الفصل الخامس

بعد الموت

أما آن أن يسترجع الدهر ما مضى
فترجع آمال وتقوى عزائم
لقد كدت أُنهي النفس عما تريده
من النصح لولا ما تجر العمائم
وما زالت الأيام حربًا على النُّهى
فإن سالمت حينًا فختلًا تسالم
أرى الناس هاموا بالمعالي صبابة
ولا عجب أني كذلك هائم
وهذي طباع لا يُرجى انتزاعها
تُناط بقوم إذ تُناط التمائم
ستبقى بلاد الله تطلب منصفًا
وهيهات أن ترضى بذاك الصوارم

بعد الليالي الطوال والسهاد المستديم والسقام المبرح وحوادث تلاحقت بها حوادث يرجع طريد النوائب، على ظهره كفنه الممزق، وفي يمينه قلمه غير المجهود ليستعيد في التجاريب نوحاته. خلتني جلدًا وما أنا بجلد، أهون بمن بدا غيرانَ مشتدًّا ثم أمسى وانيًا جزِعًا، ابن الشرق كإخوته وما المشابِه قومه بظالم.

كم نداء من ذي ود اخترق الجنادل ونفذ من حُجب الحياة، أهاب بي أهل النجدة فاسمعوا، ولئن تخاذلت عني جنود الصروف، وعافتني أفواه الأجداث، فإن ذلك لتمام الشقوة، لبيكم دعاتي، اليوم أعاود ماضي شأني وأنتم سامعون.

•••

كنت قبل أن يلم بي الضنى جمعت أشياء أريد أن أفيض في نقدها، رأيت ذاك الذي وسم المؤيد بميسم من التعصب ينادي بأرفع صوته «نحن مسلمون قبل كل شيء»، فنويت أن أُعد الجواب.

ثم عادت نغمة الترك والعرب والخلافة العربية والأعلام المزركشة، وقامت بالآستانة صحف الشباب تزعزع أركان الكون بصيحاتها، والعلم مرفوع بأيدي صبية يسخرون من الراضي والساخط، فهممت أن أدعو إلى الرشاد.

ثم دوت في أذني استغاثات أولئك المظلومين الذين فصَّل ظلامتهم مندوب المقطم الفاضل في إحدى رسائله، فتجددت ثورة الشباب في نفس ذهبت بنجدتها وقائع الدهر، أُطيرت الأظافر وأُسيلت الدماء وتوالت السياط على أبدان ترقرق على أديمها الشباب، فقلت:

أفلا يزال السوط حاكمكم
وأبو السياط بيلديز ذهبا
أفلا يزال الدهر يعجبكم
ضربٌ ومضروب ومَن ضربا
ونقول أحرار فنمدحكم
لا حر فيكم، كلنا كذبا

ثم أتيت بهذه النفثة إلى أحد أساتذتنا الدكتور فارس نمر، فقال لي: يا ولي الدين، دع العجلة واستصف الأناة، إذا آخذت فآخذ ولكن بعد ثقة، وإن أثنيت بخير فأثنِ ولكن بعد ثقة، وهذا المقطم لا يتقرب إلى أحد ولا يملق أحدًا، ولكنه عثماني مخلص في عثمانيته، غير هياب ولا وجل، تمهل تمهل، إذا دعت الحاجة إلى هذا الغضب، فنحن — ولا نزاع — سابقون، ولكن لا تستعجل الآن بالضجر، فكان كلام الأستاذ بمنزلة الدواء على الفؤاد المريض، به استقر الجأش وعادت السكينة.

ولم تزل الكتب والرسائل تتوالى عليَّ من إخوان الحرية وفرسان الحق، تلك دعوات لم يطاوعني تلقاءها إحجام ولا تثاقلت بي خطوات، وكان الحِمام ممسكًا بخناقي يريد أن يطوف بي معاهد طافها الآباء والأجداد، ألا سقى الله تلك المعاهد من عهاده، غير أن للنفوس اعتلاقًا بهذه الزخارف الباطلة، مال وبنون، ونحن نشقى بالمال والبنين.

•••

ثم بدت ميمية الشاعر حافظ أفندي إبراهيم، هذه ثانية قصائده التي أنشدها احتفالًا بجمعية رعاية الأطفال، حبذا الشعر تقف عنده البدائه حيارى: «قفا نبك» وأخواتها، أُودعت من القول في صوغ الكلام وتأليفه ما لا يسمو إليه حافظ، وميمية حافظ أُودعت من المعاني العصرية ما لم يُلهم به كل شاعر من ملوك الكلام في ماضيات الأيام.

سبحان من قلَّده مفاتيح البلاغة ومكَّنه من نواصي المعجزات.

لولا مخافة التهمة بالحسد لنافست حافظًا في هذه البدائع، وهيهات أن يُنافس فيها!

ليت حافظًا كان رضي من نعمة القلم بمكانه من البلاغة والفصاحة وترك ما دون ذلك لغيره من عشاق الشهرة، إذن يظل كالهندواني العضب لم يغشَ صفحته الصدأ، ولم تتغلب على حقه صورة الباطل، وليته ترفَّع عن مدائح الناس وضنَّ بمجد لسانه أن يُذال إذًا يظل كأولئك الذين في الغرب خفضت لهم الرءوس ودانت الرقاب، وتضاءل عند مجدهم مجد المتوَّجين من العباد.

الناس في حاجة إلى الصفاء والوداد، وكلاهما في حاجة إلى أن يترنم به الشاعر ذو القافية المظفرة كحافظ وغيره.

ولو وقف حافظ عن يميني، «وغيره» عن شمالي ونازلنا جنود التعصب لشردناها عن ديارها ولأخذنا أعلامها ورجعنا بأسلابها.

يا حافظ، يا حافظ، ما إلى المزيد من الشهرة سبيل، ولا لفضلك مكابر، ولكنك تجعل نفسك في غير موضعها، دع السياسة إن لم تكن فيها رشيدًا، ودع المدائح، إنَّ في أسلافك من أعجزك وأعجزني، ادعُ إلى الإخاء يحفظ لك النيل ذلك ويشهد لك به الهرمان، ولا تنكر لغرض خيرًا أتى، كذا ينبغي أن يكون كبار الرجال.

التجاريب مفاتيح الأمور، والمريض لا يستطيع أن يكتب أكثر من هذا، وعفو القارئين أعظم من عجز العاجزين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤