الفصل الخامس عشر

ولكنْ معوض وأولاده رغم المكاسب والفلوس والبِدل الشيك التي ظهرت عليهم، انتهى نهاية مفزعة، فقد مات ولده الكبير محترقًا، وانتحر الآخر تحت كوبري قصر النيل، وبقي عم معوض نفسه يبيع التماثيل للخواجات حتى فقد بصره، ثم قذف بتماثيله وارتدى عمة خضراء، ورفع عصا طويلة، وعاش أيامه الأخيرة إلى جوار ضريح سيدنا الحسين!

***

لم أستمر طويلًا في هذه الشغلة المريحة اللذيذة، شغلة الترجمان! تدخل النحس وطردني منها شر طردة، فعدت إلى مدرسة المعهد العلمي أحضر الدروس أحيانًا، وأقود المظاهرات إلى ميدان قصر النيل أحيانًا، وأحنُّ دائمًا إلى ميدان عابدين، وجامع السلطان حسن، والعساكر الإنجليز الذين يدفعون ورقًا أخضر بمآذن، والشيخ كراميش الذي يلهف نصف الدخل وهو جالس في أمان الله يسبح بحمد الله الذي خلق السماء بغير عمد ترونها! ولقد كان الشيخ كراميش شخصية من شخصيات ذلك العصر. ولو أنه جاء في عصر آخر، عصر علي بك الكبير مثلًا، فلربما استطاع أن يكون أميرًا للحج أو مفتيًا للدولة، أو أبًا روحيًّا لجميع مماليك الأرض، كان سمينًا وقصيرًا كأنه قِدْرة فول، أحمر الوجه كأنه ديك رومي منفوخ، أنيق الملبس كأنه نجم سينمائي مشهور، وكان يختار ألوانًا فاقعة لا تليق بمركزه، ولا تليق بشيخوخته، جبة خضراء فُسْدُقي، وقُفْطان مقلم بأقلام ذهبية، وحزام مشجر، وحذاء بمزيكة، وعمامة كأنها برنيطة من برانيط جزيرة كورسيكا! ولم يكن الشيخ كراميش شيخًا، ولم يكن من رجال الدين، فقد بدأ حياته خادمًا في مسجد السلطان حسن، ثم استطاع بذكائه أن يصل إلى منصب شيخ خدامين المسجد، وخلع الشبشب والجلباب، وارتدى زي المشايخ، وجلس على باب الجامع يسب، ويشتم، ويصدر الأوامر وكأنه قائد جيش الخوارج، وكان يرابط على باب الجامع طول النهار، فإذا هبط المساء انطلق في تاكسي إلى منزل في شارع ابراهيم باشا يلعب القمار، ويشرب الويسكي مع عدد من الأصدقاء كان أبرزهم شيخ خدامين الملك فاروق، ومن هذا الخدام الملكي كان الشيخ كراميش يستمد نفوذه. ولما كان أعزب لم يتزوج فقد كان لديه الوقت اللازم لمسامرته ومنافقته. فلما قامت الحرب وهجم العساكر الإنجليز على حي القلعة للتفرج على قلعة صلاح الدين، وجامع الرفاعي، وجامع السلطان حسن، اقتحم الشيخ كراميش الميدان بقوة، وفرض إتاوة على التراجمة، والتلامذة، والعساكر الإنجليز … وفرض شروطه على الجميع حتى بلغت الإتاوة المفروضة خمسين في المائة من الإيراد، ونادرًا ما كان أحد من الناس يرفع صوته بالاحتجاج ضد الشيخ كراميش. فقد كان واسع النفوذ في دوائر البوليس، وكان مأمور قسم الخليفة تحت أمره في كل حين حتى إنه خصص للشيخ كراميش عسكريًّا خاصًّا يحرسه ويضرب له مائة تعظيم سلام كل يوم! وبعد ثلاث سنوات من الحرب كان الشيخ كراميش يملك ثلاثة منازل في القاهرة، وعشرين فدانًا في قريته، وعدة ألوف من الجنيهات في البنك. وعندما رأيت وجهه أول مرة كانت معركة العلمين قد انتهت، وتراجع روميل إلى شمال إفريقيا، وأصبح العساكر الإنجليز على قفا من يشيل، وأصبحت الفلوس كالرز، وانسعر الشيخ كراميش أكثر، وأصبح أكثر شياكة وأكثر عياقة عن ذي قبل، ولم تكد تبدأ السنة الرابعة من سنوات الحرب، حتى حلق الشيخ كراميش ذقنه، ثم هجر زي المشايخ في نهاية الحرب، وارتدى البدلة والكرافتة السولكا، ثم رشح نفسه بعد ذلك وعلى مبادئ الهيئة السعدية!

ولقد فقدت شغلتي كترجمان بسبب الشيخ كراميش، فعندما ذهبت أول مرة إلى حي القلعة لم أكن أعرف شيئًا عن نفوذ الشيخ أو حقيقته. ولقد كان على كل ولد ترجمان يمر أمام الشيخ كراميش أن يضرب له تعظيم سلام أمام العساكر الإنجليز، ثم يهجم على يده ويقبِّلها، ثم يدعو العساكر الإنجليز إلى تقبيل الشيخ باعتباره شيخ مشايخ القاهرة … ولما كنت جاهلًا بهذه المراسيم، فقد مررت أمام الشيخ وفي يدي سيجارة، وألقيت عليه السلام دون اهتمام، وبدلًا من أن يبادلني السلام بصق في وجهي بشدة، واغتظت جدًّا فشتمته، فخلع حذاءه وأطلقه نحوي فأصاب جنديًّا إنجليزيًّا غلبانًا كان يطمع في الفرجة على آثار الأقدمين، وعندئذ عرفت قدر الشيخ، وعرفت مقامه العالي الذي هو أعلى من مئذنة جامع القلعة، ولكن الشيخ لم يغفر لي هذه الزلة أبدًا، وكان قلبه مفعمًا بكراهيتي رغم فروض الطاعة والولاء التي قدمتها لفضيلته. ولقد حانت أمام الشيخ فرصة ذهبية لقطع رقبتي، تكاتف الجميع نحوي باعتباري غريبًا على الشغلة، ولست من أبناء القلعة، فكيف لولد من الجيزة أن يقتحم القلعة وأن يزاحم أبناءها في مهنتهم!

وعارض حنبلة هذا الاتجاه في بداية الأمر، ولكنه لم يلبث أن تخلى هو الآخر عني وانضم إليهم ولم أهتم كثيرًا لموقفهم مني؛ فلقد كان في وسعي أن أعمل في هذا الميدان وحدي، ولكن الشيخ كراميش تصدى للعبد لله، ونجح في قطع عيشي!

ولقد أثرت هذه الفترة على نفسي تأثيرًا كبيرًا رغم قصر المدة، وعرفت خلالها نماذج من الرجال لا يمكن أن تنسى!

محمد أفندي حسن الذي كان يتولى منصب رئيس قلم في مصلحة السكة الحديد، والذي كان يحضر إلى باب الجامع عصر كل يوم ببدلة أنيقة ونظارة ثمينة، وكان يتكلم الإنجليزية بطلاقة، ويدخن سجاير كرافن، ويأكل في المساء سلطانية زبادي، ثم يشرب شيشة قبل أن يذهب لينام!

وعبد الخالق أفندي الذي اقتحم الميدان ومعه جميع أبنائه، انتزعهم الرجل المجنون من فصول الدراسة، وقذف بهم إلى الشارع وراء العساكر الإنجليز، واستطاع أن يجمع ثروة هائلة بعد الحرب ولكنها تبددت بعد ذلك، وتبددت الأسرة نفسها وضاع عم عبد الخالق وأولاده.

وولد آخر اسمه محمد ونسيت اسمه الآخر، كان يشتغل شركة مع ولد وسيم وطويل وعريض ويتكلم الإنجليزية كأنه أستاذ في جامعة لندن، وكان اسمه مهدي … وكان محمد طالبًا في مدرسة المعهد العلمي، ثم هجرها إلى الأبد، وخرج من الحرب بعشرين ألف جنيه، وعدة بيوت، ومحل تجارة، وضاع شريكه الآخر على موائد القمار، ثم ضاع إلى الأبد بعد ذلك، فقد عقله ولا يزال حيًّا إلى الآن حبيس جدران مستشفى الخانكة! ولكن أغربهم جميعًا كان عم معوض، ولم يكن عم معوض ترجمانًا، ولم يكن يعرف حرفًا من الإنجليزية، ولكنه كان يسترزق من الشغلة ببيع عدة تماثيل من الحجارة باعتبارها أثرية ومن صنع فرعون نفسه! وكان له ولدان لم يلبثا أن نزلا معه إلى الشارع، ثم امتد نفوذهما إلى أبعد مدى، فأصبحا تراجمة رغم جهلهم الشديد باللغة الإنجليزية وبالرغم من ذلك كان حمد بن معوض يربح كل يوم عشرة جنيهات من مهنة الترجمة، كيف؟ لا تدري، ولكنها معجزة الشعب المصري الذي عاش رغم كل شيء، وربح فرد فيه اسمه حمد بن معوض عدة ألوف من الجنيهات دون أن يكون على دراية بأي حرف من حروف اللغة الإنجليزية، ولكن معوض وأولاده رغم المكاسب، والفلوس، والبدل الشيك التي ظهرت عليهم، انتهى نهاية مفزعة، فقد مات ولده الكبير محترقًا، وانتحر الآخر تحت كوبري قصر النيل، وبقي عم معوض نفسه يبيع التماثيل للخواجات حتى فقد بصره، ثم قذف بتماثيله وارتدى عمة خضراء، ورفع عصا طويلة، وعاش أيامه الأخيرة إلى جوار ضريح سيدنا الحسين!

وعندما عدت إلى مدرسة المعهد العلمي الثانوية كان كل شيء قد تغير، حتى أنا تغيرت، أصبحت أكثر نضجًا وأكثر حزنًا عن ذي قبل … أصبحت حزينًا لا أدري سببًا لحزني، مغمومًا بلا مناسبة، قلقًا لا أستقر، مذعورًا لا أطمئن … لقد بلغت الآن السادسة عشرة من عمري، أصدقاء الطفولة وزملاء المدرسة أصبحوا الآن طلبة في الجامعة، وبعضهم أصبح له هيئة الرجال، شوارب متدلية وعضلات منفوخة، وأنا لا أزال مكاني، محلك سر، خلفًا در، لا جديد في كياني.

وفي تلك الفترة القلقة العصيبة وقع الشيء الذي أثر في مجرى حياتي، فلقد أنكرني زملاء المدرسة، وصدني أصدقاء الطفولة، ولم يكن سهلًا أن أختار أصدقاء جددًا، وزملاء الدراسة كانوا زملاء فصول فقط، ويفصل بيني وبينهم بحور من التجربة والخبرة، وأعوام من العمر كذلك؛ لذلك تعلمت الانطواء والخجل، وانعزلت عن الجميع، ورحت أقرأ في نهم بالغ، قرأت دواوين البحتري، وأبي نواس، والفرزدق، وجرير، وبعض قصائد ابن الرومي، وديوان أبي تمام، ثم قرأت تاريخ الفراعنة ولكنه لم يرق لي كثيرًا؛ أسماء ما أنزل الله بها من سلطان، مفتاح ومنفتاح، ورع، وخفرع، وأخناتون، ومنقرع، وأشياء تلخبط العقل، وتبرجل المخ، ونحيت تاريخ الفراعنة جانبًا، وقرأت التاريخ الإسلامي، وأحسست أنني أجد نفسي أخيرًا … ورحت أتعقب كل كتاب صدر عن تاريخ الإسلام، وعندما وصلت إلى عصر المماليك وقفت أرقص من الفرحة ومن اللذة ومن الانسجام؛ فعندما تقرأ كتابًا عن عصر المماليك تشعر أنك تشاهد فيلمًا سينمائيًّا بالألوان، قصصًا حقيقية ولكن لا يمكن لأي مؤلف مهما كان أن يتخيل حدوث مثلها، الخَدام الذي اشتراه سيده في تركيا، ثم هرب منه بعد ذلك إلى بلاد مجهولة، وجاء الخدام إلى مصر وأصبح مملوكًا وشيخًا للمماليك، ثم انتخبوه ذات ليلة لعزل نائب الخليفة وتولي جميع سلطاته، وعندما دخل عليه الولد المملوك اكتشف أنه هو الخدام الذي اشتراه ذات يوم في تركيا، واكتشف الخدام الذي ذهب ليتولي الحكم أن الحاكم المعزول هو سيده القديم الذي هرب من بيته على ضفاف البوسفور ذات مساء منذ عشرين عامًا لا تزيد! الخدام إياه كان اسمه علي بك الكبير، والسيد المعزول كان اسمه محمد باشا عبد الله. وقصة خدام آخر كان شديد الذكاء، شديد الطموح، شديد النهم وكان اسمه بوشناق، وكان خدامًا في قصر علي بك الكبير، ثم اختلف معه فهرب من قصر سيده هاربًا إلى الإسكندرية، ثم ظهر بعد سبع سنوات، وأين؟ واليًا على عكا وباسمٍ آخر، أحمد باشا الجزار، كيف حدث هذا؟ كيف استطاع خدام مفلس هارب في جنح الليل أن يثب على كرسي الحكم؟ لا أحد يدري، ولا أحد يعرف إلا علام الغيوب!

والولد الأرمني الذي كان في العشرين من عمره والذي استدعاه السلطان لتولي الوزارة في مصر، فإذا به يحكم مصر إلى أن بلغ الثمانين، ثم ترك فيها أعجب نظام ظهر في التاريخ، إذ جعل منصب الوزارة وراثيًّا وعرش الملك يجلس عليه من يشاء.

قصص خرافية نعم، ولكنها حدثت كما رويتها لك الآن بالتمام والكمال، ولقد عشت فيها واستغرقتني تمامًا، ولكن السياسة — قاتلها الله — جذبتني مرة أخرى، وانتزعتني من وحدتي وعزلتي، وجرجرتني إلى الشارع، وإلى الناس مرة أخرى، فقد سقطت وزارة الوفد وأجريت انتخابات عامة جديدة، ولم تكن هذه انتخابات على الإطلاق، كانت فرضًا وتعينًا، وأسماء تريدها السراي بالذات ودخلت الأحزاب المؤتلفة، الحزب السعدي، والدستوري، والكتلة معًا، وانسحب حزب الوفد، وكان مدير وناظر وصاحب مدرسة المعهد العلمي قد قرر فجأة الاشتغال بالسياسة، فرشح نفسه على مبادئ الحزب السعدي، وفي دائرة السيدة زينب، حيث مدرسته وتلاميذه! وفي نفس الدائرة نزل عشرة مرشحين آخرين كل منهم يقف وراءه حزب وجريدة، ولم يكن ناظر المدرسة سعديًّا ولكنه فقط مرشح على مبادئ الحزب السعدي، حركة قرعة لكي يكسب جانب الحكومة، مع أنه لو رشح نفسه على مبادئ أي حاجة وأي حد لنجح، فقد كان يملك ألف تلميذ بألف أسرة بثلاثة آلاف ناخب على الأقل، وعندما بدأت المعركة الانتخابية، كانت هناك لجنة من خمسة أشخاص لإدارة المعركة الانتخابية ضابط ألعاب المدرسة وكان يدعى إبراهيم الحريري، وكان شهمًا ومحبوبًا ويجيد فن الاتصال بالجماهير، على عكس الضابط القديم محمد صدقي الذي اعتزل العمل في المدرسة، وفتح قهوة في حي شبرا، أما أعضاء اللجنة الآخرون فكانوا من طلبة المدرسة، وكان العبد لله خامسهم. ولم تكن مهمتنا سهلة ويسيرة، فقد كان علينا أن نحارب الحكومة والبوليس وأنصار المرشحين العشرة، ودخلنا معارك شديدة ولا معارك روميل، وواجهتنا صعاب ما أعجبها وأغربها، ولكن أغربها جميعًا أننا اجتمعنا نحن الخمسة أعضاء اللجنة الانتخابية ذات مساء … في السجن!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤