مقدمة

ليس التاريخ رواية يسجلها الذهن ويقنع منها بالتسجيل، وإنما هو مركب كيماوي يتسلل إلى خلايا المخ، فيبعث فينا الأحلام والأماني، ويحرك الذكريات، ويهيج الجراح، ويصل بيننا وبين الأبطال، ويثير الحنين إلى الضحايا، فيحدث التغير والتطور في نفوسنا، حتى لنعود نحن أبطالًا، وحتى لنرضى أن نكون ضحايا.

هذا هو المركب الذي أقمت عليه هذا الكتاب، فإني لا أروي قصة فقط، ولكني أحاول أن ألهم الأقدام بالاقتداء بالأبطال، وأثير الغضب على المستبدين والأوغاد وأهيج الجراح كي يزيد الألم فيصرخ المجروحون.

وليس شك أن التاريخ علم من حيث إنه يروي الحوادث ويعللها في تتابعها، ولكنه يجب أيضًا أن يكون فنًّا من حيث استنباط العبرة والبعث على القدوة، ونحن حين نستمد قوة من الماضي إنما نغتصب بذلك قوة أخرى من المستقبل.

وهذه الثورات التي قام بها الأحرار لم تنته، فإنها هبت لتحقيق مبادئ الحرية والعدالة والشرف، وانتزعت هذه المبادئ من الملوك والطغاة ودعاة الظلام، وهزمتهم وحطمتهم، ولكن ما هو أن تحطموا حتى ظهر غيرهم، فكادوا لهذه المبادئ وزيفوها أو ألغوها، ولذلك ما زلنا بعد نحو خمسين ثورة في أقطار العالم، نجد الطغاة ودعاة الظلام يتحكمون ويتبخترون، ويكيدون للشرف بما في قلوبهم من خسة، ويبصقون على الإنسانية بما ينطوون عليه من حيوانية، ويحاربون الحب بما تحتقن به نفوسهم من بغض.

وليست الحرية، والشرف، والحب، والعدالة، من المبادئ الميتة الراكدة، إذ هي مبادئ مكافحة متجددة، تحتاج إلى الحراسة الدائمة والبعث المتوالي، حتى تعم البشر، وحتى تربي الإنسان على أن يكون إنسانيًّا.

لقد نادت الثورة الفرنسية الكبرى سنة ١٧٨٩ بالحرية والإخاء والمساواة، ومع ذلك لا تزال فرنسا إلى اليوم في حاجة إلى أن تكرر هذا النداء وتستعيد هذه الذكرى؛ لأن هذه الأهداف المثلى لا تتحقق في عام أو مائة عام، إذ هي تحتاج إلى الدعوة إليها والتنبيه عنها كل يوم بل كل ساعة!

ولقد قامت مصر بجملة ثورات حطمها المستبدون من أسرة محمد علي الدخاخني، كما حطمها المستعمرون الإنكليز، وثورتنا الحاضرة، لهذا السبب، تحتاج إلى ذكرياتنا الماضية كما تحتاج إلى الآفاق الإنسانية التي بسطتها الثورات الأخرى في أقطار العالم، ولا يمكن المؤلف لكتاب عن الثورات أن يقف على الحياد وأن يقول: حسبي الحوادث أرويها، إذ هو إما صديق وإما عدو، ومؤلف هذا الكتاب صديق يكتب عن الثورة بحرارة الثائر التي استقرت في جوفه مرضًا يهيج وينخس، عندما يجد مظالم الطغاة أو استبداد التقاليد.

وقد عانيت بعض هذه المظالم كما عانيت ثورتين في عام ١٩١٩ و١٩٥٢، ورأيت عرابي بلحمه ودمه، وترجمت كتاب «ولفرد سكاون بلنت» عن تاريخ ثورته، واعتقلت اثني عشر يومًا لأني قلت: «إن في مصر من يعيشون بألف جنيه في اليوم، ومن يعيشون بثلاثة قروش في اليوم، وأحيانًا لا يجدون هذا المبلغ!» ولذلك ألفت هذا الكتاب وأنا في شهوة من تلك الشهوات الذهنية العليا التي تنتاب المؤلف وتقارب الإلهام … وأحسست طرب العاصفة ولذة الانتقام، في كل فصل منه، من أولئك الذين خانوا الإنسانية والشرف، وأية لذة أكبر من أن يحس المؤلف وهو يكتب، أنه يبصق على وجوه تشارلس الأول ولويس السادس عشر وتوفيق وفؤاد وفاروق، وأمثال هؤلاء من أعداء الإنسان الذين يترفع عن جرائمهم الصعاليك؟

وهذا الكتاب أرجو القارئ أن يعده خطابًا شخصيًّا مني إليه؛ إذ هو إحساسي كما هو عقلي؛ لأني أفرجت به عن توترات صمت بها أكثر من نصف قرن!

وهو أيضًا مذهبي الذي عشت به في السر أحيانًا، وفي العلن أحيانًا، وهو الإيمان بالإنسان؛ هذا الإنسان الذي يخترع الخرافات ويقيم العروش ويقيد بها نفسه، ثم يفيق فإذا به يحمل المعاول ويحطمها، ويعرف عندئذ أنه ليس في هذه الدنيا ما هو أغلى من الحياة سوى الحياة الحرة.

كان «فاروق» رأس المجتمع الذي عشنا فيه نحو خمس عشرة سنة إلى ١٩٥٢، وكان هذا المجتمع فاسدًا، وكما هو الشأن في هذه الأحوال يفسد الرأس أكثر مما يفسد الجسم، وكثرت في هذا المجتمع النوامي الغنغرينية التي تزكو في الفساد من القوادين إلى السماسرة إلى البغايا إلى الجواسيس!

ولو أن فاروقًا وجد مجتمعًا سليمًا لما فسد، ولكن أباه «فؤادًا» كان حريصًا على أن يفسد مجتمعنا، ويزيف حياتنا، ويعلي السفلة، ويكافح الشرف، ويطارد الأحرار، حتى إذا جاء عهد «فاروق» كانت الطبقة الحاكمة، اجتماعيًّا وحكوميًّا، في فساد عام، وانصرف سواد الأمة عن هذه الطبقة، وأحس «فاروق» أنه يمثل هذه الطبقة ويرأسها، وأن الأمة بعيدة عنه فخافها؛ أي خاف البرلمان والشرف، والعدل، وعمد إلى الاستبداد.

ولم يجد من هذه الطبقة الحاكمة شممًا أو شهامة؛ إذ كانت منحلة متهافتة تطلب وتقنع بالمال والزهو والشهرة، فأوسع لها في كل ذلك، ثم استبد، ثم تقيح استبداده حتى صار إجرامًا.

وصحيح أن «فاروقًا» أفسد المجتمع المصري، ولكن كان هذا بعد أن ورث تراثًا من الفساد عن أبيه، وبعد أن رأى في هذا المجتمع؛ أي الطبقة العالية فيه — والتي تحيط به وتكسبه القيم الأخلاقية — فسادًا طاغيًا.

كان «فاروق» جرعة سامة تجرعناها وكدنا أن نموت منها، ثم جاء الجيش فبعث فينا الحياة، وشملتنا الثورة فزادت الحيوية في حياتنا.

ولقد كان «فاروق» وأعوانه من اللصوص والقوادين، يحرصون على أن يقيدوا حرياتنا حتى نبقى مرضى؛ لأن الحرية — كما يقول فولتير — هي صحة النفس، وقد كنا، جميعنا، مرضى النفس طيلة حكم فاروق.

بل لقد حرصوا على حماية التقاليد، مهما كان فيها من الضرر والتعطيل لتطورنا، فكان الاحترام للقدماء وعادات القدماء يجري في غير تساوق مع الأفكار الأوروبية العصرية الحرة، وذلك ليقينهم بأن التطور يؤذيهم، وأن احتكاكنا بالأفكار الأمامية الأوروبية واقتصارنا عليها كغذاء روحي لنا يقضيان عليهم.

وجاءت علينا — نحن الأحرار — فترات في حياتنا كنا نقف فيها أمام المحققين القضائيين نعتذر فيها عن وجودنا في هذه الدنيا؛ لأن وجودنا لا ينسجم مع مفاسق فاروق وخسة وزرائه وقواديه وجواسيسه.

وهناك من المؤلفين عن الثورات من يقنعون بما يروون من تفاصيلها ومعاركها الدموية، لكني لم ألتفت هنا إلى ذلك … وإنما عنيت بدراسة المقدمات المهيئة للثورات، وشرح المعارك المذهبية المبدئية؛ لأننا هنا نجد النور المضيء الذي يحركنا إلى الفهم، أكثر مما نجد النار التي تلهب حماستنا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤