الفصل الأول

دواوين إقبال

أقصد في هذا الفصل إلى تعريف القارئ بدواوين إقبال؛ موضوعاتها ومقاصدها ولغاتها وأزمنتها، دون تفصيل فيما تحويه من فلسفةٍ وشعر. وأجعل هذا التعريف تمهيدًا للكلام في شعره.

والتعريف بهذه الدواوين على ترتيب زمانها. وليس من مقصدي ولا في مكنتي أن أنظر في تطور أفكار إقبال على الزمن. فهو موضوع يقتضي بحثًا مُطولًا في كتاب كبير.

(١) بانگ در

في اللغة الأردية

ديوان بانگ درا «صلصلة الجرس» نُشر أول مرة سنة ١٩٢٤م. ونشر الشاعر قبل هذه السنة منظومتي الأسرار والرموز وپيام مشرق، ولكني بدأت بهذا الديوان بما يحوي شعر الصبا الذي نظمه قبل هاتَيْن المنظومتين وغيرهما.

وقد عرَّفنا الشاعر بتاريخ القصائد في هذا الديوان إجمالًا؛ إذ قَسَّمه هذه الأقسام:

  • القسم الأول: إلى سنة ١٩٠٥ وفيه زهاء ستين قصيدة وقطعة، نظمها منذ شرع ينظم الشعر إلى أن سافر إلى أوروبا سنة ١٩٠٥م كما قدَّمتُ في سيرته.

    وفي هذا القسم قصائد قومية ووطنية، إلى قصائد إسلامية وإنسانية.

  • والقسم الثاني: من ١٩٠٥–١٩٠٨م.

    وهو ما أنشأه في أوروبا حينما ذهب إليها للدرس كما بيَّنت في سيرته.

    وهو زهاء ثلاثين قصيدة وقطعة. وهذا القسم جديرٌ بالعناية بما يُبين عن شعور الشاعر أول عهده بالإقامة في أوروبَّا، ورؤيته حضارتها في مواطنها على اختلاف وجوهها، وتعدد مظاهرها.

  • والقسم الثالث: من ١٩٠٨م إلى أن نشر الكتاب سنة ١٩٢٤م وفيه زهاء ثمانين قصيدة وقطعة.

وآخر القصائد الطوال في هذا القسم قصيدتان عنوانهما: «خضر راه» و«طلوع الإسلام»، أنشد الأولى في احتفال «أنجمن حمايت إسلام» سنة ١٩٢٢م، والثانية في احتفال الجمعية نفسها سنة ١٩٢٣م. وقد وصف في الأولى مصائب المسلمين، وفي الثانية آمالهم. نظر في الأولى إلى ما أصاب الدولة العثمانية في هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، وفي الثانية إلى انتصار الترك في حرب الاستقلال. لم يذكر الحوادث صراحة، ولكن أشار إليها إشارات يُدركها القارئ.

في هذا الديوان شعر لإقبال أنشأ بعضه في صباه وبعضه في سن الخمسين. فأيُّ مُرادٍ لقارئٍ وأيُّ مجال لباحث، هذا الشعر الذي أنشأه شاعر نابغ بين حداثته وكهولته.

(٢) أسرار خودي ورموز بي خودي

«أسرار الذاتية ورموز نفي الذاتية» في اللغة الفارسية

منظومتان على القافية المزدوجة وهي تُسمى المثنويَّ في عُرْف شعراء الفارسية ومن تبعهم من شعراء التركية والأردية.

وهما منظومتان طويلتان يبين فيهما الشاعر فلسفته. وقد عبرتهما مع القارئ في باب الفلسفة.

نُشرت المنظومة الأولى سنة ١٩١٥، والثانية بعد ثلاث سنين.

(٣) پيام مشرق

«رسالة المشرق» في اللغة الفارسية

طُبع هذا الديوان أول مرة سنة ١٩٢٣.

وكتب الشاعر فوق عنوان الديوان: «ولله المشرق والمغرب» وكتب تحته:

جواب ديوان الشاعر الألماني گوته.

وهو روضة من الشعر تختلف أزهارها ونوارها وضروب النبات فيها وألوانه، وصنوف الريحان فيها وروائحه. جمعت أشتات الزهر من المشرق والمغرب.

وفيها الأقسام الآتية:
  • (١)

    شقائق الطور، وهي رباعيَّات.

  • (٢)

    الأفكار، وهي إحدى وخمسون قطعة وقصيدة.

  • (٣)

    الخمر الباقية، وهي قصائدُ صوفية رمزية من الضرب الذي يُسمى في اصطلاح الأدب الفارسي غزلًا. وهو غير الاصطلاح العربي. والغزل في اصطلاح شعراء الفرس أبياتٌ قليلةٌ لا يلتزم فيها الشاعر موضوعًا واحدًا. وعدد الغزليَّات في هذا القسم خمسٌ وأربعون.

  • (٤)

    نقش الفرنج، وهي أربع وعشرون قطعة وقصيدة، يذكر فيها إقبال بعض شعراء أوروبا وفلاسفتها، وينقد مذاهبهم وآراءهم فيقبل منها ويردُّ.

  • (٥)

    الدقائق، وهي قطع صغيرة وأبياتٌ مُفردة ألحقها بالديوان.

وقد ترجمت هذا الديوان إلى العربية. وطبع في كراجي قبل ثلاث سنين.

(٤) زبور عجم

باللغة الفارسية

نشره سنة ١٩٢٩م. وهو من أجود شعره، وأدقِّه معنى، وأبعده مرمى.

صَدَّره بكلمة إلى القراء، يقول فيها:

تحجب عيني شعرة حينًا، وترى عيني العالمين حينًا. إن وادي العشق سحيقٌ وطويلٌ، ولكن طريق مائة سنة تطوى بآهة حينًا. جِدَّ ولا يهن أملك وعزمك. فرُبَّ سعادة تواتي على قارعة الطريق حينًا.

وهذا الديوان أربعة أقسام:
  • الأول: فيه دعاءٌ وست وستُّون قطعة أكثرها بدون عنوان.
  • والثاني: فيه خمسٌ وسبعون قطعة تقل فيها العناوين أيضًا.
  • والثالث: حديقة السر الجديدة «گلشن راز جديد»، وهو على طريقة «گلشن راز» الذي ألَّفه الشيخ محمود الشبستري إجابة لأسئلة في التصوف أرسلها إليه بعض الصوفية. ولهذا سَمَّى إقبالٌ منظومته «گلشن راز جديد».

وفيه يُجيب إقبال تسعة أسئلة فيها دقائق فلسفية وصوفية.

السُّؤال الأول مثلًا:

أنا في حيرة من فكري. ما الشيء الذي يُسمَّى فكرًا؟

أيُّ فكر يدلنا على الطريق؟ لماذا تكون الطاعة حينًا والمعصية حينًا؟

والسؤال التاسع:

من الذي انتهى إلى سر الوحدة؟ وما الذي انتهت إليه معرفة العارف؟

  • والقسم الرابع من هذا الديوان: «كتاب العبودية»

    بَيَّن فيه آثار العبودية في الحياة، والفنون الجميلة، على مذهبه المعروف. هذه الأقسام كلها تُعرف باسم زبور عجم. وقد جُمعت في مجلد واحد، عليه هذا العنوان، ولكن يتبين من العناوين الداخلة أن القسمين الأولين هما زبور العجم، وألحق بهما القسمان الأخيران بعنوانين منفصلين.

(٥) جاويد نامه

بالفارسية

وديوان جاويد نامه طبع سنة ١٩٣٢، ومعناه الكتاب الخالد، وفيه تورية إلى جاويد ابن الشاعر.

وهو منظومة مُزدوجة القافية «مثنوية» في بحر واحد هو الرمل مثل منظومتي الأسرار والرموز. وهي من أعمق شعره، يحتاج قارئها إلى زاد كثيرٍ من المعرفة بالتصوف والفلسفة والتاريخ.

وجاويد نامه قصة سفر في الأفلاك كقصة دانتي الشاعر الإيطالي، فيها زهاء ألفي بيت.

للقصة مقدمة فيها مُناجاةٌ وفصولٌ أخرى، إلى أن تظهر روح جلال الدين الرومي صاحب المثنوي المشهور. فيشرح أسرار المعراج. وهو دليل الشاعر في هذه الرحلة، ثم يأتي زروان، وهو روح الزمان والمكان، فيحمل الشاعر ودليله جلال الدين إلى العالم العلوي، فيسيحان في الأفلاك الستة: القمر وعطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل، ثم فيما وراء الأفلاك. وتختم المنظومات بأبياتٍ كثيرة يُخاطب فيها جاويد «ابنه» والجيل الجديد.١

وفي هذه الأسفار يلقى الشاعر كثيرًا من الفلاسفة والصوفية والشعراء والملوك والساسة القدماء والمحدثين.

مثلًا يقابل في فلك القمر جمال الدين الأفغاني وسعيد حليم باشا.

ويلقى في فلك الزهرة فرعون وكتشنر و…

وفي فلك المشتري يُلاقي الحلاج والشاعر غالب وقرة العين الطاهرة.

وفيما وراء الأفلاك يرى نطشه الفيلسوف الألماني والسيد الهمذاني ونادر شاه، وأحمد شاه الأبدالي والشاعر الهندي برتري هري.

وكانت هذه المنظومة أول ما فكرتُ في ترجمته من دواوين إقبال، ولكن بدا لي من بعدُ أن أُقدِّم عليها رسالة المشرق، ثم ضرب الكليم ثم الأسرار والرموز.

ولا أدري متى يتيسَّر لي ترجمتها، والله ولي التيسير.

(٦) مسافر

باللغة الفارسية

وفي سنة ١٩٣٤ نشر مسافر «باللغة الفارسية» وهي منظومة مزدوجة «مثنوية»، سجل فيها ما جال بفكره وجاش في قلبه حينما سافر إلى أفغانستان بدعوة من الملك نادر شاه كما قدمت في الكلام على سيرته.

وخاطب في هذه المنظومة الملك نادر شاه، وقبائل الأفغان، وهو كثيرُ الإعجاب بشجاعتهم وحريَّتهم.

وكذلك وقف على ضريح الملك بابر رأس الدولة التيمورية في الهند، وهو من أعظم ملوك العالم، وعلى قبر الشاعر الصوفي الحكيم سنائي، وهو طليعة شعراء التصوف العظام في اللغة الفارسية. وأدى حق التاريخ بوقفة على قبر السلطان محمود الغزنوي «يمين الدولة وأمين الملة … محمود بن سبكتكين»، وزار أيضًا قبر أحمد شاه بابا، الملقب دُرَّاني.

وختم المنظومة بأبياتٍ خاطب بها الملك ظاهر شاه بن نادر شاه. وقد قُتل نادر شاه — رحمه الله — بعد عودة الشاعر من أفغانستان، فخلفه ابنه ظاهر شاه.

بال جبريل

«جناح جبريل» باللغة الأردية
نشره سنة ١٩٣٥. وفيه هذه الأقسام:
  • (١)

    إحدى وستون قطعة تتناول أفكاره الشائعة في شعره في صورٍ شتى ورباعياتٍ قليلة.

  • (٢)

    وقصائد نظمها في الأندلس حينما زارها كما بيَّنت في سيرته.

    وهي دعاءٌ في مسجد قرطبة، وقصيدة طويلة رائعة في وصف هذا المسجد، وقصيدة عن المعتمد بن عباد في سجنه، وأول نخلة غرسها عبد الرحمن الداخل في الأندلس، وقصيدة عن إسبانيا، ثم دعاء طارق في المعركة.

  • (٣)

    ومن عيون القصائد في القسم الثالث منظومة عنوانها «لينين أمام الله». وهي في صورة قصة تمثيلية، وأشعار نظمت في فلسطين، ومنظومة عنوانها «الملائكة يودعون آدم خارجًا من الجنة»، ومحاورة طويلة بين جلال الدين الرومي ومريد هندي.

    وأبيات عنوانها على قبر نابليون، وأخرى عنوانها مُسوليني.

  • (٤)

    وقطعٌ أُخرى كثيرة.

(٧) بس جه بايد كرد اي أقوام شرق

«ما ينبغي أن نعمل يا أمم الشرق» باللغة الفارسية

منظومات مثنوية نشرها سنة ١٩٣٦م بعد أن استولت إيطاليا على الحبشة. ووضع عليها كلها عنوان المنظومة التي ذكر فيها حرب الحبشة وعصبة الأمم. وهو العنوان الذي صدرت به هذه الأسطر، ولكن فيها عناوين متعددة في موضوعاتٍ مختلفة مثل: خطاب الشمس، الحكمة الكليمية، الحكمة الفرعونية، لا إله إلا الله، الفقر، الرجل الحر، في أسرار الشريعة، كلمات إلى الأمة العربية … إلخ.

وهذه المنظومات في جملتها حكمة بالغة، وشعر بليغ نفثهما الشاعر حين حَزَنتْه أحوال المسلمين، وحزبه ما رأى من فتون الحضارة الأوروبية، وضلالها وجور ساستها، وقسوة قادتها، وعدوانهم على الأمم الضعيفة.

(٨) ضرب كليم

باللغة الأردية

نشره سنة ١٩٣٧. ولم يُنشر في حياته ديوانٌ بعده.

وهو ديوان مفصل على أبوابٍ فيها نظرات في الإسلام، والتربية، والمرأة، والفنون الجميلة، والسياسة، وغيرها.

فالفلسفة فيها واضحةٌ ظاهرة في أفكار معينة وموضوعات مُحددة، ودعوة إقبال فيها واضحة.

وهو ثاني دواوين إقبال التي تَرجمتُها إلى العربية. وقد كتبتُ له مقدمةً وافية، فليرجع إليه من يشاء.

(٩) أرمغان حجاز

«هدية الحجاز» باللغتين الفارسية والأردية

هذا الديوان نُشر بعد وفاة الشاعر. فيه آخرُ أفكاره، وختام نظراته، ولكن فيه منظومة مهمة عنوانها مجلس شورى إبليس كتب فوقها «سنة ١٩٣٦». ولا أدري لماذا لم تُنشر من قبلُ في ضرب كليم الذي نُشر في ١٩٣٧. لعل الشاعر لم يجدها ملائمة لهذا الديوان، وهو آخر ما نُشر في حياته، فجُمعت إلى ما نظم بعد ضرب كليم في هذا الديوان الآخر، ديوان أرمغان حجاز.

والقسم الفارسي من هذا الديوان، وهو أكثره، رباعيات مقسمة على هذه العناوين: إلى الحق «الله تعالى» – إلى الرسول – إلى الأمة – إلى العالم الإنساني – إلى رفقاء الطريق.

وبين الرباعيات التي جعل عنوانها إلى الأمة، إحدى عشرة رباعية يخاطب بها شعراء العرب.

وفي كل قسم من هذه الأقسام عناوين أخرى تتقسم الرباعيات والقسم الأردي أعظم شأنًا: فيه مجلس شورى إبليس، وهو محاورة بين إبليس ومشيريه، وشكوى من بعض المشيرين من الديمقراطية يخافون أن تصلح العالم، وشكوى أخرى من الشيوعية، ومحاورة بين المشيرين، وجواب إبليس بأنه لا يخشى كل ما ذكروه من المذاهب، ولكن يخشى الإسلام إن تنبه المسلمون. ففيه دون غيره القضاء على سلطان إبليس.

ومن عيوب قصائد هذا القسم رثاء رأس مسعود صديق الشاعر. وهو رثاء بلغ فيه إقبال من الفلسفة والعاطفة الدرجات العلى.

وفي هذا القسم محاورات أخرى، وآخره رباعيات.

١  انظر وصية إقبال لأحد أصحابه بقراءة هذه الأبيات [الباب الأول: الفصل الخامس – وفاته].

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤