عن الخطط والأهداف

قالت البنت الفرنساوية بعد أن أفطرت وتعطرت وتمخطرت من شدة الشبع والانشكاح: لقد ذكرت لي بالأمس أن مهندس الإعلام في العصر الحميري كان دكتورًا، هل هو دكتور طب يكشف ويعالج؟ أم دكتور في العلم والبحوث والمخترعات؟

قلت: في الحقيقة يا خواجاية هو دكتور فقط، لا يفهم في العلم ولا في الطب ولا في أي شيء.

قالت: إذن كيف صار دكتورًا؟

قلت: يا ست يا خواجاية، في بعض أجزاء من بلاد الحمير، كل من أخفى عينه وراء نظارة سوداء، وحمل في يده حقيبة سامسونايت؛ ينادونه بلقب دكتور، وهذا النوع من الدكاترة هبر أكثر من خُمس دخل البترول في صفقات مريبة وعجيبة.

قالت البنت الفرنساوية: لا بد أنهم كانوا أصحاب صناعة أو أصحاب تجارة.

قلت: بل كانوا أصحاب صياعة، ولم يكن لهم هدف إلا النصب والاحتيال.

قالت: وأعطوهم الفلوس من أجل النظارة السوداء والحقيبة السامسونايت؟

قلت: بالطبع لا، ولكن النظارة والشنطة السامسونايت ولقب الدكتور؛ كانت هي عدة النصب التي فتحت لهم الأبواب، نصابون، كانت عمولتهم ضعف أي عمولة عُرضت من قبل، كانوا يدفعون خمسين في المائة وأحيانًا ستين في المائة، وكان بعضهم على استعداد لأن يدفع ثمانين في المائة من قيمة الصفقة. فماذا يضر لو وضعت في جيبك ٢ مليون دولار وأعطيت الطرف الآخر ٨ ملايين؛ ما دمت لن تورد شيئًا أو تلتزم بشيء؟!

أنا شخصيًّا كنت في زيارة لبلد من بلاد الحمير، ورأيت بعيني صفقةً باع فيها بعض الدكاترة إياهم خمسة آلاف بادج، كانت مخصصة لمهرجان الهيبز، الذي عُقد في لندن في عام ١٩٦٥م، وباعوا البادجات ليعلقها أعضاء الوفود الذين اجتمعوا في عام ١٩٧٥م لحضور مؤتمر ديني!

•••

لقد بيعت كل قطعة من الخمسة آلاف بادج بعشرة جنيهات إسترلينية، مع أن الدكاترة النصابين إياهم أخذوا من صاحب البادجات الهيبية عشرين جنيهًا للتلخص منها، ولم يفرق السيد الحمار الذي دفع الفلوس بين المؤتمر الهيبي والمؤتمر الديني.

أنا شخصيًّا توليت إدارة التحرير في جريدة تصدر في بلد حميري آخر، واكتشفت وأنا أتسلم العمل من مدير التحرير السابق أنه لا يعرف القراءة والكتابة، مع أن بطاقته كانت تحوي لقب دكتور، ولما سألته دكتور في إيه؟ أجابني بأنه دكتور في لندن!

قالت: إذن ليس لديكم جامعات تمنح درجة الدكتوراه!

قلت: لدينا دكاترة بعدد شعر الرأس، ولدينا دكتور في السيرة الهلالية، ولكن لأننا نحب التخصص، لدينا مائة دكتور في أبو زيد الهلالي، ومائة دكتور في دياب بن غانم، ومائة دكتور في الزناتي خليفة، ومائة دكتور في السفيرة عزيزة، وحتى تكتمل الصورة وتتم المعجزة أصبح لدينا مائة دكتور في الريس متقال؛ الذي ينشد السيرة الهلالية.

قالت: إنه تخصُّص التخصص، وهي مرتبة في العلم لم يصل إليها أحد من قبل؛ تتخصصون في السيرة أولًا، ثم تتخصصون في كل بطل من أبطالها، ثم تتخصصون بعد ذلك في المطرب الذي ينشدها! لو كنت منكم لطرت من شدة السعادة.

قلت: وأنا أيضًا طائر من شدة السعادة يا خواجاية؛ وأنا أحكي لك عن حالنا كلون من ألوان الفخر.

قالت: ولكن، هل كان لديكم مهندس واحد للإعلام؟

قالت: بل إنهم لكثير، أحدهم كان صحفيًّا فاشلًا، ثم دفعه نفاقه فصار «مستحفظانًا» على أمور الإعلام، وهو ينتمي إلى أقلية صغيرة تعيش في الوطن الحميري، ومع ذلك، نصب من نفسه داعية من دُعاة القومية، وبالرغم من كونه سفاحًا، فقد جعل من نفسه داعية من دُعاة الحرية، ولأنه أميٌّ لا يعرف القراءة والكتابة، فقد جعل من نفسه سيفًا على رقاب الموهوبين.

وفي زمن إشرافه على سنجقية الإعلام، أصدر قرارًا بمنع نشر خبر موت عبد الحليم حافظ؛ أشهر مطرب في العصر الحميري، ليه؟ لأنه في رأي الحمار الإعلامي مطرب رجعي انتهازي انكشاري انشطاري عديم المقاتلة والنضال! وكانت النتيجة أنه جعل من جهاز التليفزيون الذي اخترعوه في بلادكم للمتعة حوَّله إياه إلى جهاز للتعذيب.

قالت البنت الفرنساوية: هل قدمتموه للمحاكمة وعرضتموه للمساءلة؟

قلت: بالعكس، بل صار عضوًا في مجلس الثورة.

قالت: وهل قامت في بلادكم ثورة؟

قلت: الحمد لله في بلادنا الثورة قايمة والكفاح دوَّار.

قالت: كيف؟ وهل معقول أن الثورة تقوم فلا تقعد، وتدور فلا تتوقف؟ لقد قامت لدينا ثورة هي الثورة الفرنسية كما تعلم، وبعد أن أكلت بنيها استقر كل شيء، واقتصر الأمر على الاحتفال بقيامها مرةً كل عام.

قلت: هذا عندكم، ولكن عندنا كل يوم ثورة شكل، وكل يوم ثوار ألوان، وكل ثورة لها رئيس يرتدي زي المارشال، ولأن ثوراتنا يقوم بها في العادة مارشالات من منازلهم؛ لذلك يصبح شكلهم في بعض الأحيان الخالق الناطق شكل المارشال، على مجذوب حي الحسين، وتظل الثورة قايمة في بلادنا والكفاح دوَّار ما دام الثوار في الحكم، وأحيانًا يمتد عمر الثورة في بعض أجزاء من بلادنا إلى عشرة أعوام، أو عشرين عامًا، ولدينا ثورتان الآن في بلاد الحمير عمرهما ٢٢ سنة؛ ثورة في الشرق وثورة في الغرب، وتستمعين إلى الإذاعة هنا وهناك؛ فتظنين أن الثورة قامت بالأمس؛ فالمارشات العسكرية على وِدنه، والأغاني الحماسية على ودنه، وقرارات الثورة بعزل فلان وقتل فلان؛ على قفا من يشيل.

قالت: وما المانع من قيام الثورة إذا كان هدفها التنقية والتطهير؟

قلت: ولكن ثوراتنا ليس هدفها التطهير أو التغيير؛ إن هدفها الحقيقي هو بقاء الحال على ما هو عليه، بل أحيانًا على أسوأ مما كان عليه؛ بدليل أن المواطن تحت ظل بعض هذه الثورات انكمشت قدرته المالية عن ذي قبل، وانحط مستواه المعيشي عن ذي قبل، وفقد كل شيء … أمنه ورزقه وكرامته، ويعيش المواطن في العصر الحميري أغلب حياته في ظل الوهم وفي ظل الخديعة، ويعيش في انتظار الوهم الذي سيتحقق بفضل قيادة وتوجيهات وتعليمات وإرشادات وتخطيطات الزعيم الملهم مارشال البر والبحر والجو، والوريث الوحيد والأكيد لخالد بن الوليد والقعقاع والظاهر بيبرس وعلي بك الكبير وعلي بيه لوز!

قالت البنت الفرنساوية: وما المانع من ربط الأحزمة على البطون وتقييد حرية المواطن إذا كان الهدف في النهاية هو التحرير؟ إذ لا بد، بالرغم من أنكم حمير، أن يكون لكم أعداء، ولا بد من إظهار العين الحمراء للأعداء؛ بتجهيز الجيوش وحشد الطاقات وتوحيد الجهود، ولا بد من الشدة على المواطن؛ لكي يتعود على الشدة وقت الحرب؛ فالحرب ليست نزهة وليست حفلة. وعلى هذا الأساس فمارشالاتكم لديهم حق في أخذ الشعب بالعنف والشدة؛ حتى يتعود المواطن على جو الحرب.

قلت: عندك حق يا خواجاية؛ فأنتِ تتكلمين عن عالَم طبيعي وأنا أتكلم عن عالم حميري، فالمارشالات تبعنا لا يحاربون أعداءنا إلا في الإذاعة، ويتصدون للإمبريالية في الصحف والجرائد السيارة، وهم في أعماق أعماقهم يتمنون أن يبقى العدو لا يبرح مكانه؛ لأن وجود العدو داخل أراضينا يجعل منه شماعةً يعلق عليها المارشالات كل أخطائهم وخطاياهم. وبسبب العدو الذي لم يجرؤ مارشال واحد منهم على التهويب نحو حدوده، تَضيق السجون بالأحرار، وتلتف حبال المشانق حول رقاب المعارضين، وبسببه أيضًا تختفي الديمقراطية ويُسحق المواطن المسكين تحت الأقدام.

قالت البنت: عجيبة! يرتدون زي المارشال ولا يحاربون؟!

قلت: بالعكس، بل هم يحاربون في كل يوم وفي كل اتجاه، ولكن حروبهم تدور داخل حدودهم وبين بعضهم البعض؛ عندنا بلد من بلاد العصر الحميري تدور فيها حرب أهلية الآن، وهم يحاربون من منزل إلى منزل ومن شارع إلى شارع، وبالرغم من كل شيء، فقد أثبت المارشالات تبعنا أنهم أشجع من عنترة وأكثر إقدامًا من ابن الوليد، وقد أثنت الدوائر العسكرية الأجنبية على أداء جميع المتحاربين الحمير، وأكدت أن هذا الأداء الرائع هو نتيجة تدريب شاق وجاد ورفيع؛ مما جعل جميع المتحاربين الحمير قادرين على التصويب من بعيد، والدليل هو سقوط قذائف الحمير على بيوت الحمير؛ كما أن عمليات الكر والفر جعلت الانتصار مرتين؛ مرة انتصر بعض الحمير على بعض الحمير، وفي المرة الثانية انتصر فيها بعض الحمير على بعض الحمير؛ فالحمير على الجانبين، والقتلى حمير، والجرحى حمير، والأسرى حمير، والحمير انهزموا مرتين وانتصروا مرتين، وهي مسألة لم تحدث لأي جنس في التاريخ قبل ذلك.

قالت البنت الفرنساوية: يا سلام … معنى ذلك أنكم تقومون بمناورات ليس بالذخيرة الحية فقط، ولكن بالنفوس الحية أيضًا، وهي مرتبة عسكرية لم يصل إليها أحد، حتى ولا الجيش البروسي الشهير، وإن مثل هذه المناورات الحية كفيلة بالانتصار على الأعداء عندما يحين الوقت المناسب.

قلت: عيبنا يا خواجاية أن الوقت المناسب لم يحِن عندنا قط؛ فالثورة عندنا دايرة، والحرب الأهلية شغالة، والثوار في الحكم لا يخلعهم إلا ثوار آخرون، فتقوم الثورة من تاني، وتنشب الحرب الأهلية من جديد.

قالت: يبدو أن مصيبتكم كبيرة، وقطتكم نميرة واسمها سميرة، لقد وجعت قلبي أيها المضروب، وكان حديثنا عن الدكاترة في الإعلام، وانحرفت بنا في الحديث إلى الثورة والثوار، أليس لديكم دكاترة في مجال الإعلام؟

قلت: بالعكس، الدكاترة عندنا أكثر من الهم على القلب، وثلاثة أرباع وزراء العصر الحميري من صنف الدكاترة، ورغم الفشل المتوالي والفقر المتعالي، إلا أننا متمسكون بتوزير السادة الدكاترة، ولكن أغرب هؤلاء الدكاترة واحد يتولى مسئولية عموم الجاز وهو دكتور بفلوسه، كما أنه شاعر يقول الشعر في مواجهة الخطوب والأزمات، إذا ارتفع سعر البترول، رقع القصيدة من نوع:

حبورًا أو عبورًا لا تبالي
فإن الهبر من شِيَم الرجال

أما إذا انخفض سعر البترول، رقع قصيدة من نوع:

صبورًا لا تخف غدر الليالي
فبعد النقص لا بد العلالي

والأكادة أن أغلب نُقاد العالم الحميري وجدوا في القصيدة استنباطات وإسقاطات في الباطن المستغلق، وبعضهم أرجع القصيدة إلى مدرسة الاستبطان الاستغلاقي، وبعض صحف العالم الحميري كتبت القصيدة بماء الذهب ونشرتها على عشرة أعمدة، والبعض رشحها لنيل جائزة موبِل.

قالت البنت الفرنساوية: ولماذا موبل بالذات؟ لماذا ليس «شل» أو «سوكوني فاكوم»؟

قلت: لأن موبل يشتري البترول من صاحبنا، وبطريقة: شيلني واشيلك؛ يعطيها البترول أرخص شوية، تعطيه الجايزة ومكافأة أكبر شوية، فليس بين الشاعر البترولي والشركة البترولية حساب.

قالت البنت الفرنساوية: ما أعظمه من قائد طابية، هذا الرجل العظيم الذي هو أغا النفط في بلاده، والنفط هو المادة الوحيدة التي أثبتت وجودها في هذا العصر، كما أنه مثل الطائرة من علامات القرن العشرين، هذا الرجل تبعكم يدير آلة التاريخ، ومع ذلك يترك واقعنا الأليم والمرير، ويحلِّق على جناح الخيال إلى سموات الفن والشعر الجميل، لا بد أن رجلكم هذا مفلس وشريد وهيمان.

قلت لها: صحيح، هو مفلس، ولكن ليس بالمعنى الذي في رأسك، فهو إذا سحب رصيده من أي بنك، يصبح البنك مهددًا بالإفلاس.

قالت: إذن هو غني.

قلت: بل من أغنياء العصر والأوان.

قالت: ولماذا يَقرِض الشعر؟

قلت: أي شعر؟ إن هذا الذي ينطق به ليس من فصيلة الشعر، ولكنه كلام حلمنتيشي لإضحاك الصغار.

قالت: طيب، وما دام هو ثريًّا كما تقول وبنكيرًا كما تدَّعي، لماذا سعى للحصول على الدكتوراه؟

قلت: لأن الدكتوراه في بلاد الحمير لها استخدامات كثيرة؛ فهي تُستخدم أحيانًا للنصب، وأحيانًا في الغش، وأحيانًا للزينة، وهي مع صاحبنا «قومندان» النفط للعصر الحميري مجرد حلية تسبق اسمه الكريم.

قالت: إذن كل أصحاب الدكتورهات عندكم من هذا الصنف، أليس عندكم دكتور واحد بحق وحقيق؟

قلت: بل هم أيضًا أكثر من الهم على القلب، ولكن أغلبهم استطاع أن يدبر أمره؛ فهرب من العصر الحميري وذهب إلى عصور أخرى واستقر هناك؛ بعضهم يشترك في برنامج الفضاء، وبعضهم يشترك في قواعد الصواريخ وفي برنامج حرب الكواكب، والبقية التي بقيت داخل العصر الحميري، ظلت تقف محلك سِر؛ لا تتقدم ولا تتأخر، معايشهم يدبرونها بالعافية، وملابسهم يا دوب تكفيهم حر الصيف وزمهرير الشتاء، وسياراتهم من ماركة اللي يحب النبي يزق.

قالت: ولماذا لم يهربوا من عصركم الحميري؟

قلت لها: سؤال وجيه فعلًا، ولكني لا أعرف له جوابًا، ربما لأنهم كسالى … ربما لأن لديهم بعض الأمل في تغيير الأحوال، والانتقال بالعصر الحميري إلى العصر الجاموسي، فيصبح لهم فائدة على كل حال، وربما بعض الغلوشات والهلوسات التي تصيب صنف الحمير؛ مثل الارتباط بالأرض، والالتصاق بالطين، والعودة إلى مسقط الرأس، والبقاء في أرض الجذور.

قالت البنت الفرنساوية: أنا في عجبٍ من أمركم؛ أحيانًا ترتكبون الهفوات وأحيانًا تصنعون المعجزات. أحيانًا تحلقون في الفضاء وأحيانًا تزحفون على الأرض، والغريبة أنني لم أسمع منك أسبابًا لأي من الحالتين. يبدو أنكم تعيشون حياتكم بالقدرة، وتمضون في طريقكم كلكشنكان، هل أنتم مشدودون بأسلاك ومربوطون بأزرار؟ أليس لديكم تخطيط؟ ألا تنفذون خطة خمسية أو عشرية؟ هل لديكم تصور للمستقبل؟ هل عندكم هدف تسعون إليه؟

قلت لها: أما عن الخطط والتخطيط والأهداف فما أكثرها في العصر الحميري! وهي شغلنا الشاغل وهمنا الحقيقي ومحور اهتمامنا، وأغلب مادة صحافتنا وإذاعاتنا وتليفزيوناتنا، فانتظري يا خواجاية حتى يصبح الصباح، وأحكي لك عن الخطط والتخطيط والأهداف!

١ / ٦ / ١٩٩٠م

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤