الميراث

ليس غريبًا أن يكون بينهما هذا الخلاف الذي وصل إلى أقصى مداه، وليس غريبًا أن يكون بينهما هذه الكراهية الشديدة وهذا المقت المرير، لقد ورثا الخلاف والكراهية والمقت فيما ورثا عن أبويهما، وهما الآن وجيهان لكل منهما أنصار وأعوان، وقد نسي كل منهما كما نسي أنصار كل منهما قصة الأبوين.

أما أبو الأول الذي أصبح اليوم أسعد بك فقد كان المعلم أنور. بدأ حياته في حي السيدة زينب وقد زحف إليها من الريف حين ضاقت به بلدته «شيبة» فأصبح لا يجد بها قوت يومه؛ فهي قرية مزدحمة يتخاطف أهلها الرزق، وهو لا يرى في الزحام طريقًا، وحالفه الجوع حتى أصبح لا يأبه كثيرًا بالشرف، فكان يختطف العيش اختطافًا فيه قسوة أحيانًا كثيرة وفيه الحيلة في أحيان قليلة ولكن لم يكن هذا الاختطاف ليستطيع أن يستمر طويلًا؛ فضاقت به القرية ولم يجد مناصًا آخر الأمر إلا أن يزحف إلى القاهرة. الزحام أشد ولكن هذا الزحام كان بالنسبة إليه كالصحراء البكر؛ فهناك لن يعرفه أحد، وهناك يستطيع أن يمارس اختطافه بالحيلة دون أن يعجزه ضيق المكان أن يجد الفريسة، ولم يكن يستبعد أن يستعمل القسوة، إذا كان لا بد أن يستعمل القسوة وزحف إلى القاهرة.

غريب في حي السيدة، والقاهرة يومذاك بها كثير من الأراضي الخالية، فماذا عليه أن يتخذ من خرابة مسكنًا، وماذا عليه لو أقام بيته من بعض خشب. ومن أين له الخشب، أدرك أنه لو ظهر على حقيقته في أيام إقامته الأولى، فلن يلبث شارع الملك الناصر أن ينبذه كما نبذته بلدته شيبة، قصد إلى تاجر أخشاب.

– أعمل عندك؟

– وماذا تحسن أن تعمل؟

– أحمل الخشب.

– لا بأس فإن لك جسمًا قويًّا.

– فقط أريد بعض خشب مقدمًا أقيم به الحجرة التي سأسكن بها.

– أنت …

– غريب قادم من الريف.

– ومن يضمن لي أنك ستبقى حتى تفي بثمن الخشب.

– الخشب نفسه.

– معقول.

وهكذا بنى حجرته بقطعة أرض وجدها خالية، ولم يفكر أن هذه الأرض لا بد أن يكون لها صاحب، أو هو فكر ولكن لم يشأ أن يتخذ إجراء معينًا إزاء هذا التفكير.

المهم أنه أقام الحجرة وأقام.

كان صاحب الأرض رجلًا عنيفًا ذا بطشٍ وسلطان. حتى نما إلى سمعه أن إنسانًا تجرأ وبنى حجرة بملكه، ترفَّع أن يذهب إليه، وإنما أرسل بعض أتباعه.

– كيف أقمت هنا؟

– بنيت هذه الحجرة وأقمت.

– ألا تعرف أن لهذه الأرض صاحبًا.

– هل أنت صاحبها؟

– أنا تابعه.

– أريد أن ألقاه.

– لا يلقي أمثالك.

– وماذا يضيره أن ألقاه؟

– لا يلقى أمثالك.

– ألا يملك هذه الأرض؟

– بل يملك البيوت المحيطة بها جميعًا.

– ألا يسكن في هذه البيوت جميعًا فقير مثلي؟

– ولكنهم لا يلقونه.

– اصنع لي هذا المعروف.

– ولماذا أصنعه؟

– لعلي أنفعك في بعض الأيام.

– أنت؟!

– ألا تعرف الفأر الذي خلص الأسد من المصيدة؟

– حكاية.

– لا بد سمعتها.

– فأنت تعرف أني أسد.

– وأني فأر.

– سأجعلك تلقاه.

•••

– ماذا يضير سيادتك أن أقيم بهذه الأرض الخالية؟

– يأتي يوم وتدَّعي ملكيتها.

– بل سأجعلها نظيفة، ويوم تريد طردي فما هي إلا بضعة أخشاب أحملها في يدي وأمضي إلى حال سبيلي.

– تدفع أجرة؟

– أمرك.

– عشرة قروش في الشهر.

– ولكن الأرض خالية.

– ولو.

– وسأحرسها لك.

– مثلي لا تحتاج أملاكه إلى حراسة.

– ألا تجعلها خمسة.

– عشرة قروش في الشهر.

•••

ومضت الأيام وأحس أنور أنه يستطيع أن يكون كما يريد أن يكون؛ فقد طال مكثه في الحي وثبتت أقدامه، وبدأ يعود إلى نفسه التي صحبها معه من القرية.

فوجئ المالك الكبير بأنابيب المياه في بيوته تتفجر كل يوم، وأدرك أن أنور هو فاعلها.

– لا أريدك في أرضي.

– أنا تحت أمرك.

– أنت لا ترعى الجميل.

– وأين الجميل؟

– ألم أتركك تسكن في أرضي؟

– كنت أدفع أجرًا.

– ولكني تركتك تسكن.

– بعرقي.

– إذا أعفيتك من الأجرة توقف أعمالك.

– أنا لم أعمل شيئًا.

– أستطيع أن أضربك كل يوم علقة حتى تترك الحي جميعه.

– ولكني لم أعمل شيئًا.

– لا تعد إلى ما صنعت ولا تدفع الأجرة.

– شكرًا ولكني لم أصنع شيئًا.

•••

– لماذا ضعفت معه؟

– لو أخذته بالشدة لم آمن أن يظل في تخريبه.

– تستطيع أن تُخرجه من الحي كما قلت.

– ويستطيع أن يجيء إليه خِلسة فيرتكب جرائمه ويرجع من حيث أتى. هو الآن تحت أعيننا على الأقل.

•••

إذن فالحكاية أثمرت. بهذا إذن يستطيع أن يصنع ما يشاء.

ذهب أنور إلى مولد السيدة واصطنع خناقة مع فتوة الحي، فأصبح هو الفتوة وأصبح من الميسور عليه أن:

– قطعة الأرض.

– ما لها يا معلم أنور؟

– أقبلها هدية من سعادتك.

– قطعة الأرض جميعها.

– حتى أحافظ على المباني الأخرى.

– أليس كثيرًا يا معلم أنور؟

– لا بد أن أبني لي بيتًا.

– فخذ نصفها.

– إذن أحافظ على نصف الأملاك.

– أمرك، خذها كلها.

وفعلًا بدأ أنور يبني بيته، وحتى يعلو البيت لا بد أن يحفر الأرض، وإذا بالأرض تنكشف له عن كنز عظيم، وأصبح أنور في ضربة أرض أغنى أغنياء حي السيدة، ولكن المال لم يخلص إليه هكذا سهلًا هينًا وإنما نبت له رجل لا يدري عنه إلا أنه بني اللون.

– هذا المال ملكي.

– أي مال؟

– هذا الكنز الذي وجدت.

– أنت الذي خبأته هنا؟

– لا، وإنما أجدادي.

– مَن؟

– أجدادي.

– ولماذا لم يدلك أجدادك على مكان الكنز؟

– كان آبائي كلهم يعرفونه، ومات أبي دون أن يخبرني به.

– فمن أدراك إذن أنه كنزك؟

– إنه في هذه المنطقة.

– وتتوقع مني أن أعطيك إياه.

– إذا شئت العدل.

– فإن لم أشأ.

– فالقوة.

وقتل أنور المُطالِب بالكنز وثار أهله، وقامت المعارك كثيرة بين أنور وأعوانه وبين أهل القتيل، ولكن هذا لم يمنع المال أن يظل ملكًا لأنور، ولم يمنعه أن يُقيم بيتًا رائعًا ويصبح سيدًا عظيم الشأن، ويتزوج ويأتي ابنه أسعد ليجد نفسه بك.

وحين يشب أسعد عن الطوق يجد هناك عداوة بين أنور أبيه وبين رجب، ولم يكن يدري أسباب هذه العداوة، ولكنه ما لبث أن عرفها على مرور السنين واتساع الإدراك، وعرف أيضًا أنه لا بد أن يكون عدوًّا لراغب بن رجب لأن طبيعة الأمور تقضي بأن يكون عدوًّا له.

قدر أنور حين أصبح غنيًّا أنه لا يليق به أن يكون فتوة فراح ينمي ثروته فأنشأ مصنع خشب، أو هو في الحق اشترى المصنع الذي عمل به حين جاء إلى القاهرة أول ما جاء، وأغراه الربح أن يُنشئ مصانع أخرى؛ فزاد ثراؤه زيادة فاحشة، وأصبح مطمئنًّا أنه أغنى أغنياء المنطقة جميعها إن لم يكن أغنى أغنياء مصر.

ولكن شيئًا جديدًا بدا في الأفق اسمه رجب، كان رجلًا ينتسب إلى العلماء فلم يعره أنور التفاتًا أول الأمر، ولكنه فوجئ برجب يجمع حوله المريدين وعلى رأسهم سعيد، وفوجئ أنور برجب يقول لا يجوز أن يكون هناك أغنياء وفقراء وإنما المال مال الناس أجمعين، قالها هو ونفذها سعيد وأعوانه. وأصبح حي البغَّالة جميعًا ملكًا لرجب وسعيد، وأصبحا ينافسان أنور في غناه، وحلَّت بينهما الكراهية منذ ذلك الحين، وقد توثقت الصلة بين رجب وسعيد حتى إن راغب لا يدري إن كان ابن رجب أم ابن سعيد، بل إن أمه نفسها لا تعرف، فهو من الناحية النظرية ابن رجب أما من الناحية الفعلية فهو لا يدري.

دافع الناس عن أموالهم في حي البغَّالة فكان الموت مصيرهم، فشا فيهم سعيد، أموالهم أو أرواحهم، ومات كثيرون ولكن الأمر استتبَّ له ولرجب، وراح سعيد يتولى توظيف الأموال؛ فأنشأ المصانع هو أيضًا بل أنشأ المواخير حتى ينسى الناس ما فقدوه من مال وتاجر في كل شيء، وبالإرهاب يشتري من لا يريد أن يشتري.

وكان رجب وسعيد من الذكاء بحيث لم يفكرا أن يقتربا من حي السيدة، وكان أنور من الذكاء بحيث لم يفكر أن يقترب من حي البغالة.

ومضت السنون وأصبح الناس فريقين؛ فريقًا ينتمي بعواطفه وعقيدته إلى أنور وابنه أسعد، والآخر ينتمي إلى رجب وسعيد وابنهما راغب. وكانت الخلافات تحتدم بين الفريقين احتدامًا يصل إلى التشابك بالأيدي، ثم تطورت فأصبحت معارك تُستعمل فيها كل أدوات المعارك وأصحاب الخلاف الأصليون يكتفون بتقديم أدوات المعارك دون أن يشاركوا هم فيها.

وتمضي السنون ويموت رجب ويتبعه سعيد. ويموت أنور. ويظل راغب وأسعد على الخلاف الذي ورثاه عن آبائهما، ويتوارث الأتباع أيضًا المعارك فيما يتوارثون عن آبائهم.

وفجأةً يجد أسعد ويجد راغب أن هذه الخلافات تشغلهما عن تنمية ثروتيهما وكأنما تكشَّفت هذه الحقيقة بغتة أمام كليهما في لحظة واحدة؛ فيبدأ كل منهما بكلمة لينة عن الآخر، وما تلبث هذه الكلمة أن تصبح زيارة من أسعد إلى راغب في بيته، تتبعها زيارة من راغب إلى أسعد في بيته، ويتم الصلح بين الخصمين القديمين.

ولكن العجيب العجيب أن أنصار كل منهما ما زال حتى يومنا هذا في عراك قاتل مستميت يموتون من أجل اثنين تم بينهما الصلح.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤