أعلى مراحل الاستحمار

وفي الصباح زغدتني البنت ولكشتني، وتصورت لشدة حموريتي أن البنت قد أعدت للعبد لله إفطارًا شهيًّا، ولكن البنت كانت في العلم متشعللة، وعلى المعرفة مستعجلة، فصارحتني وصدمتني، وقالت: لا إفطار ولا عشاء قبل أن أعرف كل شيء عن العصر الحميري من الألف إلى الياء، هيا أيها الحمار العبقري حدِّثني أولًا كيف تكون حمارًا وعبقريًّا في نفس الوقت؟ قلت: إنها صفة على أية حال ليست مكتسبةً ولكنها جاءتني بالوراثة.

فجدي الأول يرحمه الله كان حمارًا وأستاذًا، وجدي السابق كان حمارًا وعمدة، وجدي الأسبق كان حمارًا وفلاحًا، وستي يرحمها الله كانت حمارة وعالمة.

قالت في دهشة: ستك كانت عالمة من العلماء؟

قلت: لا، بل كانت عالمة من العوالم. وفي بلادنا عالمات كثيرات أشهر بكثيرٍ من مدام كوري وأغنى بكثير من مدام تاتشر، وأكثر انتشارًا من مدام تحب بتنكر ليه!

قالت: وهل حصلن جميعًا أو بعضهن على الأقل على جائزة نوبل؟

قلت: لا، ففي العصر الحميري لا توجد جوائز نوبل، ولكن هناك جائزة موبيل، هل تعرفين العبقري حسن الإمام؟

قالت: للأسف لم أسمع بهذا الاسم من قبل.

قلت: هذا عبقري من فصيلتنا، وهو مخرج سينمائي متخصص في أفلام العوالم، أقصد العالمات؛ بمبة كشر وشفيقة القبطية وبنت بديعة، إلى آخر هذا الصنف من النساء اللاتي جعلن من بلادي قِبلة للعين والأعيان، وأثرياء المنطقة الحميرية، ومن طنجة إلى صنعاء!

قالت: ولكن ما له حسن الإمام؟

قلت: لا شيء، ولكني أردت فقط أن أوضح لك الصورة لتعرفي مهنة ستي ومكانتها يرحمها الله، إنها شيء مثل بديعة وشفيقة وبمبة كشر؛ إلى آخر هذا الصنف الطويل من النساء الخالدات في التاريخ!

قالت: إذن فقد أخرج حسن الإمام فيلمًا عن المرحومة ستك.

قلت: لا، لم يحدث هذا، والسبب خلاف عائلي وقع بيننا وبين المخرج.

قالت: خلاف؟ أي نوع من الخلاف تقصد؟

قلت: المخرج إياه من النوع الوحشي ونحن من النوع الحصاوي، وكانت بيننا دائمًا خلافات عائلية وأيديولوجية؛ ولذلك تجاهل المرحومة ستي رغم مكانتها الكبيرة وفنها الذي ليس له نظير! ومع ذلك فلنعد مرةً أخرى إلى ما كنا نتحدث فيه، كان حديثنا عن حموريتنا وأثرها في العالمين، وأعظم وأبلغ مثال هو الذي حدث مع العظمى بريطانيا؛ آخر إمبراطورية شهدها عصر ما قبل البنسلين، فعندما جاءت بريطانيا العظمى إلينا، كانت عظمى بحق وحقيق، وكان وزير المستعمرات البريطاني إذا كح في لندن، قال له من في الهند: يرحمك الله، وإذا تمخطرت فرقاطة واحدة في البحر الأبيض، أُغمي على كل صنف الحمير شرق البحر، وركع على ركبتيه كل من ألقى السمع وهو شهيد، ولكن مع مرور الوقت تأقلمت بريطانيا في بلادنا وتأثرت، وعندما خرجت من هناك كانت قد أصبحت دولة نامية، ثم تدحرجت بعد ذلك لتصبح دولة نائمة، واليوم اذهبي إلى بريطانيا ستجدين بصمات حوافرنا على كل شيء هناك؛ الشوارع كلها مطبات، وتليفونات الساحات كلها معطلة، ومترو الأنفاق تحول إلى مقلب زبالة، والخدمة كلها سيئة، وكل فرد وله مأساة، وأصبحت بريطانيا العظمى قطعةً من العصر الحميري، وأصابها شرُّه وخيره أيضًا لدرجة أن البترول تدفق من أرضها؛ باعتباره علامة مميزة على العصر الحميري دون سواه، والآن، لو أنك ركبت القطار من قلب لندن ستجدين نفسك بعد خمس ساعات في جبل لبنان.

قالت: جبل لبنان؟ إنها المرة الأولى التي تقول فيها كلامًا يدل على أنك حمار!

قلت: وهل كان عندك شك في أنني حمار؟ لقد صارحتك من أول لحظة بأنني حمار ابن حمار من نسل حمار من صلب حمار، وهل كنتِ تظنين أنني أخدعك عندما قلت: إنني حمار ولي الشرف؟ ثم هذه، ولا مؤاخذة، بادرة غير طيبة ستجعل صحبتنا صعبة وعشرتنا عسيرة، والمفروض أنني أقول الصدق؛ خصوصًا وأنني لا أريد منك جزاءً ولا شكورًا.

قالت: معذرة أيها الحمار الأصيل، ولا تؤاخذني بما بدر مني، ولكنك زودتها حبتين عندما قلت إنه على مسافة خمس ساعات بالقطار من لندن ستجدين نفسك في جبل لبنان.

قلت: بسيطة، وهذا معناه أن الحمير تعرف أكثر مما يعرف صنف البني آدمين، وما عليك إلا أن تسأليني: كيف؟

قالت: كيف؟

قلت: قبل أن أشرح لك الرواية، وأقُص عليك الحكاية، أرجو أن تجاوبيني بصراحةٍ على سؤال … هل حدث يومًا أنك خطفت رِجلك إلى لبنان؟

قالت لا، لم أذهب يومًا إلى لبنان، ولكني أعرف موقعه بالضبط على الخريطة، وأعرف أيضًا أنه يبعُد عن لندن خمس ساعات بالطائرة وليس بالقطار.

قلت: عظيم، وقبل أن نبدأ في الشرح، أريد أن أوضح لك أن لبنان هذا جزء من بلادنا وقطعة من أرضنا.

احتجَّت البنت بشدة وقالت: اسمع بقى، أنا لست طفلة لكي تضحك على عقلي بكلامك الغريب، ولست جاهلة لكي تزيِّف عليَّ حقائق الجغرافيا والتاريخ، وإنك قلت من قبل: إنك من مركز الباجور منوفية، فكيف تعود الآن وتدَّعي أن لبنان الآن بعض أملاككم وجزء من أراضيكم؟

قلت للبنت المحتجة: هذه هي الحقيقة أيتها البنت المثقفة، ودعك من كتب التاريخ وأطالس الجغرافيا، فللعصر الحميري كتبه وخرائطه وعلومه التي لن تجِديها في الجامعة، ولكنك ستعثرين عليها في الواقع المر الأليم، والواقع أن بلادنا كلها اسمها مركز الباجور منوفية، نعم، كلها، من المحيط إلى الخليج، ولكن بعض الأجزاء اتخذت لنفسها أسماء حركية؛ مثل لبنان، سوريا، ليبيا، اليمن الشمالي، اليمن الجنوبي، قطر، تونس، الصومال.

قالت البنت منبهرة: ولكن لماذا تغيير الأسماء؟ ولماذا اللجوء إلى أسماء حركية؟ وهل يخدعون أنفسهم أم يخدعون الآخرين؟

قلت: لا هذا ولا ذاك في واقع الأمر، ولكن العائلة عندما خابت تشتتت وتقسمت، وتمزق العَلم تبعنا فصار عدة أعلام، وانقسم العمدة الذي كان رأسنا وخرج من بين ضلوعه عدة ملوك وعدة رؤساء وعدة سلاطين وعدة أمراء، ولكن ما علينا، فلم يكن هذا حديثنا على أية حال.

قالت: صحيح، لقد كنا نتحدث عن لبنان الذي يبعد عن لندن خمس ساعات بالقطار.

قلت: تمام، ولكن قبل ذلك ينبغي أن نذهب قليلًا إلى لبنان، فلبنان ينقسم إلى مليون لبناني، وكل لبناني دولة قائمة بذاتها، ودين له طقوسه ورسله ومعابده، وكتبه المقدسة التي نزلت رأسًا على صاحبنا هذا من السماء، ورغم القشرة الحضارية التي تبدو على سطح لبنان، ففي الجوهرِ المسائلُ تختلف، وكل مواطن من طائفةٍ هو ضد مواطنه من الطائفة الأخرى؛ هذه هي حقيقة الأمور في لبنان الذي هو من أعمال مركز الباجور منوفية، ولكن كيف يبعد لبنان خمس ساعات في القطار عن مدينة لندن؟ فهذا هو بيت القصيد، هل تعرفين القصيد؟ قالت: لا، هذا شيء لا أعرفه ولا أدَّعيه.

قلت: إنه اسم الدلع للقصيدة، وبيت القصيد هو أفضل بيت شعر في القصيدة، ونحن — المواطنين — من العصر الحميري مولعون بشدة باستخدام أفعل التفضيل، فهذا البيت أفضل، وهذا الرجل أعظم، وهذا اليوم أخلد، وهذا أكرم، وهذا أبخل، وهذا أفظع، وهذا أروع، وعندنا سبهللة في إطلاق الأوصاف والألقاب، فمثلًا، أيامنا كلها خالدة، وخُطب زعمائنا كلها تاريخية، وكل خطاب لا بد أن يكون له صدى في العالمين، ولدينا أجهزة إعلام متخصصة في نشر الصدى والتعليق على الصدى! وكلما تولى عمدة في بلادنا منصبه، أصبح يوم توليه ثورة، وعندنا ثورات بعدد شعر رءوسنا، ثورة الفاتح من سبتمبر، وثورة القافل من نوفمبر، وثورة النازل من فبراير، وثورة الطالع من يناير، وثورة ١٥ عبده، وثورة ١٣ رجب، وثورة ١٨ نيسان، وثورة ٣١ أمشير، وكل ثوراتنا والحمد لله عالمية، وكلها غيَّرت وجه التاريخ، وغيرت معالم الجغرافيا! وكل كتب السماء نزلت خصوصًا لنا، ونزلت مباشرةً علينا، ولكن لشدة حموريتنا أضفنا إليها كتبًا من تأليفنا، ووثائق من عنديتنا، فلدينا كتاب أخضر زرعي، وكتاب أصفر زيتي، وكتاب أزرق بنفسجي، وهي كتب فلسفية واجتماعية وميتافيزيقية، تبحث في شئون الهيلولة وفيما وراء قفا الأفق! ولكن هذا لم يكن حديثنا على أية حال، فقد كنا نتحدث عن لبنان الذي يبعد خمس ساعات عن لندن، وعندما أقول: خمس ساعات، فأنا واثق أن المسافة تستغرق خمس ساعات بالتمام والكمال، وهي ميزة من ميزات بلادكم، ففي بلادكم ساعات، وفيها عقرب للدقائق وعقرب للثواني، ويستعملها الناس عندكم ليضبطوا مواعيدهم ويعرفوا بها أوقاتهم، ولكن بلادنا نحن تستعمل الساعات للهدايا والزينة، وربما لمعرفة مواعيد الهوى والغرام! والقطار عندنا إذا قام مثلًا من محطة مركز الباجور قاصدًا مركز أشمون جريس، أو قام من محطة بغداد إلى محطة الفالوجا، أو قام من محطة دمشق إلى محطة حماة؛ فهو يقوم بمزاجه، ويتهادى على كيفه، وهو لا يحدد وقتًا لوصوله؛ لأن في التحديد تحديًا للمشيئة، وهو سيصل حسب مشيئة الرحمن، وإذا لم يصل على الإطلاق فهذه إرادة السماء، ولذلك ستجدين على كل محطة ألف حُرمة في ملابس سوداء، جئن لتوديع المسافر من مركز إلى مركز؛ لأن الراكب مفقود، والقطار نفسه مفقود، مفقود مفقود يا ولدي!

قالت البنت الناعمة: على هذا أنتم تركبون الصعب في بلاد الحمير، تصورت أنكم ما دمتم حميرًا حياتكم سهلة، ومعيشتكم رغدة، وأموركم غاية في الدماثة والتسهيل.

قلت: معك حق يا ست يا غندورة، فقد كان هذا هو المفروض، ولكن تصوَّري حمير وأشغال شاقة، حمير ومصائب، حمير ومتاعب، حمير ونوائب! هذا شيء يسد النفس، ويعمي العين، ويقتل الروح والفؤاد والضمير، أو كما قال عمنا الفيلسوف أبو النصر المتعاجب ابن أبو شادوف المتألم.

قالت البنت المضروبة: ولكنك جرجرتني وراءك بلا طائل، ودوختني دون نتيجة، ولقد بدأت حديثك معي عن لبنان الذي يبعد عن لندن خمس ساعات بالقطار، ولكنك ذهبت شرقًا وذهبت غربًا، وتكلمت في الذرة وفي البصل الأخضر، دون أن تكشف لي عن سر لغزك، أو تجيب عن السؤال الذي طال انتظاري لسماع الجواب عليه.

وقلت: على مهلك أيتها البنت الخواجاية؛ فأنتِ أولًا الملومة، وثانيًا المسئولة، وثالثًا أنتِ التي اكتشفتِ أنني من أبناء العصر الحميري، وكنت حتى التقيت بك لا أعرف أكثر من أنني من مركز الباجور منوفية، والحق أقول: إنني كنت في غاية السعادة والانبساط، وإذا كان لا بد للإنسان أن ينتمي إلى فصيلة حيوانات، فقد كنت أتصور أنني أنتمي إلى العصر الأسدي أو العصر الفيلي أو العصر الخرتيتي، مع التجاوز والإكرام، ولكن بما أنك تعرفين أصلي وفصلي، فاعلمي أيتها الغندورة أننا في العصر الحميري نبدأ حديثًا عن الصين، ونستغرق الوقت كله في الحديث عن البرتغال! نرفع شعارات التحرير ونوقع المعاهدات السرية للتبعية والاحتلال! نتكلم عن الكفاح المسلح ونجعله في واقع الأمر مجرد كفاح مشلح … لا يزيد! نحارب الاستعمار ونقبض من مخابراته! ندعو إلى العدالة الاجتماعية ونفتح بوتيكات بأسماء زوجاتنا في الحمرا وفي الشواربي وفي شارع الشيخ حمدان! نتكلم عن الدين والحرب والكتاب المقدس، ونشارك في رأسمال ملهى ليلي بشارع الأهرام أو في الزيتونة أو في السمج أو في الامتداد! أنتم تسمونها حمورية، ونحن نسميها كياسة وسياسة، وفتح عينك تاكل ملبن، وصلِّ على الواحد القهار!

قالت: ولكن الغريب مع أنك حمار فأنت تبدو ساخطًا على ما يدور في بلادكم وغير مستريح لما يجري هناك.

قلت: بالعكس، بل أنا راضٍ ومستريح وموافق ومبسوط وأربعة وعشرين قيراط، وأنا واحد من اﻟ ٩٩٫٩٩٩ في المائة الذين يوافقون على كل استفتاء، وأنا مجرد شاهد على العصر، أرسم الصورة دون تدخُّل، وأحكي تفاصيل الحكاية دون موافقة أو معارضة، فهذه المشاعر أبعد ما تكون عن بالي المطمئن وضميري المستريح.

قالت: أفهم من ذلك أنه لا يوجد في بلادكم حمير في المعارضة؟

قلت: بل إنهم اليوم لكثيرون، عندنا معارضة بمرتب، ومعارضة على درجة، ومعارضة بمكافأة، وحكوميون معارون للمعارضة، ولدينا مناضلون يركبون المرسيدس، ويديرون بوتيكات للملابس المستوردة، ويشاركون اللصوص والحرامية والمجرمين! وعندنا قادة منظمات مسلحة دفاتر شيكاتهم أطول من الشريط الحدودي بيننا وبين إسرائيل! ولدينا معارضون ومهاجرون؛ فالذين يعارضون عمدة سوريا يقيمون في العراق، والذين يعارضون نظام العراق يقيمون في دوار عمدة ليبيا، والذين يرفضون قراءة الكتاب الأخضر يعيشون في المحروسة، والذين يعارضون المحروسة يعيشون في لبنان! وبعض هؤلاء هجر السياسة وتفرغ للتجارة. ونشأت في أماكن عديدة في بلادنا أحزاب معارضة تشتغل بأعمال الكهرباء، واحد من الكهرباء يدير مكتبًا ثقافيًّا ويصدر نشرة شهرية اسمها المباحث! ويقيم في شقة بمليون جنيه في بروكسل، ويفتي كثيرًا في أمور النضال والكفاح! وكهربائي آخر من شدة تعلُّقه بالقومية أسَّس شركات للكهربائيين العرب والميكانيكيين العرب، ويسعى الآن لإصدار جريدة قومية وحدوية لجمع الشمل فيما بين الهادر والثائر، وكله عند الحمير صابون!

قالت: أنت تقصد إذن أن هؤلاء المعارضين تخلَّوا نهائيًّا عن رسالتهم، وانضموا بصراحة إلى حزب المهلبين والمهربين!

قلت: أبدًا، المصيبة أنهم لا يزالون يعلنون في كل مناسبة أنهم من المد الثوري المتشنكر في الحنجوري؛ من أجل تعاظم قوى الشعب المتقعر في سبيل تلاحم الشواشي العليا للبرجوازية، من أجل جماهير الطبقات المطحونة في طريق الشحن المتبادل على طريق الثورة المرتقبة، من أجل قيام عالمٍ تسوده الحلبسة والأودسة والتأمين على الحياة!

قالت: ولكن نموذجًا واحدًا لا يعوَّل عليه، لا بد أنه شاذ ونشاز ومن الخوارج.

قلت: يا أيتها الست الطيبة، لو كان نموذجًا واحدًا لما شغل وقتنا بالحديث عن سيادته، ولكنهم كثير … صحيحٌ هناك نماذج أخرى جيدة، ولكنها قليلة، وهي الشذوذ الذي يثبت القاعدة، فالقاعدة هي التهليب، والشذوذ هو العمل من أجل الثورة، وعلى كل حال أنا أعرف نموذجًا آخر من عائلة ثرية، وهو نموذج تنطبق صفاته على كثيرين، وهو ثري أمثل يمتلك عمارة وسيارة وله حسابات في البنوك، وهو حائز على جائزة عبد الناصر من موسكو، وحائز على جائزة نكروما من السودان، وحائز على جائزة سوكارنو من إسبانيا، وحائز على جائزة فرانكو من اليابان، وهو في الرواية ينافس نجيب محفوظ، وفي المسرح ولا توفيق الحكيم، وفي الشعر ولا أحمد شوقي، وهو في الثراء ولا عثمان أحمد عثمان، وهو، بعد ذلك وقبل ذلك، شيوعي قبل ماركس، ولينيني قبل لينين، وناصري قبل ظهور عبد الناصر، وتصحيحي من مرحلة أنور السادات!

•••

قالت: إذن هو رجل من أنصار الحياة ومع الحياة، يمضي حيث تمضي، ويذهب حيث تذهب.

قلت: هذا صحيح، وهو في السياسة، كما في الحياة، يذهب معها أينما تذهب وفي أي اتجاه، وفي أيام عبد الناصر كان أبو الناصرية، وفي الانفتاح كان أول المنفتحين وأول المنتفعين!

قالت: إذن أفهم من ذلك أنكم تعانون من أزمة الكتاب الملتزمين.

قلت: بالعكس، بل إن كتَّابنا ملتزمون، وهم ملتزمون بالاتجاه السائد، وهم دعاةٌ للخليفة الموجود، وهم مع كل دولة حتى تسقط، وضد كل ساقط حتى يرتفع، وهم في النهاية ملتزمون بالمرتب والصرَّاف والحساب المودع في البنوك!

قالت: إذن فهم ساقطون في نظر الرأي العام.

قلت: أي رأي عام؟ إن مركز الباجور منوفية يعيش فيه مائة وخمسون مليون نسمة، وأعظم جريدة في مركز الباجور تبيع نصف مليون نسخة، وهناك مائة مليون على الأقل لا يعرفون أن في مركز الباجور جرائد، ولم يصل إلى علمهم بعدُ أن في مركز الباجور أدباء، نصف مليون فقط هو الذي يقرأ، وهو الذي يكتب، وهو الذي يحكم، وهو الذي يعكُم، وهو الذي يعيش ويأكل الياميش، أما الباقون فالله يرحم الجميع!

قالت: هل نسيت ما وعدتني به يا حماري الصغير؟ لقد قلت لي: إن لبنان على بُعد خمس ساعات بالقطار من لندن، ولكنك سرحت شمالًا ويمينًا دون أن تحل هذا اللغز.

قلت: آه، لقد نسيت ذلك في زحمة الأفكار والأخطار. الذي أقصده يا حضرة الست الخواجاية أنه على بُعد خمس ساعات من لندن في القطار يوجد بلد أوروبي، ولكنه في الحقيقة جزء من مركز الباجور منوفية؛ هذا البلد هو أيرلندا، وفي أيرلندا مسيحي بروتستانتي ومسيحي كاثوليكي، ومع كل واحدٍ منهم سلاح، وفي جيب كل منهم قنبلة، وفي يد كل منهم بندقية، وفي صدر كل منهم حقد صايع كفران، وأنتم تزعمون أنكم من أوروبا، وأنكم مهد النور والحضارة، وبلاد الورد والنضارة، ومع ذلك ففي بلادكم حرب ولا حرب جبل لبنان، وإلا فما رأيك فيما يجري في أيرلندا من حرب أهلية؟ وما رأيك فيما يحدث في هولنده من عنصرية ضد السود والكلاب؟ وما رأيك فيما يجري في بلجيكا ضد العرب والأتراك؟ وما رأيك فيما يجري هنا في باريس ضد المغاربة والتوانسة؟ وما رأيك فيما يجري في ألمانيا ضد كل شرقي؟ ثم ما رأيك — دام فضلك — فيما يجري في إسبانيا في الماضي القريب أيام فرانكو، وفي البرتغال أيام سالازار؟

قالت: أنا لا أفهمك، ماذا تقصد بكلامك هذا أيها الرجل الحمار؟

قلت: أقصد بصراحة، والصراحة أحيانًا أخت الوقاحة، أقصد أن أوروبا نفسها جزء من مركز الباجور منوفية، وأنك أجهدت نفسك في البحث عن العصر الحميري مع أن العصر الحميري موجود تحت بصرك، وتستطيعين اكتشافه لو أنك ألقيت نظرةً بطرف عينيك ذات اليمين أو ذات اليسار.

قالت: قد يكون في كلامك بعض الصدق يا حماري العزيز، ولكن الناس هنا شكلهم مختلف عن أهل العصر الحميري.

قلت: هذه هي النظرة البسيطة للأمور، أما النظرة العميقة فتكتشف أن العصر الحميري ليس في الشكل أو ملامح الوجه أو حجم الجمجمة، وأن الذي يحكم في النهاية هو تصاريف العقل وتبعًا للنيات والأعمال.

قالت: إذن فأنت تقصد أننا جميعًا حمير، وكلنا نعيش في العصر الحميري السابع.

قلت: بل نحن نعيش في العصر الحميري الأخير، فلا أظن أن حميرًا غيرنا سيأتون من بعدنا، كما أنني لا أعتقد أن حميرًا غيرنا، حتى ولو أتوا من بعدنا، سيحققون ما حققناه أو سيصنعون ما صنعناه، فمن الحق أن نقول: إن حموريتنا هي الأصل وأننا بلغنا أعلى مراحل الاستحمار!

١ / ١١ / ١٩٨٩م

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤