اختلاف القيم

أهم فرق بين إنسان وإنسان هو نظرته إلى الأشياء وتقويمها، هذا هو الفرق بين العالم والجاهل، والراقي والوضيع، والحكيم والأحمق. وسلوك الإنسان في الحياة دليل على قائمة القيم المنقوشة في أعماق نفسه. فإن رأيته يسعى إلى تحصيل المال حيث كان، ومن أي طريق كان، ولا يعبأ بالنزاهة والشرف والكرامة دل ذلك على أنه يضع تحصيل المال في أعلى «قائمة القيم»، والشرف والكرامة في أسفلها، وإن رأيته يعنى بالنظافة أو لا يعنى بها، وبالمطالعة في الكتب أو عدمها، وبالمناظر الجميلة أو إهمالها، فمعنى ذلك من غير شك تحديد موضعها في «قائمة القيم».

وفائدة التربية بوسائلها المختلفة، والتعليم بأساليبه المتعددة إنما هو هذا التقويم، فالذي رُبي تربية صالحة، وعُلّم تعليمًا صحيحًا لا يمتاز عمن رُبي تربية فاسدة، وعُلّم تعليمًا سيئًا، إلا أن الأول قد ركزت في ذهنه قائمة لقيم الأشياء مرتبة ترتيبًا يتفق والمثل الأعلى، والثاني قد غرس في نفسه قائمة تتفق والمثل الأسفل.

وهذه المُثُل التي تُشتَق منها القيم تختلف باختلاف العصور والجماعات وروح الزمن، ففي الجماعات المتدينة تُشتق القيم من الدين، وتُرتب قيم الأشياء حسب أوامره ونواهيه؛ فطاعة الله في أول القائمة، والأخلاق تقوم حسبما ورد في الدين من طلب مشدد أو مخفف وهكذا؛ وفي الجماعات التي تفلسف حياتها حسب النجاح في الدنيا فقط ترتب «قائمة القيم» ترتيبًا آخر عماده التجارب الدنيوية، وما يوصل منها إلى النجاح وما لا يوصل، فتجعل في أعلى القائمة الحرية، والمحافظة على الشخصية، وتدبير الثروة، وطرق تحصيلها وإنفاقها، والسعادة في الحياة، والتسامح، وما إلى ذلك.

بل أرى أن النزعات والحروب وانقسام العالم إلى معسكرات، إنما منشؤه اختلاف في فلسفة الحياة، نتج عنه اختلاف في تقويم الأشياء، والنظر إليها، فهناك فلسفة اشتراكية تقوّم أكبر تقويم المساواة بين الناس، والعدالة الاجتماعية وفرض النظام الاجتماعي الذي يحقق هذه المساواة وهذه العدالة، ويقوّم الأشياء الجزئية حسب هذا المبدأ الأساسي الكلي، وهناك فلسفة أخرى تنشد ثروة الشعب، وعظمة الجنس، وحب الاستعمار والفتح، وقوة الجيش في الجو والبر والبحر، وما يتبع ذلك من الإشادة بفضيلة النظام والطاعة، وعلى هذا الأساس تقوم الأشياء، وهكذا اختلفت الفلسفات، فاختلفت مقاييس التقويم، واختلفت نظم التربية التي تحقق هذه الأغراض، وترمي إلى صوغ الشعوب حسب هذه المبادئ، فكان الخصام، وكانت الحرب، فحرب المدافع والقنابل والدبابات والطيارات نتيجة حتمية لحرب الفلسفات وحرب التربيات.

•••

إن الأمة المتماسكة هي التي تخضع لنظام واحد، يبث في أفرادها «قائمة للقيم» واحدة، تكون أمام نظرهم جميعًا، وتؤلف بينهم جميعًا، والأمة المنحلة هي التي تسمح لقوى مختلفة ونظم مختلفة أن تضع «قوائم للقيم» مختلفة تفرق بين أبنائها، فمثلًا عندنا الأزهر وتوابعه، يعلم أبناءه تعليمًا يرسم للقيم خريطة للحياة خاصة، وبجانبه المدارس الأجنبية تضع لطلبتها خريطة أخرى مخالفة للأزهر تمام المخالفة، ثم مدارس حكومية تلون خريطتها بلون ثالث مخالف للأولين، فينشأ عن ذلك حتمًا اختلاف الأنظار في قيم الأشياء، واختلاف السلوك تبعًا للتقويم، وسوء التفاهم بين الجميع لاختلاف المثل العليا لهم، وهكذا الشأن في الخلاف الواسع بين النظم الاجتماعية لسكان الريف وسكان المدن، والأغنياء والفقراء، والمتعلمين والجهلاء، مما ليس له نظير في الأمم المتماسكة؛ فإن كان عندها فروق ففروق ضيقة ليست بالسعة التي عندنا؛ وبعبارة أخرى إن الاختلاف في التقويم عندهم ليس بمقدار الاختلاف في التقويم عندنا.

ونتج عن ذلك ضعف الرأي العام، فإن قوته تنشأ من الثقافة الواسعة الموحدة كما نتج عدم التفاهم في المسائل العامة؛ فالخلافات الكثيرة في مجالسنا وآرائنا ووجوه حياتنا منشؤها في الأعم الأغلب الاختلاف الواسع في التقويم، والاختلاف الواسع في التقويم منشؤه الاختلاف الواسع في التكوين.

•••

على نمط أوسع من هذا كان الاختلاف العالمي. فهناك خلافات واسعة في التربية ونظمها، هناك من يربي على أساس النزعة القومية وقوة الأمة وسيطرتها، وهناك من يريد أن يربي على أساس النزعة الإنسانية والأخوّة العامة، ثم هناك من يريد أن يربي على أساس النزعة العقلية المادية البحتة، غير عابئ بالأديان والتقاليد والحياة الروحية، ومنهم من يريد أن يربي على أساس العقل والروح معًا، والتقاليد والتجديد معًا، وهكذا، وكل منهج يحارب الآخر.

ومن الناحية الاقتصادية هناك من يؤيد الملكية الخاصة، وهناك من يريد أن يهدرها تمامًا، وهناك من يريد أن يتوسط، ثم هناك من يريد حرية التجارة وحرية الأسواق، والنظر إلى ذلك كله نظرة عالمية، وهناك من يريد إخضاع التجارة والأسواق للنزعة القومية، فيتدخل في التجارة وفي الأسواق وهكذا.

ومن الناحية الاجتماعية هناك فلسفة ترى أن الحرية يجب أن تُمنح كاملة لأفراد الأمة، وألا تقف أمامها السلطات، فلا تحدها ولا تتدخل فيها إلا بقدر، وسينشأ عن ذلك النظام، بحكم طبيعة الشعب؛ وترى فلسفة أخرى أن النظام واستعمال السلطة في تعويد الشعب إياه يجب أن يسبق الحرية، ولا تنشأ الحرية الصحيحة إلا من فرض النظام وسهر السلطات عليه حتى تتربى الأمة.

ثم إن المدنية الصناعية الحديثة والمخترعات الجديدة تغلغلت في حياة الناس، وغيرت من تقويم الأشياء. ولم يتأثر بها الناس على السواء، بل كان منهم محافظون حافظوا إلى حد ما على القيم القديمة، وأحرار غيروا تغييرًا كبيرًا، وأسرفوا في تقويم الجديد، مما كان مثار خلاف أيضًا بين اتجاهات العالم.

•••

كل هذه وكثير أمثالها خالفت بين الجماعات في التقويم، ثم تبلورت فقسمت العالم إلى معسكرات تستعد اليوم للحرب، كما كانت تستعد من قبل، ثم تكتلت هذه المعسكرات إلى معسكرين اثنين.

•••

إذا كان أكبر سبب في هذه المنازعات هو اختلاف النظر الناشئ عن اختلاف التقويم، فهل هناك أمل في العلاج؟

إن ما أحدثته المخترعات الحديثة من تقريب المسافات بين الأمم، وكثرة الامتزاج والاختلاط بينها، وشدة الاتصال في معرفة كل أخبار الآخر، وكثرة المؤتمرات وما إلى ذلك، عامل كبير من غير شك في تقريب وجهات النظر، وتقريب تقويم الأشياء والآراء.

وإذا ثبت أن أهم سبب في الخصومات هو الاختلاف في التقويم كان أهم واجب على المصلحين أن ينادوا بالعلاج النفسي والاجتماعي؛ فليس هناك كبير فائدة في التفكير في نزع السلاح وإنشاء هيئة الأمم ونحو ذلك، ما لم تُدعّم بالعلاج النفسي من إزالة سبب خوف كل معسكر من الآخر بعد دراسته نفسيًّا، وما لم تدعم أيضًا بالعلاج الاجتماعي من بحث وسائل تقريب النظر وتقريب التقويم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤