الفصل السابع

طبيعيات ابن سينا

الطبيعيات عند القدماء – دخول قسم من علم النفس عند الشيخ الرئيس تحت عنوان الطبيعيات – مبدأ الكمالات ومبدأ القوة عند ابن سينا – القياس الزماني والسرعة – المكان وتعريفه عند ابن سينا – الخلاء والحركة – قابلية الأجسام للتجزُّؤ.

***

جرت العادةُ في القرون القديمة والقرون الوسطى على عَدِّ الطبيعيات قسمًا من الفلسفة؛ وذلك لأن الفلسفة كانت علمَ الموجودات وأحوالها وَفْقَ تعريفها القديم على الخصوص، وأدقُّ من ذلك أن يقال: إن الطبيعيات كانت تدخل ضِمْنَ نطاق الفلسفة لاحتياجها إلى ما بعد الطبيعة، ولاحتياج ما بعد الطبيعة إليها، وكانت الطبيعيات في نظر قدماء الفلاسفة تُوجَدُ في حقلِ الملاحظة وحقل العقل، وما كانت الملاحظة المحسوسة لِتستغنيَ عن القياس ولا العقلُ عن الحواسِّ، فما كنتَ تَجِدُ هوةً بين الدائرتين على الإطلاق.

ومن عدم الإنصاف نحو المناهج السِّكُلاسِيَّة؛ أن اتُّهِمَت بتكوينها حول الموجودات آراءً سابقةً من غير اكتراثٍ للتجربة، فلو أُحْسِنَ إدراك روح هذه المذاهب المُسِنَّة لرُئِيَ أنه لا شيء أكثرُ خطأً من ذلك؛ وذلك أن القياس والملاحظة متداخلان في ذلك، وأن البحث النظريَّ قائم على العلم الوضعيِّ في ذلك، وأن العلم منتظِمٌ في ذلك بواسطة البحث النظري، فيوجد في ذلك انسجام بين الفكر والموضوع وبين المجرَّد والعين، وبين العقل والأشياء. والمبدأ السابقُ الوحيدُ الذي تَجِدُهُ هنالك هو المبدأ الذي يُوَكِّد وجودَ هذا التوافق، والذي يطالب الفيلسوفَ بيقين سابق بإمكان تطبيق العقل على الأشياء.

وليُعنَ بدراسة تكوين فلسفة القرون الوسطى، وليُنظرْ إلى أنها مدينة بأغاليطها — ضبطًا — لوضعها نفسَها ضمن تابعيةٍ وثيقةٍ لعلمٍ كان لا يزال ناقصًا، لا لأنها استَخَفَّتْ بالعلم الوضعيِّ.

وسنبدأ بإلقاء نورٍ على هذا الأمر في الفصل الحاضر، وما نقوله، بعد ذلك، عن علم النفس وما بعد الطبيعة يُتِمُّ إقامته.

ويستند علمُ النفس إلى الطبيعيات بلا انقطاع، وفي سِكُلاسيَّة ابن سينا يدخُل قسمٌ من علم النفس، وهو الذي يَدُور موضوعُه حَوْل علم الأنفُس، تحت عنوان الطبيعيات. وفضلًا عن ذلك، فإن الطبيعيات ترتبط بما بعد الطبيعة؛ وذلك لأن سلسلة الموجودات متصلة من الهَيُولي إلى العقل، ثم إن من المفيد أن يُذكر وجود صلات متبادَلة تجمع بين الطبيعيات والمنطق. ولا غرو، فالمنطق يستعير من العالم الطبيعي كثيرًا من المبادئ التي يحتاج إليها، ولا سيما مبادئُ المقولات والعلل، كما أن المنطق، من ناحية أخرى، يُعِيرُ الطبيعيات آلة مناهجه ونابض قياساته، ما دمنا نسلِّم بأن قوانين العقل تُطَبَّق على الطبيعة.

ولا نَقْصِدُ القيام هنا بعرضٍ تامٍّ لطبيعيات ابن سينا، فتاريخ الفلسفة، لا تاريخ العلوم هو ما نَرَى شَغْلَ بالنا به، ولكن بما أننا أشرنا — بالضبط — إلى أن الطبيعيات السِّكُلاسية تشتمل على فلسفة، فإنه يجب أن نستخرج منها ما يتَّصِل بموضوعنا، وهذا ما سنصنعه بسهولة، وذلك بدرسنا بعض مبادئ هذا العلم الرئيسة أو قضاياه.

•••

من الواضح أنه يوجد أساس طبيعي لمبدأيْ ما بعد الطبيعة الكبيرين: المادة، والصورة. وهما يبدوان في بدء الطبيعيات من النجاة١ حيث جاء: «نقول إن الأجسام الطبيعية مركَّبة من مادة هي محل، وصورةٍ هي حالَّةٌ فيه، ونسبة المادة إلى الصورة نسبة النحاس إلى التمثال.» وكذلك المقولات مبادئُ استوحتها الطبيعيات، «وفي مادة الجسم الطبيعي صور أخرى غير الصورة الجسمية، فلها صور مناسبةٌ لباب الكَيْف ولباب الأَيْن، ولغير ذلك. وإذا كان الأمر على هذا فللأجسام الطبيعية إذا أُخذت على الإطلاق من المبادئ المقارنة مبدآن فقط: أحدهما المادة، والآخر الصورة. ولواحق الأجسام الطبيعية هي الأعراض العارضة من المقولات التسع، وفرقٌ بين الصور وبين الأعراض؛ فإن الصور تحُلُّ مادةً غير متقوِّمة الذات على طبيعة نوعها، والأعراض تحلُّ الجسم الطبيعيَّ الذي تَقَوَّمَ بالمادة والصورة، وحصل نوعه.»

وللأجسام كمالات أولى وكمالات ثانية حُددت هكذا: «وذلك إما كمالات أولى، وهي التي إذا ارتفعت بَطَلَ ما هي له كمالات، وإما كمالات ثانية لا يؤدِّي ارتفاعها إلى بطلان الشيء الذي هي له كمالات، بل يؤدِّي إلى ارتفاع صلاح حاله.»

وينتقل ابنُ سينا من مبدأ الكمالات هذا إلى مبدأ القوة، الذي نرى من المفيد تحليلَه. ويقول في بدء الأمر: «ليس شيء من الأجسام الموجودة يتحرك أو يسكن بنفسه.» وهذا بيان صريح عن مبدأ الجمود، ولم تلبث الفكرة أن صارت أكثرَ عمقًا؛ وذلك أنه «ليس جسم يتحرك عن جسم آخر أو قوة فائضة عن جسم، فليس يَصدُر عنه شيء إلا وفيه قوة» مناسبة، ويمكن تفسير هذه الفكرة بعَدِّها مفهومًا حركيًّا، قائلًا بأن القوة تكون دائمًا كامنةً في الشيء الذي يتحرك، وذلك خلافًا للمفاهيم السكونية الدارجة، القائلة بأن القوة تتحرَّك عن أشياء خارجية كما يلوح.

بَيْدَ أن ابن سينا يُوضِحُ رأيه: إن هذه القوى الملازمة للجسم ليست غيرَ الكمالات الأولى التي تَصدُر عنها الكمالات الثانية، وعن الكمالات الثانية تصدر أفعال الأجسام، وللقُوَى ثلاثة أقسام: فالقوى الأولى هي التي تحفظ في الأجسام كمالاتِها الخاصة بأشكالها ومواضعها الطبيعية، فإذا زالت عن مواضعها الطبيعية وأشكالها أعادتها إليها وثبَّتتها عليها، وهذه القُوَى تُسَمَّى طبيعية، وهي مبدأ لحركاتها بالذات وسكوناتها بالذات، ولسائر كمالاتها التي لها بذاتها، وليس شيءٌ من الأجسام الطبيعية بخالٍ من هذه القوة، والنوع الثاني قوًى تفعل في الأجسام أفعالَها من تحريكٍ أو تسكين وغيرها من الكمالات بتوسط آلات ووجوه مختلفة؛ فبعضها يفعل ذلك دائمًا من غير اختيار ولا معرفة، فيكون نفسًا نباتيةً، ولبعضها القدرة على الفعل وتركه، وإدراك الملائم والمنافي، فيكون نفسًا حيوانية.

وتدخُل ضمن هذا النوع كمالات النفس الإنسانية، التي تستطيع الإحاطة بحقائق الموجودات على سبيل الفكرة، وبهذا نَصِلُ إلى علم النفس، «والنفس بالجملة كمالٌ أوَّلُ لجسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوة»، والنوع الثالث قوًى تفعل مثل هذا الفعل لا بآلات، بل بإرادة متجهة إلى سنَّة واحدة لا تتعداها، وتسمى نفسًا فلكية، وبهذا النوع نصل إلى ما بعد الطبيعة.

ومما تقدَّم ترى — إذن — تحليلًا للمبدأ الطبيعي الذي جاوزنا به جميع الفلسفة في بضع كلمات، وفضلًا عن ذلك فإن هذا التحليل جميل، وإن من طبيعة هذا المفهوم الحركيِّ عن القوة أن يَرُوق بعض الأذهان في الزمن الحاضر أيضًا، وفي فصل آخر،٢ يدنو ابن سينا من السُّكونية الحديثة، وهو يوَكِّد فيه الملاحظة التي لها فائدتها فيما بعد الطبيعة، والقائلة بعدم وجود قوة غير متناهية، ما دامت أحوالها قابلةً للزيادة والنقصان، ثم إنه يعرض أحوال القوة بجرِّ الأثقال ورفع الأوزان، وهو يذكر المبدأ الميكانيَّ القائل: إن ما يُكسَب بالشِّدَّة يُخسَر بالمسافة، ونحن نقول: إن ما يُكسب بالقوة يُخسر بالسرعة.

ولذا؛ فإن ابن سينا كان ذا إدراكٍ جَلِيٍّ للمبادئ الميكانية، وكان لإدخال رُوحِ ما بعد الطبيعة في هذه الطائفة من المسائل نتيجةُ حَمْله على إهماله بعضَ الإهمال للقوة السُّكونية؛ كيما يُطيل الكلام عن المبدأ الحركي، الذي هو أرفع شأنًا لا ريب.

ومبدأ الزمان ومبدأ الحركة متلازمان، وإذا ما خَطَوْتَ أكثرَ من ذلك في روح مدرسة ابن سينا وَجَدْت أن مبدأ الزمان تابع لمبدأ الحركة، قال ابن سينا: «لا يُتصوَّر الزمان إلا مع الحركة، ومتى لم يُحَسَّ بحركة لم يُحسَّ بزمان.»٣ ويَشُدُّ فيلسوفنا على المَظْهَر النفسيِّ لهذه الفكرة بإثارته المقارنة القائلة: «مثلَ ما قيل في قصة أهل الكهف»، وتقوم هذه القصة على خبر النيام السبعة؛ وذلك أن سبعة شباب كانوا قد التجئوا إلى كهفٍ، فرارًا من ظلم دقيانوس، فناموا فيه نومًا عجيبًا، ثم أفاقوا بعد ٢٤٠ سنة، ظانِّين أنهم لم يناموا غير ليلة واحدة. وقد عُبر عن ذات الفكرة على وجه إلهي في عبارة جاءت في رسالة «عيون الحكمة» لابن سينا.٤

قال ابن سينا: «فأما السكون، فالزمان لا يتعلَّق به، ولا يُقدِّره إلا بالعَرَض؛ إذ لو كان متحركًا ما هو ساكن لكان يطابق هذا الجزءَ من الزمان، والحركات الأخرى يقدِّرها الزمان، لا بأنه مقدارُها الأول، بل بأنه معها كالمقدار الذي في الذِّراع يُقدِّر خشبة الذراعِ بذاته ويُقدِّر سائرَ الأشياء بتوسطه؛ ولهذا يجوز أن يكون زمان واحد مقدارَ الحركات فوق واحدة.» والواقع أن الأجسام الطبيعية — وفق هذا المنهاج — لا تكون في الزمان مباشرةً، وإنما تكون أولًا في الحركة التي تكون في الزمان. وقد عُبر عن هذه الفكرة البالغة الدقة في العبارة التي جاءت بعد الكلمة المذكورة: «والجسم الطبيعي في الزمان لا لذاته، بل لأنه في الحركة والزمان.»

ويُحكم — بمَطْلَع هذا التحليل — في السهولة التي وقعت بها معالجة هذه المبادئ، وقد كان سِكُلاسيُّو الشرق كَثِيرِي الاستقلال في أفكارهم حول الزمن، وهم لم يُقاسوا عسرًا في عَدِّه مُحْدَثًا، في عَدِّه مخلوقًا. وما أكثر ما اعتَبَرَ تفكيرُهم نفسَه مُحَرَّرًا من الشرط الزماني، الذي يبدو لنا أكثَرَ جَبَروتًا في الوقت الحاضر.

وانظروا إلى مقدار البساطة التي يتكلم بها ابن سينا٥ عن ذلك. قال ابن سينا: «ليس الزمان محدثًا حدوثًا زمانيًّا، بل حدوث إبداع لا يتقدَّمه محدثه بالزمان والمدة، بل بالذات، ولو كان له مبدأ زماني لكان حدوثه بعدما لم يكن؛ أي بعد زمان متقدِّم»، وهذا يُنافي الفرضية القائلة بوجود أصل له، «فالزمان مبدع؛ أي يتقدَّمه باريه فقط»، وقد يحاول بعض الناس عَدَّ هذه التأملات رفيعة الشأن، ولكن القارئ الذي يتفضَّل بالاطمئنان إلى سياق مؤلِّفنا بلا غَرَض يَحكُم بسذاجتها من ناحيتها العقلية أكثرَ من أن يَرَى ذلك؛ ولذا فلنواصل التحليل.

«ومعنى المحدث الزماني أنه لم يكن، ثم كان. ومعنى لم يكن أنه كان حالٌ هو فيه معدومًا، وذلك الحال أمر قد وُجد». وأما الزمان فإنه لم يحدث في الزمان، ومثل هذا أمر الحركة، لا كلُّ حركة، بل حركة السماوات المستديرة، والواقع أنه يجب أن نتعوَّد الفكرة القائلة — في هذا المنهاج — إن حركة الأفلاك السماوية، أو الفلك الخارجي على الأقل، قد وُضِعَتْ مثل مبدأٍ لجميع فعَّالية العالم على الوجه الذي سنوضِّحه؛ وذلك أن الزمان ليس سوى خضوع لازم لهذه الحركة، «فالزمان مقدار للحركة المستديرة». وهذه هي النظرية التي كنا قد لَقِيناها عند الكندي، وبما أن هذه الحركة متصلة فالزمان متصل.

ويقول ابن سينا مواصلًا: إن جميع الموجودات ليست في الزمان حادثةً في الحال، «بل الشيء الموجود في الزمان. أما أولًا فأقسامه، وهو الماضي والمستقبل، وأطرافه وهي الآنات. وأما ثانيًا فالحركات، وأما ثالثًا فالمتحركات، فإن المتحركاتِ في الحركة، والحركة في الزمان، فتكون المتحركات بوجه ما في الزمان»، وتكون الآنات كالوحدات في العدد، وتكون المتحركات كَكَوْن المعدودات في العدد، وكل متصل من المقادير الموجودة قد يُفصل فيقع عليه العدد، فلا عَجَبَ لو فُصل الزمان، ولا يكون ما لا يدخل في الأصناف الثلاثة المذكورة، في الزمان، بل إذا قُوبل مع الزمان واعتبر به، فكان له ثبات مطابق لثبات الزمان وما فيه، وسُمِّيَتْ تلك الإضافة وذلك الاعتبار دهرًا له، فيكون الدهر هو المحيط بالزمان، ويُطبَّق القياس الزماني على الأشياء التي ليست ضمن الزمان بواسطة هذا الدهر الثابت. ولا بُدَّ من الاعتراف بأن هذا تحليل نفَّاذ يمكن الانتفاع بكثير منه في هذه الأيام.

وقد يكون من المُمتِع أن يُستمع إلى قول ابن سينا عن السرعة؛ وذلك لكلامه عنها بروح سِكُلاسية، فبعد أن لاحظ ابن سينا٦ «أن كلَّ حركة تُفرض في مسافة على مقدار من السرعة»، وضع لنفسه سؤالًا قائلًا: علام يُطبَّق هذا المقدار، فاسمع جوابه: «وهذا المقدار وجوده في مادة؛ لأنه يوجد منه جزء بعد جزء، وكلما كان كذلك فكلُّ جزء يُفرض منه حادث، وكل حادث ففي مادة، أو عن مادة، وليس هذا عن مادة؛ لأن مجموع المادة والصورة لا يَحدُثان حدوثًا أوليًّا، بل الهيئة والصورة. فهو — إذن — مقدار في مادة، وكل مقدار يوجد في مادة وموضوع. فإما أن يكون مقدار للمادة أو الهيئة فيها، ولكن ليس هذا المقدار للمادة؛ لأنه لو كان مقدارًا للمادة بذاتها لكان بزيادتها زيادة المادة، ولو كان كذلك لكان كلُّ ما أسرعُ أكبرَ وأعظمَ، والتالي باطل، فالمقدَّم باطل، فإذن هو مقدار للهيئة.»
وقد ترجمنا هذه العبارة التي هي على شيء من الطرافة بأسلوبها، ولكن النتيجة فيها ممتازة أيضًا. وحاصل القول: إن ابن سينا يضع مبدأ الحركة في هيئةٍ لمادة المتحركات، فالحركة تكون بالقوة في هذه الهيئة، ثم تنتقل إلى الفعل مقدارًا فمقدارًا، قال ابن سينا في موضع آخر:٧ «الحركة تُقال على تبدُّل حالٍ قارَّة في الجسم يسيرًا يسيرًا على سبيل اتجاه نحو شيء، والوصول بها إليه هو بالقوة، لا بالفعل على وجه متصل، لا دفعة واحدةً.» ويسوقنا هذا التعريف إلى مفهوم مماثل لمبدأ القوة الحية الحديث، ولكن مع كونه أكثرَ لاهوتيةً وأقلَّ رياضيةً في الوقت نفسه، وهو يأتي بنا إلى وجهة نظر حركية، حيث رأينا وضع ابن سينا في تحليل مبدأ القوة عن تفضيل.
وقد عرَّف ابن سينا المكان كما عرَّفه الكندي. قال مؤلِّفنا:٨ «يقال مكانٌ لشيء يكون فيه الجسم، فيكون محيطًا به.» وقال في مكان آخر:٩ «المكان هو نهاية الحاوي المُماسَّة لنهاية المحويِّ، وهذا هو المكان الحقيقي. وأما المكان غير الحقيقي، فهو الجسم المحيط.»
ويَسْتَخْلِص فيلسوفنا نتائج مفيدةً من مبدأ المكان الطبيعي، الذي يجب أن يُماز من السابق، فيقول: «لكل جسم مكان طبيعي واحد.» وهذا هو المكان الذي يميل إليه في حركته الطبيعية، وإن شئت فقل: إن كلَّ جسم يُترك لنفسه يميل إلى مكان يكون واحدًا دائمًا، وكذلك يكون للجسم شكل وموضع طبيعيان، «فالجسم، إذا خُلِّيَ وطباعَه١٠ لم يكن له بُد من موضع معين وشكل معين»، ويجب أن يكون الشكل الذي يقتضيه البسيط مستديرًا.
ومما تَجِبُ ملاحظته في هذه النظرية مبدأ الميل، الذي لم يُنتفع به في الطبيعيات الحديثة مع كونه فلسفيًّا بسيطًا، فالجسم الذي يُزاح عن مكانه أو يُقصى عن شكله يميل إلى العودة إليه بواسطة الحركة. قال ابن سينا: «الجسم له في حال تحركه ميل يتحرك به، ويُحس به الممانع.» وكلما كان ميل الجسم نحو مكانه الطبيعي قويًّا ضَعُفَ الميل الآخر، الذي يمكن أن يُعطاه قسرًا، ويعُمُّ مبدأ الميل هذا في هذه الفلسفة كما يعم مبدأ الحركة، ويُطبِّقه ابن سينا بصراحة على الحركة الحيوية، التي تذهب بالموجودات جاعلةً إياها تنتقل من صورة إلى أخرى بين كونها وفسادها:١١ «فكل كائن فاسد فيه ميل إلى الحركة المستقيمة»، تنقله في كل آنٍ من صورته الحاضرة إلى الصورة التالية، وقد شُعِرَ بجميع هذا شعورًا عميقًا، وأُوضِحَ إيضاحًا موفَّقًا، وهذه النظريةُ دائمة الملاءمة لمبدأ القوة الحَرَكي، الذي أثنينا عليه فيما تقدَّم.
غيرَ أن فكرة المكان الطبيعيِّ، في حال خاصة، خانت ابنَ سينا، وحمَلَتْه على طرح رأي طبيعي، عُرِض في زمانه واعتُرِف — بعد حين — بأنه صحيح، والأمر هو مذهب الضغط الجويِّ والمائي، الذي أبصره فلاسفة في زمن ابن سينا، فقال لنا ابن سينا نفسه:١٢ «ومن فساد الظنون ظنُّ من رأى أن النار تتحرك إلى فوق بالقسر، والأرض تتحرك إلى أسفل بالقسر، وكيف والأعظم يتحرك أسرع، خصوصًا ظنَّ من يظن من هؤلاء أن هذا القسر ضغط، وأن النار تعلو الهواء، والهواءَ يعلو الماءَ، والماءَ يعلو الأرض بسبب ضغط الكثيف للطيف من فوق، وكيف والاندفاع من الضغط يكون خلاف جهة الضاغط لا نحوه، ويَكُون انضغاط الأعظم أبطأ؟ فبيِّنٌ من هذا غلط مَنْ ظَنَّ أن الأجسام كلها تهوي إلى أسفل، ولكن الأكثف يضغط الألطف.»

ومن المتعذر أن تُعرض بأوضح مما صنع علماء القرن الحادي عشر هؤلاء نظريةُ الضغط الجويِّ والضغط المائي، التي قام على اكتشافها مجد علماء القرن السابع عشر، وإنا لنأسف — حرصًا على مجد ابن سينا — أن نُحقِّق أنه أنكر صحة هذا الرأي مُتَّبِعًا تعليم أرسطو القائل: إن الخفيف يذهب إلى فوق وإن الثقيل يذهب إلى أسفل على أنهما مكاناهما الطبيعيان.

ثم إن فكرة المكان الطبيعي في فلسفة ابن سينا أدَّت إلى النتيجة الغريبة بعضَ الغرابة القائلة: «إن العالم واحد، وإنه لا يمكن التعدد.»١٣ وسبب ذلك «أنه لا يمكن أن يكون لجسم واحد مكانان طبيعيان؛ فإذن الأجسام المتشابهة الصور والقوى حيِّزها الطبيعي واحد ووجهتها الطبيعية واحدة، فبيَّن من هذا أنه لا يكون أرضان في وَسَطين من عالمين، وناران في أفقين محيطين من عالمين.»
وهناك مسألة مشهورة في القرون الوسطى، حتى علم القرن السابعَ عشر، وهي مسألة الخلاء، وقد تناولها ابن سينا بتفصيل، يزوِّدنا بمثال ممتع عن حال المنهاج السكلاسي في ذلك العصر؛ وذلك أن ابن سينا يزعم أنه يُثبِت استحالة وجود الخلاء، وإليك مجملًا لبرهانه: بدأ فيلسوفنا قوله:١٤ «وأقول: أولًا، إنه إن فُرض خلاءٌ خالٍ، فليس هو لا شيئًا محضًا، بل هو ذات وكم وجوهر؛ لأن كل خلاء خالٍ يُفرض، فقد يوجد خلاء آخر أقل منه وأكثر، ويوجد متجزئًا في ذاته، والمعدوم واللاشيء ليس يوجد هكذا، فليس الخلاء لا شيئًا، وأيضًا كل ما كان كذلك فهو كم؛ فالخلاء كم، وكل كم فإما منفصل وإما متصل، والخلاء ليس بمنفصل؛ لأن كل منفصل فإما أن يكون الانفصال عرضًا له أو يكون لذاته منفصلًا، وكل ما عَرَضَ له الانفصال فهو متصل بالطبع، وإن كان منفصلًا لذاته فهو عديم الحدِّ المشترك بين أجزائه، وكل ما كان كذلك فكل واحد من أجزائه لا ينقسم، وكلما كان كذلك فليس يمكن أن يُقبل في ذاته متصلَ الأجزاء؛ فإذن الخلاء ليس بمنفصل الذات، فهو إذن متصل الذات. كيف لا وقد يُفرض مطابقًا للمَلَاءِ في مقداره؟! وكلما كان كذلك فهو مطابق للمتصل، وكل ما طابق المتصل فهو متصل؛ فالخلاء إذن متصل، وأيضًا الخلاء ثابت الذات متصل الأجزاء منحازها في جهات، وكل ما كان كذلك فهو كَم ذو وضع.»

ويُتابع ابن سينا هذا البرهان مثبتًا أن الخلاء إذا كان موجودًا فإنه يكون ذا مسافة، حائزًا للأبعاد الثلاثة، قابلًا للقياس بالذات، ثم يُوضِح كون «الخلاء ليس له مادة»؛ وذلك لأن «كل قابلٍ للانفصال فله مادة؛ فإذن الخلاء لا ينفصل»، ثم يَشْرَع في نقاشٍ طويل حول امتناع التداخل لا يخلو من إمتاع.

وذلك أن الجسمين — كالمكعبين المتساويين — يَمْتَنِع تداخلهما؛ أي يستحيل استغراق كل واحد منهما الآخر، ويبحث ابن سينا عن كون هذا الامتناع واقعًا بين المادتين من الجسمين، أو بين البعدين، أو بين البعد والمادة، أو بين كل واحد منهما مع كل واحد منهما، فينتهي إلى تمانع البعدين عن التداخل.

وهذا البرهان الذي هو على شيء من الجُدُوبة قد عُرِض على شكل أكثرَ سهولةً في رسالة «عيون الحكمة»١٥ الصغيرة، والأمر يدور حول البحث في كيف يمكن دخول أبعاد الجسم في أبعاد الخلاء. جاء في «عيون الحكمة»: «إما أن تكون أبعادُ الجسم تُدَاخِل أبعادَ الخلاء، وإما أن لا يكون ذلك، فإن لم يُداخلها كان ممانعًا فكان ملاءٌ، وهذا خلف؛ فإن داخلها دَخَل أبعاد في أبعاد، فحَصَلَ من اجتماع بعدين متساويين بعدُ مثلِ أحدهما، وهذا خلف، والأجسام المحسوسة يمتنع عليها التداخل من حيث يصحُّ أن يُتَوَهَّم عليها التداخل، وهي الأبعاد، فإنها لأجل أنها أبعاد تتمانع عن التداخل، لا لأنها بيض أو حارَّة، أو غير ذلك، فالأبعاد لذاتها لا تتداخل، بل يجب أن يكون بعدان أعظم من الواحد، لمجموع وحدتين أكثرَ من وحدة، وعددين أكثر من عدد، ونقطتين أكثر من نقطة، ليس أكبر من نقطة؛ لأن النقطة لا حصة لها في الكبر والبُعد، ولها حصة في الكثرة.»
وهكذا لا بُدَّ لوضع الجسم في الخلاء من افتراضنا في الوقت نفسه إمحاءَ الخلاء، وذلك كما جاء في استنتاج «النجاة»:١٦ «إمَّا المتمكِّن موجود لا في أبعاد الخلاء، وإما الخلاء موجود ولا متمكِّن فيه.»

وإلى ذلك أضاف ابن سينا قولَه: «فبيِّنٌ من هذه الأصول أن الخلاء لا حركةَ فيه؛ لأنه إذا تحرَّك فيه شيء فإما أن يُداخل بُعدُه بُعدَه، وقد قيل: إن ذلك محال، وإما أن يتحرك بأن يَغْلِبَه إذا مانعه بالنفوذ فيه، وقد قِيلَ: إن ذلك محال أيضًا، فإذن لا حركةَ في الخلاء، وكذلك لا سكون فيه.»

ونتيجة جميع البرهان هي: «الخلاء غير موجودٍ أصلًا، وهو كاسمه، كما قال المعلِّم الأول.»

وإنا — بعد أن عُنينا بمنهاج هذا النقاش الوجيز العنيف — نَرْغَبُ في تقدير الأفكار التي يشتمل عليها، فنلاحظ — بلا عناء — أن النقطة المعيَّنة التي تَصْدِم أفكارَنا الحاضرة من هذه النظرية هي النقطة التي وُكِّدَ فيها أن أبعاد الخلاء لا يمكن نفوذُها، ففي هذا التوكيد ضرب من مادية مبدأ الاتساع الذي يُلقي الحَيْرَة فينا، وعندنا — نحن الذين عادوا لا يتكلَّمون عن المكان ولا عن الخلاء، بل عن الفضاء والاتساع بلا انقطاع — أن لأبعاد الفضاء تلك الخاصِّية التي يُمكِن أن تُنَضَّدَ فيها أبعادُ الأجسام المادية.

وعندنا أن من الممكن نفوذَ الفضاء جوهريًّا، وأن الاتساع الماديَّ المرتبط في الأجسام غيرُ ذلك، ولمَ طَرَحَت السكلاسية هذا المبدأ البالغ الملاءمة عن الفضاء الخالي القابل للنفوذ؟ لا ينبغي أن يكون هذا مقصورًا على البراهين العقلية المذكورة آنفًا؛ وذلك لأن السكلاسية — كما أعتقد — كانت منهاجًا تجريبيًّا تمامًا، خلافًا لبعض المُبتَسَرات، فلا وجود للفضاء الخالي كما تَقْضِي به المشاهدة التجرِبية.

ويجد معظمُ النظريات السابقة تكملته في الطريقة التي تناول بها ابن سينا معضلة اللانهاية المخيفةَ الأزليةَ، وكان لهذه المعضلة في هذه الفلسفة عدة وجوه، نَعُدُّ أهمَّها ما يأتي: هل يوجد خلاء لا نهاية له؟ وهل يوجد ماضٍ لا نهاية له؟ وهل يمكن تجزئة الأجسام إلا ما لا نهاية له؟ وهل يوجد عدد لا نهايةَ له؟ إن الحل العامَّ الذي قُدِّم حيال هذه الأسئلة هو: أن اللانهاية غير موجودة بالفعل، وإنما هي موجودة بالقوة.

لقد عرف الفارابي أن يصوغ — بإيجازٍ مؤثرٍ — الجوابَ الآتيَ حول مسألة لانهاية العالم،١٧ وهو: «الأفلاك كلها متناهية، وليس بورائها جوهر، ولا شيء، ولا خَلَاءَ ولا مَلَاءَ، والدليل على ذلك أنها موجودة بالفعل، وكل ما هو موجود بالفعل فهو متناهٍ.» ومن المتعذِّر أن تُفصَل معضِلةٌ بالغة الصعوبة كهذه بأحزم من هذا. ومع ذلك، فإن الفارابيَّ لم يزعُم أنه مصدر هذا الحل، كما أن ابن سينا لم يأتِ بمثل هذا الزعم، ولا يكتفي الفارابي بعزوه إلى أرسطو، بل يرجِعُه إلى سقراط، وقد أضاف إلى ذلك قوله: «وحُكي عن أفلاطون عن سقراط أنه كان يمتحن عقول تلاميذه، فيقول: لو كان الموجود غير متناهٍ وجب أن يكون بالقوة، لا بالفعل.»

وإليك البرهانَ النموذجيَّ، الذي يُقدمه ابن سينا؛ ليُثبت استحالةَ وجود لانهايةٍ حاضرة، وتجد هذا البرهان غير مرة في آثاره على أشكال مختلفة بعض الاختلاف، وأول ما نصنع، هو أننا نُقدِّمه على شكل هندسي، كما صاغه ابن سينا في المطلب الذي أنكر فيه إمكان وجود خلاءٍ لا نهاية له، فنرجو القارئ — والحالة هذه — أن يتتبَّعه بانتباهٍ، وذلك لكي يلاحظ نقصَه، وهذه وثيقة مهمة عن تاريخ الذهن البشري، فقد ألقى هذا البرهان السهل الناقص عائقًا ثقيلًا مستمرًّا حيال تقدم الفلسفة والعلوم.

قال ابن سينا:١٨ «لتكن حركة مستديرة في خلاءٍ غير متناهٍ، إن أمكن، أن يكون خلاء غير متناهٍ، وليكن الجسم المتحرك مثل كرة «أ ب ﺟ د»، المتحركة على مركزها، ولْنَتَوَهَّمْ في الخلاء الغير المتناهي خط «ط ﺣ»، وليكن «ﻫ ﺟ» من المركز إلى جهة من المحيط، لا يُلاقي خَطَّ «ط ﺣ» من جهة «ﺣ»، وإن أُخرج بغير نهاية، لكن الكرة إذا دارت صار هذا الخط بحيث يقاطعه، ويجري عليه، وينفصل عنه، فيكون الالتقاء والانفصال بمُسامَتَةِ نقطتين لا محالة، ولْيكونا «ك» و«ل»، لكن نقطة «م» تُسَامِتُهَا قبل نقطة «ك»، ونقطة «ك» أول نقطة تُسَامِتُ هذا خُلْفٌ، لكن الحركة المستديرة موجودة، فالخلاء ليس بلا نهاية، والخلاء إن وُجد كان مقدارًا متناهيًا، وكلُّ مقدار متناهٍ فهو مُشكِل، فإذن الخلاء مشكل.»

والفرضية فاسدة، ونرى ذلك بلا عناء؛ وذلك أن الفَرْضية فاسدة لإمكان ملاحظتنا على الخطِّ الثابت نقطة «ك»، التي هي أول نقطة يلتقي بها الخطُّ الدائر، غير أن ابن سينا اعتقد أن الفَرْضية الفاسدة هي التي جَعَلَها على رأس برهانه، وهي الخلاء اللانهائي، ولو كان هذا البرهان صحيحًا لكانت نتيجته استحالة الخلاء اللانهائي، الذي لا يُهمنا أمرُه كثيرًا، فضلًا عن استحالة المسافة الهندسية، التي لا نهاية لها، واستحالة العلم الهندسي الذي لا نهاية له، ولم يكن هذا قد قام في زمن ابن سينا، وقد عانته الفلسفة، ومع ذلك، فإن من الإنصاف أن يلاحَظَ أن تحليل هذه المسألة كان يتعلق — على الأقل — بالذهن الفلسفي بمقدار تعلقها بالذهن الرياضي، فيمكن أن يُلام العلم على تضليله الفلسفة، والفلسفةُ على عدم تقويمها العلم.

وإليكَ شكلًا آخر للبرهان عينه: «أقول إنه لا يَتَأَتَّى أن يكونَ كم متصل موجود الذات ذو وضع غير متناهٍ، ولا أيضًا عدد مرتَّب الذات موجود معًا غير متناهٍ، وأعني بمرتب الذات أن يكون بعضه أقدمَ من بعض في ذاته، ولنبرهن أنه لا يتأتَّى أن يوجد مقدار ذو وضع غير متناهٍ؛ لأنه إما أن يكون غير متناهٍ من الأطراف كلِّها أو غير متناهٍ من طرف. فإن كان غير متناهٍ من طرف أمكن أن يُفصَلَ منه من الطرف المتناهي جزء بالتوهم، فيؤخَذُ ذلك المقدار مع ذلك الجزء شيئًا على حِدَة، وبانفراده شيئًا على حِدَة، ثم نطبِّق بين الطرفين المتناهيين في التوهم فلا يخلو إما أن يكونا بحيث يمتدان معًا، متطابقين في الامتداد، فيكون الزائد والناقص متساويين، وهذا محال، وإما أن لا يمتدَّ بل يقصُر عنه فيكون متناهيًا، والفضل أيضًا كان متناهيًا، فيكون المجموع متناهيًا، فالكل متناهٍ، مع أنه غير متناهٍ، فوجب أن يَلْزَم ذلك محال.»

ومن الواضح اليومَ أن جميع هذه الأنواع من البراهين سَفْسطيَّة، وقد قلنا هذا، ولا يُجْدِي التوكيد نفعًا، ويسُرُّنا أن نغتم هذه الفرصة، فنذكر إمكان كون معظم القضايا المشهورة وأضدادها، وهي ما تُدعى في الفلسفة «الكَنْتِيَّة» بمبادئ العقل الخالص المتناقضة، لم يتفق لها إثبات بالبراهين أكثرَ قيمةً مما تقدم، ومن المحتمل في زماننا — الذي عمت فيه معرفة المبدأ اللانهائي في الرياضيات، وهذا لم يكن في زمن «كَنْت» — أنه إذا ما بُحِثَ في هذه المبادئ المتناقضة لم تُرَ أكثر صوابًا من التي كان يُزَوِّد بها مخالفُ المدارس في زمن ابن سينا، وليس مما يُلْقِي الحيرة في نفسي، مطلقًا أن يُوصَلَ — بسرعة — إلى النتيجة القائلة، في هذه الموضوعات، إن القضيةَ وضدَّها لا يمكن إثباتهما، وإنه لا يوجد مبادئ متناقضة، بل براهينُ فاسدة، ومع ذلك فإننا كيما نحصر أنفسنا ضمن نطاق المؤرخ، نقتصر هنا على ختم قولنا — وَفْقَ ما كنا قد لاحظناه — بأن فلسفة ابن سينا إذا كانت قد ضَلَّت فذلك لأنها عانت ضَعْفَ العِلْم.

وأما من حيث لانهائيةُ الماضي، فتعليم ابن سينا إيجابي، ففيلسوفنا يسلِّم بإمكان سلسلات من اللانهايات، عادًّا هذه السلسلات الماضية أنها عادت لا تكون موجودة إلا بالقوة. وليس هذا الرأي جليًّا أولَ وهلة، فاضطرَّ ابن سينا إلى بَذْلِ بعض الجهود ليسوِّغه، ولكن بما أننا قد أَثَرْنا ذكرى «كنت» منذ هنيهة، فإننا نُبِيح لنفسنا ملاحظةَ مقدار التَّعَمُّل في نقد هذا الفيلسوف للمبادئ المتناقضة. وتبدو نظرية «كنت»، التي صاغها حول التناقض الأول، وذلك «أن للعالَم بدءًا في الزمان، وهو محدود في الفضاء»، من قلة المتانة والمطابقة بما لا يُسَلِّم معه جميع المدرسة السِّكُلَاسية الشرقية الكبرى بعد القرون القديمة بغير نصفه، وذلك بقولها: «إن العالم محدود في الفضاء» ومع إضافتها نصفَ التضادِّ القائل «ليس للعالم بدءٌ في الزمان.»

ويدعَم ابن سينا هذه القضيةَ الأخيرة بقوله١٩ تقريبًا: إن المناهج التي تُتَّخَذُ لإنكار إمكان اللانهاية في الماضي تقوم إما على برهان فاسد، وإما على مقدمات سوفسطائية، «فالعدد لا يتناهى، والحركات لا تتناهى، بل لها ضرب من الوجود، وهو الوجود بالقوة، لا القوة التي تخرج إلى الفعل، بل القوة بمعنى أن الأعداد تتأتَّى أن تتزايد فلا تَقِفُ عند نهاية أخيرة ليس وراءها مزاد.»
ومن قوله أيضًا:٢٠ «إذا كانت الأجزاءُ لا تتناهى، وليست معًا، وكانت في الماضي والمستقبل، فغير ممتنعٍ وجودها واحدًا قبل آخر أو بعدَه، لا معًا، أو كانت ذاتَ عدد غيرِ مُتَرَتِّب في الوضع أو الطبع، فلا مانعَ من وجودها معًا.» وقال أيضًا:٢١ «وأما وجود الأشياء، فبأنه لم يكن في الماضي لها بدء، وأنها كانت واحدة بعد واحدة منذ كانت، فلو أخذتَ تحسُبُها من الآن لم يَقِفِ الحساب عند حد.»

ولم يُحدِّد ابن سينا ما كان يُوَجَّه من اعتراضات على إمكان سلسلة غير المتناهي في الماضي، ويمكننا أن نذكر للغزاليِّ اعتراضًا بالغ البراعة على ذلك. فلنفترضْ سلسلةً غيرَ متناهية لموجودات خالدة — كسلسلة الأرواح مثلًا — قد وُلدت بالتتابع في الماضي، فجميع هذه الموجودات قائمة في الوقت الحاضر، ومن ثمَّ يكون العدد الغيرُ المتناهي موجودًا بالفعل، وهذا ما تصرِّح مدرسة ابن سينا بأنه محال.

وعند ابن سينا أن الأجسام قابلةٌ للتجزُّؤ بالقوة إلى ما لا نهاية له، ففيلسوفنا يرفض الذَّرِّية على أنها فاسدة عقلًا.

ومع ذلك فإنه كان للذَّرِّية أنصار في ذلك الزمن كما يلوح، وقد رأى ابن سينا أن من المفيد ذكر بعض اعتراضات لهم، قال ابن سينا:٢٢ «وُجِدَ من اعترض بأن إمكان التجزُّؤ إلى غير نهاية يَجْعَلُ الحركةَ مستحيلةً»، فلنفترض أن متحركًا يجاوز خطًّا محدودًا، قابلًا للتجزؤ إلى غير نهاية، فهذا الخط قابل للتجزُّؤ مناصفةً، وكذلك النصف، ونصف هذا النصف، وهكذا. فننتهي إلى النتيجة القائلة: إن المتحرك يجاوز في زمنٍ محدودٍ أنصافًا لا حدَّ لها، وهذا محال. وإليك اعتراضًا آخر، وهو: أنه لا كثرة بلا وحدةٍ فيها، فإذا كانت الكثرةُ موجودةً بالفعل فإن الوحدة توجد فيها بالفعل، ولكن الوحدة بالفعل غير قابلة للتجزُّؤ؛ ولهذا فإن للجسم ذي الكثرة أجزاءَه الأولى غير القابلة للتجزؤ.

ومن الواضح أنه لا قيمةَ لهذه الاعتراضات، وليست أكثرَ من هذا قيمةُ الاعتراضات التي يوجِّهُها ابن سينا — من ناحيته — إلى الذَّرِّية، وإليك جوابَه عن الاعتراض الثاني المذكور: لنفترض أن من الممكن تركيبَ جسم من عدد معين من الأجزاء، وسيكون الجسم البسيط جسمًا لا يكون مركبًا من أجزاء كثيرة، ولكن الجسم البسيط قابِل للتجزؤ؛ إذن يوجد تناقض والفَرْضية فاسدة.

وبرهان ابن سينا المفضَّل حول قابلية التجزؤ إلى غير نهاية هو ما يستنبطه من مبدأ التَّماسِّ،٢٣ قال ابن سينا: «من الناس من يظنُّ أن كل جسم ذو مفاصل تنضمُّ عندها أجزاء غيرُ أجسامٍ تتألَّف منها الأجسام، وزَعَمُوا أن تلك الأجزاء لا تقبل الانقسام، لا كَسْرًا، ولا قَطْعًا، ولا وهمًا، ولا فرضًا، وأن الواقع منها في وسط الترتيب يحجُب الطرفين عن التماسِّ.»

ويقوم جواب ابن سينا — كما هو حاصل القول — على أن هذا الجزء الأوسط إما أن يكون قد مُسَّ على وجه واحد من قِبَل الجزأين اللذين هما في الطرفين؛ أي يكون قد دُخِلَ فيه من قِبَلهما، فيقع تداخل جميع الأجزاء، ولا يَتَكَوَّن حجم مطلقًا، وإما ألا يكون ذلك الجزء الأوسط قد مُسَّ من قِبَل الجزء الذي يَكُون في طرفٍ على الوجه الذي يُمَسُّ به من قِبَل الطرف الآخر، فيكون قابلًا للتجزُّؤ، وإن شئت فقل: إنه إما أن يوجد تماس كامل، وهنالك تداخل، أو أن يوجد تماسٌّ جزئي، وهنالك تجزؤ.

وأخيرًا يعتقد ابن سينا — إذ يوكِّد أن الحركة قابلة للتجزؤ بالقوة إلى غير نهاية لمكانها على طول الخطوط القابلة للتجزؤ بالقوة إلى غير نهاية — أنه يفنِّد القضية المعاكسةَ، القائلة: إن الحركة مركبة من أجزاءٍ لا تتجزأ، منفصلة بسكنات،٢٤ فهو يقول: «نعلم أن السهم في نفوذه، والطائر في طيرانه إن كانت حركاته مركبةً من حركات لا تتجزأ، وهي في أنفسها لا أسرَعَ منها، لم يخل: إما أن تكون مركبةً منها بلا تَخَلُّل سكنات، أو تكون بتخلل سكنات قليلة جدًّا بالقياس إلى الحركات، فإن كان لا بتخلُّل السكنات فيجب أن تكون حركة السهم والطائر مساويةً لحركة الشمس المشرقية، أو أسرعَ منها، وهذا محال، وإن كان بتخلل السكنات، وهي أقلُّ من الحركات، فيجب أن يكون فضل حركة الشمس عليها أقلَّ من الضعف، لكن ليس بينهما نسبةٌ يعتدُّ بها.»

ولذا؛ لا يُدافَع عن هذه الفرضية. أجل، نقول هنا، أيضًا: إن من الجَلِيِّ أنه لا يدافع عن هذه الفرضية كما عرضها ابن سينا، بيد أنها تعود غيرَ ذلك، إذا ما أجرينا عليها تعديلًا يسهُل تصوُّره.

لقد أصررنا على جميع هذه البراهين بلا وجل من إتعاب القارئ؛ وذلك لاعتقادنا أنها مهمة — لا لذاتها — لا ريب، ما دامت غيرَ صحيحة، بل لدلالتها على مرحلة وَقَفَ الذهنُ البشري عندها زمنًا طويلًا، وقد مرَّت قرون كثيرة على الفلاسفة وهم يأتون بحلول متناقضة لهذه المسائل، التي كان يدخل فيها مبدأ اللانهاية الرياضيُّ، وقد زَعَمَ «كَنْتُ» أنه يَضَعُ حدًّا للجدال بطرحه هذه المتناقضات على حساب العقل، فعندنا أن من السهولة بمكان، ومن الصواب البالغ أن يُعتَرف — على ضوء علمٍ أكثَرَ تقدُّمًا — ببُطل جميع هذه البراهين المتناقضة، فيُذهب إلى أن القضية وضدها في هذا النوع من المسائل مقبولتان على السواء، وأن كلًّا منهما غير خاضع لأية ضرورة عقلية.

١  النجاة، ص٢٥.
٢  النجاة، ص٣٤، «فصل في عدم إمكان وجود قوة غير متناهية».
٣  النجاة، ص٣١.
٤  الرسالة الأولى من مجموعة رسائل في الحكمة، وعنوانها: «الطبيعيات من عيون الحكمة».
٥  النجاة، ص٣١.
٦  النجاة، ص٣٠-٣١.
٧  النجاة، ص٢٨.
٨  عيون الحكمة، ص٩.
٩  النجاة، ص٣٣.
١٠  الإشارات، ص١٠٩.
١١  الإشارات، ص١١٢.
١٢  النجاة، ص٤١.
١٣  النجاة، ص٣٧.
١٤  النجاة، ص٢٨، تجد بدء هذه النظرية في فصل «المكان».
١٥  عيون الحكمة، ص٧.
١٦  النجاة، ص٣٣.
١٧  رسائل الفارابي في الحكمة، ص٩٩: ٣٦.
١٨  النجاة، ص٣٣.
١٩  النجاة، ص٣٤، فصل «عدم قبول القوة الغير المتناهية».
٢٠  انظر إلى الفصل السابق من النجاة.
٢١  النجاة، ص٣٤.
٢٢  النجاة، ص٢٦.
٢٣  الإشارات، ص٣٠؛ النجاة، ص٢٦؛ الشهرستاني، ص٣٩٧؛ رسالة عيون الحكمة، ص٩.
٢٤  النجاة، ص٢٩.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤