والجن والشياطين، وهو أمر تضيق بالحديث التفصيلي فيه صفحات موضوع قصير كهذا، ومن هنا سنعمد مضطرين إلى الإيجاز، بادئين بقوله تعالى: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (ص: ٣٥–٣٧)، وهي آيات توضح لنا إلى أي مدى بلغ مُلك «سليمان» وعظمته كملك نبي.

وعن الشياطين الغواصين والبنائين يحدثنا نعمة الله الجزائري فيقول: «فجمع الجن والشياطين فقسَّم عليهم الأعمال، فأرسل الجن والشياطين في تحصيل الرخام … ووجه الشياطين فرقة فرقة يستخرجون الذهب واليواقيت من معادنها، وفرقة يعلقون الجواهر والأحجار في أماكنها، وفرقة يأتون بالمسك والعنبر وفرقة يأتونه بالدر من البحار … وبني سليمان المسجد (يقصد الهيكل) بالرخام الأبيض والأصفر والأخضر، وعمده بأساطين المها الصافي، وسقفه بألواح الجوهر، وفصص سقوفه وحيطانه باللآلئ، واليواقيت، وبسط أرضه بألواح الفيروزج، فلم يكن في الأرض بيت أبهى ولا أنور منه، كان يضيء في الظلمة كالقمر ليلة البدر … وروي … أنهم صوروا أسدين من أسفل كرسيه، ونسرين فوق عمود كرسيه، فكان إذا أراد أن يصعد الكرسي بسط الأسدان ذراعيهما، وإذا علا على الكرسي نشر النسران أجنحتهما فظللاه من الشمس.»١٤
ويستكمل «الثعلبي» وصف أحوال هذا العرش الفريد، فيقول: «فلما توفي سليمان (عليه السلام)، بعث بخت نصر (نبوخذ نصر الكلداني) فأخذ ذلك الكرسي … فأراد أن يصعد عليه ولم يكن له علم بالصعود عليه ولا بأحواله، فلما وضع قدمه على الدرجة السفلى رفع الأسد يده اليمنى فضرب ساقه ضربة شديدة، دقها ورماه، فحمل بخت نصر فلم يزل يعرج ويتوجع منها حتى مات.»١٥
ومع كل هذه الأبهة، فإن حكمة الله أرادت أن يكون في المملكة الفخيمة فقراء ومساكين، لكن «سليمان» — فيما يروي «الجزائري» — كان يحل هذه المشكلة الاجتماعية بحكمة نادرة المثال مشكورة، فكان «إذا أصبح تصفح وجوه الأغنياء والأشراف، حتى يجيء إلى المساكين ويقعد معهم، ويقول: مسكين مع المساكين … فلا يزال قائمًا حتى يبكي»!١٦ هذا بالطبع مع قوله تعالى في كتابه الحكيم لنبيه الحكيم: هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (ص: ٣٩).
وتبدأ سورة النمل حديثها عن «سليمان» عليه السلام بقولها: وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (النمل: ١٦)، ويشرح «محمد فريد وجدي» في تفسيره، وهو واحد من أحدث التفاسير المعتمدة، والأقرب لليسر وللعصر، مع الالتزام — دون تأويلات بعيدة عن المراد الأصلي بالنص — فيقول: «وورث سليمان داود في الملك والنبوة وأخبر الناس — تحدثًا بنعمة الله عليه — بأنه أوتي فهم لغة الطير، وأنه منح من جميع النعم قسطًا وافرًا، إن هذا لهو الفضل المبين.» ويروي الإخباريون بعض التفاصيل حول حديث «سليمان» عليه السلام مع الطير، وقدرته على فهم ألسنها ولهجاتها، بل والتعاطي معها أخذًا وردًا، فيقول — مثلًا — الحافظ «أبو بكر البيهقي»: «… مر سليمان بن داود بعصفور يدور حول عصفورة، فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول؟ قالوا: وما يقول يا نبي؟ قال: يخطبها إلى نفسه ويقول: زوجيني نفسك، أسكنك أي غرف دمشق شئت.»١٧ أما الطبرسي فيعمد إلى إبراز رقة قلب النبي كليم الطيور في حديث يقول: «إن سليمان عليه السلام رأى عصفورًا يقول لعصفورته: لمَ تمنعين نفسك مني، ولو شئت أخذت قبة سليمان بمنقاري فألقيها في البحر؛ فتبسم سليمان عليه السلام من كلامه، ثم دعاه وقال للعصفور: أتطيق أن تفعل ذلك؟ فقال: لا يا رسول الله، لكن المرء قد يزين لنفسه ويعظمها عند زوجته، والمحب لا يلام على ما يقول. فقال للعصفورة: لم تمنعيه من نفسك وهو يحبك؟ فقالت: يا نبي الله إنه ليس محبًّا لكنه مدَّعٍ يحب معي غيري، فأثر كلام العصفورة في قلب سليمان، وبكى بكاء شديدًا.»١٨
ولم يكن النبي «سليمان» عليه السلام يحسن فقط لغة الطيور، إنما أيضًا لغة دبيب الأرض من حشرات. وللأمر قصة مشهورة في سورة النمل،١٩ يغني علمها عن سرد نصها، لكن ربما كان في إيراد بعض ما جاء بشأنها من شروح وتفاصيل فائدة:
يقول «الجزائري»: إن وادي النمل هو وادٍ بالطائف، وقيل بالشام، وتلك النملة التي نبهت الأخريات كي لا يدهسهن جيش سليمان العرمرم، كانت رئيسة النمل. و«ابن كثير» يروي أنه في ذلك اليوم كان «سليمان» في قيادة جيشه العرمرم جميعه بكتائبه من الجن والإنس والطير،٢٠ وينقل «النيسابوري» عن «محمد بن كعب القرظي» وصف ذلك الجيش، فيقول: «إن عسكر سليمان عليه السلام مائة فرسخ، خمسة وعشرون منها للإنس، وخمسة وعشرون منها للجن، وخمسة وعشرون منها للوحوش، وخمسة وعشرون منها للطيور.»٢١ وينقل «ابن كثير» عن «وهب» قوله: «إن هذه النملة كان اسمها جرسًا، وكانت من قبيلة يقال لها بنو الشيطان، وكانت عرجاء، وكانت بقدر حجم الذئب»!٢٢ ولما كان بعض الكتاب من الإخباريين قد أفادوا أن «سليمان» وجنده يوم حديث النملة كانوا يركبون بساط الريح الذي سخره الله لسليمان حيث يشاء: فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (ص: ٣٦)، فإن «ابن كثير» من جهته يرفض هذه المزاعم ويقول: «وفي هذا كله نظر، بل في هذا السياق دليل على أنه كان في موكبه راكبًا في خيوله وفرسانه، لا كما زعم بعضهم من أنه كان إذ ذاك على البساط؛ لأنه لو كان كذلك لم ينل النمل منه شيء … ويقول بعض الجهلة: إن الدواب كانت تنطق قبل الإسلام وتخاطب الناس، حتى أخذ عليهم سليمان بن داود العهد وألجمها، فلم تتكلم مع الناس … ولو كان هذا هكذا، لم يكن لسليمان في فهم لغاتها مزية على غيره.»٢٣

أما أشهر أحاديث النبي «سليمان» وأخطرها شأنًا وأكثرها أهمية، فهو الذي كان بينه وبين الهدهد، ولهذه الأهمية، وللعلاقة الحميمة بين النبي «سليمان» عليه السلام، وبين الهدهد، فقد قال النبي محمد : «أنهاكم عن قتل الهدهد، فإنه كان دليل سليمان على الماء.» ويحكي القرآن الكريم وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (النمل: ٢٠).

وكان واضحًا أن غياب الهدهد ربما سبَّب عطشًا شديدًا للنبي، يتفق مع هذا الغضب الهائل على ذلك الطير الرقيق، ورغم أن «الثعلبي» يورد عن «عكرمة» القول: «إنما صرف سليمان عن ذبح الهدهد بره بوالديه.»٢٤ فإن الهدهد قد عاد ومعه عذره المبين، فأثناء طيرانه بحثًا عن الماء إذا بهدهد قادم من بلاد اليمن، ودار بينهما حديث تاريخي خطير، وفيما يقول «النيسابوري» إنه: «كان اسم هدهد سليمان يعفور، واسم هدهد اليمن عفير.»٢٥ مما يشير إلى معلومة حول سُنة الهداهد في التسمية، وأنها تتركز حول معنى «اليعفرة»، وربما اشتركت في الجذور مع «العفرتة»، ويبدو أن عفير اليمني تفاخر على «يعفور» العبراني، واستدرجه «يعفور» بذكائه الأريب حتى علم بأمر أصحابه من أهل اليمن، وهو ما يوضحه الله تعالى بقوله: فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ (النمل: ٢٢–٢٤)، ولأن النبي — حسبما يؤكد «الجزائري» — «وكان لا يسمع بملك في ناحية الأرض إلا أتاه حتى يذله ويدخله في دينه.»٢٦ فقد اتخذ «سليمان» عليه السلام قراره وأرسل الهدهد برسالة منه إلى القوم يستدعيهم إليه، وأتبعها بعمل إعجازي ومبهر، فقد أمر جنه وعفاريته ليأتوه بعرش ملكة اليمن؛ ليختبرها عند وصولها، فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (النمل: ٤٢).
ويحكي الحافظ «ابن كثير»: «وكان سليمان قد أمر ببناء صرح من زجاج، وعمل في ممره ماء وجعل عليه سقفًا من زجاج، وجعل فيه من السمك وغيره من دواب الماء.»٢٧ ويصور القرآن الكريم ما حدث عند ذاك بقوله: قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (النمل: ٤٤). وهكذا كان إبهار المملكة السليمانية وعظمة صاحبها لملكة سبأ، دافعًا مباشرًا لإعلانها الدخول في دين الإسلام! والإيمان بدين سليمان، الذي هو نفسه دين محمد ، ولا فارق أبدًا بين الدينين، بين ما كان يدعو إليه محمد في مكة، وبين ما يؤمن به أولئك المترقبون من اليهود في يثرب.
ونعلم من الثعلبي أن ملكة سبأ كانت بنت جنية، فيروي: «أن اسمها بلقيس بنت اليشرح وهو الهدهاد … وكان ملك أرض اليمن … وأبى أن يتزوج منهم فزوجوه بامرأة من الجن يقال لها ريحانة … فولدت له بلعمة وهي بلقيس.»٢٨ ويدعم «الثعلبي» روايته بحديث عن الرسول عن «أبي هريرة» يقول: «كان أحد أبوي بلقيس جنيًّا.»٢٩ ويرى «ابن كثير» أن هناك روايات تذهب لكون بلقيس نتاجًا هجينًا كثمرة لهذا الزواج، فكان لها سيقان ماعز، فلما دخلت صرح «سليمان» تصورت حوض الأسماك لجة، فكشفت عن ساقيها. و«قيل: إن الجن أرادوا أن يبشعوا منظرها عند سليمان، وأن تبدي عن ساقيها ليرى ما عليها من الشعر فينفره ذلك منها، وخشوا أن يتزوجها؛ لأن أمها من الجان فتتسلط عليهم معه، وذكر أن حافرها كان كحافر الدابة.»٣٠ لكن «ابن كثير» الحافظ يدرك بحصافته أن كل ما ورد عن قصص الجن والعفاريت والنمل والهدهد صادق مصداقية التنزيل، لكنه يستبعد هذه الرواية الأخيرة ويراها غير مقبولة عقلًا.
وكعادة «ابن كثير»، التي حاز بها الثقة من مختلف المؤسسات الدينية، فإنه يمحص الخبر، ويعلق على الصادق بما يليق بصدقه، ويدفع بالضعيف والمنحول والإسرائيليات ويكثر من الإشارة والتنبيه والتعليق، حتى لا يقع المؤمن في خلط بين الظن والشبهة واليقين، فهو يورد مجموعة من الأحاديث حول ما أُعطيه النبي «سليمان» عليه السلام في مباضعة النساء، ويقول: «كان يطيق من التمتع بالنساء أمرًا عظيمًا … عن أبي هريرة عن النبي قال: قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تحمل كل امرأة فارسًا يجاهد في سبيل الله.» لكن «ابن كثير» يشير إلى أحاديث أخرى تصل بهذه الفحولة إلى حد مباضعة تسعين امرأة، وبعضها يصل إلى مائة امرأة، وبعضها إلى ألف امرأة في ليلة واحدة، ثم يرفض هذه الأحاديث لمبالغتها في قدرة المباضعة إلى حد الإتيان على ألف في ليلة، ويثبت أن إسنادها ضعيف.٣١ لكن «أبا جعفر» يؤكد الرقم التوراتي لحريم «سليمان» فيقول: «وكان لسليمان حصن بناه الشياطين له فيه ألف بيت، في كل بيت منكوحة، منهن سبعمائة أمة قبطية، وثلاثمائة حرة أمهرية، فأعطاه الله تعالى قوة أربعين رجلًا في مباضعة النساء. وكان يطوف بهن جميعًا ويسعفهن.»٣٢ ولكن ذلك لم يكن يعني أن في قلبه غلظة وقساوة، بدليل ما أوردنا من رقة قلبه العظيمة، التي دعته إلى بكاء حال العصفورة، التي أحب زوجها غيرها معها! وليس هذا العدد من الزوجات، والقدرة على المباضعة إلا من أجل أخلاف يحملون السلاح في سبيل الله.
ثم إن «ابن كثير» يعترض مرة أخرى على المبالغة الهائلة في عدد خيل «سليمان»، ويكتفي بأنها ربما كانت عشرة آلاف فرس، وربما عشرين ألف فرس، وربما كان فيها — فقط — عشرون فرسًا من ذوات الأجنحة!٣٣

وفي الحديث عن «عائشة» رضي الله عنها قالت: «قدم رسول الله من غزوة تبوك أو خيبر، وفي سهوتها ستر، فهبت الريح فكشفت ناحية من الستر عن بنات لعائشة تلعب (أي إماء صغيرات) فقال: ما هذا يا عائشة، فقالت: بناتي، ورأى بينهن فرسًا له جناحان من رقاع (أي وضعوا له أجنحة مصنوعة ليلعبوا به)، فقال: ما هذا الذي أرى في وسطهن؟ قالت: فرس، قال: وما الذي عليه هذا؟ قالت: جناحان، قال: فرس له جناحان؟! قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلًا لها أجنحة؟»

وهنا نصل إلى فصل الخطاب فيما روته عائشة عن رد النبي ، ذلك الرد الذي لم يأتِ كلامًا، قدر ما جاء رد فعل عفويًّا … قالت «عائشة»: فضحك حتى رأيت نواجذه!٣٤

(٢) المؤمن الثاني ذو القرنين

على غير عادة أهل مكة، توجهوا هذه المرة للنبي محمد باستفسارات من نوع جديد، اختبارًا لصدق علمه اللدني، استفسارات لم يأتِ بشأنها ذكر في مقدسات أهل الكتاب، بعد أن اتهمت قريش النبي، أنه إنما يتلقى علمه عن نفر من أهل الكتاب، يُملى عليه بكرة وأصيلًا، وأن تفصيلات هذه المعارف مستقاة من التوراة والأناجيل ومجمل محتوى الكتاب المقدس، بل وحددوا بضعة نفر بالاسم يعلمون النبي ما ظنوه من أساطير الأولين، بالقول: إن هو إلا إفك افتراه، أعانه عليه عداس ويسار وأبو فكيهة الرومي.٣٥
وإعمالًا لهذا الشك في الكلم القرآني الكريم، فقد رشح أهل مكة لمنافرة النبي الفئة المثقفة من رجالاتهم، منهم من هو ربيب مدرسة جنديسابور، ومنهم من هو خريج جامعة الإسكندرية، ومنهم المتفقه في شئون مصر والشام وفارس، وعادات أهلها وعقائدهم، وهم من أرسلهم أهلوهم من ذوي الجاه لتلقي العلم في معاهد الحضارات حول الجزيرة، حيث كانت تدار هناك حلقات الدرس حول قصص الأولين، ومطارحات العلم حول سير القواد والأبطال والأنبياء والمرسلين، ومحاورات الفلاسفة وعلوم المناطقة ورياضة اليونانيين، وكانت تلك الفئة القرشية المثقفة أشد نكيرًا على النبي من الآخرين، وأشدهم إلحافًا ودأبًا لكشف ما تصوروه إفكًا أعانه عليه آخرون من العارفين بأحوال الغابرين، وأكثر هؤلاء بروزًا في كتب الأخبار الإسلامية: «النضر بن الحارث» و«أبي بن خلف»، و«عقبة بن أبي معيط»، الذين أسر النبي منهم اثنين في بدر الكبرى، وتم قتلهما صبرًا٣٦ جزاء ما قدمت أيديهما إبان كان الإسلام مهيضًا، يسعى على مدارج بدايته ضعيفًا في مكة.
وكان سؤال أولئك المثقفين — فيما رواه جلال الدين السيوطي في أسباب النزول — «عن رجل طوَّاف بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وما كان نبؤه؟ … فقال: أخبركم غدًا بما سألتم عنه … ومكث رسول الله لا يحدث الله في ذلك إليه وحيًا، ولا يأتيه جبريل، حتى أرجف أهل مكة … ثم جاء جبريل من الله بسورة أصحاب الكهف.»٣٧
وتروي لنا سورة الكهف الرد الإلهي بشأن «ذي القرنين»، عبر آيات تمتد ما بين الآية ٨٣ والآية ٩٩، وتبدأ بقوله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (الكهف: ٨٣)، ويشرح ابن كثير «قل سأتلو عليكم منه ذكرًا … أي خبرًا نافعًا كافيًا في تعريف أمره وشرح حاله.»٣٨ ورغم هذا الخبر النافع الكافي الشارح، الذي أوضحه رب العالمين، فقد كان واضحًا في كتبنا التراثية أن أمر «ذي القرنين» أمسى من أشد الأمور — التي وردت في كتاب الله — التباسًا وغموضًا، في كثير من القسمات والتفاصيل، بحيث لم تعرف هذه الكتب من تاريخ أو سير أو تفسير، شخصية تراثية اختلف حول أمرها، قدر الاختلاف حول «ذي القرنين»، اختلفوا حول اسمه، وحول سر تلقيبه بذي القرنين، وحول موطنه وأصله العرقي، وهل كان ملكًا من ملوك الأمم السالفة أم كان رسولًا نبيًّا؟ أم لا هذا ولا ذاك؟

من هو؟

هو عند نعمة الله الجزائري «عياشيًّا»، وأنه كان أول الملوك بعد «نوح»! وأنه ملك ما بين المشرق والمغرب! لكنه فيما ينسب للإمام علي (رضي الله عنه) كان اسمه «عياش» فقط. أما «النيسابوري» فيقول: «كان اسمه عباسًا، وكان عبدًا صالحًا.»٣٩ ولعله من الواضح أن «عياشيًّا، وعياش، وعياشًا» كلمة واحدة، وأن مرجع الاختلاف ليس اجتهاد الرواة وتمحيصهم، قدر ما هو راجع إلى الاختلاف في قراءة أصل واحد، تم تدوينه وقتما كانت اللغة العربية تكتب غير منقوطة؛ مما أحدث لبسًا وخلطًا؛ ومِن ثَمَّ فلا مناص من التجاوز عن كثير من العبابيس الأخرى في روايات أخر.
وثمة نوع آخر من التسميات، مثلما جاء عن «الزبير» في قوله: «ذو القرنين هو عبد الله بن الضحاك بن معد.»٤٠ وهو ما رواه أيضًا «ابن عباس».٤١ بينما يرفض «السهيلي» أن يكون ذو القرنين هو «الضحاك»؛٤٢ لأنه هو «… إفريدون بن أثفيان الذي قتل الضحاك.» أما «ابن هشام» فيورد في السيرة أن «اسمه مرزبي بن مرذبة … وقيل فيه هرمس، وقيل هرديس.» لكنه يذكر تسمية أخرى مما قيل فيه، فيقول إن اسمه هو الصعب بن ذي مراثد وهو أول التبابعة، وهو الذي حكم لإبراهيم في بئر السبع.٤٣

ولما كنا نعلم أن التبابعة سلسلة من ملوك اليمن القديم حملوا الاسم «تُبَّع»، فيبدو أن ذلك قد سوَّغ للرواة احتساب «ذي القرنين» ثمينًا؛ ومِن ثَمَّ سعوا إلى اكتشاف اسم يمني له، خاصة مع وجود اللازمة «ذو» في اسم «ذي القرنين» وهي طابع ملازم للأسماء اليمنية، قياسًا على «ذي نواس» و«ذي يزن» … إلخ، مثلما ورد عند «ابن كثير» في قوله: إنه «مصعب بن عبد الله بن قنان بن منصور بن عبد الله بن الأزد بن عود بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن قحطان. وقد جاء في حديث أنه كان من حمير وأمه رومية، وأنه كان يقال له ابن الفيلسوف لعقله، وقد أنشد بعض الحميريين في ذلك شعرًا يفتخر بكونه أحد أجداده فقال:

قد كان ذو القرنين جدي مسلمًا
ملكًا تدين له الملوك وتحشد
بلغ المشارق والمغارب يبتغي
أسباب أمر من حكيم مرشد
فرأى مغيب الشمس عند غروبها
في عين ذي خلب وثأط حرمد
من بعده بلقيس كانت عمتي
ملكتهم حتى أتاها الهدهد»٤٤
أما «البيروني» فقد اقترح في «الآثار الباقية» اسمًا يمنيًّا آخر، فقال: هو «أبو كرب شمر بن أفريقيش الحميري.»٤٥ ولنلاحظ أن كتَّابنا التراثيين قد درجوا على احتساب أهل اليمن جميعًا عبر تداول دولهم عبر التاريخ حميريين، بحكم أنهم آخر دول اليمن المعروفة قبل الإسلام؛ لذلك وافق «البيروني» — على حميرية «ذي القرنين» — كل من «ابن الكلبي»، و«ابن حبيب» في المحبر، وإن خالفاه في الاسم، فهو عند كليهما «الصعب بن قرين بن الهملل» و«ابن الهمال»،٤٦ وليس أبا كرب ولا صعبًا. هذا ويوافق «الدارقطني» و«ابن ماكولا» على ما أورده «ابن هشام» من أقوال تسميه «هرمس» أو «هرويس»، لكنهما يزيدان في التأصيل والتنسيب لجدود الجدود، فهو «هرويس بن قيطون بن لنطي بن كشلوخين بن بوتان بن يافث بن نوح»،٤٧ إلا أن «السهيلي» بدا واثقًا أن «ذا القرنين» كان «صعبًا»، ودلل على ذلك بزعمه أن «قس بن ساعدة» خطيب قبيلة إياد. قد عد «ذا القرنين» جده لأبيه، ونسب له خطبة يقول فيها لأهله: «يا معشر إياد بن الصعب، ذو القرنين، ملك الخافقين، وأذل الثقلين، وعمَّر ألفين، ثم كان ذلك كله كلحظة عين، وأنشد ابن هشام للأعشى:
والصعب ذو القرنين أصبح ثاويًّا
بالحنو في جدث أميم مقيم
وقوله بالحنو، يريد حنو قراقر الذي مات فيه ذو القرنين بالعراق.»٤٨
وهناك اجتهادات أخرى ذهبت في تسمية «ذي القرنين» مذاهب مخالفة تمامًا لما أوردناه، وهو ما نجد له مثلًا في كتاب «إكمال الدين» الذي يذهب بإسناده إلى «عبد الله بن سليمان» إلى أن «ذا القرنين» لم يكن لا «ضحاكًا» ولا «عباسًا» ولا «صعبًا» ولا «ذا كرب»، إنما كان «… رجلًا من أهل الإسكندرية يقال له: إسكندر»، ويذكر «الجزائري» أن بعض أهل السير، يذهبون إلى أنه «الإسكندر ابن فليقوس»؛ لأنه لا غيره ينطبق عليه ما جاء في القرآن الكريم وعلى اتساع ملكه، فالإسكندر — فيما يقول الرازي — قد حصد ملوك الغرب واجتاح الغرب كله، ثم اتجه شرقًا ففتح بلاد الشام والعراق وفارس والهند والصين، ولما كان «الرازي» يرى ثبوت ذلك تاريخيًّا، فقد قطع أنه «الإسكندر المقدوني»،٤٩ وبأنه «ذي القرنين» نفسه في القرآن الكريم، وهو ذات عين المقصود بسؤال أهل مكة للنبي .
وقد وافق «محمد فريد وجدي» في القرآن المفسر على رأي «الرازي» للأسباب نفسها، كما كان غير خافٍ ميل «المسعودي» الشديد للرأي نفسه، وإن حاول التوفيق بين ما يقوله التاريخ عن «الإسكندر» اليوناني، وبين ما ذهب إليه الإخباريون المسلمون حول يمنية «ذي القرنين»، فقال في «مروج الذهب»: «وقد ذكره تبع في شعره وافتخر به وأنه من قحطان، وقيل إن بعض التبابعة غزا مدينة رومية وأسكنها خلقًا من اليمن، وأن ذا القرنين الذي هو الإسكندر، من أولئك المتخلفين بها، والله أعلم.»٥٠ أما «ابن هشام»، فبعد سرده لمختلف التقولات والتسميات، فقد انتهى في «السيرة» إلى أن «ذا القرنين» «من أهل مصر، وأنه الإسكندر الذي بنى الإسكندرية فعرفت به.»٥١ أما «الطبري» فقد جاء واضحًا دون تردد وهو يقول: «هو إسكندروس بن قليقوس، ويقال فيه ابن قليس.»٥٢ ومعلوم أن «الإسكندر المقدوني» هو ابن فيليب — أو بإضافة التصريف الاسمي اليوناني — ابن «فيليبس»، ولعل القول ابن «قليقوس» خطأ يعود لما أسلفناه عن الكتابة غير المنقوطة، خاصة مع ما ذكره الجزائري «ابن فليقوس».
وإضافة لهؤلاء، فقد وافق «الجزائري» في قصص الأنبياء (ممثلًا للشيعة)، كما وافق أيضًا «ابن تيمية» في كتابه الرد على المنطقيين (ممثلًا للسنة)، على تسمية ذي القرنين «إسكندر» لكن كليهما: الشيعي، والسني، ينفيان نفيًا قاطعًا أن يكون هو المقدوني اليوناني. أما لماذا كان اسمه «إسكندر» بالتحديد، فهو ما لا نجد له تبريرًا أو توضيحًا بشأنه لديهما، لكنهما انهمكا بشدة في توضيح سبب رفض أن يكون هو المقدوني؛ لأنه لو كان هو المقدوني فسيثير ذلك إشكالًا كبيرًا وعويصًا؛ لأن المقدوني كان تلميذًا للفيلسوف اليوناني «أرسطوطاليس»، وأن تعظيم الله لذي القرنين يوجب الحكم أن مذهب «أرسطو» صدق، وهنا يقف «ابن تيمية» معلنًا: «… وذلك مما لا سبيل إليه.» كما أنه يصف ذلك بقوله: «وهذا جهل.»٥٣
وربما للسبب نفسه يعقب «السهيلي» على «ابن هشام» بالقول: «وقول ابن هشام في السيرة أنه من أهل مصر، وأنه الإسكندر الذي بنى الإسكندرية فعرفت به، قول بعيد … ويحتمل أن يكون الإسكندر سمي ذا القرنين تشبيهًا له بالأول، لأنه ملك ما بين المشرق والمغرب فيما ذكروا أيضًا.»٥٤ ويتابعه «الشهرستاني» في «الملل والنحل»، ويذهب إلى أن «الإسكندر» لقب فعلًا بذي القرنين، لكن «ليس هو المذكور في القرآن»؛٥٥ لذلك جاء عن «قتادة»: «إسكندر هو ذو القرنين، أبوه أول القياصرة، وكان من ولد سام بن نوح عليه السلام، فأما ذو القرنين الثاني، فهو إسكندر بن فيلبس بن مصريم بن … (ويظل ينسبه سلفًا إلى سلف حتى يصل إلى) … ابن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل»! وقد ذكر النسب نفسه المطول المفصل «ابن عساكر» في تاريخه.٥٦
أما الحافظ «ابن كثير»، فيعقب على الإشكال بالقول: إن «المقدوني اليوناني المصري باني الإسكندرية، الذي يؤرخ بأيامه الروم، كان متأخرًا عن الأول (يقصد ذا القرنين القرآني) بدهر طويل، وكان هذا قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة، وكان أرسطوطاليس الفيلسوف وزيره … وإنما نبهنا عليه؛ لأن كثيرًا من الناس يعتقدون أنهما واحد، وأن المذكور في القرآن هو الذي كان أرسطوطاليس وزيره، فيقع بدلك خطأ كبير وفساد عريض طويل، فإن الأول كان عبدًا مؤمنًا صالحًا، وأما الثاني فكان مشركًا وكان وزيره فيلسوفًا (لاحظ استهجانه الشديد أن يكون وزير المؤمن فيلسوفًا، مع قرنه بالشرك)، وقد كان بين زمانيهما أزيد من ألفي سنة، فأين هذا من هذا؟ لا يستويان ولا يشتبهان إلا على غبي لا يعرف حقائق الأمور.»٥٧

إذن؛ اختلف الرواة والمفسرون وأصحاب السير والأخبار في اسم «ذي القرنين» اختلافًا كبيرًا، ويمكن إجمال توجهاتهم في مذهبين: الأول يذهب إلى أن «ذا القرنين» كان عربيًّا قحطانيًّا من اليمن، بينما ذهب آخرون بالمطابقة بين رواية القرآن الكريم وبين أحداث التاريخ، إلى أن «ذا القرنين» هو «الإسكندر بن فيليب» المقدوني اليوناني. وقد اعترض على أصحاب هذا المذهب الثاني عدد من المفسرين، منهم «ابن كثير» و«ابن تيمية» «سُنة» و«الجزائري» «شيعي». وكانت الإشكالية تكمن في أن «الإسكندر» كان تلميذًا للفيلسوف اليوناني «أرسطوطاليس»؛ مما يوجب القطع بكفر «الإسكندر» لتتلمذه على يد فيلسوف، وعليه فلا يمكن أن يكون هو «ذا القرنين» المذكور في كتاب الله العزيز.

وإذا كان «ابن كثير» قد رأى في الخلط بين «ذي القرنين» وبين «الإسكندر» خطأً كبيرًا وفسادًا عريضًا طويلًا، وأنهما لا يستويان ولا يشتبهان إلا على غبي لا يعرف حقائق الأمور، فإن «ابن تيمية» قدم للإشكال حلًّا فريدًا قال فيه: «إن ذا القرنين كان مقدمًا على أرسطو بمدة عظيمة، وكان مسلمًا بخلاف المقدوني، وذي القرنين بلغ أقصى المشرق والمغرب، وبنى سد يأجوج ومأجوج، والمقدوني لم يصل لهذا، ولا وصل إلى السد»!٥٨
و«ابن تيمية» إذ يقول ذلك «في كتابه: الرد على المنطقيين» يضعنا — ولا مناص — في موقف قسري لمناقشته منطقيًّا، ولما كانت مناقشته المطولة تخرج عن هدف هذا الموضوع، فسنكتفي بملحوظات ثلاث، وهذا أضعف الإيمان.
  • والملحوظة الأولى: هي حول قوله إن «ذا القرنين» كان مسلمًا، وكان مقدمًا على «أرسطو» بمدة عظيمة، فإسلام «ذي القرنين» هنا، يعني أنه قد آمن بدعوة «محمد» رسول الله قبل أن يدعو بها بأكثر من ألف عام إذا كان هو المقدوني، وإذا لم يكن المقدوني، وكان مقدمًا على «أرسطو» بمدة عظيمة، فإن ذلك يلقي بنا ألفًا أخرى إلى الوراء، أو يزيد، كما أن إسلامه يعني وفق المنطق الإسلامي أن يكون «ذو القرنين» نبيًّا، إذ ينسحق الزمان بكل آناته في لحظة، ويستدير التاريخ عكس حركته الطبيعية ليصبح كل من سلف من أنبياء — على اختلافهم واختلاف ظروفهم واختلاف مجتمعاتهم وبنياتها، واختلاف قضية كل منهم ومنهجه وطريقته — مجرد لحظة في الزمن المحمدي، وباستدارة التاريخ دورة كاملة، تبدأ ثم تنتهي عند نبي الإسلام ، يصبح جميع الأنبياء أتباعًا له مؤمنين بدعوته، ويبيت هو البدء والمنتهى في عالم النبوة، كما أصبح الإله تعالى هو الأول والآخر في عالم الربوبية، وعليه فإن «ابن تيمية» يعني بذلك أن «ذا القرنين» كان واحدًا من الأنبياء الكرام، عليهم جميعًا الصلاة والسلام، ومثلهم فهو من أتباع نبي الإسلام ، الذي سبق الجميع وكان غرة من نور في جبين «آدم»، حملتها أصلاب الطاهرين، ومن أجله، وتمهيدًا لدعوته، كانت نبوات ورسالات جميع السالفين!
  • والملحوظة الثانية: تتمثل في أمرين مؤكدين عند شيخ فقهاء السنة «ابن تيمية»: الأمر الأول أن «ذا القرنين» هو الذي بنى سد يأجوج ومأجوج، والثاني هو أن «الإسكندر» لم يصل إلى بلاد يأجوج ومأجوج، ويقدم على ذلك براهين، أهمها: أنه لم يرد في الوثائق التاريخية عن «الإسكندر المقدوني» ما يفيد بوصوله إلى مكان أو سد أو أمة تحمل هذا الاسم، لكن أن يكون هناك سد أو مكان أو قوم بهذا الاسم وأن «ذا القرنين» وصلهما، فهو عند «ابن تيمية» من المسلمات التي لا ينالها شك؛ لثبوته بالدليل النقلي في كتاب الله الكريم.
  • أما الملحوظة الثالثة: فهي أنه — حتى اليوم — لم يُعرف بعد ماذا قصد القرآن الكريم بأمة يأجوج ومأجوج، ولا أين موضعهم، ولا أين ذلك السد على الكوكب الأرضي، والآراء في ذلك بها خلف كبير، لكن «ابن تيمية» الذي أفحم كل المناطقة بمنطقه، يجزم — اعتقادًا — بكونها مواضع موجودة بل ومعلومة يقينًا، لكنها معلومة في الوحي الذي يعرفها جيدًا ويعرف أن «ذا القرنين» وصلها. كما أنه معلوم في علم التاريخ القاصر، الذي يجهل هذه المواضع، أن «الإسكندر المقدوني» لم يصل تلك المواضع التي يعلمها الله الذي هو فوق العالمين، لكن الذي لا يماري فيه مكابر، أن «ابن تيمية» نفسه لم يكن لديه أدنى علم بموقع هذه الأمة وسدها. واكتفى بأن يعلمها الله، وآمن بوجودها كما قرر القرآن الكريم، وأن هذه الأمة وسدها مقرونان بذي القرنين في القرآن، لكنها غير مقرونة بالمقدوني؛ لأنه لو كان وصلها لعرفها علم الجغرافيا وعلم التاريخ وكُشف عن أمرها، وهو أمر يحمل دلالة قصور علم الإنسان الغر المفتون؛ ومِن ثَمَّ فلا مناص — حسب منطق الرد على المنطقيين — من الاعتراف بتواضع، أن «الإسكندر المقدوني» «لم يصل لهذا ولا وصل إلى السد»، وهذا دليل كافٍ على محدودية رحلته ومحدودية علمه بالذات، ذلك العلم الذي تلقاه عن «أرسطو» الفيلسوف، إذا ما قارناه بعلم «ذي القرنين» الذي علمه الله وآتاه الأسباب، وأرشده إلى أماكن لا تعرفها الإنسانية على كوكبها حتى اليوم، وربما لن تعرفها أبدًا وفق منطق الرد على المنطقيين.
أما لماذا لقب القرآن الكريم هذا الفاتح العظيم بلقب «ذي القرنين»، فهو أمر لم يسلم بدوره من خلاف، فيذكر «المسعودي»: «أنه سُمِّي بذي القرنين لبلوغه أطراف الأرض، وأن الملك الموكل بجبل قاف سماه بهذا الاسم.» ثم يضيف: «… رضي الله عنه.»٥٩ ويشرح «ابن كثير» فيقول: «واختلفوا في السبب الذي سُمي به «ذا القرنين»، فقيل: لأنه كان في رأسه شبه القرنين، قال «وهب بن منبه»: كان له قرنان من نحاس في رأسه، وهذا ضعيف، وقال بعض أهل الكتاب: لأنه ملك الفرس والروم، وقيل: لأنه بلغ قرني الشمس شرقًا وغربًا وملك ما بينهما من الأرض …
وهو قول الزهري، وقال «الحسن البصري»: كانت له غديرتان من شعر يطافيهما فسمي ذا القرنين … وعن علي بن أبي طالب أنه سُئل عن ذي القرنين؛ فقال: كان عبدًا ناصح الله فناصحه، دعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه فمات، فأحياه الله، فدعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه الآخر فمات، فسمي ذا القرنين.»٦٠
وقد أجمل «الثعلبي» و«الجزائري» بقية التعلات لهذا اللقب، منها أنه أمسك في رؤياه بقرني الشمس، ومنها أنه كان ذا ضفيرتين عظيمتين، ومنها أنه كان يلبس تاجًا ذا قرنين — وهو في رأينا أصح الآراء كما سيتبين لاحقًا — ومنها أنه انقرض في وقته قرنان من الزمان، ومع ذلك يصر كلاهما بالإسناد إلى وهب أنه عاش خمسمائة عام!٦١ أما «ابن كثير» فيذكر أنه مكث ألفًا وستمائة سنة يجوب الأرض ويدعو للإسلام (متجاوزًا العمر القياسي للنبي نوح عليه السلام)! ونسب القول لأهل الكتاب، رغم أن كتاب أهل الكتاب لم يذكر «ذا القرنين». ثم لا يعجبه ذلك فيعترض بالقول: «وفي كل هذه المدة نظر.»٦٢ ثم يورد قول «ابن عساكر» «أنه عاش ستًا وثلاثين سنة، أو كان عمره ثنتين وثلاثين سنة … وكان ملكه ستة عشر سنة.» ويعترض مرة أخرى ويقول: «إن الذي ذكره «ابن عساكر» إنما ينطبق على إسكندر الثاني «المقدوني» وليس الأول «ذو القرنين»، وقد خلط (أي ابن عساكر) في أول الترجمة وآخرها بينهما».٦٣

ولكن الطريف والذي لا يغيب على فطن، أن من سلكوا «ذا القرنين» ضمن العرب اليمنية، قد استبطن حديثهم زلات تشير إلى يقين داخلي بأمر آخر، فهو وإن كان عند «ابن كثير» من أزد اليمن واسمه عربي قح «مصعب»، فإن هذا من جهة الأب؛ لأن أمه كانت رومية! ثم فلتة تأتي على خجل واستحياء في قوله: «وكان يقال له ابن الفيلسوف لعقله.» (وهل ثمة فيلسوف هنا غير أرسطو؟) أما السهيلي الذي أصر على اسم الصعب واستمات دونه، ووقف يتلكأ عند بيت منسوب للأعشى ورد عند «ابن هشام»، يقول: إن «الصعب ذا القرنين» مات ودفن في «حنو قراقر» بالعراق، فيبدو أن «السهيلي» لم يكن يعلم أن ذلك الموقع بالتحديد كان الموضع الذي قضى فيه «الإسكندر المقدوني» نحبه، وقت كانت العراق وإيران إمبراطورية فارسية مهزومة. أما «ابن تيمية» و«الجزائري» فقد كانا على يقين أن «ذا القرنين» ليس هو القائد اليوناني الأشهر، لكنهما أصرَّا على منحه ذلك الاسم الغريب على اللسان العربي، «إسكندر»!

عن النبوة والعروبة

هذا ما جاء عن اسمه، ولقبه، أما عن نبوته من عدمها، فهي قضية أثارتها الآيات الكريمة: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (الكهف: ٨٣–٨٦). ويفسر وجدي: «ويسألونك يا محمد عن ذي القرنين، وقيل: سأله اليهود امتحانًا له، وقيل: سأله مشركو مكة، فأجابه الله للتساؤل: قل سأتلو عليكم منه ذكرًا.»

وهنا، يمكن تقرير ضعف احتمال أن يكون السؤال قد وجهه اليهود للرسول لأسباب: أولها تقرير كتب الأخبار أن السائلين هما «النضر بن الحارث»، و«عقبة ابن أبي معيط»، وقد لقيا الجزاء الوفاق، بعد تمكن الإسلام من قوته، فقتل أحدهما في نخلة، وقتل الآخر في الروحاء بعد أسرهما في وقعة بدر الكبرى. وثانيها أن الحديث كان قبل هجرة الرسول إلى المدينة، حيث اليهود، باعتبار سورة الكهف مكية لا مدنية، كما أن الحرب الجدالية بين النبي وبين بهود المدينة لم تكن قد بدأت بعد. وثالثها أنه ليس في المأثور اليهودي أية قصة تشير إلى نبي أو بطل باسم «ذي القرنين»، وعليه يكون المقبول هو ما أوردناه في صدر هذه الدراسة، عن تساؤل مثقفي مكة، وما جاءت به كتب الأخبار، حيث كان النبي يحدث أهل مكة بأمور وجدوا لها صدًى فيما سبق أن علموه، في رحلاتهم التجارية، أو بعثات بعضهم الدراسية، لكن التساؤل هذه المرة كان عن «ذي القرنين»، هل كان ملكًا صالحًا، أم نبيًّا مرسلًا، أم مجرد شخصية تاريخية فحسب؟

وبهذا الصدد نجد عددًا من الروايات تحاول الإجابة، لعل أغربها ما جاء عند «المسعودي» في قوله: «ومنهم من رأى أنه ملك من الملائكة، وهذا القول يعزى إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه.»٦٤ ويزيدنا «ابن كثير» تفصيلًا فيقول: «وأغرب من قال: إنه ملك من الملائكة، وقد حكي عن أمير المؤمنين «عمر بن الخطاب»، أنه سمع رجلًا يقول لآخر: يا ذا القرنين، فقال: مه، ما كفاكم أن تتسموا بأسماء الأنبياء، حتى تسميتم بأسماء الملائكة؟»٦٥ لكن «ابن كثير» الحافظ كان واثقًا أن «الصحيح أنه كان ملكًا من الملوك العادلين.» وهو ما يتضارب مع ما أسلفناه عن اعتقاده بنبوة «ذي القرنين»، ثم هو يورد ما قيل بشأنه «وقيل إنه كان نبيًّا، وقيل كان رسولًا … وعن ابن عباس قال: كان ذو القرنين ملكًا صالحًا رضي الله عمله وأثنى عليه في كتابه، وكان منصورًا، وكان وزيره الخضر، وذكر أن الخضر عليه السلام كان على مقدمة جيشه … وقد ذكر الأزرقي وغيره أن ذا القرنين أسلم على يدي إبراهيم الخليل، وطاف معه بالكعبة المكرمة هو وإسماعيل عليه السلام، وروي عن عبيد بن عمير وابنه عبد الله وغيرهما أن ذا القرنين حج ماشيًا، وأن إبراهيم لما سمع بقدومه تلقاه ودعا له ورضاه، وأن الله سخَّر لذي القرنين السحاب يحمله حيث أراد.»٦٦ ويعلل سبب تسخير السحاب لذي القرنين، مضاهاة بسليمان الذي سخرت له الريح لتحمله على بساط الريح، بقوله: «جيء له بفرس ليركبها، فقال: لا أركب في بلد فيه الخليل، فسخر له الله السحاب، وبشره إبراهيم بذلك.»٦٧
ومن جهة أخرى فإن رواية الإمام «علي» تنكر تمامًا نبوة «ذي القرنين»، إذ أكد «أنه لا ملك ولا نبي، بل عبد أحب الله فأحبه، فمكَّن له في الأرض.»٦٨ وفي رواية أخرى عنه كرم الله وجهه قال: «إن ذا القرنين ملك مبعوث وليس رسولًا ولا نبيًّا.» وفي الحديث أنه أسلم ودعا إلى الإسلام، وبنى مسجدًا ضخمًا، ودعا دهقان الإسكندرية لإمامته.٦٩

أما من ذهبوا إلى كونه نبيًّا، فقد استندوا إلى ما ورد بالآيات عن تمكين الله له في الأرض ومنحه الأسباب، والكلام معه «قلنا: يا ذا القرنين …» وكله لا يجوز إلا مع نبي.

أما الحديث النبوي فيفصل في الأمر؛ حيث يقول المصطفى : «لا أدري أكان ذو القرنين نبيًّا، أم لا.»٧٠

ومع القول الفصل للنبي محمد يجد الباحث لنفسه مساحة واسعة من الاجتهاد، وخاصة مع كثرة ما أسلفناه من آراء، وكانت نوعًا من الاجتهاد، رغم أننا قد أوجزنا بالقدر الذي لا يُخل، وأوفينا بما لا يُمل، وراعينا الكثير من الحساسيات التي تفرضها الظروف، فتخطينا الكثير، وأبقينا الأهم من القليل، وبلونا أنفسنا بمشقة البحث فيا يستأهله الغرض ونبل المبتغى، والعقل من وراء القصد.

وهنا، يمكننا أن نقرر باطمئنان أن «ذا القرنين» لا يمكن — كما جاء عند الإخباريين — أن يكون أحد العبابيس، ولا الضحاكين، ولا ذوي الكرب، ولا الهمالين، ولا صعبًا ومصعبًا … إلخ، لاعتبارات أشدها حسمًا، هو أنه لم يرد في التاريخ المدون ذكر لفاتح عظيم، طاف بين الخافقين، يحمل واحدًا من هذه الأسماء، ولا جاء في التاريخ ذكر ليمني أو حميري، أو لقائد فزاري أو إيادي أو أزدي، جرد الجيوش والكتائب، واجتاح قلاع الدنيا وحصونها، كما ورد في قصة «ذي القرنين» القرآنية.

كما لا يمكن قبول ما قد يقال: إنه ربما كان أحد هؤلاء هو الفاتح «ذو القرنين»، وأن التاريخ المدون أهمله غفلة؛ لأنه كان سابقًا على التدوين واكتشاف الكتابة؛ لأن هذا المذهب سيصطدم مباشرة مع أبسط المبادئ التي نعرفها في علوم الاجتماع والعمران، وتشكل ردًّا بدهيًّا يقول: وهل كان قبل التاريخ المدون دول ووحدات سياسية كبرى، يحتاج احتلالها إلى جيوش وقادة؟ خاصة مع المعلوم الثاني والبدهي بدوره، وهو أن الكتابة لم تبدأ إلا مع الاستقرار الاجتماعي، في وحدات سياسية مركزية إدارية كبرى، بعد قيام المجتمع المنظم، وقبلها لم يكن للإنسان شأن يزيد عن بقية الكائنات الابتدائية، وحتى بعض بسائط خبرات وأساطير البشر الأولى، وجدت طريقها إلى التدوين، بعد أن كانت تتوارث شفاهة من جيل إلى جيل، وليس فيها حسبما نعلم من علوم الميثولوجيا أي ذكر لملك أظل عرشه الأرض يحمل اسم الضحاك أو العباس، كما لا يمكننا في الوقت نفسه أن نأخذ مأخذ الجد العلمي، الحالة الوحيدة التي وقعت بأيدينا، وحاولت الكشف — بروح إيمانية عالية — عن «ذي القرنين»، في الملحمة الرافدية القديمة عن الملك الإله «جلجامش»، والتي دوَّنها السومريون والبابليون من بعدهم، وعالج الباحث «محمد نجيب البهبيتي» في محاولته تلك، مصداقية القرآن الكريم، متناغمة بالتبادل مع الأحداث الأسطورية لملحمة «جلجامش»، بحسبانه «ذا القرنين»، وأنه فتح بلاد الدنيا، واكتشف أمريكا وأستراليا، ودار حول العالم، مع إرجاعه إلى أصول يمنية، وذلك في مجلدين يتسمان بالضخامة والجزالة والجهد، بعنوان «المعلقة العربية الأولى».

ولعل موقفنا — من الأستاذ الباحث رغم جهده الواضح حقًّا — نابع من إصرارنا على التزام البحث لأصول المنهج العلمي، بعيدًا عن التلاعب بالألفاظ والابتسار، والقفز فوق الأحداث، والانتقائية، والتفسير على الهوى للتيسير في الوصول، والتعصب غير العلمي للعنصر، فجاء جهد المؤلف المشكور كالعهن المنفوش، ولأن هذا أمر يحتاج إلى قول آخر ربما في موضع آخر غير مقامنا هذا، فقد آثرنا الإشارة إليه للتنويه، حتى لا يحيلنا قارئ مجتهد إليه ويحسبنا عنه غافلين، وربما غفلنا عن القول الآخر في الموضع الآخر إن آثر المؤلف السلامة وجنبنا الملامة. وإن المعتاد على التعامل مع كتبنا التراثية، لن يرى في تنسيب «ذي القرنين» عربيًّا أية غرابة، حيث اعتاد كتَّابنا — السالفون عافاهم الله — تعريب كل ما يصادفهم، وإرجاعه عنصريًّا للعنصر العربي، وإن لم يتمكنوا من ذلك، ومع مبدأ أضعف الإيمان، يرجعونه طائفيًّا إلى عقيدة الإسلام؛ فيحال البطل إلى أي ولد من أبناء نوح حلًّا للإشكال، وفي ذلك ضمان ولو بعيد لإدراجه ضمن المسلمين عبر إسلام نوح عليه السلام.

ومثال لذلك أن نقرأ اسم فرعون مصر في عهد النبي «إبراهيم عليه السلام» «سنان بن الأشل بن علوان» «من عائلة علوان»! وفرعون «يوسف عليه السلام»: «الريان بن الوليد بن الليث»، أو ربما «الأقرع بن الجدع الجدعاني»، مما لا يمتنع معه أن يكون فرعون «موسى» ليس واحدًا ممن أعلمنا بهم التاريخ احتمالًا، مثل «تحتمس الثالث» أو «رمسيس الثاني» أو «مرنبتاح» أو «حور محب»؛ لأنه في تراثنا هو «الوليد بن مصعب بن الهلوات»،٧١ ومن هنا فلا بأس إن قالوا: إن «ذا القرنين» كان «صعبًا» أو «ذا كرب».
وإذ لم يكن العرب بمعزل عن الحضارات الكبرى السالفة، أو الحضارات التي عاصروها، خاصة مع صفتهم كبدو مرتحلين دومًا على أطراف الوديان الخصيبة، ومع صفتهم كعمالة رخيصة في المناجم الحدودية لإمبراطوريات الأوان، ومع امتهانهم التجارة القومسيونية في قرون ما قبل الإسلام، فقد أدى ذلك بالعربي إلى الاطلاع على شئون تلك الحضارات ومعتقداتها، لكن الفارق الثقافي الهائل، أفسح مساحة أخرى هائلة للخيال العربي؛ ليسد تلك الفجوة، ويعيد الاتزان المفقود، مع الانبهار بشيء مثل حدائق بابل المعلقة، أو أمام أهرامات مصر، أو قصور فارس، أو سور الصين. فما كان للبدوي في تفرقه القبلي، أن يتصور إمكان قيام أفراد من جنس البشر بإقامة مثل تلك الإنجازات الضخمة، بالقدرات الإنسانية وحدها؛ لذلك، وحتى يتقبل الجاهليون ما شهدوه أو سمعوه، قاموا يملئون الفجوة النفسية والهوة الثقافية بردم من المعجزات؛ ومِن ثَمَّ لم تكن شخصية كشخصية «الإسكندر»، بإنجازاته خلال عمر قصير وزمن قياسي، لتفلت من صياغة بدوية، فكان أن صاغوا حوله الكثير، حتى ذكر «الدميري» اعتقاد العرب أن رجلًا كالإسكندر لا بد كان مؤيدًا من قوة عليا؛ لذلك قالوا: إن أمه وإن كانت آدمية، فإن أباه كان أحد كبار الملائكة المكرمين، ويبدو — فيما يزعم «الدميري» — أن هذا الأثر قد استمر إلى ما بعد الإسلام، فيقول: إن عمر بن الخطاب سمع رجلًا ينادي: يا ذا القرنين، فقال: «أفرغتم من أسماء الأنبياء، حتى ارتفعتم لأسماء الملائكة؟»٧٢

وسنرى لاحقًا إلى أي حد تأثرت كتب التراث بالمأثورات الجاهلية، لكن ما نظنه لم يعد خافيًا على قارئنا، أننا نذهب تمامًا إلى كون «ذي القرنين»، الذي سأل عنه «النضر بن الحارث» و«عقبة بن أبي معيط»، والذي أجابهما عنه التنزيل الحكيم، ليس شخصًا آخر غير «الإسكندر» المقدوني، القائد اليوناني. وهو ما سنحاول إقامة الدليل عليه، رغم ما يثيره الشيعي «الجزائري»، والسني «ابن تيمية» من غبار، مع تغاضينا بالطبع عن وصف «ابن كثير» لمثل موقفنا بالغباء وعدم معرفة حقائق الأمور.

واستبعادًا لصفة الغباء، وحتى لا يدخل جهدنا ضمن ما وصفه ابن كثير بأنه «خطأ كبير، وفساد عريض طويل»، فسنتابع الأمر مع الوحي الرباني الصادق صدق رب العالمين، وما عقب به أهل السلف والصحابة وأصحاب السير والأخبار، فيما بقي عن المؤمن الثاني «ذي القرنين» من أخبار.

من المغرب إلى المشرق

يفسر «فريد وجدي» الآيات حول «ذي القرنين» بقوله: «إن الله مكَّنه في الأرض، وأطلق يده حرة فيها، ومنحه كل الوسائل والأسباب للوصول إلى غايته، وكانت الغاية الأولى هي الوصول إلى مغرب الشمس، ولما وصلها وجدها تغرب في عين حمئة، أي ذات طين أسود حارة.» ويتطوع «الجزائري» بجمع موجز الأمر من كتب التراث، فيقول: «إن مكان غروب الشمس هذا، هو آخر العمار من الأرض وكان في طريقه يدعو الأمم لعبادة الله … وكان إذا مر بقرية زأر فيها كالأسد المغضب، فينبعث من قرنيه بروق ورعود وظلمات وصواعق تهلك من يخالفه … ولما وصل إلى العين التي تغرب فيها الشمس وجدها تغرب فيها، ومعها سبعون ألف ملك يجرونها بسلاسل الحديد والكلاليب، يجرونها إلى البحر من قطر الأرض الأيمن، كما تجر السفينة على ظهر الماء! أما أين هذه العين التي تبيت فيها الشمس ليلها، ففي الأثر المنسوب للإمام علي رضي الله عنه «تغرب الشمس في عين حمئة، دون المدينة مما يلي المغرب مباشرة …»» ويتطوع الجزائري موضحًا اسم المدينة التي مما يلي المغرب، حتى تستكمل المشهدية الهائلة، بأمانة وإصرار يحسد عليهما، فيقول: «… مما يلي المغرب مباشرة، يعني جابلقا.»٧٣
وإذا كانت رحلة «ذي القرنين» الأولى إلى مغرب الشمس، سعيًا وراء هداية الخلق الذين يسكنون دون المدينة مما يلي المغرب مباشرة أي جابلقا؛ لعبادة الله الواحد القهار، فإن رحلته الثانية — كما هو واضح لدى إخباريينا — كانت تستهدف غاية أخرى، ورغبة طالما راودت بني الإنسان هي الحصول على الحياة الدائمة الخالدة، وهو ما جاء في ذكر «السهيلي» عن «ذي القرنين» «وهو صاحب الخضر حيث طلب ماء الحياة، فوجدها الخضر ولم يجدها ذو القرنين.»٧٤ وقد ذكر «ابن كثير» «عن جعفر الباقر عن أبيه زين العابدين خبرًا مطولًا جدًّا، فيه أن ذا القرنين كان له صاحب من الملائكة يقال له رنقائيل، فسأله ذو القرنين: هل تعلم في الأرض عينًا يقال لها عين الحياة، فذكر له صفة مكانها، فذهب ذو القرنين في طلبها، وجعل الخضر على مقدمته، فانتهى الخضر إليها في وادٍ في أرض الظلمات، فشرب منها، ولم يهتدِ ذو القرنين إليها.»٧٥

ويفصِّل «الثعلبي» و«الجزائري» فيما موجزه، أنه كان لذي القرنين خليل من الملائكة يدعى «رفائيل» (واضح هنا اختلاط الاسم لقراءة الكتابة غير المنقوطة في الاسمين: رنقائيل، ورفائيل) ينزل إليه من السماء يسليه بالحديث ويناجيه، وقال له يومًا: يا ذا القرنين إن لله في هذه الأرض عينًا تدعى عين الحياة، من شرب منها لا يموت حتى يطلب الموت، ولما علم «ذو القرنين» أن هذه العين تقع بالظلمات الواقعة خلف مطلع الشمس (طبيعي عندهما أن يكون وجه الشمس هو المضيء، وأن يكون لها وراء، وطبيعي أيضًا أن يكون قفاها مظلمًا)، جمع جيوشه يخوض البحار ويقطع الجبال اثنتي عشرة سنة، حتى وصل إلى بداية أو طرف الظلمة، وهناك انتخب لقيادة الجيش شخصية تراثية شهيرة أخرى هي «الخضر»، المعروف بالحي الغائب، وخاض بهم فيما وراء الشمس، في الظلمة، وهناك دعا ثلاثمائة وستين من رجاله بينهم «الخضر»، ودفع إلى كل منهم سمكة، وقال لهم: اذهبوا في الظلمة فهناك ثلاثمائة وستون عينًا، وليغسل كل منكم سمكته في عين منها، فذهبوا، لكن سمكة «الخضر» انزلقت منه، فسبح وراءها وعب من الماء، ولما عاد أعلم «ذا القرنين» بما حدث فقال له: كنت أنت صاحب عين الحياة، وهذا هو السبب أن «الخضر» حتى اليوم حي، لكنه غائب لأنه شرب من عين الحياة الخالدة، ولم يصلها «ذو القرنين» ليشرب، ومات صغيرًا (وربما حسيرًا).

أما أين تقع هذه العين العجيبة جغرافيًّا، فهذا ما نجده عند «الثعلبي» في باب يسميه «باب دخول ذي القرنين الظلمات مما يلي القطب الشمالي لطلب عين الحياة»، وجميل أن يحيط الثعلبي علمًا بظلمة القطب، وربما أبهرنا! لكنه سرعان ما يعود إلى موقعه بين زملائه الكرام من الإخباريين سالمًا، عندما يردف قائلًا: «إن عالمًا من علمائنا وجد عين الحياة الخالدة، في الأرض التي على قرن الشمس.»٧٦
ونفهم من الآيات الكريمة (الكهف: ٨٩–٩٨) وما لحقها من تفاسير وشروح، أن «ذا القرنين» في رحلته المشرقية إلى مطلع الشمس، أو إلى ما وراء الشمس، قد صادف غرائب وعجائب ومغامرات عظيمة، نظيرها في ملاحم المغامرات فريد، فقد مر على قوم «لا يكادون يفقهون قولًا»، استغاثوا به ليحميهم من زحف قوم آخرين على بلادهم هم قوم يأجوج ومأجوج، ويصف تراثنا يأجوج ومأجوج بأنهم قصار القامة أو طوالها جدًّا، حفاة عراة، لهم وبر كالإبل، لكل منهم أذنان يفترش إحداهما ويلتحف بالأخرى لهم مخالب وأضراس وأنياب كالسباع، إذا جاعوا ساحوا في البلاد كالآفات والجراد، يأتون على كل شيء، ينجب الواحد منهم ألفًا.٧٧ وفي شرح الشيخ «أبي زكريا النواوي» لصحيح مسلم قال: «إن يأجوج ومأجوج خلقوا من نطفة آدم حين احتلم، فاختلطوا بتراب الأرض، فخلقوا من ذلك.»
وعقب «ابن كثير» على ذلك الحديث بقوله: إنه «لا دليل عليه، بل هو مخالف لما ذكر من أن جميع الناس اليوم من ذرية نوح بنص القرآن.» ثم يعترض على الذين ذكروا في أطوالهم أمورًا متباينة فيقول: «وهكذا من زعموا أنهم على أشكال وأطوال متباينة جدًّا، فمنهم من هو كالنخلة السحوق، ومنهم من هو في غاية القصر.» وكان اعتراض «ابن كثير» مؤسسًا على دليل نقلي، حيث: «قال النبي : إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعًا، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن، وهذا فيصل في هذا الباب.»٧٨ يعني أنهم أقصر من آدم بكثير.
ووصل زحف يأجوج ومأجوج إلى حدود الذين لا يكادون يفقهون قولًا، فقالوا لذي القرنين: «فاجعل بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا قال: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ»، ودلهم على جبل الحديد والنحاس، وأعطاهم لقطعه السامور «عند الجزائري» أو الساهور «عند الثعلبي»، الذي إذا وضع على شيء أذابه، وبه قطع سليمان صخور بيت المقدس ثم صهروا الحديد والنحاس وردموا بين الجبلين، وبنى سدًا عرضه ميل وطوله ثلاثة.٧٩ وبذلك احتمى الذين لا يكادون يفقهون قولًا وراء السد أو السور العظيم، وسيظل الأمر كذلك حتى يوم القيامة، يحاول يأجوج ومأجوج كل يوم هدم السد والخروج من ورائه إلى الأمم، ويفشلون، إلى أن ينهار السد ويخرجوا منه، ولا يوقفهم عن اجتياح الدنيا والتهام البشر من أمريكا حتى الصين سوى الله عز وجل، وأن يوم خروجهم من علامات الساعة وأشراطها.

ويحدد «الطبرسي» مكان هذا السد بكل دقة، فيقول: «إنه وراء در بندر وخزر من ناحية أمرينية وأذربيجان»! أما «النيسابوري» فلا يفوته الإدلاء بالقول الأدق مع تحديد المسافة بعناية، فيقول: إن موضع السد وراء زخرد بقرب مشرق الأرض، بينه وبين الخزر مسيرة اثنين وسبعين يومًا، وإمعانًا في التدقيق يضيف: «وإن مطلع الشمس قريب جدًّا هناك، إلى حدِّ أن الناس هناك يصطادون السمك ويطرحونه في الشمس مباشرة، فينضج.»

الجذور

وبعد استعراضنا للمادة التراثية حول «ذي القرنين»، يبقى علينا البرهنة على زعمنا، الذي لم نرشح فيه «الإسكندر المقدوني» ليكون «ذا القرنين» القرآني فقط، بل واحتسبناه هو محور كل حديث التراث، بداية من سؤال المكيين الاختباري، والذي أضمر المقدوني، وأسفر عن ملمح من طرف الخيط إمعانًا في الإلغاز، لاستكشاف مصداقية علم النبي محمد اللدني، ومرورًا بالرد القرآني الكريم على المتسائلين بالجواب المفحم، وانتهاء بروايات المحدثين والمفسرين وأصحاب السير والأخبار من رجالات تراثنا الأفاضل، ولكن موقفنا — في ضوء حجج «الجزائري» و«ابن تيمية» و«ابن كثير» — بحاجة إلى ما هو أكثر من التبرير، وربما كان مطلوبًا منا — على الأقل — عدد من القرائن يرقى في مجمله إلى مرقى الدليل. وقد يبدو أننا في مأزق شديد، حيث لا دليل نقليًّا على ما زعمنا، وليس ثمة شخصية تاريخية — في المقابل — تحمل اسم «ذي القرنين»، وجلي أن المادة المتوافرة لدينا حتى الآن هي من القرآن الكريم، وما لحق آياته من شروح وتفاصيل، وهي — وإن مال بعض المفسرين لرأينا — لا يبدو أنها ستساعد في تقديم القرائن المطلوبة لترجيح مذهبنا، ناهيك عن القطع في الأمر.

لكن؛ ربما كان مناسبًا هنا طرح نموذج لمنهجنا الذي سبق أن ساعفنا في دراسات عديدة منشورة. وفي إشكاليات لا تقل تعقيدًا، واهتدينا بسننه سبيلًا أقوم فيما عرض لنا من مشكلات، وبه كنا نجد — دومًا — لآخر الحلقات، ارتباطاتها المتعشقة بأصولها على التوالي، في خط تطوري لا جدال فيه، وهو ما سنحاوله هنا أيضًا، فإن أصبنا فلنا مثابة الأجر المضاعف، وإن أخطأنا فلنا إثابة الأجر الواحد، وهو يكفينا تمامًا، فما تجشمنا إلا مشقة البحث عن الجذور، وترتيب الأمر حسب الأصول، وهي مشقة لها من يقدرونها، وبهم نحن في غنًى وكفاية، أما مثابة الأجر الواحد فهي تغنينا عن العالمين، لاتفاقها التناسبي مع كرم رب العالمين.

وحتى نسلك طريقنا إلى الجذور، فلا بأس من تنبيه للقارئ الكريم إلى أنه، إذا كان قد وجد فيما أسلفنا حتى الآن لذاذة المعرفة مع طرافة النادر في الأخبار، فربما وجد الآن بعض العناء والوعثاء، فالدرب معقد شائك، ورغم ذلك فقد احتملنا مشقته عن القارئ، فهذبنا المتشابكات، وأعدنا شواذ الفروع والأغصان إلى مسلكها الصحيح، وقدر الإمكان غلفناه بالشائق، لكن للعلم صرامته رغم تطوع الباحث من أجل تطويع موضوعه يسرًا للقارئ؛ ومِن ثَمَّ فربما جاء هذا الجزء من الدراسة نافرًا بعض الشيء عن باقي العمل، وربما ارتأى فيه نشوزًا بلا معنًى، وربما رآه منقطع الصلة بموضوعنا؛ لذلك نطلب من القارئ الكريم إمهالنا شيئًا يسيرًا؛ ليتكشف له من الأمر كثير، فصبرًا قليلًا، وسيجد أن لكل معلومة ترد هنا مكانها، بل سيجد أن هذه الحلقة هي سدة الموضوع كله ولحمته، والله المستعان.

في كتابه «عجائب المخلوقات» يؤكد «القزويني» عن يقين، وبخلاصة ما تراكم — حتى عصره — من معارف الأولين، أنه «إذا دفن القرنان تحت شجرة بكرت بالحمل.»٨٠ أي إنه إذا دفن الزارع تحت الشجرة أو في الحقل قرنين من قرون الحيوانات، جاء محصوله مبكرًا ووفيرًا، لكن الغريب أن تخبرنا كتب التراث الإسلامية، أن أهل الجاهلية كانوا يعلقون بجدار الكعبة المشرفة قرنين.٨١
وفي القديم تظهر لوحة رافدية قديمة للإله «آشور» رب الدولة الآشورية الأكبر، وهو يلبس قلنسوة ذات قرنين،٨٢ وكان الملك آشور بانيبال يجمع الحكماء، ويقول لهم: «الحمل ذو القرنين يحل محل رجل، رأس الحمل يعطى بدل رأس الرجل.»٨٣ أما أجمل رسم بارز وصل إلينا من الفن الأكدي بجنوب الرافدين، ويرجع تاريخه إلى القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد، فيصور لنا الملك الأكدي «نرام سين» وهو يلبس خوذة يعلوها قرنان هما رمز ملكه.٨٤

وأول ما يلاحظه الباحث هنا أن الملكين يحملان اسمين لهما علاقة وطيدة بالقمر في حالة الهلال، فالاسم «نرام سين» اسم ملصق من مقطعين، والمقطع الثاني منه «سين»، هو أحد الأسماء في اللغات السامية الدالة على القمر، أما الاسم «آشور بانيبال» فهو في النطق الأصدق «آشور باني بعل» ويعني «آشور خالق بعل»، وبعل بدوره كان إلهًا للخصب وعلامة على القمر، فكلا الاسمين يشير إلى ارتباط المملكتين، بالمعبود القديم للساميين الإله القمر، والقمر في حالة الهلال ليس في تصور الأقدمين سوى قرنين، وكان يمكن لإنسان تلك العهود أن يرسم في خياله صورة لأي حيوان ذي قرنين تحت الهلال، مثلما رسم للأفلاك «دب أكبر، حوت، جدي … إلخ»، وربما كان أقرب التخيلات الكبش والثور، وعليه فلا شك أن هناك ارتباطًا بين القمر وبين الخصوبة والحمل والميلاد، سواء في ولادة البشر أم الحيوان، أم ولادة الأرض للزرع.

وكان أهل مصر في ظل دولة الإمبراطورية يعبدون رب الدولة «آمون»، ورب الخصب والنيل «أوزيريس» أو «أوزير»، واحتسبوا أن «أوزير» هو الروح لآمون،٨٥ أي إن «آمون» بذلك إله زرع ولا يحيا بدوره إلا بالخصب، ثم قاموا ينحتون لآمون تمثاله في هيئة الكبش ذي القرنين، ولم يكتفِ المصريون بالقمر كمثل واضح للقرنين، فرسموا الشمس بدورها مزودة بقرنين؛ لدورها في نضوج المحصول، وربما لزيادة طلب الخصب ليلًا ونهارًا لتبكر الأرض دومًا بالحمل والميلاد، كذلك كان المعبود الإيراني إله الخير أهور أمزدا أو «هرمز» يرمز له بقرنين،٨٦ وكان مؤسس إمبراطوريتهم يلبس ذلك التاج ذا القرنين علامة على تمثيله للإله على الأرض.

وربما كان مفهومًا أن تقترن الشمس بالزرع والخصب لدورها الواضح في حياة الزرع ونضجه، وارتباط دورتها السنوية بدورة الزرع ما بين الخصب والجدب، أو بين الشتاء والصيف، لكن ربما لم يكن مفهومًا لدينا دور القمر صاحب القرنين صاحبي الدور الأساسي في المعتقدات حول الخصب، لكن هذا الدور كان واضحًا تمامًا لدى إنسان تلك العهود، الذي قدس الأرض كمفرز ومنتج للزرع واحتسبها أمًّا كبرى لكل الأشياء، وقدَّس تبعًا لذلك معنى الأمومة، مع ما ورثه من سيادة قديمة للأنثى في النظام الاجتماعي الأمومي، مع انبهاره الشديد أمام ظاهرة الولادة، وهو يرى الحياة تخرج من بطن الأنثى؛ لذلك، وإن انقطعت سيادة الأنثى على الأرض بالسيادة الذكرية، فإنها ظلت شوطًا طويلًا من الزمن تسود بين المعبودات الكبرى في كافة المجتمعات وبخاصة الزراعية، ومن أشهر سيدات السماء «إيزيس» أو «إيسة» المصرية، و«عشتار» الرافدية، و«عنات» الكنعانية، و«سيبل» الفريجية، و«استارته» الفينيقية، و«مريم» المسيحية … إلخ. وربما لاحظنا تلك الحفرية التي احتفظت بها اللغة العربية للارتباط القديم بين القرنين والحياة والأنثى، فوصلت بين القرن والحياة في الكلمتين: قرن وقران، وما يستدعيه الميلاد من قران بين ذكر وأنثى، وبين تسمية الأنثى حواء، وتشارك الاسم مع الكلمة حياة، ثم لا ننسى حيا الأنثى أو فرجها مفرز الحياة.

وثمة ارتباط آخر ميثولوجي ولغوي بين الأنثى والحياة، فالمعلوم أن الإنسان الابتدائي كان يظن أن الحية خالدة؛ لأنها تجدد نفسها كل عام عندما يراها تسلخ ثوب الجلد القديم، ومن هنا أيضًا ارتبطت الحية بالأنثيو وصبغت المرأة بطباع الحية، فكانت ذات قيمة مزدوجة، وحمل الثعبان معنى الحياة في اسم «حية» ثم في تراثنا الشعبي حتى اليوم: الحية المقتولة لا تموت موتًا فعليًّا إلا عند ظهور القمر أو القرنين، ولا ننسى أن الحية كانت رمز إله الشمس المصري ورب الدولة الذي مثله «آمون» الكبش في الأرض والشمس في السماء. وكانت الحية حامية الملوكية، وهي لا شك من بقايا عهد سادت فيه الأنثى مانحة الحياة؛ لذلك كانت الأنثى أو رمزها «الحية» لا تموت إلا عند ظهور القمر، معبود السيادة الذكرية والبداوة المتدفقة على الأرض الزراعية، التي سيطرت في النهاية، عندما ساد البدو وقمرهم، حتى حولوا الشمس بدورها من أنثى إلى ذكر وألبسوها القرنين.٨٧

ثم لا تفوتنا البقرة ذات القرنين، ودورها المهم في دفن الحبوب في الحقل وتقليب التربة وحرثها، وروثها كمخصب طبيعي، والبقرة بالقلب اللغوي أو «الميتاتيز» هي «بركة» ومواليد ووفرة. أما الخروف أو «الحَمَل» — فلا شك — له في اللغة علاقة بالحَمْل والميلاد. أما دورة القمر الشهرية وتحولاته ما بين الظهور والاختفاء، فقد فطن القدماء إلى تناغم إيقاعها مع إيقاعات الدورة الشهرية للمرأة. وكان دم الحيض في ظنهم هو مصدر تكوين الجنين لاختفائه مع الحمل، فهو مصدر الحياة.

وهكذا تراكمت في الأساطير القديمة محصلة معرفية لخبرات الإنسان وتجاربه إبان صراعه مع الطبيعة، تحولت مع الزمن إلى رموز ومفاهيم يعنينا منها هنا ارتباط الخصب والخضرة والزرع والحياة عمومًا بالماء، وبالقمر والقرنين بحسبانهما الهلال، وبالخروف والثور وذوات القرون عمومًا، وبالمرأة والحية، ولعل مشهدية القمر الهائلة والجليلة، كمصدر خوف ومصدر خير، في الليالي المطيرة المرعدة المبرقة، والخير في المطر. وخوف هذا التجلي المبرق المرعد، جعل الإنسان يربط هذه الرموز أيضًا بالنار، وقتما كانت الصواعق المصدر الوحيد للنار. كذلك اشتملت الصاعقة وربها ثنائية نقيضة، فالصاعقة ماء ونار أو جنة ونار. مع ملاحظة أن اكتشاف النار بقدح الزناد، وقدح الزناد عصا «ذكر» تدور في ملفاف «أنثى»، كان بداية الطريق الذي انتهى بتحول المجتمع البشري إلى التحضر ثم اكتشاف الكتابة. وبحلولها انتهى عصر سيادة الأم وساد الأب.

وقد مثل هذه الرموز مجموعة من الآلهة الذكرية — بعد سيادة الذكر — حلت كآلهة للخصب محل الأنثى الأصل في الخصب، وسلبت الإناث دورًا لا يليق إلا بهن، ومن تلك الآلهة التي انتشرت في حوض المتوسط الشرقي «حداد» أو هدد إله الرعد والخصب في المناطق السورية. وعبده الآشوريون كإله برق ورعد باسم أدد، رمزوا له بالصاعقة والثور «للقرنين» — والهلال قرنان سماويان — وقد ترك له الآشوريون نقوشًا عدة، وهو يمسك بيمناه فأسًا (ولاحظ دور الفأس في الزرع) وبيسراه صاعقة (لاحظ ارتباط الصاعقة بالمطر)، ويقف فوق ثور (لاحظ الثور ذا القرنين) ويلبس تاجًا بقرنين، وعندما كان يتجلى القمر في الليالي المرعدة المبرقة، ويتوالى ظهوره واختفاؤه وراء السحب الداكنة المظلمة مرة، والمضيئة النارية الصاعقة مرة أخرى، كانوا يطلقون عليه اسمًا آخر هو «رمان» وهو من الفعل «رمامو» أي يصرخ أو بالتحديد والتدقيق يزأر «كالأسد المغضب».٨٨
أما الفينيقيون فقد عبدوا «البعل» إله الرعد، وصفته القدسية «راكب الغيوم».٨٩ فالسحاب مركبته والبرق سوطه والرعد صوته، ويبدو أنه مع استئناس الخيول وأهمية هذا الحيوان القوي في جر المحراث، وقوته الهائلة في الجنس كرمز للخصب أدخلت على قصة «البعل» بعض التجديدات، فصوروه يركب عربة تجرها الخيول، ومن هنا ساغ وضع ترميز آخر للخصب مثلته حدوة الحصان كأقرب ما بالحصان من شبه للهلال وللقرنين، كذلك قُدِّس قوس قزح للسبب نفسه، أي الشبه بالقرنين، وكانت القوى التي يملكها بعل (لاحظ أن بعل وبغل في اللغات السامية تتبادل) هي البرق والصاعقة والرعد والسحب والمطر، وهو فيما يقول «موسكاتي»: «العنصر المذكر في مجموعة إلهات الدورة النباتية.»٩٠
وإذا كان «د. فاضل عبد الواحد» يؤكد أيضًا أن «الثور في حدود عام ٤٢٥٠ق.م. قد أصبح رمزًا للعنصر المذكر في الطبيعة، وأصبح لقب آلهة الخصب.»٩١ وهو فيما نرجح ناتج السيادة الذكرية بتمكنها من ترويض الثيران كحيوانات أقوى وأقدر لإنتاج زراعي أوفر، فإن الحصان أخذ أيضًا هذا المعنى الرمزي لقدرته الجنسية ولتشابه الحدوة والهلال ولدوره كدابة قوية في أعمال الفلاحة، ولأن الخيل سريعة كالبرق (لا ننسى هنا البراق النبوي «وهو حصان مجنح»، وصلة كلمة براق بكلمة برق)، والبرق والبركة متداخلان في المفهوم اللغوي، والحديث النبوي يقول: «الخيل في نواصيها الخير»، والخيل والخير كلمتان تتبادلان في الساميات باستبدال حرف «ل» مع حرف «ر» بقانون تبادل السقف حلقيات. و«المسعودي» يقول إن الله خلق الخيل من الريح،٩٢ ولأن الفرس يحمل الإنسان في السفر (فرس بالقلب سفر)، فهي لا شك للفرسان وسيلة طواف. أما الإله فإنه في الميثولوجيا يتخلى عن الخيل ليركب السحاب.
وإلى الشمال من كنعان كان الإله «أدونيس» رمزًا لكل ما يتعلق بالخصب والماء المقدس، ويعود بأصله إلى الإله الرافدي «تموز»، والاسم «تموز» اسم سومري يعني الابن المبعوث أو الخالد، وهو إله ذوات كل القرون من القطعان، ولقبه الراعي الطيب، ومملكته هي الخضرة والأنهار.٩٣ وهو — فيما يقول «جان بوتيرو» — خالد أبدًا، لكنه يغيب من آن لآخر لأنه إله النبات، الذي يولد ويكبر ويثمر ثم يذبل ويموت ليعود من جديد؛ لذلك كان إله الخضرة حاضرًا غائبًا، يحضر في فصل الإنبات ربيعًا وصيفًا، ويغيب في فصل الجدب خريفًا وشتاءً،٩٤ ثم نعلم أن غيابه يكون في عالم آخر تصفه الأسطورة، عند قوم:
طعامهم هو من الطين،
غذاؤهم هو التراب،
لا يرون النور أبدًا؛
فهم يسكنون بالليل.٩٥
ولأن البرق ثنائي القيمة، باعتباره مصدر الماء والنار، والنار في اللغات السامية هي: إيشاتو بالأكادية، وإيشا بالآرامية، وإيشوتو بالسريانية، وإيشو بالعبرية، وإيسات بالجعزية، وأنيسة بالعربية، وبالعربية أيضًا أوس٩٦ «أوس اللات يعني نار اللات»، فهذا يأخذنا إلى وادي النيل حيث «إيسه» أو «إيزيس» إلهة الخصب المصرية زوجة «أوزير» أو «أوزيريس»، حيث عُبدت كإلهة خصب إلى جوار رب الدولة الخروف «آمون»، وكانت تُمَثل في هيئة بقرة بقرنين عظيمين.

وحتى اليوم لم تزل في موطن الباحث (مدينة الواسطى بصعيد مصر) بقايا قائمة لتلك العبادات الزراعية، تحول أصحابها بما يلائم سيادة الدين الإسلامي ليصبحوا من الأولياء الصالحين، فمنهم «الشيخ زارع» «لاحظ الاسم وعلاقته بالزرع»، والشيخ «عويس القرني»، أو «عويس» ذو القرنين، وكلاهما مزار لأعداد هائلة وغفيرة تعود الضريحين مع بداية الربيع أو عودة الدورة النباتية. كذلك الشيخة «خضرة» في طريق مدينة الفيوم. وليست شيئًا سوى شجرة فقط يجاورها مسجد تم بناؤه على شرفها عندما نزفت دمًا حسب سيناريو الرواية الشعبية، وعليها علَّق الأهلون قرنين عظيمين!

ويتميز الشيخ «القرني» بوجه خاص بسعي النساء العواقر إليه طلبًا للحمل، وعلى ضريجه لا يزال القرنان معلقين، أما الذبائح المستحبة تقربًا إليه فهي ذوات القرون، وكل حسب قدراته، وحبذا لو كان كبشًا، أو ثورًا لمن استطاع إليه سبيلًا، أما الكلمة «عويس» فهي اسم شعبي واسع الانتشار في مصر. لكنه في معارف باحث مهموم بالميثولوجي ليس سوى صيغة مقلوبة من اسم تراثي ميثولوجي عريق، هو «يسوع» أو «يشوع» أو «عيسى» ويعني المنقذ أو المخلص، ويعني أيضًا المبعوث والمبروك. وقد تخلف الاسم «يشوع»، و«يشع»، في العبادات العبرية بعد ذلك. فأصبح هو الإله «يهوه» المعروف أيضًا في الكتاب المقدس باسم «ياه» وباسم «إهيه»، والاسم «يوشع» أو «يشع» أو «يشوع» ملصق من كلمتين هما: «ياه» + «شا»، التي أصبحت بالإدغام «ياهوه» رب القبيلة الإسرائيلية، والملصق يحمل المعنى الذي ذهبنا إليه. فالشطر «ياه» من الهواء، والشطر «شا» من كلمة شاة التي تعني في اللغات السامية كل ذوات القرون، والملصقان يعينان في النهاية الشاة الهوائية أو الشاة الطائرة، وهو أبلغ تعبير عن المعبود القمري.

وحول الأمر تفاصيل هائلة اكتفينا منها بما يعني موضوعنا ولصيق الصلة به؛ لوضع صورة سريعة لما وصل إليه الإنسان من معارف، بناها على علاقته بالطبيعة من حوله، وتحولت إلى معارف مقدسة في الحضارات القديمة بالمنطقة، وقتما كان «الإسكندر المقدوني» يطمئن على حدوة حصانه، ويركب فرسه ليسافر طوَّافًا أو فاتحًا لتلك البلدان، وهي المعارف أو المقدسات التي ستضيء لنا مساحة أوسع حول لغز «ذي القرنين».

الأصول

والآن؛ من هو «الإسكندر المقدوني»، ولماذا احتسبناه هو ذا القرنين نفسه القرآني؟ بعد أن زرعنا البذار عبر الصفحات السالفة، وحان وقت القطاف، خاصة مع ما أوردنا من مادة علمية بعنوان «الجذور» تبدو منبتة الصلة بما قبلها، كما لو كانت إيقاعًا نشازًا، أو قولًا في غير مقامه.

«الإسكندر» هو «الإسكندر الأكبر بن فيليب الثاني» من أمه «أوليمبيا أو أوليمباس»، وهو ربيب الفيلسوف اليوناني الأنشر «أرسطوطاليس» وتلميذه، وهو القائد اليوناني الفذ الذي توجهت فتوحاته — ضمن خطته لضرب الإمبراطورية الفارسية التي أسسها «قورش» صاحب تاج القرنين — نحو أرض الفراعنة، بغية الاستيلاء على بوابة الشرق القديم، وقتما كانت تدين بديانة «آمون» الخروف رب الدولة (لا يظن مشتبه أننا نقلل من شأن آمون، فالمسيح في الأناجيل أيضًا كان خروفًا، بل كان الخروف الأعظم)، و«آمون» في الاعتقاد هو الروح لأوزيريس صاحب العائلة المقدسة، وهي عقيدة تثليث تعبد إلهًا أبًا هو «أوزير» وإلهة أم هي «إيسة» وإلهًا ابن هو «حور»، والابن «حور» يعد أصل السلالة الملكية الحاكمة وجدها البعيد، بالضبط كما كان الابن الإلهي «تموز» في العراق القديم؛ لذلك كان الفرعون يعد ابنًا للإله يجري في عروقه الدم السماوي الشرعي، الذي يكتسب بموجبه شرعية الحكم. وفي حالات نادرة كان يستولي على عرش البلاد قهرًا بعض الطامحين، لكن كان على من يطيق ذلك أن يرضي الكهان بالمال والأراضي والمناصب؛ ليعترفوا به ابنًا للإله الأعظم «آمون»، وأنه أيضًا حفيده عبر «حور» الابن الإلهي، وذلك قبل أن يتزوج الأميرة الوريثة ويصبح حكمه مشروعًا.

وكان «أوزير» أو «أوزيريس» هو رب الخلود الدائم باعتباره إله النبات، وهو الإله الحي الغائب أو الرب الحي صاحب موازين الحساب في الآخرة، وقاضي الثواب بالجنة والعقاب بالنار، وكان لقبه الأشهر هو «خنتي آمنتي» أي صاحب مملكة الغرب، أي مملكة الخلود، حيث كان المصريون يعتقدون أن البشر يرحلون بعد موتهم غربًا مع الشمس «آمون» في مركبها السماوي إلى عالم الخلد؛ ليعيشوا هناك في مملكة «أوزير»؛ لذلك كان الحج إلى كعبة «أوزير» في أبيدوس، وإلى معبد «آمون» في واحة سيوة، ضرورة إيمانية للخلاص من الذنوب، حيث يغتسل المؤمن هناك أو يتعمد في عين «أوزير» وفي البحيرة المقدسة لمعبد «آمون»، أو ما كان يُسمى وقتها «عين الحياة» فتلقى عنه أوزاره، ولم تزل عين «أوزير» وبحيرة «آمون» قائمتين إلى اليوم، يقصدهما العامة بغرض الاستشفاء والإخصاب، وهناك تتراءى الشمس للناظر وهي تغرب في بحيرة «آمون»، مشكِّلة مشهدًا جلاليًّا، لم يزل يترك في النفوس أثره القديم.٩٧

ويؤكد «ﻫ. آيدرس بل» أن الاحتلال الفارسي لمصر كان قاسيًا، ولم يعامل عقائد المصريين بالاحترام الواجب، بعكس تلميذ «أرسطو»، «الإسكندر» المقدوني الذي لم يتبع في فتح أعظم بلاد الشرق سياسة البطش الفارسية، إنما استثمر ما تلقاه عن أستاذه من حكمة، واستخدم الدبلوماسية في استغلال الدين لتثبيت حكمه، فما أن وضع جنوده أقدامهم على البر المصري، حيث قرية كانوب الساحلية (وهي التي حولها إلى حاضرة كبرى هي الإسكندرية)، وبعد أن استسلم له الوالي الفارسي، حتى أعلن «الإسكندر بن فيليب الثاني» ولاءه لآلهة مصر الوطنية وخضوعه لها، كما أشاع بين الناس أنه ما قدم من بلاده إلى مصر، إلا لينقذ آلهتها من الامتهان الفارسي، ويقدم لها فروض الولاء والطاعة.

وبالاتفاق المرضي للطرفين، الإسكندر والكهنة، اعترف الكهان بالإسكندر ابنًا شرعيًّا للإله المصري، ولكن بشرط أن يقوم بالحج إلى واحة «آمون» ماشيًا حافيًا يتقدم الجماهير؛ ليعلن هناك ولاءه للآلهة، ثم ليتسنى له كسب الخلود بالشرب من بحيرة الحياة، وإزاء رغبته في فتح العمق المصري سلميًّا دون مصادمة، قام «الإسكندر» بالرحلة القاسية في الصحراء القاحلة الساخنة من أجل الحج،٩٨ مدللًا على استحقاقه التلمذة لعبقري زمنه «أرسطو»، ولا شك أنه يمكننا أن نرى من خلال سجف الزمن عيون الرضا ترعاه من كل الشعب المصري، وربما ابتهلت الألسن وأطلقت عليه لقب المخلص، الذي خلصها من الطغيان الفارسي «عويس». وبالفعل يحدِّث التاريخ أن «الإسكندر» استولى على مصر وعلى قلوب جماهيرها المؤمنة، وأعلنه الكهان حاكمًا شرعيًّا على البلاد بالحكمة الأرسطية وحدها.
وقد اتبع «الإسكندر» السياسة نفسها في فتوحه لأرض الرافدين، حيث كانت حروبه مكرسة في المقام الأول لنظام «داريوس» الفارسي، ونجح مرة أخرى في الوصول إلى اتفاق مع الكهان، إذ ألبسوه على شاطئ الفرات تاج الإمبراطورية ذا القرنين، تاج شرعية الملك والخير والخصب والبركة، ورمز الألوهية والحكم بحق السماء، وذلك التاج لم تزل اللوحات تصوره فوق رأس الإله «حداد»، أو «أدد»، والبروق والصواعق تنبعث من قرونه.٩٩

وبالمقارنة يمكن ملاحظة أوجه شبه كثيرة بين واقع الحقيقة التاريخية عن «الإسكندر المقدوني»، وبين ما ورد في كتبنا التراثية، وبين ما نعلمه عن ميثولوجيا المنطقة وتراثها القديم، فالإسكندر تاريخيًّا هو باني الإسكندرية، لكنه مع الوقت تحول في كتاب «إكمال الدين» إلى رجل من أهل الإسكندرية يقال له «إسكندر»، وخُلط نتيجة ذلك بين كونه مصريًّا أو يونانيًّا. أما «الرازي» ومن ضرب في دربه، فكانوا أكثر الرواة قربًا من الواقع، عندما أكدوا أن «ذا القرنين» هو باني الإسكندرية، وأن اسمه «إسكندر ابن قليقوس، أو فليقوس، أو فيليش كما عند النيسابوري».

ومسألة تلقيبه بذي القرنين لأنه أمسك بقرني الشمس، فتذكرنا بالشمس المصرية ذات القرنين، وما سجلته كتب الأخبار عن كونه حمل اسم «هرمز»، فلعلنا لم ننسَ بعد أن «هرمز» كان إله الخير في الديانة الزرادشتية، وأنه كان يلبس تاجًا ذا قرنين، ومسألة تسخير السحاب له يحمله حيث شاء، فلا شك أنها تستدعي فورًا آلهة الخصب «حداد» و«بعل» و«أدونيس» راكبي الغيوم أو السحب، والإشارة التراثية إلى أن أبا ذي القرنين كان ملاكًا وأمه آدمية، تذكرنا بالقصة التي نسجها كهان مصر، ليتيسر للإسكندر مشروعية حكمها، والتي تقول: إن الإله «آمون» قد خالط أمه «أوليمباس» وأنجب منها «إسكندر»، الذي كان في الحقيقة ابن «آمون» وليس ابن «فيليب»، وربما كان ذلك بدوره عاملًا أكد مصريته.

وبالمطابقة نجد لبس «الإسكندر» لتاج الملوكية الشرقي «ذي القرنين»، واحدًا من التعليلات التراثية للقبه، وهو ما حدث في الواقع التاريخي، كما نجد لما جاء في الرواية التراثية عن حج «ذي القرنين» ماشيًا إلى الكعبة المكية، حيث تلقاه «إبراهيم عليه السلام»، صدًى في حج «الإسكندر» إلى كعبة «آمون» حيث تلقاه كبير الكهنة، والفارق الزمني بين عهد النبي «إبراهيم» وعهد «الإسكندر»، يضع الرواية التراثية موضع الروايات التلفيقية، والإسرائيليات فيها أوضح من الحاجة لبيان، فما أرجع زمان «ذي القرنين» أو «الإسكندر» إلى زمن النبي «إبراهيم»، إلا ليحكم في بئر سبع، في الرواية التوراتية المشهورة عن خلاف إبراهيم (عليه السلام) مع «أبيمالك» الفلسطيني، وكيف انتهى الأمر إلى تمكين «إبراهيم» وذريته من بئر سبع. وهو الأمر الذي يضعه الصهاينة ضمن حيثياتهم لامتلاك أرض فلسطين. وجاء إخباريونا عافاهم الله ليرجعوا بذي القرنين إلى عهد «إبراهيم عليه السلام» ليحكم للنسل العبراني بالحق في الأرض الفلسطينية.

ومن جهة أخرى نجد للأصل التاريخي أثره في الرواية التراثية، فكما ذهب «الإسكندر» إلى ما كان يعتقده المصريون مغربًا للشمس، ذهب «ذو القرنين» في الرواية التراثية إلى مغرب الشمس، حيث وجدها تغرب في عين حمئة، وهو اعتقاد المصري القديم نفسه، بل إن المصورات الباقية لمركب الشمس هابطًا نحو المغرب، يكاد يشبه الرواية التراثية في أن الشمس تجرها الملائكة كالمركب نحو المغرب.

ومسألة القرون أو تاج آلهة الصواعق الزراعية، قد تخلفت بدورها في الرواية التراثية، حيث قالت: إنه كان يزأر كالأسد المغضب، فتنبعث من قرنيه رعود وبروق وصواعق، ولا ننسى أن لقب الإله حين يرسل رعوده هو «رمان» أي يزأر. كذلك مسألة عين الحياة لها في الواقع جذور، حيث وصل «الإسكندر» إلى بحيرة «آمون»، بل إن مسألة الثلاثمائة وستين عينًا التي طلب «ذو القرنين» من أصحابه غسل أسماكهم فيها، ليست سوى صدى للتقسيم المصري القديم لأيام السنة إلى ثلاثمائة وستين يومًا، إضافة إلى خمسة أيام للنسيء سميت بأسماء أعضاء أسرة «أوزير» رب الخلود.

ومن جهة أخرى يمكننا أن نجد صدًى آخر لطلب الخلود في الملحمة الرافدية «جلجامش» الذي ذهب يسعى طلبًا للخلود، ممثلًا في نبتة تنمو في بلاد غريبة، سافر إليها أصقاعًا وزمانًا إلى أن وصل إليها، لكن «الحية» سرقت منه النبتة في بركة نزلها ليستحم، وهو ما يكاد يطابقه ما جاء عن نزول «الخضر» إلى البركة وهروب السمكة منه، لكن الذي خسر الخلود هو ذو القرنين. بينما شرب «الخضر» من ماء الخلود، فكان هو صاحب العين؛ لذلك هو حي غائب. وقد أفصحت ملحمة «جلجامش» عن اعتقاد رافدي استمر زمنًا طويلًا سجلته عقائده، وهو أن الآلهة احتفظت بالخلود وحرمت منه الإنسان، والحية سارقة النبتة الخالدة هي كما علمنا رمز الأنثى «حية، حواء، حيا المرأة أو فرجها مفرز المواليد ورمز النبات»، والنبات في الملحمة رمز الخلود، والنبات يموت ويحيا في دورة دائمة أبدًا كل عام، أما الإنسان، إن مات فلا عودة، فقط آلهة الخضرة هي التي تمتلك ذلك الاقتدار، وهو ما أورد التراث صداه ممثلًا في الشخصية التراثية المسماة بالخضر وارتباط اسمه بالخضرة، وكان إذا جلس على اليبس اخضر، وإذا جلس على صوف الخروف ذي القرنين تحول إلى خضرة زاهية،١٠٠ كما أوردت كتبنا التراثية!

ولا ننسى أن الحية ظلت في المقدسات وراء سلب الخلود من الإنسان، وهي أيضًا رمز الحياة والنبات، فهي تحمل قيمة ثنائية كالمرأة، فهي في التوراة التي أوعزت لأبوي البشر في عالم الخلد ليأكلا من نبتة المعرفة، فخسرا الخلود وطردهما الرب من جنة عدن. كذلك فإن «إبليس» في التراث الإسلامي عندما أراد إغواء أبوي البشر بالثمرة المحرمة في عالم الخلد، تلبس هيئة الحية. وانتهى الأمر هنا أيضًا بخسران الخلد.

أما الرحلة إلى مطلع الشمس. فيحتمل أن المقصود بها جغرافيًّا بلاد الصين وسورها العظيم، وهو ما تجد له صدًى في أخبار التراث، بتأكيدها وصول ذي القرنين إلى الصين، والسور العظيم هو استحكامات تمتد حوالي ٢٤٠ كيلومترًا، عبر شرقي الصين، بدأ تشييده الإمبراطور «شن هو أنجتي» الذي حكم ما بين سنة ٢٤٦ وسنة ٢٠٩ق.م. ليحمي بلاده من المتبربرين الشماليين.١٠١ وشيء هائل كهذا كان لا بد أن يبهر البدوي المرتحل لمجرد السماع بأمره، وكعادة العربي كان لا بد من شيء إعجازي لإقامة مثل هذا العمل العظيم، فكان محتملًا أن ينسبه الجاهليون إلى من سبق أن عرفوه فاتحًا مقتدرًا كذي القرنين أو «الإسكندر»، حتى إن السامور الوارد في الرواية التراثية كقاطع للحديد والنحاس، ليس في أغلب ألسنة شرقي آسيا سوى الحد أو النصل أو السيف القاطع.
وإذا كان هذا الاحتمال صحيحًا فستكون أمة «يأجوج ومأجوج» هم أهل شمال الصين، الذين صورتهم الرواية التراثية بالمبالغة والتهويل، والغريب أن نجد صدًى لفكرة خلقهم من مني «آدم» في الرواية المصرية القديمة عن الكائنات الأولى، التي جاءت من مني الإله «آتوم» لمَّا استمنى. أما النطق الصحيح لاسم الإله فهو «آتم»، ويعني التمام والكمال، وبتحول التاء المصرية إلى ما يقابلها في اللغات السامية يصبح الاسم «آتم» هو «آدم»!١٠٢
وتأسيسًا على هذه المجموعة من القرائن والشواهد، لا نجد مناصًا من التصديق على احتسابنا «ذي القرنين» المعروف لعرب الجاهلية، وما جمعوه حوله من أساطير تغشت تراثنا، هو «ذو القرنين» القرآني نفسه، وهو «الإسكندر المقدوني» نفسه. ولا يبقى مجال للإشكال المثار لكون المقدوني تلميذًا لأرسطو الفيلسوف، كمأخذ يحط من شأنه، مما لا يليق معه أن يكون هو «ذا القرنين»، بل العكس هو الصحيح تمامًا، فلا جدال أن تلمذة «الإسكندر» على «أرسطو» هي التي صنعت منه هذا الرجل العظيم، مصحوبًا بالتهاويل، حتى يقول «نولدكه» في كتابه الآداب الشرقية: إن «الإسكندر» يعد قديسًا مسيحيًّا عظيمًا في مقدسات المسيحيين الأحباش حتى اليوم.١٠٣ ووجه الغرابة في هذا الاعتقاد المسيحي الحبشي أن قدسية المسيحي هذا كان سابقًا على ظهور المسيحية والمسيح بقرون، واضح أنها ذهنية الاعتقاد والتقديس أينما كانت وأيًّا كان موضوعها!

(٣) الكافران النمروذ بن كنعان وبخت نصر

يقول تعالى في كتابه الكريم: قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ (النحل: ٢٦)، والآية هنا تهدد أهل مكة ترهيبًا، وتذكِّرهم أنه مهما بلغ مكرهم، فلن يطاولوا مكر السابقين من أصحاب الحضارات السامقة، وأولئك الذين بلغوا من العتو حدًّا قاموا يبنون معه برجًا صاعدًا إلى السماء، يبغون مناوأة رب السماء ومنافرته، فرد الله عليهم مكرهم، وأبطل كيدهم بأن هدم برجهم على رءوسهم من قواعده، والقصة ترويها كتب التفسير والأخبار عن محاولة صعود ملك هؤلاء القوم إلى السماء ليقتل إله النبي «إبراهيم». ولما لم يسعفه البرج لبعد سماء الرب عن المطاولة، هداه فكره إلى الصعود بأول مركبة فضائية في تاريخ البشرية، فمن قمة البرج، جلس في صندوق تحمله أربعة نسور أشداء. وقد عقب الله تعالى على تلك المحاولة بقوله: وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (إبراهيم: ٤٦). ويشرح «الثعلبي» الآيات المبينة بقوله: إن الجبال قد سمعت خفقًا شديدًا قادمًا من السماء، فظنت أن أمرًا جللًا قد حدث في السماء، أو أن الساعة قد دنت وحان وقت القيامة، فكادت تزول أي تتزلزل فزعًا وفرقًا.١٠٤ بينما كانت الحقيقة أنه كان مكر أو اختراع أولئك الكافرين، فكان الصوت المدوي هو صوت المركبة العائدة من مهمتها الاستطلاعية والقتالية. أما رائد الفضاء ذاك، فهو من سجلته لنا كتبنا التراثية كأحد أربعة ملوك حكموا الأرض كلها باسم «النمروذ بن كنعان»، وكانت عاصمته، أي عاصمة الأرض جميعًا في ظل ملكه هي موطنه «بابل» بالعراق القديم. وللقصة تفاصيل مشوقة ومنمنمات مثيرة وأحداث مدهشة وعجيبة، وهي في مجملها عظة وعبرة ورعب للكافرين. أما نهايتها فسعادة غامرة للمؤمنين، لما فيها من تصوير للنهاية الفاجعة التي انتهى إليها الملك البابلي وأهله من الضالين.

الآن، وبعد وقت قضيناه مع الملكين المؤمنين: «سليمان بن داود»، و«ذي القرنين»، ومع ما جاء بشأنهما من كلم جليل بالقرآن الكريم، وما لحق الكلم من كلام الأحاديث والتفسير والأخبار والسير في تراثنا الثري بالراسب الثقافي للأمة، إضافة إلى ما عمدنا إليه — وفي العمد قصد — من سرد ما جاء بمقدسات أهل الكتاب حول الملك «سليمان» — ولم يأتِ فيها خبر عن «ذي القرنين» — بغرض معاينة أخبار الكتاب المقدس المعاينة النافية للجهالة، وبهدف الكشف عما بخبرهم من نكارة، وبغية هتك نكاراتهم التي لبست أردية إسلامية وتزاحمت بها مصادرنا التراثية وعجت؛ ومِن ثَمَّ فلا بأس هنا، ونحن على موعد مع كافرَين من العتاة، أن نستمر على دربنا واثقين، ونلتزم منهجنا غير هيَّابين، ولكن، لأن للنفس صبواتها الإيمانية، ولأنها تعاف الكفر، ومنه تنفر وتأف، فلا جناح إذن علينا إن قدمنا أمر الكافرين في عجالة نوجز فيها القول، وربما كان ثمة سبب آخر للإيجاز، يدفع إليه قسرًا ندرة ما جاء بشأنهما في المصادر. مما جعل الاستفاضة إنشاء لم نعتده مع قارئنا، لكن ما يُعزينا أنه ربما حسمنا بشأنهما أمرًا، أو أفدنا القارئ من قصتهما خبرًا، استجلاء لما في الخبر من عبر.

والكافر الأول «النمروذ بن كنعان» وإن تكبر وتجبر، فلا بأس في ضوء مركزيات الأمم السوالف، وفي ظل المنطق التراثي، لكن النكاية في خبر النمروذ أنه لما ملك الأرض كلها اغتر، وظن أنه لا ند له يدانيه، فتأله وادعى من الأمر ما لا يملك، وربما عذر الرجل عاذر، وهو يراه جالسًا على عرش الكوكب الأرضي، ويلبس تاجًا لا ينافسه آخر ولا يطاوله، لكن لو لم تأته البينة لكان العذر مقبولًا، فقد أرسل إليه رب العالمين يعلمه بأمره، وبأن ملك الله أعظم، وأن النمروذ ليس في ملك الله إلا مخلوقًا ضعيفًا، وقد حمل الله تلك الرسالة لصفيه وخليله «إبراهيم عليه السلام»؛ ليعرف النمروذ أن هناك من هو أعظم، وأن يعترف له، بأن ينسحب من ميدان الألوهية ويسحب ادعاءه، وإلا أثبت له أيهما هو الرب حقًّا، وتروي آيات كتاب الله كيف واجه نبي الله «إبراهيم» ذلك الدعي وألزمه الحجة، وأفحمه بالبرهان المبين، بشجاعة تليق بخليل رب العالمين، وذلك في قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (البقرة: ٢٥٨).

ورغم أن الآية قد تحدثت عن الملك غفلًا من أية تسمية أو تعريف، ولم يأتِ القرآن الكريم باسمه صريحًا في أي من آياته، فإننا قد علمنا بأمره وتعرفنا اسمه من شروح المفسرين ورواة الأحاديث، فيشرح الحافظ «ابن كثير» شيخ طبقة المفسرين الآية بقوله: «يذكر تعالى مناظرة خليله مع هذا الملك الجبار المتمرد الذي ادعى لنفسه الربوبية، فأبطل الخليل عليه السلام دليله، وبيَّن كثرة جهله وقلة عقله، وألجمه الحجة وأوضح له طريق المحجة، قال المفسرون وغيرهم من علماء النسب والأخبار: وهذا الملك هو ملك بابل واسمه النمروذ بن كنعان … وكان أحد ملوك الدنيا، فإنه قد ملك الدنيا … وذكروا أن النمروذ هذا قد استمر في ملكه أربعمائة سنة، وكان قد طغى وتجبر وآثر الحياة الدنيا.»١٠٥
وأكد المعنى نفسه «نعمة الله الجزائري» في قوله: «إن النمروذ بن كنعان هو أول من تجبر وادعى الربوبية.»١٠٦ وكان «النيسابوري» قد سبق كليهما إلى تأكيد تلك المعاني في قوله: «وكان نمروذ أول من وضع على رأسه تاجًا وتجبر في الأرض ودعا الناس إلى عبادته، وكان له كهان ومنجمون، فقالوا له: إنه يولد في بلدك هذه السنة غلام يغير دين أهل الأرض، ويكون هلاكك وزوال ملكك على يديه، ويقال إنهم وجدوا ذلك في كتب الأنبياء … فأمر نمروذ بذبح كل غلام يولد في تلك الناحية.»١٠٧ لكن الله تعالى ينجي الطفل المقصود في النبوءة، حتى يتسنى له القيام بالدور المقدور، وكان هذا الغلام هو الذي اتخذه الله صديقًا وخليلًا، النبي «إبراهيم عليه السلام».

بعض المنطق

والمتمعن في كلام الله — ومطلوب من المؤمن أن يتمعن — يدهشه ذلك الموقف بين رجلين: أحدهما جبار يملك ما بين الخافقين، والآخر يافع تجاوزت به صبوات الروح إلى الطموح لأمر عظيم، والآيات تضع أمامنا صورة خليقة بكليهما، وهي رغم إغفالها التعريف بالملك، مع الإهمال والاستهانة «ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم؟» فإنها توضح موقف «إبراهيم» الحازم الصارم، فإن كان الملك يستند إلى وحدانيته في ملك الأرض، فإن «إبراهيم» يستند إلى يقين بوحدانية ملك الأرض والسماء، لكن منبع الغرابة هنا، هو أن يسمح الملك المنعوت بالجبار — في تراثنا — لشاب في سن «إبراهيم» عليه السلام أن يطاوله، وأن يسمح لذاته في الوقت نفسه بالتبسط معه كل هذا التبسط، مع ما ذهب إليه «إبراهيم» في المحاجة من مدًى، إذ تجرأ على ذات الملك وما لها من جلال وقداسة في تلك العصور، بل وتفهمنا الآيات الكريمة بصدق التنزيل أن «إبراهيم» كان هو صاحب الكلمة من البداية إلى النهاية، فهو الذي ابتدر الملك بالسؤال المتحدي، وهو الذي أغلق الجدل، وما بين البدء والمنتهى قام بتسفيه الملك ومركزه، بعد أن صرح له «إبراهيم عليه السلام» أنه لا يعترف بسيادته لأنه إنما يدين بالولاء لملك آخر أعظم شأنًا، يمكنه أن يأتي من الأعاجيب ما لا يستطيعه النمروذ، وكان طبيعيًّا أن يعجب «النمروذ» وهو يعلم أنه لا ملك سواه على عرش المعمورة، لكن طبيعي أيضًا أن نتعجب بدورنا للنمروذ وهو يسمح بتلك المناقشة أصلًا، ويفتح أبواب قصره للمتحدي، ويعطيه من الوقت والأناة والصبر ليعبر عما يريد بلاغه. وما تخبرنا به الآيات يسمح لنا بتصور ما جبل عليه الملك من طباع، وتوضح بلا لبس شكل النظام السياسي والمدى المسموح به من حريات، في ظل دولة موصوفة بالتجبر والبطش، والديكتاتورية التي تجمع السلطان الروحي مع الزمني في مركزية صارمة. ومن جانب، فإن رواية القرآن الكريم عن «النمروذ»، وعدم استنكافها الحديث عن الرجل وموقفه من الحريات، أمر — لا مشاحة — يعبر عن النزاهة المطلقة بالتنزيل المبين، ومصداقية الكلم الكريم مع الحدث وواقعه دون تزويق.

ولا يخفى أن مثل هذه المطارحة الجدلية التي سمح بها الملك النمروذ، كانت كفيلة بزلزلة الحكم الدكتاتوري من أسسه؛ لأنه انتقص البند الأول في الدكتاتورية، وهو ما حدث بالفعل — حسبما يخبرنا الإخباريون — فانهارت المملكة وتشتت أهل الأرض وانقسموا شيعًا وشعوبًا متنافرة، بعد الحدث الهائل وانهيار برج بابل وتبلبل الألسن بعد أن كانت لسانًا واحدًا وعقيدة واحدة وحكومة واحدة، كما انتهى الملك «النمروذ» نفسه نهاية مزرية ولكن بعد عذاب أليم، حتى تطيب أنفس المؤمنين، ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، لكن مشيئته قدرت غير ذلك، وما شاء قدر.

وللقصة تفاصيل، تحتاج إلى مزيد من التدقيق.

تنتشر قصة برج بابل في كتب الأخبار الإسلامية انتشارًا واسعًا، ولتخفيف المساحة والجرعة نقف مع «النيسابوري» وهو يوجز بشأنها القول: «إن النمروذ الجبار لما حاجه إبراهيم عليه السلام في ربه، قال: إن كان ما يقول إبراهيم حقًّا، فلا أنتهى حتى أعلم مَن في السماء؟ فبنى صرحًا عظيمًا عاليًا ببابل، ورام منه الصعود إلى السماء لينظر إلى إله إبراهيم (فيما يزعم) … ثم عمد إلى أربعة أفراخ من النسور فعلفها اللحم والخبز حتى شبت واستفحلت، ثم قعد في تابوت ومعه غلام وقد حل قوسه ونشابه، وجعل لذلك التابوت بابًا من أعلاه وبابًا من أسفله، ثم ربط التابوت بأرجل النسور وعلق اللحم على عصا فوق التابوت، ثم خلى على النسور فطارت وصعدت طمعًا في اللحم، حتى أبعدت في الهواء، فقال النمروذ لفتاه: افتح الباب الأعلى وانظر إلى السماء، هل قربنا منها، ففتح الباب ونظر فإذا السماء كهيئتها، ثم قال: افتح الباب الأسفل فانظر إلى الأرض كيف تراها، ففتح فقال: أرى الأرض مثل اللحية البيضاء والجبال كالدخان، وطارت النسور وارتفعت حتى الريح بينها وبين الطيران، فقال لغلامه: افتح البابين، ففتح الأعلى فإذا السماء كهيئتها، وفتح الباب الأسفل فإذا الأرض سوداء مظلمة، ونودي: أيها الطاغي الباغي أين تريد؟ قال عكرمة: فأمر عند ذلك غلامه فرمى بسهم فعاد إليه السهم ملطخًا بالدم فقال: كفيت شغل إله السماء، واختلفوا في ذلك السهم من أي شيء تلطخ؟ فقال عكرمة: من سمكة في بحر معلق في الهواء بين السماء والأرض، قربت نفسها إلى الله تعالى وقال بعضهم: أصاب السهم طائرًا من الطير فتلطخ بدمه، ثم أمر النمروذ غلامه أن يصوب العصا وينكس اللحم، ففعل ذلك، فهبطت النسور بالتابوت، فسمعت الجبال خفق التابوت والنسور ففزعت، وظنت أنه أمر حدث في السماء، وأن الساعة قامت، فذلك قوله تعالى: وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (إبراهيم: ٤٦) … ثم إن الله تعالى أرسل ريحًا على صرح النمروذ فألقت برأسه في البحر، فخر عليهم الباقي وانقلبت بيوتهم، وأخذت النمروذ، رعدة، وتبلبلت ألسن الناس حين سقط صرح النمروذ من الفزع، فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانًا؛ فلذلك سميت بابل لتبلبل الألسن فيها».١٠٨
ويبدو أن «ابن كثير» لم يعجبه أن تأخذ «النمروذ» رعدة وينتهي الأمر، أو يدق عنقه مع من دفن تحت البرج المنهار، فيورد عن «زيد بن سلمة»: «وبعث الله إلى ذلك الملك الجبار ملكًا يأمره بالإيمان بالله فأبى عليه، ثم دعاه ثانية فأبى عليه، ثم الثالثة فأبى عليه، وقال: اجمع جموعك وأجمع جموعي. فجمع النمروذ جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس، فأرسل الله عليه ذبابًا من البعوض بحيث لم يروا عين الشمس، وسلطها الله عليه فأكلت لحومهم ودماءهم، وتركتهم عظامًا بالية ودخلت واحدة منها في منخر الملك، فمكثت في منخره أربعمائة سنة عذبه الله تعالى بها، فكان يضرب رأسه بالمرازب في هذه المدة كلها حتى أهلكه الله.»١٠٩
لكن «نعمة الله الجزائري» من جهته لا يستسيغ دخول البعوضة منخار «النمروذ» وبقاءها هناك، ثم استكثر أن تظل البعوضة أربعمائة سنة داخل المنخار النمروذي تستمتع بمشهياته، فقام يصلح من شأن رواية «ابن سلمة» بعض الشيء في قوله من باب آخر، عن طريق «ابن عباس» قوله: «إن الله سلط على نمروذ بعوضة فعضت شفته فأهوى إليها ليأخذها، فطارت في منخره، فذهب يستخرجها فطارت في دماغه، فعذبه الله بها أربعين ليلة ثم أهلكه.»١١٠

أما في الكتاب المقدس، فمن الواضح أنه ليس ثمة علاقة البتة ما بين «نمروذ» وبين برج بابل وبين النبي «إبراهيم»، وهو ما سنفصل فيه القول، لكن ما لا يجب أن يفوتنا، الإشارة إليه أن قصة برج بابل في هذا الكتاب قد حدثت في فجر الإنسانية على الأرض. أما «النمروذ» فبعد ذلك بزمن بعيد يعود إلى زمن أبناء «نوح»، ويبدو أن ثمة كاتبَين لهذا الجزء من سفر التكوين، والذي يتحدث عن اختلاف لغات البشر، ويبدو أيضًا أن الكاتبَين لم يلتقيا ليصفيا ما بينهما من خلافات في التفاصيل، ربما لبعد الزمان بينهما، وأن الرواية تم جمعها بعد ذلك مع ما جمع من الكتاب في وقت متأخر، فالكاتب الأول يقول: «وهذه مواليد بني نوح: سام وحام ويافث … من هؤلاء تفرقت جزائر الأمم بأراضيها، كل إنسان كلسانه حسب قبائلهم وأممهم.» وهو بذلك يرجع تفرق الألسن لزمن متأخر عن وقته بداية الخلق، إلى عهد أبناء «نوح»، ثم هو أقرب لمنطق الواقع في إرجاعه اختلاف الألسن لتفرق الأمم بين قبائل «شعوب» وجزائر «أي مواضع بيئية مختلفة».

أما الكاتب الثاني فيقول: «وكانت الأرض كلها لسانًا واحدًا ولغة واحدة، وحدث في ارتحالهم شرقًا أنهم وجدوا بقعة في أرض شنعار وسكنوا هناك، وقال بعضهم لبعض: هلم نصنع لبنًا ونشويه شيًّا، فكان لهم اللبن مكان الحجر، وكان لهم الحمر مكان الطين، وقالوا: هلم نبن لأنفسنا مدينة وبرجًا رأسه بالسماء، ونصنع لأنفسنا اسمًا لئلا نبدد من على وجه الأرض، فنزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونهما، وقال الرب: هو ذا شعب واحد ولسان واحد لجميعهم، وهذا ابتداؤهم بالعمل، والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يعملوه، هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض، فبددهم الرب من هناك على وجه كل الأرض، فكفوا عن بنيان المدينة؛ لذلك دعا اسمها بابل لأن الرب هناك بلبل لسان كل الأرض» (التكوين، ١١).

ويعقب الدكتور «أنيس فريحة» على أقصوصة التوراة بقوله: «ولم يفلح كاتب سفر التكوين في تعليل اسم بابل، فوضع قصة برج بابل وتبلبل الألسن، تقول القصة: إن الله خاف من تجمع الناس أمة واحدة، فقال: هلم نهبط فنبلبل هناك لغتهم حتى لا يفهم بعضهم لغة بعض، فسميت المدينة بابل، والواقع أن بابل معناها باب الله، وهذه ترجمة الاسم القديم «كاد مري»، ومعناها أيضًا بوابة الله، ونحن نعلم أن الساميين الذين جاءوا بعد السومريين أخذوا عنهم الكثير في الدين والعمران، وغيروا من أسماء المدن السومرية إلى أسماء سامية عن طريق الترجمة الحرفية.»١١١
هذا بينما يعقب الآثاري «صموئيل نوح كريمر» — وهو واحد من أشهر الباحثين في السومريات — على قصة التوراة بقوله: «لقد بدأت قصة تشييد برج بابل بلا ريب في محاولة لتوضيح وجود الزاقورات في بلاد ما بين النهرين.» ويقصد «كريمر» هنا أن الكاتب التوراتي عندما رأى الزاقورات المبنية ببلاد الرافدين القديمة أراد وضع تفسير لها، والزاقورات هي أبنية صاعدة لولبية أقيمت لتصل كاهن الإله بالسماء، وعلى نمطها أقيمت المآذن الإسلامية، وتكاد تكون مئذنة جامع سامراء أولى المآذن وأقربها شبهًا بالزاقورة السومرية، ونستكمل مع كريمر حيث يقول: «أما بالنسبة للعبرانيين فإن هذه الأبنية الشاهقة التي غالبًا ما يمكن رؤيتها في حالة الخراب والدمار، أصبحت رمزًا لشعور الإنسان بعدم الأمان، وما يتصل به من لهفة شديدة للحصول على السلطة، تلك اللهفة التي لا تعود عليه إلا بالذل والعذاب؛ لذلك فإنه من المستبعد جدًّا العثور على أية مطابقة مماثلة لهذه القصة عند السومريين، الذين كانت الزاقورة بالنسبة لهم تمثل رباطًا بين السماء والأرض، أي بين الإله والإنسان.»١١٢

أما من جهتنا، فإن كاتب هذا الجزء من التوراة، يبدو من الكتاب المتأخرين بعض الشيء، الذين عاشوا في كنف الدولة المركزية، وربما الأسر البابلي على الأرجح، بينما كان يتوق لحياة البداوة الأصيلة في العبرانيين، التي تنفر من المركزية والاستقرار، وربما رأى أن دولة «سليمان» لم تجنِ للعبرانيين سوى الخراب والأسر وانعدام الحريات، فالمركزية تعني حكمًا واحدًا بيد ملك واحد، يتمكن من إنجاز المشاريع الضخمة ومواجهات الطوارئ الملحة، وفيها يتم تقسيم العمل بالعمل الأفضل للإنجازات الكبرى، وهو ما يتضح في كلام الكاتب التوراتي «هو ذا شعب واحد، ولسان واحد لجميعهم، وهذا ابتداؤهم العمل.» بينما كان الكاتب يحتفظ في ذاكرته بالأيام الأولى إبان البداوة ومشتركاتها البدائية، ومجالس الحكم الديمقراطية فيها، التي تسع أكثر من حاكم لأكثر من قبيلة، وكما كان لمجالس الأرض شيخ زعيم، كان لمجالس السماء رب زعيم، فكان في السماء كما كان في الأرض مجلس، يمثله اعتقاد الكاتب الحازم وهو يتحدث بلسان الرب الزعيم لأعضاء مشتركة: «هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم»!

عن ابن كنعان

في بدء المنتهى لدراستنا التي طال سردها، وإن قصرت عن بلوغ كل المبتغى لإيفاء الملوك الأربعة حقهم من البحث والدرس، يحسن بنا أن نقرر للقارئ معلومة لها أهميتها حول الملك الذي لم يزل قيد بحثنا «النمروذ بن كنعان»، وهو أن «نمروذ» الكتاب المقدس يختلف إلى حدٍّ بعيد عنه في تراثنا الإسلامي، فلم يرد بشأنه في التوراة سوى نص صغير لا يقارن بما جاء حوله من زيادات ومتراكمات في كتب الأخبار الإسلامية، والنص في كلماته المعدودة بلا زيادة ولا نقصان يقول: «وكوش «ابن حام بن نوح» ولد نمروذ الذي ابتدأ يكون جبارًا في الأرض، الذي كان جبار صيد أمام الرب؛ لذلك يقال: كنمرود جبار صيد أمام الرب. وكان ابتداء مملكته بابل وأورك وكلنه في أرض شنعار» (التكوين، ١٠)، ولا شيء آخر عن «نمرود» بطول الكتاب وعرضه، رغم ميل الكتاب للإطناب والإسهاب والتكرار إلى حد الإملال؛ مما قد يشير إلى أنه ليس ثمة علاقة بالمرة بين هذا «النمرود» وبين «نمروذنا» الفضائي الذي ملك العالم وقتلته بعوضة! لكن إخباريينا لا يتركون لنا فرصة هذا الاحتمال بإصرارهم المتواتر على إفهامنا أنه «النمرود» التوراتي نفسه.

ابن كنعان؟!

وضمن ذلك التقرير — وحتى نستوفيه — لا مندوحة من إحاطة قارئنا علمًا أنه ليس هناك علاقة البتة بين «نمرود» التوراة وبين برج بابل، كما أنه لا علاقة له البتة بالنبي «إبراهيم عليه السلام»، فرواية الكتاب المقدس تذهب بزمن برج بابل إلى عصر يبعد أجيالًا عديدة عن عصر النبي «إبراهيم»، فتبلبل الألسن بعد انهيار برج باب إيل أو باب الإله، أمر حدث في فجر الإنسانية، وليس فيه أي دور يؤديه «النمرود» كبطل يمثل دور الشرير، وليس فيه دور للنبي «إبراهيم عليه السلام» كرمز للخير، وحسب شجرة النسب والسلسال الإبراهيمية الواردة بسفر التكوين، التي وافق عليها الرواة المسلمون ونسخوها بحرفيتها، نجد أنه بين عهد «نمرود بن كوش» حسب النسب التوراتي، وبين عهد خليل الله، عشرة أجيال كاملة، فإبراهيم هو ابن تارح بن ناحور بن سروج بن رعو بن فالج بن عابر بن أرفكشارد بن سام بن نوح، وسام هو عم كنعان؛ لأنه أخو أبيه حام، وكنعان في الإسلاميات هو والد النمرود، فأين هذا من ذاك؟ حتى إذا افترضنا جدلًا صدق ذلك التنسيب، وهو افتراض غير علمي، ثم افترضنا أن كلًّا من هؤلاء النفر في السلسال النبوي قد أنجب ولده وله من العمر عشرون عامًا، فإننا نحتاج إلى قرنين من الزمان لنصل من «نمرود» إلى «إبراهيم».

وتبقى تساؤلات تنبني على مناقشة النص، وأول ما يرد منها على الذهن هو: لماذا عقد التراث الإسلامي تلك الصلة بين «النمروذ بن كنعان» رغم أنه في التوراة ابن كوش، وبين النبي «إبراهيم عليه السلام»، رغم أن الآيات الكريمة لم تذكر أبدًا اسم الملك الذي حاج «إبراهيم»؟

السؤال مهم، لكن إجابته خطيرة ونتائجها أخطر، خاصة إذا أضفنا إليه التساؤل الآخر وهو: لماذا الإشارة الدائمة للنمروذ بأنه «ابن كنعان» خاصة وبالذات؟ ذلك تأكيد المقدس العبري على أنه «ابن كوش»، ولا شك أن إخباريينا الأفاضل قد طالعوه وعاينوه تمامًا، بدليل ما نسخوه من الكتاب المقدس نسخًا، وهذا الإصرار على أن «نمروذ بن كنعان» يلحقه فورًا تساؤل آخر وربما ليس أخيرًا هو: لماذا احتسب رواتنا أن صاحب برج بابل هو «ابن كنعان» بالتحديد، رغم عدم النص عليه قرآنيًّا، ورغم أن مصدرهم الإسرائيلي بدوره لم يقل ذلك؟ الإجابة تضيف للرصيد مزيدًا من الاعتوار، فهل كان الأمر مجرد خلط لحابل بنابل في قراءة الكتاب المقدس؟ أم كان هناك قصد؟ وإذا كان ثمة قصد فإلامَ كان؟ سبق لنا في الدراسات المتقدمة أن أشرنا للإجابة، ولا بأس هنا من الإيضاح مرة أخرى.

«ملعون كنعان، عبد العبيد يكون لإخوته.» وصاحب هذا الدعاء اللعان هو النبي «نوح عليه السلام» بالتوراة، وإذا أخذنا مؤقتًا بالسبب الظاهر وراء هذه اللعنة، فإننا نجده فيما حكاه الكتاب المقدس عن نوح وأولاده بعد هبوطهم من السفينة، إذ يقول: «وابتدأ نوح يكون فلاحًا، وغرس كرمًا وشرب من الخمر، فسكر وتعرَّى داخل خبائه، فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه وأخبر أخويه خارجًا، فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتفها ومشيا إلى الوراء، وسترا عورة أبيهما ووجهاهما إلى الوراء، فلم يبصرا عورة أبيها، فلما استيقظ نوح من خمره علم بما فعل به ابنه الصغير، فقال: ملعون كنعان، عبد العبيد يكون لإخوته، وقال مبارك الرب إله سام، وليكن كنعان عبدًا لهم» (التكوين، ٩).

والعجيب في أمر هذا المقدس العبري، أن النبي يسكر ويتعرَّى ثم يلقي باللائمة على من شدهته أحواله. أما الأعجب فهو أن الذي أبصر عورته هو ولده «حام»، ومع ذلك قام يصب اللعنة فوق رأس حفيده الصغير «كنعان بن حام»، الذي لم يحضر المشاهدة، ولم يعاين الأمر كما عاينه أبوه، وربما كان أوانها طفلًا لا يدرك ما يرى حتى لو رأى، وينتهز المقدس العبري الفرصة المواتية لهول الأمر وعظمته، فيصب البركات بلسان النبي «نوح» على رأس ولده «سام» أبي العبرانيين ليعدل في القسمة، فذاك نال اللعنات، وهذا نال البركات، والعدل بقدر ومقدار.

والشيخ «الصدوق القمي» أحد حجج الشيعة، يؤكد من جهته أسبابًا أخرى لهذه اللعنة، إذ لم يكتفِ «حام» برؤية العورة إنما وقف يضحك ويعرِّيها كلما غطاها «سام»، وهو ما جاء في قوله: «وكان يومًا في السفينة نائمًا، فهبت ريح فكشفت عن عورته فضحك حام ويافث، فزجرهما سام عليه السلام ونهاهما عن الضحك. وكان كلما غطَّى شيئًا تكشفه الريح، كشفه حام ويافث، فانتبه نوح عليه السلام ورآهم وهم يضحكون، فقال: ما هذا؟ فأخبره سام بما كان؛ فرفع نوح عليه السلام يده إلى السماء يدعو ويقول: اللهم غيِّر ماء صلب حام حتى لا يولد له إلا السودان، اللهم غير ماء صلب يافث، فغيَّر الله ماء صلبهما، فجميع السودان حيث كانوا من حام، وجميع الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج والصين من يافث حيث كانوا، وجميع البيض سواهم من سام، قال نوح (عليه السلام) لحام ويافث: جعل الله ذريتكما خولًا لذرية سام إلى يوم القيامة … وسمة البر في ذرية سام ظاهرة ما بقيت الدنيا.»١١٣ ويشرح «الجزائري» «وجعلت ذريتكما خولًا أي خدمًا لذرية سام إلى يوم القيامة.»١١٤

هذا ما قدر الله قوله للحجة الشيعي، فماذا عن الحجة السني؟

في شرحه للآية وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (الصافات: ٧٧). يقول «ابن كثير»: «فكل من على وجه الأرض اليوم من سائر أجناس بني آدم، ينسبون إلى أولاد نوح الثلاثة وهم سام وحام ويافث … وولد كل واحد من هؤلاء الثلاثة، فولد سام العرب وفارس والروم، وولد يافث الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج، وولد حام القبط والسودان والبربر … وقد ذكر أن حامًا واقع امرأته في السفينة، فدعا عليه نوح أن تشوه خلقة نطفته، فولد له ولد أسود هو كنعان بن حام جد السودان، وقيل: بل رأى أباه نائمًا وقد بدت عورته فلم يسترها وسترها أخواه؛ فلهذا دعا عليه أن تغير نطفته، وأن يكون أولاده عبيدًا لإخوته.»١١٥

والاتفاق السني الشيعي لا شك مطلوب، لكن لماذا الاتفاق على لعن «كنعان»؟ وهو ما يوافق الكتاب المقدس نصًّا وروحًا، ويوافق الهوى الصهيوني تمام الموافقة؛ لأن «كنعان» في التوراة والإسلاميات هو أبو الكنعانيين، سكان فلسطين الأقدمين، قبل أن يستوطنها العبرانيون، وقبل أن تستعمر استيطانيًّا باسم التراث القديم اليوم. أما «سام» فهو أبو كل العربان وأبو العبرانيين، أو كما أشار ابن كثير أنه أبو «العرب»، قاصدًا كل من كان من أصل بدوي، ولا نغفل عن كون الكلمة عربي هي بالقلب «الميتاتيز» عبري. أما القبط بقية أبناء المغضوب عليه «حام» فاصطلاح معلول يدل على المصريين، وأرضهم أيضًا مطلوبة ضمن الوعد الإلهي للنبي إبراهيم: «لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات» (التكوين، ٥: ١٨).

وعليه نفهم لماذا أصر التراث وأهله على احتساب النمروذ ابنًا لكنعان رغم المفارقة التاريخية الواضحة، يقصد الزيادة في التنفير من «كنعان» ونسبة كل الرذائل إليه، حتى لا يكون وحده ملعونًا، إنما ذريته التي مثَّلها كأسوأ ما تكون شخص «النمروذ» أو الكافر الأول، والمقارنة التاريخية التي نقصدها تتعلق بعلم التاريخ، إنما تتعلق بما أرَّخه الكتاب المقدس والتراث الإسلامي، وتضارب أوله مع آخره في تلك المسألة، وفي غيرها كثير؛ لأننا قمنا بمسح شامل لما بين أيدينا من مصادر تاريخ العراق القديم، فلم نجد ملكًا حكم الدنيا، ولا حكم حتى في بابل، ولا حتى في أية مدينة عراقية يحمل اسم «نمروذ»، كما لم تدونه جداول الملوك الواردة بثبتهم في المدونات المسمارية، وعليه فإن التاريخ كعلم لا يعلم شيئًا عن شخص باسم النمروذ، كما كان لا يعلم شيئًا عن شخص باسم «سليمان» أو باسم «ذي القرنين»، فقط وجدنا موقعًا جرت فيه حفائر آثارية باسم «نمرود»، ويبدو أنه من وضع مسلمين متأخرين شاهدوا في بابل موقعًا أثريًّا به تماثيل احتسبوها أصنامًا، ولم يجدوا من ينسبونها إليه تراثيًّا، وفي تلك المنطقة، سوى «النمروذ بن كنعان» المواطن البابلي الذي حكم ما بين المشرق والمغرب، وقتلته بعوضة.

الكافر الثاني

لم يتفق اثنان على كراهة «بخت نصر» قدر اتفاق العربي والعبري (وعربي بالميتاتيز عبري)، وكما لا يكاد سفر في الكتاب المقدس يخلو من قذف فرعون مصر، فإن «بخت نصر» بدوره نال من هذا الشرف الكثير، وعلى فرعون اتفق أيضًا العربي والعبري، لكن الموقف الإسلامي غير المفهوم هو ما يطالعنا به خبر تواتر نختار منه ما جاء عند «ابن كثير» في قوله: «إن الله تعالى أوحى في ذلك الزمان إلى أرميا بن حلقيا أن اذهب إلى بخت نصر، فأعلمه أني قد سلطته على العرب، وأمر الله أرميا أن يحمل معه معد بن عدنان على البراق؛ كي لا تصيبه النقمة فيهم، فإني مستخرج من صلبه نبيًّا كريمًا أختم به الرسل.»١١٦
وترسيخًا للكراهية وأدلجتها دينيًّا، يذهب «النويري» إلى أن والد «بخت نصر» كان مصريًّا باسم «بخت بيديس» من كورة أرمنت؛١١٧ ليجمع من الحسنيين سوأتين، سوأته وسوأة فراعنة مصر. أما «ابن خلدون» فيصنف «بخت نصر» ضمن نسل النمروذ، بتأثير التراث والاعتقاد، رغم ما لهذا الرجل من قيمة علمية، فيقول: «إن بخت نصر من عقب النمرود بن كنعان، وهو ابن برزاد بن سنجاريف بن النمروذ».١١٨ أما «الأصمعي» فقد قال إن أصل اسمه «بوخت» بمعنى ابن، و«نصر» اسم صنم، وكان وجد عند الصنم ولم يعرف له أب، فقيل «بخت نصر» أي ابن الصنم،١١٩ ومرة أخرى يجمع «نبوخذ نصر» في تراثنا سوأتين: سوءة الأصنام وسوءة كونه زنيمًا ونغلًا.

أما «بخت نصر» في التاريخ كعلم، فهو «نبوخذ نصر الثاني» الملك الكلداني المظفر، الذي دخلت شخصيته التاريخ من الباب الخلفي ومن أسوأ المداخل، عبر أسفار الكتاب المقدس، بعد حملتين جردهما على مملكة يهوذا، وحملهم في الثانية أسرى إلى بابل عام ٥٨٦ق.م. وظلوا هناك عمالة رخيصة إلى أن فتحوا لقورش أبواب بابل، فأعادهم إلى فلسطين مع قيام الإمبراطورية الفارسية. والواضح تمامًا أن كل الروايات القدسية حول «نبوخذ نصر» إنما تعتمد على الأصول التوراتية التي دشنها كره أحبار يهود، مع سقوط الإمبراطورية الكلدانية عام ٥٩٣ق.م. وأمر «نبوخذ نصر» ليس بحاجة لمزيد من الإفاضة، فالتأريخ التوراتي له أسبابه ودوافعه، والمسيرة التراثية الإسلامية تعمل بحديث المصطفى : «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج.» خاصة إذا كان في الحديث عبر.

هذا ما كان من شأن الملوك الأربعة، وما خرجنا به من درس وبحث شأنهم بغرض إزالة النكارات، واللهم إنا قد حاولنا، اللهم فاشهد.

figure
لوحة رقم ٢٩: تصور فني حديث لبرج بابل (الزقورة) حسب المواصفات التوراتية.
figure
لوحة رقم ٣٠: مئذنة مسجد سامراء، قارن مع الزقورة القديمة، حسب المواصفات الرافدية.
١  ابن كثير، البداية والنهاية، دار الكتب العلمية، بيروت، ط٤، ١٩٨٨م، ج٢، ص٢٤.
٢  د. أحمد شلبي، مقارنة الأديان «(١) اليهودية»، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ط٥، ١٩٧٨م، ص٧٨، ٧٩.
٣  د. سيد محمود القمني، الزهرة بين الخصب والحرب، الكرمل، نيقوسيا قبرص، ١٩٨٩م، عدد ٣٣.
٤  فرتز هومل، التاريخ العام لبلاد العرب الجنوبية ضمن كتاب التاريخ القديم، ترجمة، د. فؤاد حسنين، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ١٩٥٨م، ص٦٤.
٥  نفسه، ص٦٢، ٦٣.
٦  د. أحمد سوسة، العرب واليهود في التاريخ، العربي للإعلان والطباعة والنشر، دمشق، ط٢، ص٢٩٦.
٧  Wells the Otline of History, p. 236.
٨  سبتينو موسكاتي، الحضارات السامية القديمة، ترجمة د. السيد يعقوب بكر، دار الكتاب العربي للطباعة، القاهرة، ١٩٥٧م، ص١٤٤.
٩  د. أحمد شلبي، سبق ذكره، ص٨٠.
١٠  غوستاف لوبون، اليهود في الحضارات الأولى، ص٤٠، ٤١، في أحمد شلبي، سبق ذكره.
١١  موسكاتي، سبق ذكره، ص١٤٤.
١٢  د. أحمد شلبي، مقارنة الأديان، سبق ذكره، ص٧٦؛ انظر أيضًا، WeIIs The outline of History, p. 282.
١٣  روجيه جارودي، باسم رجاء، فلسطين أرض الرسالات الإلهية، ترجمة د. عبد الصبور شاهين، دار التراث، القاهرة، د.ت، ص٨٧.
١٤  نعمة الله الجزائري، النور المبين في قصص الأنبياء والمرسلين، مؤسسة الأعلمي، بيروت، ط٨، ١٩٧٨م، ص٤٠٩.
١٥  الثعلبي النيسابوري، عرائس المجالس، المكتبة الثقافية، بيروت، د.ت، ص٣٠٦.
١٦  الجزائري، سبق ذكره، ص٤١٢.
١٧  ابن كثير، البداية والنهاية، سبق ذكره، ج٢، ص١٧.
١٨  الجزائري، سبق ذكره، ص٤١٨.
١٩  نفسه، ص٤١٥.
٢٠  ابن كثير، سبق ذكره، ص١٨.
٢١  الثعلبي، سبق ذكره، ص٢٩٤.
٢٢  ابن كثير، سبق ذكره، ص١٨.
٢٣  الموضع نفسه.
٢٤  الثعلبي، سبق ذكره، ص٣١٢.
٢٥  نفسه، ص٣١١.
٢٦  الجزائري، سبق ذكره، ص٤٠٧.
٢٧  ابن كثير، سبق ذكره، ص٢٢.
٢٨  الثعلبي، سبق ذكره، ص٣١٢.
٢٩  الموضع نفسه.
٣٠  ابن كثير، سبق ذكره، ص٤٠٨.
٣١  نفسه، ص٢٧.
٣٢  الجزائري، سبق ذكره، ص٤٠٨.
٣٣  ابن كثير، سبق ذكره، ص٢٣.
٣٤  نفسه، ص٢٤.
٣٥  أبكار السقاف: نحو آفاق أوسع، الأنجلو (المصرية)، القاهرة، د.ت، ج٢، ص١٢٩٢.
٣٦  الطبري: تاريخ الرسل والملوك، دار المعارف، ط٣، القاهرة، ج٢، ص٤٩٥؛ انظر أيضًا ابن سيد الناس، عيون الأثر، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ١٩٨٠م، ج١، ص٣١٨.
٣٧  جلال الدين السيوطي، أسباب النزول، دار المنار للنشر والتوزيع، القاهرة، ١٩٨٦م، ص١٢٨.
٣٨  ابن كثير، البداية والنهاية، سبق ذكره، ص٩٧.
٣٩  الجزائري، النور المبين، سبق ذكره، ص١٦٢، ١٦٦، ١٧٢.
٤٠  السهيلي، الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية لابن هشام، دار المعرفة، بيروت، ١٩٧٨م، ج١، ص٦٠.
٤١  ابن كثير، سبق ذكره، ج٢، ص٩٦.
٤٢  السهيلي، سبق ذكره، ص٥٩.
٤٣  ابن هشام، السيرة المرفقة بكتاب الروض الأنف، ص٥٩.
٤٤  ابن كثير، سبق ذكره، ص٩٦.
٤٥  الجزائري، سبق ذكره، ص١٧٩.
٤٦  أبو جعفر بن حبيب المحبر، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط٢، ١٩٨٠م، ص٣٦٥، ٣٦٦.
٤٧  سبق ذكره، ص٩٦.
٤٨  السهيلي، سبق ذكره، ص٥٩.
٤٩  الجزائري، سبق ذكره، ص١٧٨.
٥٠  المسعودي، مروج الذهب، المكتبة الإسلامية، بيروت، د. ت، ج١، ص٢٨٨.
٥١  ابن هشام، السيرة «في السهيلي»، ص٥٩.
٥٢  السهيلي، سبق ذكره، ص٥٩.
٥٣  ابن تيمية، الرد على المنطقيين، إدارة ترجمان السنة، لاهور باكستان، ١٩٧٦م، ص٢٨٣، ٢٨٤.
٥٤  السهيلي، سبق ذكره، ص٥٩.
٥٥  الشهرستاني، الملل والنحل، دار المعرفة، بيروت، ١٩٨٢م، ج٢، ص٧٣.
٥٦  ابن كثير، سبق ذكره، ص٩٦، ٩٧.
٥٧  نفسه، ص٩٧.
٥٨  ابن تيمية، الرد على المنطقيين، سبق ذكره، ص٢٨٣.
٥٩  المسعودي، مروج الذهب، سبق ذكره، ج١، ص٢٨٨.
٦٠  ابن كثير، البداية والنهاية، ج٢، ص٩٥، ٩٦.
٦١  الجزائري، النور المبين، سبق ذكره، ص١٧٨، ١٧٩؛ انظر أيضًا الثعلبي النيسابوري، سبق ذكره، ص٣٢٢.
٦٢  ابن كثير، سبق ذكره، ص٩٨.
٦٣  نفسه، ص١٠٠.
٦٤  المسعودي، سبق ذكره، ص٢٨٨.
٦٥  ابن كثير، سبق ذكره، ص٩٥.
٦٦  الموضع نفسه.
٦٧  نفسه، ص٩٩.
٦٨  الموضع نفسه.
٦٩  الجزائري، سبق ذكره، ص١٦٠، ١٦١.
٧٠  الثعلبي، سبق ذكره، ص٣٢٤.
٧١  انظر في مثل ذلك متفرقات في محبر ابن حبيب، مثلًا ص٣٦٦، ٣٦٧ … إلخ.
٧٢  محمود سليم الحوت، في طريق الميثولوجيا عند العرب، دار النهار، بيروت، ط٢، ١٩٨٩م، ص٢٣٠.
٧٣  الجزائري، النور المبين، سبق ذكره، ص١٦٢، ١٦٥، ١٧٣، ١٧٧.
٧٤  السهيلي، الروض الأنف، سبق ذكره، ص٦٠.
٧٥  ابن كثير، البداية والنهاية، سبق ذكره، ص٩٨.
٧٦  الجزائري، سبق ذكره، ص١٧٣، ١٧٤؛ انظر أيضًا الثعلبي، عرائس المجالس، سبق ذكره، ص٣٣٠.
٧٧  نفسه، ص١٦٥، ١٨١؛ انظر أيضًا الثعلبي، ٣٢٧، ٣٢٨.
٧٨  ابن كثير، سبق ذكره، ص١٠١.
٧٩  الجزائري، سبق ذكره، ص١٦٥، ١٨١؛ وانظر أيضًا الثعلبي، ص٣٢٧، ٣٢٨.
٨٠  د. علي زيعور، العقلية الصوفية ونفسانية التصوف، دار الطليعة، بيروت، ١٩٧٩م، ص٤١٠.
٨١  الموضع نفسه.
٨٢  سبتينو موسكاتي، الحضارات السامية، سبق ذكره، تعقيبات المترجم السيد يعقوب بكر، ص٢٦٤.
٨٣  د. علي زيعور، سبق ذكره، ص٢٤.
٨٤  موسكاتي، سبق ذكره، ص١١٠.
٨٥  ارجع لكتابنا: أوزيريس وعقيدة الخلود في مصر القديمة، دار الفكر، القاهرة، ١٩٨٨م.
٨٦  د. علي زيعور، سبق ذكره، ص٤١٠.
٨٧  للمزيد ارجع لموضوعنا: الأضاحي والقرابين، الجذور الاجتماعية، فكر للدراسات والأبحاث، عدد ١٠.
٨٨  جيمس فريزر، أدونيس أو تموز، ترجمة جبرا إبراهيم جبرا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط٣، ١٩٨٢م، ص١٢٠.
٨٩  فراس السواح، مغامرة العقل الأولى، دار الكلمة، بيروت، ١٩٨٠م، ص٢٧٥.
٩٠  موسكاني، سبق ذكره، ص١٢٨.
٩١  د. فاضل عبد الواحد، عشتار ومأساة تموز، وزارة الإعلام العراقية، بغداد، ١٩٧٣م، ص٢٣.
٩٢  د. علي زيعور، التحليل النفسي للذات العربية، أنماطها السلوكية والأسطورية، دار الطليعة، بيروت، ط٢، ١٩٧٨م، ص١٦١.
٩٣  د. أنيس فريحة، دراسات في التاريخ، دار النهار، بيروت، ١٩٨٠م، ص٨٦، ٤٨.
٩٤  جان بوتيرو، الديانة عند البابليين، ترجمة وليد الجادر، جامعة بغداد، بغداد، ١٩٧٠م، ص٥٠.
٩٥  نفسه، ص١٣٠.
٩٦  علي الشوك، اهتمامات ميثولوجية واستطرادات لغوية، مجلة الكرمل، نيقوسيا قبرص، عدد ٢٦، ص٢٤.
٩٧  للمزيد ارجع لكتابنا: أوزيريس وعقيدة الخلود في مصر القديمة، دار فكر للطباعة والنشر، القاهرة، ١٩٨٨م؛ انظر أيضًا: Zayed (Abd EI Hamid), ABYDOS, general Organaisation of government printing offices, cairo, 1963, P. 3.
٩٨  ﻫ. آيدرس بل، مصر من الإسكندر حتى الفتح العربي، ترجمة د. عبد اللطيف حمزة، دار النهضة العربية، القاهرة، ص٣٩، ٤٢؛ انظر أيضًا د. عبد الحميد زايد، مصر الخالدة، دار النهضة العربية، القاهرة، ١٩٦٦م، ص٥٣٥؛ انظر أيضًا: أرنولد توينبي، تاريخ الحضارة الهيلينية، الأنجلو المصرية، ١٩٦٣م، ص١٤٧.
٩٩  عن الإله حداد ارجع إلى موسكاتي، الحضارات السامية، سبق ذكره، ص٢٦٤، ١١٠.
١٠٠  ابن كثير، سبق ذكره، ج١، ص٣٠٥.
١٠١  الموسوعة العربية الميسرة في مادة سور.
١٠٢  فرانسوا دوماس: آلهة مصر، ترجمة زكي سوس، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ١٩٨٦م، صفحات متفرقة. انظر مثلًا ص٥٧.
١٠٣  هوامش د. السيد يعقوب بكر على كتاب موسكاتي، الحضارات السامية، سبق ذكره، ص٣٩٢.
١٠٤  الثعلبي، عرائس المجالس، سبق ذكره، ص١٣٩.
١٠٥  ابن كثير، البداية والنهاية، سبق ذكره، ص١٣٩.
١٠٦  الجزائري، النور، سبق ذكره، ص١١٥.
١٠٧  الثعلبي، سبق ذكره، ص٧٣.
١٠٨  نفسه، ص٩٦.
١٠٩  ابن كثير، سبق ذكره، ص١٤٠، ١٤١.
١١٠  الجزائري، سبق ذكره، ص١١٧.
١١١  د. أنيس فريحة، دراسات في التاريخ، سبق ذكره، ص٨٤.
١١٢  صموئيل نوح كريمر، السومريون تاريخهم وحضارتهم وخصائصهم، ترجمة د. فيصل الوائلي، وكالة المطبوعات، الكويت، د.ت، ص٤٢١.
١١٣  الصدوق القمي، علل الشرائع، دار إحياء التراث العربي، النجف، ١٩٦٦م، ج١، ص٣٢.
١١٤  الجزائري، النور المبين، سبق ذكره، ص٨١.
١١٥  ابن كثير، سبق ذكره، ص١٠٨.
١١٦  نفسه، ج٣، ص١٨٠.
١١٧  محمد بن قاسم النويري، الإلمام بالإعلام فيما جرت به الأحكام، تحقيق د. عزت سوريال، حيدر آباد، ١٩٧٠م، ج٣، ص٣١٦، ٣١٧.
١١٨  ابن خلدون، العبر وديوان المبتدأ والخبر، ج٢، ص١٣٦.
١١٩  في تاج العروس للزبيدي، القاهرة، ١٣٠٦ﻫ، مادة نصر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤