أحاديث رمضان: في الحياة الروحية١

١

في بعض كتب الهند حكاية لطيفة وهي:

أن رجلًا سَريًّا له ابن عزيز عليه، فلما بلغ الثانية عشرة أرسله ليتلقى العلم على خير الأساتذة، وما زال يجد حتى استنفد جميع علمهم وقد بلغ الرابعة والعشرين، فعاد إلى أبيه مزهوًا بعلمه، فخورًا بمعارفه، عائبًا على من حوله جهلهم وقلة علمهم.

قال له أبوه يومًا: يا بني، أراك مغرورًا بنفسك معجبًا بعلمك، هلا طلبت من العلم ما يجعلك تسمع ما لا تدركه الأسماع، وتبصر ما لا تدركه الأبصار، وتعلم ما لا يعلم؟

الابن : أي علم هذا يا أبي؟ فإني لم أسمع به.
الأب : إنه يا بني علم أشبه بالعلم بالطينة التي تُصنع منا أشياء كثيرة مختلفة الأشكال، فإنك متى عرفت الطينة وتكوينها عرفت كل ما يصنع منها، ولم يكن الاختلاف إلا اختلافًا في الأسماء، أما الحقيقة فواحدة، كذلك هذا العلم لو علمته لعلمت كل شيء.
الابن : لا شك أن هذا علم لم يعرفه أساتذتي الكبار الذين أخذت عنهم، إذ لو علموه لعلمونيه، فهل لك يا أبي أن تشرحه لي؟
الأب : وهو كذلك، ائتني بثمرة من شجرة النيجرودا (شجرة هندية).
الابن : ها هي.
الأب : اكسرها.
الابن : ها قد فعلت.
الأب : ماذا ترى في داخلها؟
الابن : بذورًا صغيرة.
الأب : اكسر بذرة منها.
الابن : ها قد فعلت.
الأب : ماذا ترى؟
الابن : لا شيء مطلقًا.
الأب : يا بني إن هذا الجوهر الذي لم تره هو الروح الذي لم تدركه، وهو الذي كوّن الشجرة الكبيرة. إن هذا الجوهر وهذا الروح هو الذي يقوم به كل موجود إنه الحق. إنه النفس. إنه أنا وأنت.
الابن : زدني يا أبي علمًا.
الأب : خذ هذا الملح وضعه في قدح ماء وائتني به في الصباح.

فعل الابن ما أمر وحضر في الصباح.

الأب : ائتني بالملح الذي وضعت في القدح.
الابن : لا أستطيع؛ إذ كان قد ذاب في الماء.
الأب : ذق الماء من السطح وأخبرني.
الابن : إنه ملح.
الأب : ذقه من الوسط.
الابن : إنه ملح.
الأب : ذقه من القاع.
الابن : إنه ملح.
الأب : اطرح الماء على الأرض وائتني صباحًا.

عاد الابن في الصباح فوجد الأرض تشربت الماء، وبقي الملح.

الأب : هكذا بدنك أيها الابن، إنك لا تدرك الحق فيه، ولكنه موجود. إنه الروح. إنه النفس. إنه أنا وأنت.

•••

ترمي هذه القصة إلى أن هناك جوهرًا وروحًا منبثًّا في هذا العالم كله على اختلاف أنواعه وأشكاله، هو سر وجوده، ولا فرق بينها إلا في الأسماء، كالفرق بين خشب يصنع شباكًا أو بابًا أو دولابًا، فجوهر الخشب واحد، وإنما تتعدد الأسماء.

إن العلم الذي حصّله «الابن» على العلماء قد كشف النقاب عن كثير من الألغاز، ولكنه لم يكشف شيئًا من سر الحياة، وهذا هو الذي أراد الأب أن يكشفه.

كم تقدم الطب والجراحة فعالج أمراضًا كانت مستعصية، ووقى من أمراض كانت فاشية، ومد من أعمار كانت قصيرة.

وكم تقدمت علوم الآلات، فاخترعت المخترعات العجيبة، والآلات الدقيقة الغريبة، ولكن إذا وُضع لكل هؤلاء العلماء هذا السؤال: ما الحياة وكيف أتت وكيف تنتهي؟ عجزوا جميعًا عجز «الابن» ومعلميه. لقد قالوا إن جميع النبات والحيوان مركب من خلايا، وكل خلية مركبة كيمياوية من «كربون» و«هيدروجين» و«أكسجين» و«نتروجين»، فإذا تكونت هذه العناصر بنسب معينة كانت الخلية؛ ولكن كوّن هذه الخلية بهذه النسب كما تشاء فلن تستطيع ولن يستطيع العلماء مجتمعين أن يمنحوا الخلية «الحياة». «إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه منه، ضعف الطالب والمطلوب. ما قدروا الله حق قدره، إن الله لقوي عزيز».

إن الخلية من أحقر نبات إلى أعظم إنسان تتكون من هذه العناصر التي يعرفها العلماء، ولكن ينقصها عنصر يجهله العلماء هو الحياة، هذا العنصر لا يمكن العلم إيجاده، وبين العناصر المادية وعنصر الحياة برزخ لا يمكن أن يتخطاه العلم، وقد حار كل الحيرة في وسيلة الاتصال بينهما.

وهذا ما عناه بعضهم من قوله: «إن الدين يبدأ حيث ينتهي العلم». لقد انتهى العلم عند ذكر العناصر الأربعة وبدأ الدين من هذه النهاية فقال: وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ ۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ.

خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۚ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ.

أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ.

•••

ثم هذا التغير المستمر في هذا العالم الفسيح. فالبر والبحر في تغير دائم، حتى جبال الهملايا لم تكن ثم كانت، وهي في كل يوم غيرها بالأمس، وفي علم الجيولوجيا البرهان الكافي على هذا التغير. فكم مر على الأرض من أطوار حتى أصبحت صالحة لسكنانا، وهذه الظواهر التي يلعبها الماء بالأمطار والأنهار والبحار، وهذه الحركات العنيفة المدمرة التي تقوم بها الزلازل والبراكين، وهذه القوى التي تسمى الجاذبية والكهرباء، كل أولئك يقف عندها العلماء في التفسير، فكل علة تفسر بعلة، وكل ظاهرة تفسر بظاهرة، ولكن سِرْ في البحث وراء كل علة وكل ظاهرة فستقف آخرًا عند سؤال لا جواب له:

– لم يلعب هذا البحر الذي أمامي الآن؟ للهواء. ولم يلعب الهواء؟ للحرارة. ومن أين أتت الحرارة؟ من الشمس. ومن الذي أودع الحرارة الشمس؟

هنا نقف ويقف العلم، وكذلك في كل ظاهرة: ما حقيقة الجاذبية؟ وما حقيقة الكهرباء؟ ومن الذي وضع هذه القوانين الكثيرة التي يسير عليها العالم ويكتشفها العلم؟ كل هذا أيضًا لا مجال للعلم فيه، وهنا أيضًا يبدأ الدين حيث ينتهي العلم.

إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ ۚ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا.

اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ.

•••

وسلك الناس في معرفة الله طريقين: طريقًا داخليًّا وطريقًا خارجيًّا، فالداخلي أن يستغرق الإنسان في نفسه بتصفيتها وتنقيتها وتهذيبها بالرياضة حتى تنكشف له نفسه فتنكشف الحقيقة فينكشف الله.

وأساس هذه الطريقة أن النفس الإنسانية قبسة من الله أودع فيها العلم بالحقائق، وإنما يحجبها العكوف على الشهوات والاقتصار على الاشتغال بالمادة.

وكان يرى هذا الرأي سقراط وبعض أتباعه وأفلوطين وابن سينا في قصيدته المشهورة (هبطت إليك من المحل الأرفع).

والطريق الخارجي يعتمد على النظر في العالم وتتبع مظاهره وقوانينه كما يفعل العلم، ويبحث في أصلها ووحدة قوانينها ونظمها حتى يدرك الله من ورائها.

وكثيرًا ما يشبه المتصوفة الطريقين بحفرة، قد تمتلئ بالماء من جدول يصب فيها، وقد تمتلئ بالماء من نبع نبع منها.

والطريقة الأولى طريقة المتصوفة، يتلقون المعارف بالتأمل في نفوسهم ورياضتها، والطريقة الثانية طريقة المؤمنين من العلماء والفلاسفة، وقلّ من يجمع بينهما.
  • الطريقة الأولى: تعتمد على العاطفة ونوع خاص من المزاج، ولذلك لا تنجح في يد كل أحد، ولا تحتاج إلى ثقافة، ومن أجل هذا قد ينجح في التصوف الأمي ومن لم يقرأ علمًا. ويأتي بالعجائب في دقة الذوق والوقوع على معان في غاية السمو.
  • وأما الطريقة الثانية: فتعتمد على العقل، ولذلك كان لا بد لها من ثقافة علمية منظمة، ولا ينجح فيها إلا قوي العقل دقيق الفهم واسع النظر.

أسلوب الطريقة الأولى رياضة النفس واستحضار الله في كل خاطرة وكل تصرف وفي كل ما يسمع ويرى. وأسلوب الثانية المنطق ودراسة المقدمات وفحصها وامتحان النتائج وصدقها.

ومن لم يذق إلا طريقة واحدة عاب الأخرى، فالصوفي لا يعبأ بطريقة العقل في الوصول إلى الله، والعالم يرى طريقة التصوف إمعانًا في الخيال.

ومن ذاق الطريقتين كالغزالي فضّل الطريقة الأولى في مجال الدين واحترم الثانية في مجال العلم.

وكل ميسر لما خلق له.

٢

إن كنت ذا مزاج علمي فانظر الله في هذا النظام العجيب الدقيق في العالم، من أصغر ذرة إلى أرقى جسم، من الحصاة إلى الجبل، من البذرة إلى الشجرة، من الحشرة إلى الإنسان، من السديم إلى الشمس، من الأرض إلى السماء، تجدها كلها مكونة تكوينًا واحدًا في ذراتها، خاضعة لقوانين واحدة في سيرها، فلم يخبط منها شيء خبط عشواء، ولم يسر منها شيء حيثما اتفق. إنما هو النظام الدقيق والقانون المحكم والعقل الكلي المسيطر على الجميع، ولو كان العالم وليد الاتفاق البحت والمصادفات المفاجئة لاختل نظامه وما بقي لحظة.

وكلما تقدمنا في العلم تقدمنا في اكتشاف القوانين، وما لم ندرك قوانينه فجهل بها لا خلو منها، ولولا هذه القوانين المنظمة الشاملة المبثوثة في العالم والتي يخضع لها خضوعًا دقيقًا لم يكن شيء اسمه العالم، ولكان العلم مستحيلًا، فليس العلم إلا طائفة من القوانين لجزء من أجزاء العالم، ولكانت الفلسفة مستحيلة، فليست الفلسفة إلا اكتشاف القوانين الكلية للعالم: ولا شك أن العالم محكوم بقوانين معقولة يتجاوب معها عقلنا، وإلا كان الفهم أيضًا مستحيلًا.

وأعجب ما في هذا النظام قوة ارتباط أجزاء العالم ارتباطًا يجعله وحدة؛ فإن رأيت طفلًا بلا أسنان فثم لبن، وإن نبتت أسنانه فثم ما يمضغ، وإن رأيت معدة فثم أسنان، وكل مجموعة من خلايا الإنسان تقوم بوظيفة لا يقوم بها غيرها، ولا بد منها لنفسها ولغيرها، وإن صاحت أَلِفٌ صيحة فلا بد أن يكون لها تجاوب في ياء.

فأنت إن قلت نظام شامل وقوانين شاملة ووحدة كاملة وعقل مبثوث في جميع الأجزاء فقد قلت «الله»، وإذا قلت «الله» فقد قلت كل شيء.

قال أبو سعيد بن أبي الخير الصوفي:

«أخذني شيخي من يدي وأجلسني في إيوان ومد يده فأخرج كتابًا وأخذ يقرأ، فتطلعت إلى معرفة هذا الكتاب فلمح الشيخ هذه الحركة فقال لي: يا أبا سعيد «إن مئة وأربعة وعشرين ألف نبي بُعثوا ليعلموا الناس كلمة واحدة وهي «الله» فمن سمعها بأذنه فقط لم تلبث أن تخرج من الأذن الأخرى، أما من سمعها بروحه وطبعها في نفسه وتذوقها حتى نفذت إلى أعماق قلبه وباطن نفسه وفهم معناها الروحي فقد انكشف له كل شيء.» إن الذين يكتفون بذكر اسم الله من غير عقل ولا قلب ومن غير تفكير وتذوق كمريض يعالج مرضه بترديد اسم الدواء من غير أن يشرب نفس الدواء.

•••

وإن كنت ذا مزاج فني فانظر الله في جمال العالم، وفكِّرْ في القوة التي نشرت هذا الجمال في كل شيء في اتساق وانسجام. انظره في جلال البحار وعظمة الجبال، وفي جمال الشمس تطلع وفي جمالها تغرب، وفي جمال الأشكال والألوان، في هندسة المحار، في شرشرة أوراق الأشجار، في هذه الطبيعة الفسيحة كلها التي تعمل كالآلة الضخمة وهي مع عملها العجيب تبدو نائمة كالصورة الجميلة، حالمة كالعاشق ألمّ به طيف الخيال. وكما كان العالم كله معقولًا يجاوب عقل الإنسان ففيه من الجمال الأخّاذ ما يجاوب شعور الفنان، وكما كانت قوانينه وحدة تدل على وحدة واضعها فجماله وحدة تدل على وحدة فنانها.

إذا رقّ شعورك اهتز قلبك للصباح المبكر وجماله وجوّه وأرضه وهوائه، وتشربته في لذة كما تلذ الماء البارد على ظمأ، وخفق للبحر وأمواجه وحركاته كأنه يجري في عروقك، وراعتك السماء ونجومها حتى كأنك تسكر من ترداد النظر إليها، وغمرك زهو بهذا العالم كأنك وارثه ومالكه، وطربت من نغمات العالم، فاهتز قلبك يناغمها، وأحببت العالم وما فيه لأنه مصدر هذا الجمال الذي يبهرك، وأحببت نفسك لأنك تحب الجمال. وأخيرًا انبعثت من أعماق نفسك كلمة «الله» تغذى بها هذا الشعور الفياض المتموج ناشر هذا الجمال، ولم تجد خيرًا من أن تقرأ قوله تعالى: فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ * يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ وَكَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ * وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ۚ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ * وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ * وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ۚ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.

الحق أن العالم بستان رائع لا ينقصه إلا العين التي تبصره.

•••

هذا العالم بروحانيته العقلية وبروحانيته الفنية كتاب مفتوح للناس جميعًا، لا فرق بين متعلم وغيره، بل قد يستفيد منه الأمي حيث لا يستفيد المتعلم، والأمر يتوقف على الاستعداد وحسن التذوق وحسن التوجيه، وقد يستفيد إنسان من نظرة في حجر أو زهرة أو شجرة أو ثمرة ما لا يستفيد من معلم أو كتاب.

•••

وكثير من الناس عندنا يخشون الآن كلمة الروحية، وخاصة المتعلمين ودعاة الإصلاح، وقد يرون أنها ضرب من الرجعية ومن آثار القرون الوسطى؛ والذي دعاهم إلى هذا أنه إذا ذكرت الحياة الروحية ذهب خيالهم إلى الأديرة وسكانها، والتكايا والمنقطعين إليها، ورجال الذكر والموالد والمشعوذين من رجال التصوف، والدجالين من المنجمين وأمثالهم ممن هم عالة على الناس؛ فهذه هي الروحانية المزيفة. إنما نعني بالحياة الروحية حياة تؤمن بأن هذا العالم ليس مادة فحسب، وأن سيْره لا يمكن أن يُفسَّر بقوانين «داروين» وحدها، من الانتخاب الطبيعي، وتنازع البقاء، وبقاء الأصلح، فإن هذا إن صلح تفسيرًا للتطور فلن يصلح تفسيرًا لحياة الخلية وحياة العالم، ففينا بجانب المادة روح، وفي الأحياء روح، وفي العالم روح، والله من ورائهم محيط.

وهذا الروح الأعلى هو الذي أودع في العالم قوانينه، ونشر فيه جماله، واتصال الإنسان بهذا الروح يسمو به، ويعلي من شأنه، ويرفع من ذوقه.

وليس هذا مما يستدعي الكف عن العمل والانقطاع إلى التبتُّل، بل إنه يدعو إلى الجد في العمل والإخلاص له والصدق فيه. ولأن تكون تاجرًا أو عالمًا أو موظفًا أو زارعًا وفيك هذا الجانب الروحي خير من أن تكون متبتِّلًا، أو أن تكون ماديًّا بحتًا مظلمًا حتى من ناحية عملك وناحية إنسانيتك.

والداعي الأول إلى الإسلام كان يحيا الحياة الروحية على أتمها، وكان يحيي الحياة العملية على أتمها، فلم يترهب ولم يعش عالة، وجاهد في الحياة، حتى إنه أعد لخصومه ما استطاع من قوة. وقد أكسبت روحانية الإسلام أصحابه قوة في الحياة العملية لم تكن لهم من قبل، فلم يذلوا ولم يترهبوا. وأبوا إلا أن يسودوا.

٣

أسمى ما قرره الإسلام ودعا إليه «الوحدانية» ولذلك كان شعاره دائمًا «لا إله إلا الله».

فالله خالق كل شيء من سماء وأرض، وجبال وبحار وأشجار، وحيوان وإنسان. هو رب العالمين لا رب غيره، وهو القادر على كل شيء، مدبر الكون وواضع قوانينه، ومؤلف نظمه، وهو العالِم بكل شيء «ما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين» كل شيء في الوجود يستمد منه وجوده وحياته، لا خلق إلا خلقه، ولا قوة إلا قوته هو الحق وهو العدل، وهو المثيب على الخير والمعاقب على الشر فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.

هذه العقيدة بالوحدانية تكسب معتنقها قوة وعزة، فالله وحده هو القوي وهو العزيز، ليس الناس كلهم إلا خلقه، متساوين في الخضوع لقوته، والانقياد لإرادته، وهو وحده المعبود، وهو وحده المستعان: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.

معتنق الوحدانية ليس عبدًا لأحد إلا الله، فهو في العالم مستقل حر، لأن العالم ليس له إلا سيد واحد وهو الله، وأما باقي الناس فإخوة متساوون، فعقيدة الوحدانية كما تتضمن سيادة الله وحده تتضمن أيضًا أخوّة الإنسان للإنسان، فلا سيادة طبقات، ولا سيادة أجناس، ولا استعباد ملوك، ولا استبداد طغاة، ولا اعتزاز بنسب أو مال أو جاه أو قوة، ولا خضوع لمن يريد أن يتصف بصفات الله زورًا، من بسط سلطان وفرض حماية ومحاولة استعباد إن حاول أحد ذلك قال المؤمن: «لا إله إلا الله» مدركًا معناها، رافضًا ما عداها.

عقيدة الوحدانية تشعر الإنسان بالنبل والسمو، فخضوعه لله وحده يشعره بالتحرر من سيادة أحد عليه، سواء في ذلك سيادة الناس أو سيادة قوى الطبيعة، فليس النيل معبودًا تُقدَّم إليه الضحايا، ولا العواصف والنجوم والشمس والقمر مما يُخشَى بأسها، ويُتقرَّب إليها بالقرابين، لأنها مخلوقة لله مثله، بل كل قوى العالم يصح أن يستخدمها الإنسان لخيره، لأن الله منحه عقلًا يستطيع أن يفهم به قوانينها فيسخرها لمنفعته.

وكذلك لا تستعبده قوة الناس لأن الناس ليسوا إلا عبيدًا مثله لله؛ فليس لأمة مهما كانت أن تستعبده أو تستعبد أمته، وهو لا يخضع لسيادتها لأنه لا يخضع إلا لسيادة الله، ولا يستعبده حاكم ولا سلطان ولا أي مخلوق في العالم، لأنه يعتقد أن «لا إله إلا الله»، كل ما يجب عليه نحو حاكمه أو سلطانه، أن يطيع قوانين العدل، لأن الله أمر بالعدل وبإطاعة العدل، ولا يخضع للظلم لأن الله نهى عن الظلم أيًّا كان، وهو لا يخضع لجبروت من أي صنف لأنه ليس لأحد حق الجبروت، ولكن له حق الأخوّة.

إن الذي يريد أن يستعبدنا يريد أن يكون إلهًا و«لا إله إلا الله», والذي يريد أن يكون سيدًا طاغيًا يريد أن يكون إلهًا، و«لا إله إلا الله»، والحاكم الذي يريد أن يذلنا يريد أن يكون إلهًا و«لا إله إلا الله» إنا لا نقبل من إنسان أيًّا كان ولا من أمة أيًّا كانت إلا أن يكون أخًا أو يكونوا إخْوة. فأما السيادة والاستعباد فلا، لأنه لا إله إلا الله. إنا لا نقبل أن نشرك مع الله أحدًا غيره مهما كانت منزلته ولو كان نبيًّا مرسلًا، فلا نتقرب بالنذور إلى الأولياء، ولا نمنحهم شيئًا من القداسة، ولا نعظم الحُكّام تعظيم عبادة، ولا نخضع لهم خضوع ذلة، إنما نطيع فيهم العدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن هذا وحده هو الذي يتفق ولا إله إلا الله. ليس يستعبدنا المال ولا الجاه ولا القوة، لأنها أعراض زائلة وليست من الألوهية في شيء، ولا إله إلا الله.

إن شئت فاستعرض تاريخ المسلمين تجد عزهم جميعًا أو عزة أمة من أممهم مقرونة بالتمكن من عقيدة الوحدانية فيهم، وما توحيه من نبل شعور، فإذا زالت عقيدة الوحدانية زالت معها عقيدة الأخوّة الإنسانية، وجاء الطغيان من ناحية والعبودية من ناحية، فزالت العزة، وفشا الذل والمسكنة، وأصبحت «لا إله إلا الله» ليست عقيدة تُعتقد ولكن لفظًا يُؤدّى، غناء يُغنّى، وقولًا يسير مع الريح. إن الديمقراطية والاشتراكية والعدالة الاجتماعية بمعانيها الصحيحة لها البقاء والتقدم، لأنها داعية إلى الأخوة الإنسانية وهي من مستلزمات «لا إله إلا الله».

•••

والوحدانية الخالصة مع بساطتها ومعقوليتها من أصعب الأمور على النفوس، تحتاج في اعتناقها إلى نوع من السمو، كما تحتاج إلى حياطة تامة حتى لا تشوبها شائبة من وثنية، لأن الناس سرعان ما ينزلقون إلى الشرك.

اليونانيون ألّهوا قوى العالم، والفرس اختصروا الآلهة إلى اثنين: إله الخير وإله الشر، وجعلوهما يتنازعان، والعرب ملأوا الكعبة أصنامًا، فلما أتى الإسلام وحطمها ودعا إلى الوحدانية الخالصة وجعل لا إله إلا الله شعارها في كل مناسبة: في الأذان، في الصلاة، في كل عارض، لم تلبث بعض النفوس أن تسربت إليها الوثنية في أشكال خفية؛ بدأ بعض المسلمين يعظمون شجرة بيعة الرضوان، فقطعها عمر، وبدأ بعضهم يعظم أهل بيت الرسول تعظيمًا يقرب من العبادة، فنهاهم عليّ، ثم سال سيل الوثنية على مر الأيام، وامتلأ العالم الإسلامي بأقطاب يتصرفون في الكون تصرف الله، وأقيمت الأضرحة تُقدّم إليها النذور ويُستشفَع بها ويُتقرَّب إليها كأنها آلهة. وانقلبت الخلافة إلى ملك عضوض؛ فالحكام كانوا يأمرون ولا راد لأمرهم، ويتصرفون ولا معقب لحكمهم، وذهب معنى أخوّة الحاكم للمحكوم، وحل محله نوع من الألوهية، واستعبد الناس من ناحية الدين، واستعبدوا من ناحية الدنيا، وذهب معنى «لا إله إلا الله» إلا من قلوب الخاصة.

مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللهِ وَلَـٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا ۗ أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ.

•••

لكل زمن وثينةٌ، ولكل حضارة أصنامها، حتى هؤلاء المثقفون المتعلمون العاقلون الذين يهزءون بعبدة الأحجار وعبدة النجوم قد يحجبون هم أنفسهم عن الوحدانية بضروب دقيقة من ضروب الوثنية.

إن المعبود الأول اليوم في المدنية الحديثة هي الآلات الصناعية، لها تتجه الأنظار، وإليها تُرفع أكف الدعاء، وإياها يعبد أرباب رؤوس الأموال، ولها يُستعبد العمال، ومنها تُشتق المبادئ السياسة والتعاليم الأخلاقية، وبقوتها تُستعبد الأمم وتُثار الحروب، وتُطعن في الصميم الأخوة الإنسانية.

إن المذاهب السياسية من ديمقراطية وفاشية واشتراكية وشيوعية مؤسسة عليها وناظرة إليها، والنظريات الاقتصادية مشتقة منها ومتفرعة عنها.

والإنسان يشقى بهذه الآلات لتأليهها؛ وكانت تكون نعمة عظمى ومصدر سعادة كبرى لو نُظر إليها في ضوء وحدانية الله بشقيّ معنييها من تأليه الله وحده وما تستلزمه من أخوة الإنسانية.

وبعد فما أكثر من يقول: «لا إله إلا الله» وما أقل من يعتنقها.

٤

الناس يختلفون في أرواحهم اختلافهم في ألسنتهم وألوانهم وأجسامهم، وهم لهذا الاختلاف في الأرواح معرض لا مثيل له بين المعارض، منه يستمد المصور لوحته، والشاعر في الوصف قصيدته، والأديب المصور صورته، والقصّاص قصته.

فمنهم من بردت روحه فكانت ثلجًا، وضمرت حتى كانت ذرّة، يقضى وقته بين مال يجمعه، ومال ينفقه، ومال يدخره، وموازنة بين وجوه الاستغلال أيها أكسب، ومحاسبة دقيقة لكل من يتولى له عملًا، ذهنه مستغرق بذلك من حين يصحو إلى حين ينام، حتى إن حلم فإنما يحلم في سلعة ربحت أو خسرت، وتجارة راجت أو بارت؛ فإن كانت له لذة في الحياة وراء ذلك فلذة عابرة من مأكل ومشرب يستمتع بهما بطرف من ذهنه، وسائره مشغول بماله وتدبيره.

أو موظف ينفق حياته في مذكرة يكتبها، أو مسألة يحضرها أو ورق يمضيه، أو رئيس يرضيه، ولا تفكير له وراء ذلك إلا في أمور الحياة العادية ومطالب المعيشة اليومية.

أو فقير همّه كله في تحصيل رزقه وتدبير العيش له ولأسرته، يكدح في ذلك نهاره وجزءًا من ليله، لا يفكر إلا في إعداد قوت لمعدات تنتظره وأفواه تلتهمه.

كل أولئك حُرموا الروحانية، غنيّهم وفقيرهم، عالمهم وجاهلهم، تنظر إليهم بعين البصيرة فترى ظلامًا موحشًا وجفافًا مرعبًا، قد فقدوا نفوسهم وإن كسبوا أي شيء آخر، هم آلة من جنس الآلات الحاسبة تجمع وتطرح وتضرب وتقسم، ولا شيء غير ذلك. قد ينجح بعضهم في الحياة فيكون من ذوي الثراء الواسع والمناظر الأنيقة والألقاب الفخمة والمظاهر الضخمة، ولكن هل هذا نجاح؟ فأين إذن نفسه، وأين روحه؟

بل من هذا القبيل عالم ينفق كل وقته في مسألة يحققها أو نظرية يجربها، وحياته كلها محدودة بالأفق الضيق الذي يقتصر على نظرياته وتجاربه وأقوال العلماء فيها وترجيح بعض الأقوال وتوهين بعضها وما إلى ذلك.

هذا نموذج من الناس تشترك أنواعه في أنها كلها تحيا حياة لا روح فيها.

وهناك نموذج آخر يحيا حياة ليس لها صلة بالناس إلا أن يطعموه أو يسقوه، حياته كلها متصلة بالسماء ولا شأن له بالأرض، يعيش عالة على الناس ولروحه فقط؛ كل حظ الناس منه أن يعبد ويتأمل، يعتزل الناس في دير أو تكية أو يجعل من بيته ديرًا أو تكية، ليس من شأنه سعد الناس أو شقوا ما دام يسعد هو بلذته الروحية؛ إنه أناني كالمالي الشره، إنه خُلق في الدنيا ويأبى أن يستعجل الآخرة، إنه أكل مال الناس ولم يدفع ثمنه، إنه في غذاء جسمه قد استدان ولم يفِ بدينه.

أما من تاجروا بالروحانية فهم أسوأ حالًا ممن أمعنوا في تجارة السلع وقضوا فيها كل حياتهم، لأنهم تاجروا في غير متجر، وزيفوا على الناس فباعوا ما لا يُباع، إنهم حواة يضللون الناس بألاعيبهم، ويضحكون على أذقانهم؛ هؤلاء ليسوا من الروحانية في شيء. إنهم باعة أسهم لا يملكونها. إنهم يبيعون الزجاج باسم الماس، والنحاس المموه باسم الذهب، وأصناف هؤلاء كثيرون.

ليس يعجبني هؤلاء ولا هؤلاء. إنما يعجبني من مزج مادة بروح ومد بسبب إلى الأرض وبسبب إلى السماء. وإذا كان الإنسان جسمًا وروحًا فلم لا يغذيهما جميعًا، ويعيش بهما جميعًا؟ إن لم يعجبني ذو الوجهين فإنه يعجبني ذو الجانبين، جانب الروح وجانب المادة. قد يكون هذا رجل أعمال دقيقًا في عمله منظمًا لإدارته يسير في عمله على آخر طراز وصلت إليه المدنية، من دفاتر منظمة ومواعيد محددة، وهو مع ذلك له نزعة روحية لطيفة، وله مثل أعلى في الحياة، عنده الشعور بالله وعظمته، وأن الدنيا ليست كل شيء، وأن خير الناس أنفعهم للناس؛ هذه الروحانية تلطف من حدة ماديته، فهو لا يعيش لنفسه فقط أو لأسرته فقط، ولكن يعيش أيضًا للناس كما أمر الله؛ روحانية هذا الرجل بجانب ماديته تسبغ على قلبه الرحمة للناس وحب المعونة لهم، وإيصال الخير إليهم؛ ومثل هؤلاء الناس قليلون في المجتمع، تعرفهم بسيماهم، قد خلعت عليهم الروحانية نوعًا لطيفًا من الرقة والوضاءة والدعة مع الجد في أعمال الحياة الدنيوية؛ ولو كثر مثل هؤلاء لتغير وجه العالم ولساده السلام.

الفرق بين نابغة له روح ونابغة لا روح له كالفرق بين عمر بن الخطاب وتيمورلنك.

ليست الحياة أن تأكل وتشرب وتتزوج، بل إن للحياة غرضًا أسمى. الحياة رسالة، وليست الحياة عملًا ماديًّا متواصلًا، تصبح فتعمل وتعود إلى بيتك فتأكل، ثم تعود فتعمل، ثم تعود إلى بيتك فتأكل ثم تنام؛ فهذا شأن الآلة لا شأن الإنسان، إنها تدور وتغذى وتهدأ، وهذا في الآلة طبيعي، ولكنه في الإنسان ليس طبيعيًّا؛ لأنه مُنح ملكات وراء هذا العمل الآلي.

بل ليست الحياة أيضًا عملًا عقليًّا بحتًا، وجهدًا فكريًّا فقط. فالعقل وحده لا يفسر الحياة ولا يحل مشاكلها، والعقل وحده يجعل الحياة جافة مخيفة، والاعتماد على العقل وحده كثيرًا ما أدى إلى الشك، والشك عذاب وفراغ وكثيرًا ما يصل العقل إلى درجة النبوغ الفائق مع انحلال في الخلق وضيع، كما كان الشأن في نابليون وبيكون وبيرون وأمثالهم؛ وحتى مع اجتماع العقل والخلق المؤسس على العقل، فإن العقل والخلق إذ ذاك يكونان كالتمثال الجميل ينقصه الروح. إن الاعتقاد بأن للعالم إلهًا يسيطر على العالم وينظمه، وأن لكل إنسان بهذا الإله العظيم صلة، وأنه سائلة عن عمله، وأنه سيزن أعماله بميزان دقيق، وأنه يمد الروح التي تتصل به بروح منه كل هذا حق، وكل هذا يبعث القوة في الإنسان، وهو خير دعامة للنفس تستند عليها في الحياة.

ما أسعد الإنسان يشعر بأن يد الله العظيم تعمل في الكون أبدًا، وتمده بالحياة ما عاش، وتعينه على الخير إن أراد، وأن الله العظيم متصل بقلبه، وحاضر عنده، ومطلع على أدق ما في نفسه، وأنه بصفاته العظيمة جدير بالحب والتقدير والحمد.

هذه العقيدة الروحانية تحيي الدنيا وتحيي الآخرة، وتبعث على العمل لا على الخمول، وتصبغ العمل في الدنيا صبغة جميلة رحيمة خيّرة؛ هي التي تحول الجفاف إلى رحمة، وتحول القبح إلى جمال. إن المادي ينظر إلى الوردة فيقدرها بثمنها القليل في السوق، والروحي ينظر إليها فيرى جمالها لا يقدر بثمن. إن المادي بارد العواطف يقدر الناس بقدر ما ينال منهم، وهم ليسوا إلا ضيعة تُستغل، وكلما كان الشخص مليئًا بالمال يُمتص، وبالدم يُستنزف، كان أحب إليه لماله لا لشخصه، والروحاني يرى في كل إنسان أخًا يُعان ما أمكن، ويُؤخذ بيده إذا عثر، ويُرحم إذا كبا، ويُمد بالسعادة إذا شقي.

لو مست الروحانية قردًا لأحالته إنسانًا. ولو مست شيطانًا رجيمًا لجعلته ملكًا كريمًا. ولو مست جبارًا عنيدًا لجعلت منه أبًا رحيمًا. ولو مست قلوب الساسة لعمّ السلام وبطلت الحروب، ولم يكن مستعمِر ومستعمَر، ومستغِل ومستغَل، وعزيز وذليل، ولكن إخوة متعاونون شركاء فيما لديهم رحماء فيما بينهم.

ليس العالم الآن محتاجًا إلى تنظيم أسواق التجارة، ولا إلى تنظيم وسائل الدفاع والهجوم، ولا إلى ضبط السلطة على القنابل الذرية والمخترعات الحديثة المبيدة، ولا إلى تنظيم توزيع الأسلاب ووضع شروط الصلح على أساس الغنم والغرم؛ فكل هذا هو منطق الساسة القدماء، وهو المنطق الذي ساد عقب الحرب العالمية الأولى، فكان نتيجة الحرب العالمية الثانية؛ فإن استمر هذا المنطق بعينه سائدًا فستكون النتيجة حربًا ثالثة لا محالة، ضرورة أن المقدمات الواحدة تنتج نتائج واحدة. وإنما العالم يحتاج إلى روحانية وليهزأ بذلك من يهزأ روحانية تبيد الطمع بين الأفراد والأمم، وتقضي على شح الأنفس وحب السيطرة والانتقام ونزعات الجنس والوطنية والطبقات، روحانية تُنشر بين الشعوب فترى أن زعماءها السياسيين الماديين غير صالحين للحكم فتنحيهم، وتنصب مكانهم من جمعوا بين المادة والروح، قد اصطبغت نفوسهم بحب الخير للإنسانية وحب العدل في العالم وحب الإخاء بين الأمم.

العالم محتاج إلى ريح عاصف تجتاج الأساليب القديمة في حب السيطرة والغلبة والسيادة القومية والنعرة الوطنية، ووضع الساسة أمتهم في موضع الله ومن عداهم في موضع العبيد، وتجتاح النزعات إلى الإفراط في اللذائذ الحادة غير المشروعة وعدها مطلب الحياة.

العالم لا يحتاج اليوم إلى إصلاح المادة، ولكن إلى إصلاح الروح.

قد يرى قوم أن هذا حلم. ولكنه حلم لا بد منه وإلا فالعالم في شقاء دائم.

٥

ينتاب العالم موجات بين إلحاد وإيمان، وقد كانت موجة الإلحاد طاغية عاتية في أوربا في القرن التاسع عشر، ففشا بين طبقة المثقفين عدم الاكتراث بالدين، وإهماله في أبحاثهم وأعمالهم، أو مهاجمته بالقول والعمل، وبسط ألسنتهم في الكنائس وأعمالها وشعائرها، وآخرون وقفوا موقف الشك فلا إيمان ولا إلحاد. ومنهم من يؤدي شعائر الدين لا عن روح واعتقاد، ولكنها جزء من برامج الحياة، فكما أن هناك زمنًا يُقضى في لعب الكرة ومشاهدة السينما ونحو ذلك، فهناك زمن عابر يُقضى في الكنيسة، وهذا هو كل الدين.

وكان كل يوم يمر تزيد موجة الإلحاد والشك قوة واتساعًا، وأسست الأخلاق والتربية على قواعد العقل لا على أساس الدين.

وعمل على طغيان هذه الموجة وقوتها واتساعها عوامل كثيرة أهمها: انتشار نظرية «دارون» في تسلسل الأنواع ونشوئها وارتقائها من خلية نباتية صغيرة إلى شجرة كبيرة، ومن حشرة حقيرة التكوين إلى أن وصلت إلى الإنسان بالبيئة والانتخاب الطبيعي وبقاء الأصلح وما إلى ذلك، فأولع الناس بهذا النظرية واعتنقوها، وبنوا عليها تفكيرهم، وأنشأوا عليها علومهم، ورأوا أن هذا الرأي المؤيد بالبرهان لا يتفق مع حرفية الكتاب المقدس فيما حكى من خلق آدم وحواء.

فزلزل هذا من إيمانهم، وبدلًا من رؤية الله في الخلق وتطوره قصروا النظر على الخلق ونشوئه وارتقائه، وبدأ رجال الدين يدافعون عن موقفهم بأن قصة آدم وحواء الواردة في الكتاب المقدس لا يصح أن تؤخذ على حرفيتها، وإنما هي رمز لنضج النوع الإنساني، ثم اختلفوا في دلالة هذا الرمز.

وعاصر حركة دارون ومدرسته حركة علمية أخرى اتجهت إلى وضع الكتاب المقدس موضع النقد، وتسليط أدوات البحث العلمي عليه، كما سلطت على كل الوثائق التاريخية، فكما بحثوا في الإلياذة ووصلوا في بحثهم إلى أنها ليست من عمل هوميروس وحده، وإنما هي من عمل أناس مختلفين في عصور مختلفة، كذلك بحثوا الكتاب المقدس، وأدّاهم البحث إلى أنه وُضع في عصور متوالية في بيئات مختلفة، ونقدوا ما جاء فيه من تحديد السنين التاريخية، وساقهم البحث إلى أن بعض ما نُسب لموسى ليس لموسى، وبعض ما نُسب لداود ليس لداود، فزاد ذلك الناس زلزلة وشكًا.

ثم كان نشوء علم مقارنة الأديان، فبحثوا في أديان العالم ووازنوا بين تعاليمها، ووضعوا أسسًا لما يعدونه منها راقيًا وما ليس راقيًا، وعرضوا لمسائل خطيرة مثل من أين جاءت فكرة التثليث، ومن أين أتت سلطة الكنيسة، فكانت نتائج هذا البحث سببًا آخر من أسباب زلزلة العقيدة.

ثم جاء علم النفس يحلل الشعور الإنساني، ومنه الشعور الديني، ويشرحه كما يشرح الأطباء الأجسام، ويبحثون في منشأ فكرة الله، ويقولون إنها فكرة خلقها الخوف، فزادوا في الطنبور نغمة.

وكان الدين يعلي من شأن الإنسان لصلته بربه ولما له من روحانية ليست لغيره، فجاء علماء النشوء والارتقاء وعلماء الإنسان وعلماء الفلك ونحوهم يحقرون من شأن الإنسان ويجعلونه دودة كبيرة، فسلبوا الإنسان عظمته واعتزازه بروحانيته.

وقارن هذا دعوة الدعاة إلى تفاهة الحياة، واختطاف ما أمكن من اللذائذ، والتحرر من القيود القديمة، سواء كانت قيودًا ضارة أو نافعة، وما دام هناك شك في الآخرة فليكن الهناء في الدنيا بقدر المستطاع، وقالوا حديثًا ما قال طرفة قديمًا: «فدعني أبادرها بما ملكت يدي».

هذه هي أهم الأسباب في موجة الشك والإلحاد في الغرب، وقد قال قوم من المثقفين في الشرق: إذا كان الغرب قد تقدم بالإلحاد أو على الأقل تقدم مع الإلحاد، فلنلحد لنتقدم أو نلحد ونتقدم، وإذا كانوا ملحدين وهم الحاكمون فلنقلدهم لعلنا نساويهم ونتخلص من حكمهم. وسافرت الأفكار والآراء والكتب من الغرب إلى الشرق، فعملت عملها، بذرت بذرتها، وتركت آثارها، ورأى بعضهم أن يأخذ المدنية الحديثة بحذافيرها ومنها الإشاذة بالبحث العلمي، وإضعاف الشعور الديني، وعملت الدعوة إلى انتهاب اللذائذ عملها أيضًا في الشرق فكانت لها سطوتها.

وكان من ذلك كله أن عمّت الموجة الغرب والشرق، وخاصة بين طبقات المثقفين وأنصاف المثقفين.

•••

ولكن يظهر أن هذه الموجة بدأت تنكسر في الغرب فتنكسر في الشرق، وسبب ميلها إلى الانكسار أن الناس نظروا فرأوا أن المادة لما بلغت أوجها لم تنتج للعالم سعادة بل شقاء وخرابًا، وأن الضمير العقلي لم يستطع أن يحل في إراحة النفس وطمأنينتها محل الضمير الديني، وأن هذا النقد المر إذا وُجه إلى تفاصيل الدين وسلطة رجال الدين، فإنه لم يمس جوهر الدين وإن مسه فلم يستطعه، إنما كان يستطيعه لو أنه أمكنه بعلمه أن يفسر جميع ظواهر الكون تفسيرًا محكمًا؛ أما وهو لم يستطع أن يفسر إلا الظواهر فإذا وصل إلى الصميم عجز كالحياة وهبتها وتصرفها، ومنشأ وحدة العالم وقوانينه ونظامه وجماله، فليس إذن له الحق في الإلحاد والغرور بالحديث من الأفكار، فالدين من ناحية عزاء للنفس الإنسانية وسند، وفوق ذلك هو حقيقة لا بد منها لإمكان تفسير العالم.

حتى العلم نفسه بدأ يتراجع في بعض نظرياته أو يؤمن بقصورها؛ فنظرية النشوء والارتقاء قد تفسر التطور, ولكن لا تفسر الحياة في الخلية الأولى، حتى قال قائلهم: إن العالم على اختلاف نباته وحيوانه وتدرجه يدل على أن كل نوع منه يؤدي عملًا ويحمل رسالة، وأنها كلها تتساند وتترابط، وتهدف إلى غرض حتى لا يستطيع عقلك مهما تشبغ من العلم إلا أن يؤمن بأن للعالم مؤلِّفًا واحدًا قويًّا حكيمًا عليمًا.

وهذه الدعوى بأن أساس الأديان الخوف قد أخذ بعض علماء النفس يشك فيها؛ فالخوف قد يحرّم على الإنسان بعض الأعمال، وقد يدفع إلى الاضطهاد والانتقام، وقد يحمل على الكره والحرب؛ ولكن هل هذا باعث الدين؟ إن باعث الدين الراقي يدعو إلى إجلال إله خلق العالم ودبّره، إله قوي تستمد منه القوة، عظيم تستمد منه العظمة، روحي تستمد منه الروح، فيه كل صفات الكمال هو للعالم كإرادتنا فينا، إن الدين الراقي يدعو إلى التسامح لا التعصب، والعفو لا الانتقام، والحب لا الكره، وقد يصل بعض الناس في الدين إلى حب الله كحبهم أنفسهم أو أشد حبًا، ويعجبني في ذلك قول الرسول في وصف صهيب: «نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه». فهل يمكن تفسير كل هذه الظواهر النفسية بدافع الخوف كما يقول بعض علماء النفس؟

ثم إن الدين دائمًا كان من أهم البواعث على الفنون الجميلة، فالقرآن أعجز بفنه، والدين كان مبعث الفنون الجميلة في فن عمارة المعابد وفي الموسيقى والتصوير، فهل يتفق هذا ودعوى أن الدين خلقه الخوف، والخوف لا ينتج فنًا؟

•••

إن الدين الحق يوسع النظر فلا يحدّه بقبيلة ولا طائفة ولا جنس ولا أمة، لأنه يدعو إلى أن الله رب العالمين، وهو وحده الحاكم والمحكومون متساوون أمامه، كما يدعو إلى سعة العواطف فلا عصبية ولا انتقام، ولكن أخوة وتعاون ورحمة.

الدين الحق يحيي الضمير، ويدعو للعدل بين الجميع، بين من تحب ومن تكره، ومن هو من جنسك ولونك ومن ليس من جنسك ولونك، ويهدم الأنانية الفردية والأنانية القومية ليحل محلها عاطفة الأخوة العالمية. إن أهم وظيفة للدين الحق أنه يحول العاطفة من أنانية شخصية إلى عاطفة إلهية تتجه إلى تحقيق الخير العام. إذا أراد المصلحون بث الشعور بوحدة الجمعية البشرية وتعاونها وقطع دابر أسباب الخصومة والانتقام فلن يجدوا أساسًا خيرًا من الدين الحق الذي يوحد العلاقة بين الإنسان والله الواحد، ويوحد العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان الذي هو من خلق إلهه.

إن هذا الغرض يدعو إلى تغيير برامج التربية في العالم من أساسها ووضعها على أساس آخر هو حب الله خالق الناس أجمعين، وحب الإنسان للإنسان من غير تفريق بين جنس وجنس، وأمة وأمة، ولغة ولغة، ودين ودين، وهذا وحده هو الذي ينقص العالم اليوم.

إن العالم محتاج إلى مصالحة بين العلم والدين، فللعلم أن يبحث في المادة كما يشاء، ويستكشف من قوانينها كما استطاع، ولكنه لا يتجاوز دائرته فينكر ما وراء مادته، وللدين أن يؤمن بالروحانية، وعالم الغيب وما إليه، فهذه لا تتنافى مع العقل بل تكمله، ولكن ليترك للعلماء بحوثهم في مادتهم، فما جاء الدين لشرح نظريات العلم، وليستفد منها بنظرته الروحية إليها، فهذه القوانين التي يستكشفها العلماء هي القوانين التي بثها الله في كونه، وما جاء العلم ليبحث فيما لا يستطيع من كشف ما وراء المادة، إن العالم محتاج إلى تديين العقل وتعقيل الدين.

إن تمّ هذا ساد العالم عقل سليم يرقيه العلم، وعاطفة نبيلة يرقيها الدين. إن تمّ هذا فلا حرب، لأن العاطفة النبيلة تمنعها، والأخوة الإنسانية تحرمها، والعقل لا يستسيغها.

وإن تمّ هذا فلا خرافات حول الدين، لأنها لا يرتضيها العقل الصحيح ولا الدين الصحيح.

وإن تم هذا فلا عاطفة وطنية ولكن عاطفة إنسانية.

وإن تم هذا فلا صهيونية، لأنها مبعث فكر ضيق وعاطفة ضيقة وتحريك عقرب الساعة إلى الوراء، ولا حروبًا صليبية ولا غير صليبية، لأن مبعثها ضيق العقل في تصور الدين، وحماسة جاهلة في خدمة الدين.

وعلى الجملة فلو تم هذا لزالت كل العوائق التي تعوق الإنسانية، ولتقدم العالم في عام ما لم يتقدمه في قرون.

فهل يتمخض القرن العشرون عن هذه الموجة العالية يكتسح بها الموجة المنحطة التي خلقها أخوه القرن التاسع عشر، أو لا يزال ذلك أملًا بعيدًا؟

علم ذلك عند الله.

١  كتبت في رمضان سنة ١٣٦٥.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤