الفصل السادس

منطق ابن سينا

أهمية المنطق في المناهج القديمة – كيف أوضح ابن سينا غرض المنطق في «النجاة» – فائدة صناعة المنطق – أيساغوجي لفرفريوس الصوري.

***

عاد المنطق لا يكون مكينًا في ذوق زماننا، ويا للخَسَارة في ذلك على ما نرى! كان المنطق — فيما مضى — علمًا مليحًا ومن أتمِّ ما شاد ذهن الإنسان، ثم سقطت مكانتُه بسبب ما أُدخل من سوءِ استعمال في القياسات، ولكن ليُعلم أنه كان من السهل إصلاح هذا السوء وتنقيةُ الأسلوب من القياس، وأن القياس لم يكن جميعَ المنطق، وأنه لم يكن غير قسم منه فقط، لا أَمْتَعَ ما فيه،١ فالمنطق في مجموعه كان يؤلِّف منذ الزمن القديم علمًا واسعًا حيًّا، قائمًا في أساس جميع أقسام الفلسفة الأخرى؛ من علم نفس، وطبيعيات، وإلهيات، وأخلاق، ومن سياسة أيضًا.

والحق أن المنطق كان آلة العلوم وجهازها، والمنهاجَ الذي يُعِدُّ تقدمَها، والقانون الذي يَصُونها من الخطأ. وكان المنطق نفسه يتصل ببعض هذه العلوم إلى حد ما، ويرتبط فيها، ولا سيما علم النفس وما بعد الطبيعة. وكان هذا الاتصال المتبادَل لا يؤلِّف حلقةً مُفْرَغةً بالحقيقة، بل يؤلِّف توفيقًا مع الإيضاح بين الأداة وموضوعها، وملاءمةً تتحقَّق الوَحدة الفلسفية بها ما دامت مبادئ المنطق تُعِدُّ نتائج العلوم، وما دامت العلوم ترقب المنطق.

وإذا كانت هذه أهميةَ هذا العلم في المناهج القديمة، فإن من الواجب أن نشغل بالنا به. فعلى القارئ — عند رغبته في اتباعنا — أن يَحْتَمِل سماع قولٍ عنه مهما كان الرأي الذي يَحْمِلُ حوله في الوقت الحاضر. ومع ذلك فإننا لا نتورَّط في وَحَل من التمَحُّكات، والتمحكات مما لم يأتِ به ابن سينا أيضًا، فمنطقه واضح صريح عظيم الأسلوب، ولا غرو، فهذا المنطق نسيج عصر صالح، وهو خالٍ من الأشكال المعقَّدة الجافية التي أظهرها هذا العلم في القرون الوسطى السُّفْلَى؛ ولهذا فلا احتياج إلى تجريد فكر ابن سينا من كلِّ زخرفٍ حشوي، يَنِمُّ على فسادِ ذوقٍ ما دام هذا الحشو غيرَ موجود في أثر فيلسوفنا.

وإنا سنقتصر — بعد هذا التنبيه — على إيضاحنا في هذا الفصل ماذا كان غَرَضُ المنطق في ذهن ابن سينا، وماذا كانت أقسامُ هذا العلم المهمة في مدرسته، وماذا كانت الفكرة التي كوَّنها لنفسه عن العلم على العموم.

وإليك كيف يُوضح ابن سينا غَرَض المنطق في «النجاة»:٢ «كل معرفة وعلم فإما تصور وإما تصديق، والتصور هو العلم الأول، ويُكتَسَب بالحدِّ وما يجري مجراه، مثل تصوُّرنا ماهية الإنسان، والتصديق إنما يُكتسب بالقياس أو ما يجري مجراه، مثل تصديقنا بأن للكل مبدأً، فالحدُّ والقياس آلتان بهما تُكتَسَب المعلومات، التي تَكُون مجهولةً، فتصير معلومةً بالرَّوية، وكل واحد منهما منه ما هو حقيقي، ومنه ما هو دون الحقيقي، ولكنه نافع منفعةً بحسبه، ومنه ما هو باطل مشبَه بالحقيقي، والفطرة الإنسانية في الأكثر غير كافية في التمييز بين هذه الأصناف، ولولا ذلك لما وقع بين العقلاء اختلاف، ولا وقع لواحد منهم في رأيه تناقض.

وكل واحد من القياس والحدِّ، فإنه معمول ومؤلف من معانٍ معقولة بتأليف محدود، فيكون لكل واحد منهما مادة منها أُلِّف، وصورةٌ بها يَتِمُّ التأليف. وكما أنه ليس عن أيِّ مادة اتَّفَقَتْ يصلح أن يُتَّخَذَ بيت أو كرسي، ولا بأي صورة اتفقت يمكن أن يتمَّ من مادة البيت بيت، ومن مادة الكرسي كرسي، بل لكل شيء مادة تخُصُّه وصورة بعينها تخصه، كذلك لكل معلوم يُعلم بالروية مادة تخصه، وصورة تخصه منهما يُصار إلى تحققه.

وكما أن الفساد في اتخاذ البيت قد يَقَع من جهة المادة وإن كانت الصورة صحيحةً، وقد يقع من جهة الصورة وإن كانت المادة صالحةً، وقد يقع من جهتيهما جميعًا، كذلك الفساد في الروية قد يَقَع من جهة المادة وإن كانت الصورة صحيحةً، وقد يقع من جهة الصورة وإن كانت المادة صالحةً، وقد يقع من جهتيهما جميعًا.

فالمنطق هو الصناعة النظرية التي تُعَرِّف أنه من أيِّ الصور والموادِّ يكون الحدُّ الصحيح، الذي يُسمَّى بالحقيقة حَدًّا، والقياسُ الصحيح، الذي يُسمَّى بالحقيقة برهانًا، وتُعرف أنه عن أي الصور والموادِّ يكون الحد الإقناعي، الذي يُسمَّى رسمًا، وعن أي الصور والموادِّ يكون القياس الإقناعي، الذي يُسمى ما قَوِيَ منه وأوقع تصديقًا شبيهًا باليقين جدليًّا، وما ضعف منه وأوقع ظنًّا غالبًا خَطابيًّا، وتُعَرف أنه عن أيِّ صورة ومادة يكون الحد الفاسد، وعن أي صورة ومادة يكون القياس الفاسد، الذي يُسمَّى مغالطيًّا وسوفسطائيًّا، وهو الذي يتراءى أنه برهاني أو جدلي، ولا يكون كذلك، وأنه عن أي صورةٍ ومادةٍ يكون القياس الذي لا يُوقِع تصديقًا البتَّة، ولكن تخييلًا يُرغِّب النفس في شيء، أو يُنفرها ويُقزِّزها، أو يبسطها، أو يقبضها، وهو القياس الشعري.

فهذه فائدة صناعة المنطق، ونسبتها إلى الروية نسبةُ النحو إلى الكلام، والعَروض إلى الشعر، لكنَّ الفطرة السليمة والذوق السليم ربَّما أغنيا عن تعلُّم النحو والعَروض، وليس شيء من الفطر الإنسانية بمستغنٍ في استعمال الروية عن التقدم بإعداد هذه الآلة، إلا أن يكون إنسانًا مؤيَّدًا من عند الله تعالى.»

وليُلاحظ من هذه الديباجة مقدار الأهمية، التي يُعلِّقها ابن سينا على الحدِّ، وكيف قابل به القياس، عادًّا إياهما معًا وسيلتين أساسيتين لفنِّ المنطق، وتدل هذه الحال على اتساع الفكرة التي كوَّنها عن هذا الفن، وهي ملاحظةٌ تقوى — كذلك — بِاكْتِراثه لإدخال دراسةِ مختلفِ درجاتِ اليقين، ودراسةِ جميع طرق الإقناع من البرهان الصارم حتى الإيحاء الشعري، إلى موضوع المنطق.

ومع أن ابن سينا فَرَضَ في «الإشارات» عين الغَرَض لهذا العلم، فإنه عرَّفه على وجه أجفَّ وأوجزَ، حيث تُرى الحدود التي أراد حصره فيها أحسن مما هناك، فقد قال في الإشارات:٣ «المراد من المنطق أن تكون عند الإنسان آلةٌ قانونية، تَعصِمه مراعاتها عن أن يَضِلَّ في فكره.»
ويظهر من هذا البيان أن قيمة المنطق عند ابن سينا أقلُّ إيجابيةً منها سلبية؛ فلا تقوم وظيفة المنطق على كشف الحقيقة، فهذا من شأن خصائص الحواسِّ والذهن الفعَّالة. وأما شأن المنطق، فيتجلَّى في وضع قوانين لممارسة هذه الخصائص وعصمتها من الضلال. وليست القوة الفاعلة التي تحصل على الحقيقة في القانون مطلقًا، بل في الذهن الذي يَرقبها، وهي ليست في الآلة، بل في العقل الذي ينتفع بها. وإذا أردنا أن نُضيف وصفًا إلى وصف مؤلفنا، قلنا: ليست الفُرُوسة هي التي تحمل الفارس من مكان إلى آخر، بل الفرس، وإنما الفروسة تنفع الفارس في قيادة الفَرَس، وكذلك ينفع المنطقُ الإنسان في قيادة عقله ويعصمه من الزلات، ومع ذلك، فإن هذا الوصف في الانتقال يوجد عند ابن سينا نفسه، فقد خَتَم تعريفه في «الإشارات» بقوله: «فالمنطق، علم يُتَعَلَّم منه ضروب الانتقالات من أمور حاصلة في ذهن الإنسان إلى أمور مستحصلة.»٤
وقد يكون من الممتع — من ناحية تاريخ التعليم الفلسفي — أن يُصَرَّ على تقسيمات المنطق الذي لنا بالبيان السابق فكرةٌ عنه، فمع أن أنواع المنطق لابن سينا قد كُتبت بوضوح كبير، فإنها قُسِّمَت إلى فصول كثيرة، لا يبدو ترتيبها جليًّا أولَ وهلة، وكان فاتيه قد شَعَرَ بهذا النقص، فَعَرَض في ترجمته تقسيمًا كثيرَ الإحكام؛٥ وذلك أنه لاحَظَ أهميةَ ما أقام المؤلِّف من مقابلة بين الحدِّ والقياس، فقسَّم الكتاب إلى ثلاث رسائل: إحداها في القياس، والثانية في الحد، والثالثة في السُّوفِسْطائية. ثم استند إلى التفريق بين المادة والصورة، فأتى بتقسيم فرعي لهذه الرسائل وَفْقَ ما للقياس والحد والسوفسطائية من مادة وصورة، فهذا الترتيب مما يرتضيه الذهن بعضَ الرضا، ولكن بما أنه غير جلي لدى ابن سينا، الذي ما كان ليرتَبِك في وسمه بسِمَة الوضوح لو أرادها، فإننا لا نَرَى وجوب الارتباط في ذلك.
والأمر التاريخي الذي نرغب في الإشارة إليه هو وجود تقسيمات سِكُلاسِيَّة كبيرة بادية من إنشاء أنواع المنطق في ذلك العصر إنشاءً حرًّا، ولدينا رسالة صغيرة في تقسيم العلوم معزُوَّةٌ إلى ابن سينا،٦ تُعَيِّنُ هذا التقسيم بكلِّ ما يُبْتَغَى من وضوح.

لقد قُسِّم المنطق — خلا العلوم الأخرى في هذه الرسالة — إلى تسعة أقسام مطابقة لكتب أرسطو الثمانية المسبَّقَة بإيساغوجي فُرفُريوس، وقد عُبِّر عن موضوع هذه الأقسام التسعة والكتب التي تطابقها على الوجه الآتي، وهو: إن موضوع القسم الأول هو الألفاظ والمعاني، ويشتمل عليه كتاب «إيساغوجي». وإن موضوع القسم الثاني هو عدد المعاني الذاتية والشاملة بالعموم لجميع الموجودات، ويشتمل عليه كتاب قاطيغورياس «المَقُولات». وإن موضوع القسم الثالث هو تركيب المعاني المفردة حتى تصير قضيةً، ويشتمل عليه كتاب أرمينياس «العبارة». وإن موضوع القسم الرابع هو تركيب القضايا لتكوين دليل يُعرف به المجهول، ويشتمل عليه كتاب أنولوطيقا الأول «التحليل بالقياس».

وإن موضوع القسم الخامس هو الشروط التي يجب أن تقوم بها مقدمتا القياس، ويشتمل عليه كتاب أنولوطيقا الثاني «البرهان». وإن موضوع القسم السادس هو القياسات المحتملة النافعة عند عدم وجود البرهان التام، ويتضمَّنه كتاب طوبيقا «الجدل». وإن موضوع القسم السابع هو المغالطات، ويتضمنه كتاب سوفسطيقا «نقض شُبَه المغالطين». وإن موضوع القسم الثامن هو تعريف المقاييس الخطابية البلاغية النافعة في مخاطبات الجمهور، ويتضمَّنه كتاب ريطوريقا «الخطابة». وإن موضوع القسم التاسع هو الكلام الشعري، ويشتمل عليه كتاب أبوطيقا «الشعر».

وأقام فُرفُريوس — الذي اتَّفَقَ لكتبه في المنطق نفوذٌ عظيم في القرون الوسطى — نوعًا من فلسفة اللسان ما بَقِيَ معه أداةً لاصقةً بمنطقيات أرسطو وما رَاقَ معه العربَ، على الخصوص، بما فيه الكفاية، وذلك بمقدمته للمنطق أو بإيساغوجي. والعرب قد بَدَوْا نحويين بارعين جدًّا، والعرب قد قاموا بتقديس لغتهم باكرًا جدًّا، فحَلَّلُوها بحسٍّ فلسفي عميق، وكان لسانهم نفسه يفتح سبيلًا لهذا العمل؛ أي كانت العبارة العربية، البسيطة المرنة المؤلَّفة من جمل قصيرة عناصرها ذات أدوار محدَّدة بلا التباس، ويربط بينها على مائة شكل مختلف أُلْهُوَّةٌ من الحروف، حسنة الإعداد للقياس السكلاسي، وكان من طبيعة طريقة اشتقاق الكلمات التي تتناول الفكرة في أصلها أول الأمر، فتدل بعدئذ على جميع الوجوه وجميع المظاهر بوساطة عدد قليل من الحروف الطارئة أو التحولات اللفظية، أن تَشْحَذَ الذهن الفلسفي وتساعده.

وقد قامت مدرستا نحويِّي العرب العظيمتان — أي مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة — باكرًا، وذلك منذ القرن الأول بعد الهجرة، فدَرَسَتا الأشعار القومية القديمة وآي القرآن، وجَعَلَ الوحيُ القرآني المنزَّل بلغة العرب من غير أن تجُوز ترجمته هذا اللسان مبجَّلًا مقدسًا حتى عند الأجانب، فبادر هؤلاء إلى خدمة مجده.

أجل، تُرى نتيجة أعمال هؤلاء النحويين الأولين قد كُثِّفَت في كتب ظهرت بعد زمن، ولكن مع القدم البالغ، ككتاب النحو المشهور لسيبويه الفارسي، ما دام هذا العلامة قد توفي سنة ١٧٧ أو سنة ١٨٠ من الهجرة، ومن ثم ترى أن اللسان العربي دُرس فلسفيًّا قبل بدء الحركة الفلسفية العظيمة، وأن النحويين وضعوا — كما وضع فرفريوس — ضربًا من إيساغوجي أو مقدمةً للتوسعات التي تقع فيما بعد.

وقد يكون من المفيد أن يُذكَر كيف يظهر هذا القسم الأول من المنطق في هذه المناهج السكلاسية القديمة. ويدور الأمر — كما هو معلوم — حول القيمة التي تكون للكلمات بالنسبة إلى المعاني التي تنطوي عليها، فيُرى هناك ما يكون اللفظ المفرد واللفظ المركب، واللفظ الذاتي واللفظ العَرَضي، والمُعَيَّن والمطلق، والكلي والجزئي. ويُعرف هناك ما تكون الألفاظ الخمسة التي هي: جنس، ونوع، وفصل، وخاصة، وعَرَض عام، وكيف يَجِبُ أن يُجاب عن السؤالين: ما هو؟ ما هذا الشيء؟ فهذان السؤالان يؤدِّيان إلى مذهب المقولات ومذهب العلل، بَيْدَ أن هذين المذهبين لم يُلمَسَا غير لَمْس سطحيٍّ جدًّا في هذا البدء، ولَأَنْ يُنتظر للكلام عنهما خير من أن نلقاهما في مكان آخر.

وكذلك ترتبط دراسةُ القضايا المعدَّة لتأليف عناصر القياسات في التحليل النحوي، وقد قام ابن سينا بهذه الدراسة بكلِّ عناية وتفصيل، ولا سيما في «الإشارات».٧ وهناك ما تَجِد إيضاحًا لما كان يدُور في ذهن مؤلِّفنا، عندما تكلم في مادة الأحكام ووجوهها، فأما مادة الحكم، فهي ما هو صحيح في الحقيقة حول نسبة المحمول إلى الحامل. وأما الوجه فهو ما يُفَكَّر فيه حول هذه النسبة، وتكون المادة والوجه ضروريين أو غير ممكنين أو ممكنين، وهكذا فإن لفظة الحيوان المعطاةَ مثل محمولٍ للإنسان تؤلِّف حكمًا مادتُه ضرورية؛ وذلك لأن الإنسان حيوان على الإطلاق وفي كل وقت، ولكنني إذا ما عَبَّرْت عن الحكم بالشكل القائل: قد يكون الإنسان حيوانًا، فإن وجه الحكم يكون ممكنًا مع كَوْنِ مادته لا تنفكُّ تكون ضروريةً، ويميل هذا المثال إلى إثباته كون مقدمة مفاهيم الطبيعيات وما بعد الطبيعة حول المادة والصورة في المنطق هي على شيء من الزيادة.

وقد أشار ابن سينا في أثناء دراسته للأحكام إلى خاصِّيَّةٍ طريفة، أو خاصيتين في اللغة العربية؛ وذلك أنه عندما يتكلم مثلًا عن بعض القضايا السيئة التعيين فلا يُعرَف هل الحامل — كالرجل — قد أُخذ بمعنًى كلي أو جزئي، فلاحظ أن هذا لا يمكن أن يكون في العربية، والواقع أنه يُعرف في هذه اللغة، بما لا شك فيه، وذلك بحرف التعريف أمام كلمة «الرجل»، كونُ المقصود هو الرجلَ كليًّا، فإذا نُوِّنَ الاسم فقيل: «رجلٌ» قُصِدَ رجل جزئيًّا.

وإليك مثالًا ممتعًا آخر اقتطفناه من قسم المنطق هذا؛ فهو يَصلُح لإثبات الدقة التي تسود هذا السَّرْدَ كله، فلا نودُّ أن نوكِّده على شكل آخر:٨ «أنت تعلم — على اعتبار ما سلف لك — أن الواجب في الكلية السالبة المطلقة الإطلاقَ العامَّ الذي يقتضيه هذا الضرب من الإطلاق، أن يكون السَّلْب يتناول كلَّ واحد واحد من الموصوفات بالموضوع الوصفَ المذكورَ تناولًا غير مبيَّنِ الحال والوقت، حتى يكون كأنك تقول: كل واحد واحد مما هو «ﺟ» ينفي عنه «ب» من غير بيان وقت النفي وحاله، لكن اللغات التي نعرفها قد خَلَتْ عن استعمال النفي الكليِّ على هذه الصورة في عاداتها، واستعملت للحصر السالب الكليِّ لفظًا يدل على زيادة معنًى على ما يقتضيه هذا الضرب من الإطلاق.

فيقولون بالعربية: لا شيءَ من «ﺟ» «ب»، ويكون مقتَضَى ذلك عندهم أنه لا شيء مما هو «ﺟ» يُوصَف البتةَ بأنه «ب» ما دام موصوفًا بأنه «ﺟ»، وهو سلب عن كل واحد واحد من الموصوفات ﺑ «ﺟ» ما دامت موضوعةً له إلا أن لا تُوضع له، وكذلك ما يقال في فصيح لغة الفرس، هيج «ﺟ» «ب» نيس، وهذا الاستعمال يشمل الضروري وضربًا واحدًا من ضروب الإطلاق الذي شرطه في الموضوع، وهذا قد غلَّط كثيرًا من الناس أيضًا في جانب الكليِّ الموجب، لكن السالِبَ الكليَّ المطلق بالإطلاق العام أولى الألفاظ به هو ما يساوي قولنا: كل «ﺟ» يكون ليس ﺑ «ب»، أو يَسلُب عنه «ب» من غير بيان وقت وحال، وليكن السالب الوجوديُّ وهو المطلق الخاص ما يساوي قولنا: كل «ﺟ» ينفي عنه «ب» نفيًّا غير ضروري ولا دائم، وأما في الضرورة، فلا بُعد بين الجهتين، والفرق بينهما أن قولنا: كل «ﺟ» فبالضرورة ليس ﺑ «ب» يجعل الضرورة لحال السلب عند واحد واحد.

وقولنا: بالضرورة لا شيء من «ﺟ» «ب» يجعل الضرورة لكون السلب عامًّا ولحصره، ولا يتعرَّض واحد لواحد إلا بالقوة، فيكون مع اختلاف المعنى ليس بينهما افتراق في اللزوم، بل حيث صحَّ أحدها صحَّ الآخر، وعلى هذا القياس فاقضِ في الإمكان.»

وقد قلنا آنفًا: إن القياسَ المنطقيَّ عند ابن سينا معتدل جدًّا، وليس لدينا أيُّ قصد في الوقوف عنده، فمن السهل على القارئ أن يَتَمَثَّلَ ما يكون القياس البسيط الحسن الترتيبِ المكتوب بلا ارتباك ولا إسهاب فعُجِل فيه، كما في المثال السابق، استعمال ملائم للحروف عَرضًا لحدود القياس، وأُوضِحَ ببعض الأمثلة القليلة، وقد أُضيفت إلى دراسة القياس المنطقي دراسة التراكيب القياسية التي يُسميها المؤلِّف بالقياسات المركَّبة.

وإنا نستخلص من هذا الفصل الأخير صفحةً أخذناها اتفاقًا للدلالة على أسلوبه،٩ وذلك أن: «تركيب القياس قد يكون موصولًا، وهو أن لا تُطوى فيه النتائج، بل تُذكر مرةً بالفعل، ومرةً مقدِّمةً كقولك: كل «ﺟ» «ب»، وكل «ب» «ﻫ»، فكل «ﺟ» «ﻫ»، وكل «ﺟ» «ﻫ»، وكل «ﻫ» «د»، فكل «ﺟ» «د»، (وقد يكون تركيب القياس مفصولًا، وهو أن تطوى فيه النتائج، كقولك كل «ﺟ» «ب»، وكل «ب» «ﻫ»، وكل «ﻫ» «د»، فكل «ﺟ» «د»). والقياس الذي زاده المحدثون في الشَّرْطِيَّات الاستثنائية هو قياس مركب، وأخذوه على أنه مفرد، كقولك: كانت الشمس طالعةً، فالنهار موجود، وإن كان النهار موجودًا فالأعشى يُبصر والشمس طالعة؛ فإذن الأعشى يُبصر.»

وجميع ما استشهدنا به وما قلناه يكفيان للإشعار بسِمَة منطق ابن سينا الواضحة الوجيزة الدقيقة الثابتة، حيث يَتْبَع المؤلِّف أرسطو وشارحيه بكل استقلال، وذلك من غير أن يبدو عبدًا لرسمهم ولا لتعليمهم، وإنما كان يُكملهم ويكافحهم ويقوِّمهم في بعض الأحيان. ومع ذلك فإننا نخشى أن يَفرغ صبر القارئ، وأن تفوته أهمية هذا التقدم التفصيلي الذي حقَّقَه ابن سينا في المنطق اليوناني. فترانا نبادر إلى إيصاله إلى قسم هذا المنطق، الذي ظلَّ حيًّا، والذي موضوعه فن التصديق على العموم ونظرية العلم.

وقد رأينا في تعريف المنطق أن العلم تَصَوُّرٌ وتصديق. وقد بيَّن ابن سينا — الذي لم يكن عالمًا نفسيًّا نفَّاذًا أقلَّ منه عالمًا منطقيًّا دقيقًا، وذلك في منطقه — أن هذين العنصرين متحدان اتحادًا وثيقًا، وأنهما يتعاونان تعاونًا شديدًا في جميع درجات العمل الذهني.

«وكل تصديق وتصور فإما مكتسَبٌ ببحث ما، وإما واقع ابتداءً.»١٠ ويُكتسب التصديق بالقياس، ويُكتَسَب التصور بالحد، ولا يمكن وقوع القياس بلا تصور، «وللقياس أجزاء مصدَّق بها ومتصوَّرة»، ويقوم الحد على تصورات أيضًا، غير أن هذه التصديقات والتصورات التي يستخدمها الذهن في وقتٍ ما من أوقات دراسة العلم تقوم نفسها على تصديقات وتصورات سابقة، ولا يُمكن ذهاب سلسلة ذلك إلى غير نهاية، كما لا تذهب سلسلة المعلولات والعلل؛ ولذا فلا بُدَّ من أن تنتهي الأمور إلى «مصدقات ومتصورات بلا واسطة، ولنُعدَّ المصدقَ بها بلا واسطة»، وهذا الحد الذي ينطلق المنطق منه يُلقى — كما هو واضح — في تجارب الحواسِّ الأولى وفي مبادئ الذهن الأولى.

وفي المنطق يتناول ابن سينا بالتدريج شأنَ الإحساس كمبدأ للمعرفة، فيُتاح له الكلام عنه فيما بعد، ومع ذلك فإن الكلمات القليلة التي تكلَّم بها عنه هنا ذات فائدة، وذلك كما أنه لاحَظَ عَدَمَ وجود قياس بلا تصور وَكَّدَ عدم وجود محسوس بلا قياس. «فالمحسوسات هي أمور أوقع التصديق بها الحسُّ بشركة من القياس»؛ ومن ثم يُرَى أنه يريد بالمحسوسات مُجَرَّبات الحواسِّ، وهو يُوضِحُ الدورَ الذي تمثِّله الذاكرة في هذه التجربة، فيقول: «إذا تكرَّر في إحساسنا وجود شيء لشيء، مثل الإسهال للسقمونيا، والحركات المرصودة للسماويات، تكرَّر ذلك منا في الذكر، وإذا تكرَّر منا ذلك في الذكر حَدَثَتْ لنا منه تجربة بسبب قياس اقترن بالذِّكر، وهو أنه لو كان هذا الأمرُ كالإسهال مَثَلًا عن السقمونيا اتفاقيًّا عرضيًّا، لا عن مقتضى طبيعته، لكان لا يكون في أكثر الأمر من غير اختلاف، حتى إنه إذا لم يوجد ذلك استندرت النفس الواقعة، فطلبت سببًا لِمَا عَرَضَ من أنه لم يوجد. وإذا اجتمع هذا الإحساس وهذا الذكر مع هذا القياس أذعنت النفس بسبب ذلك التصديق بأن السقمونيا من شأنها إذا شُربت، أن تُسْهِل صاحبها.»

وفضلًا عن الذاكرة، فإن الوهم يُمَثِّل عند ابن سينا دورًا مهمًّا في مبادئ قياساتنا، «فالعقل يبتدئ من مقدمات، يساعده عليها الوهم»، وتنطوي هذه المقدماتُ على حقائقَ متفاوتة، فبعضها ما هو من الإيمان، «والمقبولات آراء أوقع التصديق بها قول من يوثق بصدقه فيما يقول إما لأمر سماوي يختص به، أو لرأي وفكر قويٍّ تميز به، مثل اعتقادنا أمورًا قبلناها عن أئمة الشرائع»، وأخرى مقدماتُ حسٍّ كلي.

«فالذائعات مقدمات وآراء مشهورة محمودة، أوجب التصديقَ بها، إما شهادة الكل — مثل أن العدل جميل — وإما شهادة الأكثر، وإما شهادة العلماء أو شهادة أكثرهم أو الأفاضل منهم فيما لا يخالِف فيه الجمهورُ». ومثل هذا النوع من المقدمات — أيضًا — المبادئُ التي تقوم على العادات المكتسبة منذ الصبا، أو القائمة على أهواء يكون الإنسان عُرضةً لها، أو على «الاستقراء الكثير»، فليست حقيقةُ مثل هذه المقدمات مطلقةً، ثم توجد مبادئ العقل (الأوَّليَّات)؛ «فالأوليات، هي قضايا ومقدمات تَحدُث في الإنسان من جهة قوته العقلية من غير سبب يُوجِب التصديق بها إلا ذَوَاتها … فوجب أن يُصدِّق بها الذهن ابتداءً ومن غير أن يشعر»، ومن هذه الأوَّليات — مثلًا — كونُ الكل أعظمَ من الجزء.

أجل، إن للحسِّ نصيبه — أيضًا — في تكوين هذا النوع من المقدمات، ولكن ليس النصيب الرئيس. «نعم، قد يمكن أن يُفيده الحسُّ تصوُّرًا للكل وللأعظم وللجزء. وأما التصديق بهذه القضية فهو من جِبِلَّته (أي العقل).»

وللعلوم موضوعاتٌ ومسائلُ ومقدمات،١١ وقد تكلَّمنا عن المقدمات الكلية، وتوجد مقدماتٌ لكلِّ علم. وهذه هي متعارَفات هذا العلم، وذلك خَلَا بعض الافتراضات أو بعض المبادئ المسلَّم بها من غير برهان فيوجِبها الأستاذ؛ وذلك إما لأن هذه الافتراضات أُثبِتت في علم قريب، وإما لأنها ستُثبَت في عين العلم الذي يُعلِّم، وإما لأن للتلميذ الذي يتَعَلَّم العلمَ لا يجد فيها ما يُعاند. ومن هذه المبادئ المسلَّم بها من غير برهان في الهندسة مثلًا: أن الخطين إذا وَقَعَ عليهما خط مستقيم فكانت الزاويتان اللتان من جهة واحدة أقلَّ من قائمتين، فإن الخطين يلتقيان من تلك الجهة.

وموضوعات العلوم هي الأمور التي تُوضَع في العلوم، وتُطلب أعراضها الذاتية مثل المقدار للهندسة، ومثل العدد للحساب، ومثل الجسم من جهة ما يتحرك ويسكن للعلم الطبيعي، ومثل الموجود والواحد للعلم الإلهي، ولكلٍّ منها أعراض ذاتية تخُصُّه مثل المنطق والأصمِّ للمقادير، ومثل الشكل لها، ومثل الزوج والفرد للعدد، ومثل الاستحالة والنموِّ والذبول وغير ذلك للجسم الطبيعي، ومثل القوة والفعل والتمام والنقصان للموجود، وبالحدِّ تُعَيَّن موضوعات العلم، فلنقل بضع كلمات عنها.

يُفرِّق فلاسفةُ العرب بين الحَدِّ والرسم،١٢ وإليك إيضاحَ ابن سينا لذلك في الإشارات:١٣ «الحدُّ قولٌ دال على ماهية الشيء، ولا شك في أنه يكون مشتملًا على مقوماته أجمع، ويكون لا محالة مركبًا من جنسه وفصله؛ لأن مقوماته المشتركة هي جنسه، والمقوِّم الخاص فصلُه، وما لم يجتمع للمركب ما هو مشترك وما هو خاص لم تتمَّ للشيء حقيقته المركبة، وما لم يكن للشيء تركيب في حقيقته لم يمكن أن يُدَلَّ عليها بقول، فكلُّ محدود مركَّبٌ في المعنى.» ومثل هذا قول ابن سينا في النجاة:١٤ «إن البرهان والحدَّ متشاركان في الأجزاء، فما لا برهان عليه فلا حَدَّ له، وكيف يكون له حدٌّ، وإنما يتميَّز بالعوارض الغير المقوِّمة، فأما المقوِّمات فمشتركة لها؟»
والوجه — الذي يُكون به الرسم — أقل تعيينًا من الوجه الذي يُنال به الحد، قال فيلسوفنا:١٥ «وأما إذا عُرِّف الشيء بقَوْلٍ مُؤَلَّف من أعراضه وخواصه، التي تخُصُّه بالاجتماع، فقد عُرِّف ذلك الشيء برسمه، وأجودُ الرسم ما يُوضع فيه الجنس أولًا، ليُفيد ذاتَ الشيء، مثاله ما يُقال للإنسان: إنه حيوان مشَّاء على قدميه، عريض الأظفار، ضحَّاكٌ بالطبع، ويقال للمثلث: إنه الشكل الذي له ثلاث زوايا، ويجب أن يكون الرسم بخواصَّ وأعراضٍ بيِّنة للشيء، فإن من عرَّفَ المثلث بأنه الشكل الذي زواياه مثل قائمتين لم يكن رسمه إلَّا للمهندسين.»

والمسائل التي تُوضع في العلوم هي — عدا مسائلَ معرفةِ ما الشيء، وهل هو موجود — ما يؤخذ في الجواب عنه بالحد والرسم، ومسائل معرفة أين يكون هذا الشيء ومتى يكون، وكيف يكون، ولماذا يَكُون، وتسُوقُنا هذه المسائل المختلفة، التي تستدعي نظريةَ المقولات ونظريةَ العلل، إلى حدود المنطق وإلى النقطة التي يَلْمَس عندها هذا العلم ما بعد الطبيعة.

وكانت مسألة العلل قد ارتبطت في مسألة الحدِّ، قال ابن سينا:١٦ «إن الجواب عن لمَ؟ والجواب عن ما هو؟ متفقان؛ وذلك لأن الجوابين يكونان بما هو داخل في ماهية الشيء، مثاله: لِمَ انكَسَفَ القمر؟ فنقول: لأنه تَوَسَّطَ بينه وبين الشمس الأرضُ؛ فانمحى نوره، ثم نقول: ما كسوف القمر؟ فنقول: هو انمحاء نور القمر لتوسط الأرض.»
والجواب العادي للسؤال: لم؟ في البراهين هو العلة القريبة الحاضرة، وتدخل العلل الجوهرية الاتساع المتساوي أو الأعلى للشيء في حده، ولكن علل الاتساع الأقل لا تدخل فيه، وهي لا يمكن أن تُستدعى إلا في البراهين التي تُقدَّم بسببه، ومما يحدث أحيانًا أن تدخل عِلَلُ السكلاسية الأربع، وهي: المادية، والصورية، والفاعلية، والغائية في حدِّ الشيء معًا، مثاله: أن يقال عند تحديد القدوم: «إنه آلة صناعية من حديد شكلها كذا، ليُقطع به الخشب نحتًا.»١٧ فالآلة جنس، والصناعية تدل على المبدأ الفاعل، والشكلُ على الصورة، والنحت على الغاية، والحديد على المادة، وإذا ما نُظر إلى الأمر نظرةً عامةً وُجِدَ وجوب كونِ العلة أو مجموع العلل المستدعاة من ذات الاتساع كالمعلول؛ وذلك إنتاجًا في البراهين المنطقية.
ويَرتبط بعض مختلف العلوم في بعض بموضوعاتها، ويُصَنَّف بعضُها تحت بعض وَفْقَ سلسلة مراتب هذه الموضوعات، وبما أن معضلة تصنيف العلوم كانت شائعةً في القرون الوسطى، فإننا نُقدِّم قائمةً مختصرةً عن العلوم كما جاءت في مدرسة ابن سينا، وذلك وَفْقَ الرسالة التي كنا قد استخرجنا منها تقسيم المنطق،١٨ وبذلك نختم هذا الفصل.

تُقسَّم الفلسفة، التي هي اسم يُطلق على مجموع علوم الحكمة، إلى قسمين: الفلسفة النظرية، والفلسفة العملية؛ فغرض الأولى هو الحقيقة، وغرض الثانية هو الخَيْر.

وتقسم الفلسفة النظرية إلى ثلاثة أقسام، وهي: العلم الأسفل ويُسمَّى الطبيعيات، والعلم الأوسط ويُسمى الرياضيات، والعلم الأعلى ويُسمَّى الإلهيات، وكذلك الفلسفة العملية تُقسَّم إلى ثلاثة أقسام، وهي: علم ما يجب أن يكون عليه الإنسان مِثْلَ فرد، وهو الأخلاق، وعلمُ ما يجب أن يسلكه حيالَ بيته وزوجه وأولاده وأمواله، وهو الاقتصاد (تدبير المنزل)، وعلم الحكومات ونظام المدن الكاملة والناقصة، وهو السياسة.

ويُقسَّمُ كلٌّ من العلوم التي تتألَّف الفلسفة النظرية منها إلى طائفة من العلوم الصِّرفة أو الأولى، وإلى طائفة من العلوم التطبيقية أو الثانية.

والعلوم التي تُصَفُّ في الطبيعيات الصِّرفة هي: علم الموجودات على العموم، والهَيُولي، والصورة، والحركة، والمحرِّك الأول، وعلمُ الأجسام الأولى التي يَتَكَوَّن منها العالَم والسماوات والعناصر وحركاتها، وعلمُ الكون والفساد، وعلمُ الآثار العلوية، وعلم المعادن، وعلم النباتات، وعلم الحيوان، وعلم النفس وخواصِّها، سواءٌ أفي الحيوان أم في الإنسان، ويربط المؤلِّف بهذا القسم الأخير من العلم الطبيعي الصرفِ مسألةَ خلود النفس.

وتشتمل الطبيعيات التطبيقية على الطبِّ، والتنجيم، والفِراسة، وتفسير الأحلام، وعلم الطَّلَاسِم، وعلمِ السحر، وعلم السيمياء.

ووُضعت أربعةُ علوم في الرياضيات الأولى، وهي: العدد، والهندسة، والفلك، والموسيقى.

وتُطابِقُ هذه العلومَ في الرياضيات الثانية علومٌ تطبيقية مختلفة؛ فيرتبط في علم العدد الحساب الهندي السِّتُّوني، والجبر، ويرتبط في علم الهندسة المساحة، والميكانيكا، وجر الأثقال، وصُنعُ الأوزان والموازين، وعلم الآلات الجزئية، وعلم المناظر والمَرَايا والمائيات (نقل المياه)، ويرتبط في علم الفلك فنُّ وَضْع الأزياج والتقاويم، ويرتبط في الموسيقى إنشاءُ الآلات الغريبة مثل الأرغل، وما أشبهه.

وللإلهيات الأولى خمسة أقسام، وهي: (١) علم المعاني العامة التي تشتمل على جميع الموجودات؛ أي: الهُويَّة والواحد والكثرة والوِفاق والخلاف والتضادُّ والقوة والفعل والعلة والمعلول. (٢) معرفة المبادئ الأولى للعلوم. (٣) النظر في إثبات الحق الأول وتوحيده، والدلالة على تفرُّده وربوبيته، وغير ذلك من الصفات. (٤) علم الجواهر الأولى الروحانية التي هي أقرب المخلوقات إلى الحق الأول كالكَرُوبيين، وعلم الجواهر الروحانية الثانية التي تكون دون الأولى، كالملائكة المُوكَلِ إليهم أمر السماوات والحَمَلَة لعرش الإله أو المدبرين للطبيعة. (٥) علمُ الوجه الذي تَخْضَعُ به الجواهر الجسمانية السماوية والأرضية لتلك الجواهر الروحانية.

وأخيرًا؛ تشتمل الإلهيات الثانية على علم الوحي وعلم المعاد؛ أي الثواب والعقاب في الحياة الأخرى.

١  أُتِيح لنا أن نُبْدِي رأينا الصريح في القياس المنطقي في «حوليات الفلسفة النصرانية»، ١٨٩٨.
٢  النجاة، طبعة رومة، ص١.
٣  الإشارات، طبعة فورجه، ص٢.
٤  أي مطلوب تحصيلها.
٥  فاتيه: منطق ابن سينا، المقدمة.
٦  الرسالة الخامسة من «رسائل في الحكمة»، ص٧٩.
٧  الفصول ٣–٦ من الكتاب.
٨  الإشارات، ص٣٨.
٩  الصفحة ١٤ من طبعة النجاة، والصفحة ١٥٣ من ترجمة فاتيه، ولا يمكننا أن ننقل ترجمة فاتيه الفرنسية على علاتها مع أنها جميلة؛ وذلك لأنها على شيء من القدم كما يلوح.
١٠  تجد النظرية الآتية في فصل «النجاة» الذي عنوانه: «فصل في المحسوسات»، ص١٦ من المتن العربي، ويقابل هذه الصفحة ص١٨٣ وما بعدها من ترجمة فاتيه.
١١  استخلصت النظرية الآتية — على الخصوص — من فصول النجاة حول الموضوعات والمسائل والمقدمات، والحدود والأوليات واليقينيات، ص١٧-١٨ من المتن، راجع فاتيه، ص٢٠٥ وما بعدها.
١٢  راجع رسائل إخوان الصفا، طبعة ديتريسي، ص٥٧٧.
١٣  الإشارات، ص١٧.
١٤  راجع ص٢٢٧ من ترجمة فاتيه.
١٥  الإشارات، ص١٩.
١٦  النجاة، ص٢٠، فاتيه، ص٢٥٣.
١٧  فاتيه، ص٢٦٦.
١٨  رسائل في الحكمة، ص٧١ وما بعدها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤