التزحلق على الهواء!

حمل الشياطين الأجنحة إلى حافة القمة ليركبوها … فأسندوا صدورهم على حاملٍ ممتد بين الأجنحة … ووضعوا أرجلهم على الذيل الذي يُستخدم كدَفَّة … ووقفوا بمحاذاة بعضهم.

كانت الجزيرة هادئة … خالية من المارة … إلا أن العم «واو» رأى عن بُعد … سيارة رجال العصابة قادمة، فقال: عصابة «سوبتك» قادمون.

فقال «أحمد» في حزم: «ش. ك. س» استعداد … انطلق!

جرى الشياطين بسرعةٍ حتى نهاية الحافة، وعندما وصلت سيارة رجال العصابة … كان «أحمد» و«إلهام» و«عثمان» يحلِّقون في الهواء … كالنسور العملاقة جرى رجال العصابة إلى حافة التل … شاهِرين أسلحتهم … يُطلقون النار على الشياطين في فزع … والشياطين يندفعون نحوهم بسرعة الهواء، وقد تدلَّت أرجلهم لأسفل … لتضرب رءوسهم في عنف … فيطيرون في الهواء بلا أجنحةٍ، ويسقطون صارخين من قمَّة التل.

أدارَ الشياطين أجهزة الدَّفْع الخلفية للأجنحة، وأخذوا يحلِّقون في الهواء بحذر، فخلفهم ناطحات السحاب، وأمامهم أكثر من مائة جزيرة وتحتهم الماء … وميناء «إيبردين» … وشبكة الطرق التي تلتف كالحيَّات بين المباني الشاهقة، حلق الشياطين فوق ناطحة سحاب … فلفت نظر «أحمد» برج حديدي يعلوه شقة … نصف حوائطها العلوية من الزجاج.

رأى من خلاله شابًّا وفتاة جالسين … شعر «أحمد» أنهما «ريما» و«خالد» … فهذا مكان جيد لاختفاء مُختطفين، تحدَّث «أحمد» مع «إلهام» و«عثمان» عن طريق اللاسلكي، ثم حلَّقا في دوائر واسعة حول الشقة، لفت هذا نظر «ريما» و«خالد» … قال «خالد»: إنهم الشياطين.

سألت «إلهام» «أحمد»: ماذا سنفعل الآن؟

قال «أحمد»: المهم أن نحدِّد أين هذا البناء، ونختار المكان المناسب للهبوط.

مسح «أحمد» المكان حوله ببصره … ثم انحرف شمالًا، والشياطين يتبعونه، ثم قال في حزم: «ش. ك. س» استعد للهبوط، ٣ – ٢ – ١، هبوط.

مالَ الشياطين بمقدمة الأجنحة إلى أسفل بزاوية حادة، فانزلقت الأجنحة على الهواء في خطٍّ مستقيم بسرعة صاروخية، وكأنهم ثلاثة نسور … تنقض على فريسة، وعندما اقتربوا من الأرض، رفعوا مقدمة الأجنحة لأعلى، ليهبطوا بأقدامهم إلى أسفل، مندفعين إلى الأمام جريًا لعدة أمتار على الحشائش، التي كانت أعوادها تنكسر تحت أقدامهم.

كان هبوط الشياطين على جزيرة «كولون» … والتي لا تبعد كثيرًا عن «هونج كونج»، مُوفَّقًا … فقد اختاروا مكانًا أخضر فسيحًا، قام الشياطين ببراعة وبسرعة بفك الأجنحة، ثم وضعوها في أغلفتها … وأخفوها في ظل شجرة ضخمة … كثيفة الخضرة، ووضعوا أسفلها علامة.

نظر الشياطين في ساعاتهم … ثم نظر كلٌّ منهم للآخَر … ودون أية كلام أو صوت … ارتموا على الأرض … فاردين أجسامهم … على خضرة كثيفة تُغطِّيهم، وأوراق الشجر العملاقة فوقهم … تحوي الكثير من الطيور.

مرَّت الدقائق سريعة وبدأت الشمس في المغيب … والليل يزحف على المكان، وبدَت الأشجار حولهم تظهر كالأشباح، سرح «أحمد» في «٩ شارع كونيررود سنترال»، فهناك «ريما» و«خالد» … وهناك عصابة «سوبتك» … ولكن … هل «هاني قنديل» هناك؟ إنه أهم سؤال في المغامرة … وإجابته تحتاج لسرعةٍ في الحركة، انتبهَ «أحمد» وقال: الحمد لله أن «ريما» و«خالد» بخير، والآن إلى ميعاد العم «واو».

في صباح اليوم التالي … فوق البرج … أعلى ناطحة السحاب … فُتح باب المكتب … كان «خالد» و«ريما» قد أيقظهما الضوء المتسلل من الحوائط الزجاجية … مسح «خالد» عينَيه ثم نظر إلى أعلى … فوجد «توماس» ممسكًا بيده قبضة الباب، ويضع الأخرى على الحائط … ويبتسم قائلًا: جئت لأعقد معكم اتفاقًا.

قال «خالد»: أنا تحت أمرك.

دخل «توماس» … واتجه إلى حيث تجلس «ريما»، ومن خلفه دخلت «ليليان» لتجلس بالقرب من «خالد»، نظرت «ريما» ﻟ «توماس» بثبات وتحدٍّ.

قال «توماس»: أعرف أنكِ فتاة شجاعة … وهذه الشجاعة لا تكون إلا لعضوة في عصابةٍ أو منظَّمة دولية … وفي كل الأحوال يمكننا عقد اتفاق، وسنكون صرحاء معكم … ونرجو منكم هذا أيضًا.

قالت «ريما»: أتمنَّى هذا.

نظرت «ليليان» ﻟ «خالد» وقالت: أنت شاب وسيم … قوي … ذكي، وسيكون من المفيد جدًّا الاعتماد عليك.

نظرت «ريما» ﻟ «ليليان» وقالت: في أية شيء؟!

لم تلتفت لها «ليليان» وقالت ﻟ «خالد»: نحن منظَّمة تعمل لخير العالم.

قال «خالد»: كيف؟

رد «توماس»: نحن نرعى المواهب العلمية حتى تنضج … وتستفيد البشرية من إنتاجهم، وهذا ما فعلناه مع «هاني» … وهو معنا هنا كجزءٍ من اتفاق تبادُل علمي مع مؤسسة صناعية كبيرة.

قال «خالد»: اتفاق عِلمي أم صفقة؟

ابتسم «توماس» في زهوٍ، وقال: لِنَقُل صفقة!

قالت «ريما»: وما المطلوب منا؟!

رد «توماس»: صفقة أخرى مع المنظمة التي تعملون لها، تنسون موضوع «هاني قنديل».

سأله «خالد»: وما الثمن؟

أجابت «ليليان»: حساب سري في بنك تختارونه، وإطلاق سراحكم.

•••

قطع الشياطين الثلاثة المسافة من «كولون» إلى «هونج كونج»، عَبْر نفقٍ على عمق ٢٤ مترًا، تحت سطح الماء في سيارة هوندا … وفي «هونج كونج» قرروا استعمال مواصلة آمنة … بعيدة عن أعين رجال العصابة … ولم يجدوا إلا «الريكشا» وهي عربة كالحنطور، ولكنها صغيرة … ويجرها بدلًا من الحصان رجل.

أشفقت «إلهام» كثيرًا على الرجل الذي يجرُّ عربتها فهو رجل عجوز … ساقاه نحيلتان تكاد تحملانه مُرغَمة، أما «أحمد» فقد جرَّ عربته … رجل متوسط الطول … أصلع … كثيف شعر الحاجبين … كثُّ الشارب … ضيق العينين … مستطيل الوجه.

دارت رأس «أحمد» كثيرًا … وهو يتذكَّر هذه الملامح … وفجأة سأل الرجل بلغة عربية ألم تذهب إلى متحف الشمع؟ رد الرجل بهدوءٍ شديد: مساء الخير مستر «أحمد» … أنا عميلكم «زئبق» … «هاني قنديل» مع «خالد» و«ريما» في نفس المبنى … مع تحيات مستر «صفر».

لم تطُل دهشة «أحمد»، فقد رأى «عثمان» يرفع يده عاليًا، ليهوي بها على رقبة سائق «الريكشا» التي يركبها، انكفأ الرجل على وجهه … فانقلبت «الريكشا» … وتدحرج منها «عثمان» فوق الرجل، فانبطح على وجهه مرةً أخرى … فاقدًا الوعي … قفز «عثمان» يكمل طريقه جريًا بين الشوارع المظلمة.

قال «زئبق»: إنه لا يعرف الطريق … فرد «أحمد»! ولكن سيصل.

وعندما وصل «أحمد» و«إلهام» إلى المطعم العائم، وجدا «عثمان» يقص ﻟ «واو» ما حدث، وكيف أنه تعرض للاختطاف، فقد كان رجل العصابة «كيم» هو الذي يجر عربته … محاولًا اختطافه.

قال «واو»: إنني معجب بكم حقًّا … فمهمتكم تدعو للاحترام، ثم أخرجَ رسالةً من رقم «صفر» سلَّمَها ﻟ «أحمد»، الذي قرأها بتركيز شديد استعدادًا لحرقها، وإذا بيدٍ قوية تمسك وتحاول سرقة الرسالة، وفي نفس اللحظة انطلقت قدم مستر «واو»، كأنها قذيفة لتضرب الرجل.

صرخ الرجل وارتمى على ظهره … وانقلبت المنضدة … وجرى الزبائن الجالسون عليها بعيدًا.

اعتدل الرجل … وحمل مستر «واو» من وسطه لأعلى … فأطبق «واو» ساقَيه على رقبة الرجل، وضغط بشدةٍ فاحمرَّ وجهه وارتعش … ثم وقع جالسًا على كرسي خلفه … قفز «واو» من فوق المنضدة قفزة دائرية … ونزل على الأرض واقفًا وسط دهشة الشياطين الشديدة … فقد كانوا يستعدون للتدخُّل لولا قدرة العجوز «واو».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤