شهيد

علَّقوا له العديد من الصور، أغلقوا الشارع العام ورفعوا فوق سطوح بيته راياتٍ بألوان العلم الأربعة، أوصى البقال على كمية كبيرة من التمر، أحضر الشاعر أوراقه وبدأ ينظم قصيدةً، أما أمه فقد احتمت من البكاء بالزغاريد؛ في كل لحظة توشك الدموع أن تنهمر كانت تُطلقها على شكل زغرودة أخرى.

همَّ أحدُ أصدقاء الشهيد بمنعها لولا أنه كان يحمل التابوت، كان ثقيلًا جدًّا ولم يستطع أن يتركه ويذهب إليها، نظر فيه عابر جنازة، وقال: «دعْها وشأنها .. يجب أن تُواصل الزغاريد.» وبدأ بالهتاف بأعلى صوت: «زغردي يا أم الشهيد .. ابنك في الجنة أكيد.» الناس كلها تُكرِّر الهتاف ذاته.

أمُّه تواصل ولا تبكي .. ربما الجنة وحدها ما تدفع الدموع إلى الجفاف لتنطلق بسمةُ الأم ويتحول النواح إلى هتاف، والحزن إلى فخر واعتزاز. أما عن الشيخ الذي كان يمشي في المقدمة فقد قال: «كان دومًا يرتادُ المساجد.» علَّق آخر: «كان مثقفًا.» وبدأت الأصوات تخرج بين الهتاف والهتاف وتغزو التابوت: رحمه الله كم كان شجاعًا!

– رأيته عندما كان يترأَّس المواجهات.

– هجم وحده على الدورية.

– يقال إنه كان يملك سلاحًا.

– نعم .. الجنود سيقتحمون البلدة ليلًا .. أنا متأكد.

كان يسمعهم جيدًا وهو يرتجف داخل التابوت، جسده ينزف، والألم يخزُّ صدرَه ويعتصره بصمت، ولم يصرخ، وضع يده على فمه مُرغِمًا نفسه على الصمت، ثبَّت باليد الأخرى ركبته كي لا يرتجف التابوت مع ارتجافه إلى أن حانت لحظة الدفن وقرَّر أن يصرخ كي لا يقتلَه التراب، أطلق صرخةً موجعةً تكفي ليصمت الجميعُ مذهولين بما يرَون ويسمعون.

•••

انتُزعت كل الصور المعلقة، سقطت الجدارية، وأخذوا الرايات المعلقة وعُلِّق دورها إلى لحظة استشهاد أخرى، سكتت الأغاني الوطنية، وعاد الأصدقاء إلى المقهى يتبادلون أطراف الحديث، وأعاد البقال كراتين التمر إلى تاجر الجملة، وغيَّر الشاعر عنوان القصيدة، أما أم «الشهيد» فقد عادت إلى البيت وأجهشت بالبكاء … عندها فقط استطاعت البكاء بكل ما أُوتيَت من فرح وحزن.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤