حمير … ولكن كرماء

قالت البنت الفرنساوية وهي تسحبني من يدي في طريقنا إلى الريف الفرنساوي: في حديثك عن بلادك أيها الحمار الطيب ذكرت الصحراء أكثر من مائة مرة … فهل أفهم أن بلادكم كلها صحراء عجفاء شمطاء وضامرة؟

قلت: الواقع أيتها، الست الخواجاية، أن الصحراء في بلادنا لها مكانة، وتسعون في المائة من بلادنا صحراوات، ونحن نحب الصحراء ونعشقها لدرجة أننا أنشأنا جمهورية جديدة اسمها الجمهورية الصحراوية؛ تعبيرًا عن حبنا للصحراء واحترامًا لها!

وشاعرنا الأكبر عمك أبو الطيب المتنبي قال ذات مساء وهو هارب من حاكم إلى حاكم آخر:

أما الأحبة فالبيداء دونهم
فليت دونك بيدًا دونها بيد

وقد ذكر الصحراء كما ترين ثلاث مرات في بيتٍ واحد، والصحراء لها عندنا أكثر من اسم؛ فاسمها في شهادة الميلاد الصحراء، واسم الدلع البيداء، واسم الشهرة القفر، ولها أسماء أخرى؛ كالجبَّانة والفيافي والخلاء.

ولكن هذه الصحراء نفسها هي التي صنعت أمجادنا في أول الأمر في ذلك الزمن المجيد البعيد، وقبل أن نتحول من بني آدمين إلى حمير. أنجبت الصحراء كل أبطالنا الميامين من أول عنترة العبسي إلى خالد بن الوليد إلى عمرو بن العاص إلى سعد بن أبي وقاص إلى أبي عبيدة الجراح إلى موسى بن نصير إلى طارق بن زياد إلى صقر قريش.

وكانت هذه الصحراء هي السبب في تفتيح العقول وتفتُّح العيون معًا؛ ولأنه لا حاجب ولا حاجز بين الصحراء والسماء، فقد سرحت عقول أجدادنا في الكون ومنشئه والحياة وأصلها، وبعد أن حارت الأفهام والألباب، جاء نداء السماء ليهدي المتعبين والحيارى، وكانت الرسالات السماوية والإرشادات الإلهية … ولأن كل شيء كان عندنا واضحًا ومبينًا … فقد جاءت الإشارات واضحةً هي الأخرى والعلامات بارزة.

ومع أن مبعوث السماء نشأ في أعماق الصحراء، إلا أنه أول من وضع للناس قانون الإجراءات، فلكي تكون التهمة صحيحة لا بد أن تكون الإجراءات صحيحة، وإلا سقطت التهمة ولو كان المتهم مدانًا بالفعل. ذلك كان زمانًا ومضى، ولكن بعد دخولنا في العصر الحميري … صار مِن حق كل أمير جماعة له سكسوكة أن يقبض على من يشاء وقت أن يشاء، وأن يعاقبه على ما يشاء وقت أن يشاء، وأن يعاقبه بالشبهات وأحيانًا بالشائعات.

ولدينا الآن جماعات تنتسب زورًا إلى السماء، تحكم بالكفر على جميع الناس، وتحتكر الإيمان لأنصارها، مع أن مبعوث السماء نفسه عفا عن الطلقاء وأعلن قبوله لهم في ملكوت السماوات، وهم الذين حاربوه واضطهدوه وطردوه وطاردوه، ولكن رسول السماوات نفسه عفا عنهم؛ لأن رحمة الله واسعة، وملكوته يتسع للجميع.

قالت البنت الفرنساوية وهي تشهق: هل هذه الجماعات وهؤلاء الأمراء هم كل المشتغلين بالدين في الوقت الحاضر؟

قلت: لا، هناك كثيرون. إذا كان هؤلاء حولوا الشريعة السمحاء إلى مطواة قرن غزال وإلى عبوة متفجرات، ففي المقابل يوجد رجال دين رسميون بعضهم حوَّل الشريعة إلى بحرٍ من الجهل، وبعضهم حوَّلها إلى وسيلة للاسترزاق. أما الجهلاء فقد أعلن أحدهم منذ فترة بأنه التقى برئيس الجن، وأنه تاب على يديه، وعقد قِرانه على جنِّية مسلمة.

قالت البنت الفرنساوية: وهل هناك جن يهودي وجن مسيحي وجن بوذي وجن يعبد النار؟

قلت: لم يذكر لنا العالم إياه سوى أنه التقى بالجِني الكافر، وأن الجني الكافر اهتدى بعد المقابلة واستتاب.

قالت البنت: ألم يلتقط عالِمُكم الفاضل صورًا فوتوغرافية للجني التائب أو سجَّل المقابلة على شريط فيديو؟

قلت: عالمنا الفاضل لم يفعل ذلك؛ لأن التصوير عنده حرام، والفيديو عنده أم الكبائر؛ ولذلك فهو يحرِّم على الناس كل شيء لم يكن مستخدمًا أيام الرسول.

قالت: إذن هو يرتدي ثيابًا بدائية، وينتعل نعلًا من جلود الأغنام، ويقطع المسافات سيرًا على قدميه!

قلت: بالعكس يا خواجاية؛ فكل أحذيته صنع بالي السويسري، وثيابه بعضها من صنع اليابان وبعضها من أفخر مصانع الصوف في لانكشير، ولديه حسابات في البنوك، ودفتر شيكاته أطول من كشف ذنوب العصاة والمذنبين، ولديه تليفون دولي وتلكس وفاكس.

قالت البنت: ولماذا يمنع استخدام كل الآلات والاختراعات التي لم تكن موجودة في زمن الرسول؟

قلت: لم يسأله أحد … وحتى إذا سأله أحدٌ فهو لن يجيب؛ لأنه هو الوحيد المسئول عن توضيح ما هو حلال وما هو حرام، هو الوحيد الذي يعرف الفرق بين الحق والباطل؛ كما أنه الوحيد المكلَّف بتوصيل الرسالة في هذا الزمن الطيب. على العموم هذه مسائل جرنا إليها حديثنا عن الصحراء وكيف أننا نموت في دباديبها!

ولكن ليس معنى ذلك أننا بدو نسكن في بيداء، بل عندنا مزارع ولا مزارع كاليفورنيا، ومدن ولا مدن أوروبا، وشوارع ولا شوارع النمسا، وساحات ولا ساحات الكونكورد في باريس، وعندنا حدائق ولا التويلري وأنهار ولا نهر السين، وعندنا أيضًا تلال وجبال ولا جبال الألب، ومع ذلك لا نقف مكتوفي الأيدي، بل لدينا برنامج كامل لقهر البيئة، وقد قطعنا في هذا الطريق خطوات ما أبعدها وما أسعدها!

قالت البنت الخواجاية: خبرني، أيها الحمار المتمرس، عن هذه الخطوات البعيدة والسعيدة، فما أسعدني عندما أسمع أنكم بالرغم من حموريتكم تنشدون الأمثل والأكمل في الحياة!

قلت: عندنا يا خواجاية في بعض أجزاء من بلادنا العربية جزر كانت مهجورة ومطمورة، ودرجة الحرارة فيها أعلى من جهنم، ودرجة الرطوبة تصيب الكائنات الحية بالاختناق، ولكننا زودناها بالهواء المنعش، وزرعناها بالورد المزركش، وصبغناها بالطلاء المبرقش، وجعلناها مثل سفينة نوح فيها من كل زوجين اثنين، حمير تلاقي، أُسود تلاقي، نمور تلاقي، قرود تلاقي.

واستوردنا لها غزلان من لندن وباريس تسرح في الجزيرة وتمرح، غزلان بالبكيني، وغزلان زلط ملط، وغزلان سبحان الذي صوَّر والذي كوَّر والذي جعل الصدور بهذا البروز والبذوذ!

قالت البنت مندهشة ومنبهشة: غزلان من لندن وباريس تستوردون؟ نحن نستورد الغزلان من بلادكم.

قلت: لأنكم تستوردون غزلانًا للفرجة والمشاهدة، ولكننا نستورد غزلانًا … العيون زرق، والشعر أصفر، والنهود كما الجنود واقفة ومستعدة، والرقبة كما العقبة، والأكتاف يا خفيَّ الألطاف، والعيون ولا الصحون، والرموش ولا ورق شجرة كرموش! غزلان لزوم المزاج والفرفشة، وهي في النهاية لكي يعود الشيخ إلى صباه.

قالت البنت وفمها مفشوخ على الآخر من شدة الانبهار: ما أكرمكم من قوم! تقهرون الطبيعة، وفي نفس الوقت تحاولون تحسين النسل! أليس كذلك؟

قلت: لا، الحكاية ليست كذلك، ولكننا فقط نحاول أن ننفتح على كل دول الأرض، ولكن الانفتاح يتم على طريقنا وبأسلوبنا وبالشكل الذي يعجبنا.

والحوار العربي الأوروبي شغال في هذه الجزر صباح مساء على وِدنه، وهو حوار لا ينتهي؛ لأنه حوار صامت بالرغم من أنه حوار يستهدف التجارة والبيض الأمارة، ولكنه وإن كان حوارًا صامتًا إلا أنه تتخلله شهقات وهمهمات.

قالت البنت الفرنساوية: فرفشة ومتعة وفهمنا، حوار عربي أوروبي بأسلوبكم؛ معقول، ولكن أين هي التجارة في هذا الأمر الغريب؟

قلت: يا سلام! بل هي في بلادنا أنشط تجارة وأربح تجارة، وإذا كانت لدينا تجارة كثيرة رابحة، فأربحها على الإطلاق هي تجارة الأجساد. والبنت التعبانة الدهبانة إذا حضرت من بلادكم عندنا وقضت شهرًا في جزيرة من الجزر إياها، عادت ومعها هدايا بعدة ألوف، وشيك بعدة أصفار، وسيارة آخر طراز؛ لزوم الفسحة والانتقال.

قالت البنت وقد شهقت وجزعت: مش معقول! لا شك أنك تبالغ، كل هذه الأموال من أجل شهر حب واحد!

قلت: وأحيانًا من أجل ساعة حب واحدة، وأحيانًا بدون مقابل على الإطلاق. وحدث ذات مرة يا خواجاية أن محل هارودز الشهير في لندن الذي اشتراه أخيرًا واحد مصري اسمه فايد، وتشاجر معه واحد آخر اسمه رونالد، وتبنَّت جريدة الوفد قضية فايد على أنها قضية المستقبل، واعتبرت شراء فايد لمحل هارودز علامةً من علامات التغيير وهدفًا من أهداف الديمقراطية! هذا المحل الذي اشتراه الفايد حدث فيه حادثة منذ سنوات لا يصدقها عقل أو عكل؛ على رأي الست شويكار.

ذهبت سيدة بريطانية شردوحة وسنكوحة تشتغل في محل اسمه البلاي بوي، واشترت بالطو من الفرو الفاخر ثمنه مائة ألف جنيه إسترليني، كل جنيه ينطح أخاه، وقالت لصاحب المحل وهي تتثنى وتتلوى: قيِّد الثمن على حساب الشيخ فلحان، وفي آخر العام عندما حان الوقت لإرسال الفواتير للعملاء، اكتشف محل هارودز أن لديه عشرة مشايخ اسمهم فلحان، وفشل الكمبيوتر في معرفة من هو فلحان المقصود الذي ينبغي عليه أن يدفع مائة ألف جنيه إسترليني؛ ثمنًا لبالطو السيدة السنكوحة التي أخذت البالطو واختفت في زحام الناس؟

واهتدى المحل إلى حل يضمن له فلوسه؛ وهو أن يرسل فاتورة لكل فلحان، وبالطبع سيدفع الذي اشترى للسنكوحة وسيرفض الآخرون، وقد يشفعون رفضهم باحتجاج، ولكن النتيجة كانت مدهشة للغاية؛ فقد دفع العشر فلحانات الثمن على الفور، لم يرفض أحدهم ولم يحتج؛ فمن يدري! ربما هو الذي اشترى ولكنه نسي ذلك في مشاغل الحياة، ثم إن الفلوس وفيرة، والحمد لله، عند جميع آل فلحان، وخسارة مائة ألف جنيه إسترليني أفضل من السؤال والاحتجاج، ومن يدري! فقد يسبِّب السؤال بعض الإحراج، وقد يتسبب الإحراج في فضيحة لا يعلم مداها إلا الله!

قالت البنت الفرنساوية وهي تدق صدرها بقبضة يدها: إذن هناك تسعة من الفلحانات دفعوا مائة ألف جنيه إسترليني ثمنًا لشيءٍ لم يحصلوا عليه.

قلت: لا شيء يهم يا خواجاية على رأي إحسان عبد القدوس، فالفلوس وفيرة، والله جاب، الله خد؛ هي فلسفة أبناء العمومة والأشقاء.

قالت البنت الفرنساوية: إذن فهؤلاء الناس يتبرعون بالملايين لمراكز البحث ومعاهد العلم والجامعات؟

قلت: بالعكس، لا تبرع لمثل هذه الأشياء، فالدولة هي المسئولة وليس الناس، وكل حي مسئول عن مزاجه ومسئول عن نزواته، وفي هذا المجال فليتنافس المتنافسون.

أعرف حمارًا من أبناء العصر الحميري ذهب إلى لندن للعلاج، كان مريضًا بفعل الشيخوخة وانتهاء العمر الافتراضي، ولكنه بالرغم من ذلك وقع في حب الممرضة الإنجليزية القشطة فتزوجها على سنة الله ورسوله، مع أنه في الثمانين وهي في العشرين، ودفع لها نصف مليون جنيه إسترليني مقدم صداق، وبعد شهر عسل في فندق ريفي حجزه لنفسه طلَّقها، بعد أن دفع لها مليون جنيه مؤخر صداق، أي: إنه اشترى شهرًا من عمر البنت بمليون ونصف مليون جنيه إسترليني، هذا عدا الهدايا والهبات، ويقال: إن من بين الهدايا بيتًا ريفيًّا تحيطه مزرعة في اسكتلندا، وبيتًا صيفيًّا على شاطئ البحر في برايتون، وعِقدًا من الأحجار الكريمة الخام قيل إن ثمنه ثلاثة ملايين من الدولارات.

وأعرف حمارًا آخر يكتب على بطاقته ألقابه ووظائفه وصفاته؛ الأمير الطيار المهندس السفير العقيد المفكر المخترع المؤلف المثقف العالم المقاتل الشيخ، رئيس الاتحاد الأوليمبي والترسانة أيضًا، والأمين العام للمجمع العلمي، ركن الدولة والدين، الشيخ فلان الفلاني أبو ريحة وسخة!

وأعرف حمارًا آخر كتب عنه الأديب علي سالم مقالًا على صفحات جريدة الأهالي الغرَّاء بعنوان: شيخ مشايخ المجلس الأعلى للكستور، وهو شيخ ريحته وسخة، وهو الآخر استهواه قماش الكستور فأنشأ له مجلسًا أعلى في لندن، وصار شيخه الأوحد وإمامه الأكبر، ودعا جميع الأتباع والأنصار إلى ارتداء الكستور والدخول في الحلقة الكستورية؛ تمهيدًا للقضاء على الاستعمار، وتحرير القدس من براثن الصهيونية، وتحرير إسبانيا من براثن الإسبان! والمدهش حقًّا أن أدباء كبارًا ألفوا كتبًا في عبقرية الشيخ الكستوري، وقارنوا بين وجهه ووجه النبي، وبين سماحته وسماحة الإمام جمال الدين الأفغاني؛ باعتبار أن كله عند الحمير صابون.

•••

أفغاني أو كستوري لا فرق، ولا شيء يهم على رأي إحسان عبد القدوس، وقصص حميرنا الأثرياء لا تنتهي، وسردها يحتاج إلى مجلد ضخم يا خواجاية، قد تنتهي صفحاته قبل أن ينتهي السرد، ومع أننا سمعنا على ملايينهم التي أُهدرت على موائد القمار، وضاعت بين أفخاذ الراقصات، إلا أننا لم نسمع عن مليم واحد تبرعوا به لمستشفى أو جامعة أو لمريض مسكين من أبناء السبيل.

والأدهى أنه في المناطق الغنية من بلاد الحمير، يذهب المهندس أو الطبيب أو أستاذ الجامعة ليتقاضى ستمائة جنيه في الشهر وهو يكاد يطير فرحًا؛ باعتبار أن طاقة ليلة القدر قد انفتحت له … مع أن هؤلاء الحمقى يعلمون علم اليقين أن أي بنت سنكوحة من السكسون أو من الجيرمان أو من الوندال؛ تتقاضى في ساعة واحدة مرتب ستة من هؤلاء في عشرة أعوام!

قالت البنت الفرنساوية وهي تزغدني في صدري وتشدني من أذني: تقول تتقاضى في ساعة واحدة مرتب ستة من هؤلاء في عشرة أعوام؟

قلت: هذا المبلغ يُدفع للسنكوحة … فما بالك بالليدي والبارونة والكونتيسة وملكة الجمال؟

قالت: إذن وداعًا أيها الحمار الغشيم؛ أنا ذاهبة إلى بلادكم في التو واللحظة!

قلت: لا ورب الكعبة لا أتركك تذهبين … لأن الدرس يا خواجاية لم ينته بعد، فتجلَّدي وصابري وثابري، فما زال في العمر بقية، وما زالت هناك عن العصر الحميري قصص وحواديت وحكاوي وروايات!

قالت البنت وهي تغالب النوم: الله يخيبك! جعلتني أكثر شوقًا لرؤية العصر الحميري في الواقع وعلى الطبيعة، أمنيتي الآن أن أعيش حياتي مع الحمير وأستحمر!

قلت: على مهلك يا خواجاية، فكل شيء وأي شيء … بأوان!

١ / ٤ / ١٩٩٠م

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤