بعد الدستور

سقوط كامل باشا

سقتنا المعالي من سُلافتها صِرفا
وغنَّت لنا الدنيا تهنِّئنا عَزْفا١
وزفَّت لنا الدستور أَحرارُ جيشنا
فأهلًا بما زفت وشكرًا لِمَنْ زفَّا
فأصبح هذا الشعب للسيف شاكرًا
وقد كان قبل اليوم لا يشكر السيفا
ورحنا نَشاوَى العزِّ يهتف بعضنا
ببعضٍ هتافًا يصعق الظلم والحيفا
ولاحت لنا حُرِّيةُ العيش عندما
أماطت لنا الأحرار عن وجهها السجفا
أتَتْ عاطلًا لا يعرف الحلي جيدُها
ولا كحلت عينًا ولا خضَبت كفَّا
فجاءت بمطبوعٍ من الحسْنِ قد قضى
على الشِّعر أن لا يستطيع له وصفا
فلم نرضَ غير العلم تاجًا لرأسها
ولا غير شَنْف العدل في أذنها شنفا٢
ولم نكسُها إلا من العَرْف حُلَّة
وهل يكتسي الديباج مَنْ يكتسي العُرفا٣
نشرنا لها منَّا لفيفَ اشتياقنا
ونحن أُناس نحسن النشر واللفَّا٤
حللنا الحبى لما أتتنا كرامةً
وقمنا على الأقدام صفًّا لها صفًّا٥
عقدنا لها عقد اللِّواء تعشُّقًا
فكنا لها إلفًا وكانت لنا إلفا
رفعنا لواء النصر يهفو أمامها
ورحنا على صرف الزمان لها حِلفا
فلم ترَ غير الرفق فينا سجيَّةً
وإن كان بعض القوم أبدى لها عنفا

•••

تحمَّل أعباءَ الصَّدارة كاملٌ
فناءَ به ما لم يخفَّ وما خفَّا
طوى كشحه منها على غير لطفها
وأظهر من وجه الخِداع بها اللطفا٦
نحا أن يتمَّ الدست فيها لحزبهِ
علينا وظنَّ الأمرَ فيما نحا يخفى٧
وقد فاته أنَّا أولو ألمعيَّةٍ
بها نخطف الأسرار من قلبه خطفا
وأنَّا نرى مَنْ قد تأبَّط شرَّه
بعين تقدُّ الإبْط أَو تخلع الكتفا
لنا فطنة ترمي الزمان بنورها
فيبدو حجاب الغيب منه وقد شفَّا٨
رمانا بشزْر اللحظ مزورُّ طَرْفِهِ
فصحنا به أَن غُضَّ يا كامل الطرْفا
فما نحن بعد اليوم مهما تنوعت
عناصرنا من أمة تحمل الخسفا
مددنا إلى كف الإخاء أكفَّنا
نصافحه شوقًا فمدَّ لنا الكفا
فطاب لنا منه العِناق وضمَّنا
إليه فقبلناه من عينه ألفا
أذُلًّا وهذا العزُّ صرَّح سابغًا
علينا إذن فالعز أن ندرك الحتفا
إذا نحن قمنا مُحنَقين رأيتنا
ندكُّ جبال الظلم ننسفها نسفا
ونحن إذا ما الحرب أفنت جيادنا
قتالًا ركبنا الموت في حربنا طِرفا٩
تربَّع في صدر الوزارة كامل
فخط من النقصان في وجهها حرفا
وأنحى عليها بالجفاء مشتَّتًا
نجاحًا بركنيها الركينين ملتفا
لقد أغضب الدستور فعلًا ونية
وَمَنْ أعلنوا الدستور والشعب والصحفا
قد استوضَحُوه الأمر والأمر واضحٌ
فأعياه إيضاحُ الحقيقة فاستعفى
ولم يطلبِ الإمهالَ إلا لأنهُ
رأى عذره أَنْ لم يطل سبكه زيفا
كذلك مَنْ صاغ الكلام ملفَّقًا
تمهَّل حينًا يكثر الخط والحذفا
وَمَنْ قال حقًّا قاله عن بديهةٍ
ويحتاج للتفكير من موَّه الخلفا١٠
فيا أيها «الصدر» الجديد اتَّعظ به
فإياك أن تطغى وأنْ تثنيَ العطفا١١
ويا مجلس النواب سِرْ غير عاثرٍ
إلى المجد لا تلقى كلالًا ولا ضعفا
ودع عنك مذموم التَّجافي فإنما
لغير التجافي اختارك الشعب واستصفى
ألم ترَ أرجاء البلاد مَحولةً
من العلم فاستمطر لها الدِّيَمَ الوُطفا١٢
بلاد جفاها الأمن فهي مريضةٌ
فحقِّقْ لها من طبِّ رأيك أن تشْفى
فإن لأهليها عليك لذمةً
ومثلك من راعي الذِّمام ومن وفَّى
وما أنت إلا أمة قد تقدمت
أمامًا وقد خلَّت تقهقرها خلفا
ولا تنْسَ مغبرَّ العراق وأهله
فإن البلاءَ الجمَّ من حوله احتفَّا
فدجلة أمست كالدُّجيل شحيحة
فلا أنبتت زرعًا ولا أشبعت ظلفا١٣
وإن «الفرات» العذب أمسى مرنَّقًا
به الماء يجفو أو به الماء قد جفَّا١٤
سَلِ «الحِلَّة» الفيحاء عنه فإنها
حكت شهداء «الطفِّ» إذ نزلوا الطفا١٥
فيا ويلَ قوم في العراق قد انطوَوْا
على الذل إذ أمست قلوبهمُ غُلفا
ولم يذكروا مجدًا لهم كان ضاربًا
رُواقًا على هام الكواكب قد أوفى
وكانوا به شُمَّ العرانين فاغتدَوا
يقاسون أهوالًا به تجدع الأنفا١٦
يرجُّون من أهل القبور رجاءهم
وَمَنْ يحمل الدَّبوس أو يضرب الدُّفَّا١٧
١  السلافة: أفضل الخمر، وهو ما تحلب وسال قبل العصر.
٢  الشنف: هو ما يعلق في الأذن من الحلي.
٣  العرف: المعروف.
٤  اللفيف: المجموع، ويطلق على ما اجتمع من الناس من قبائل شتى.
٥  الحبى: جمع حبوة، وهي ما يحتبي به الرجل من عمامة أو ثوب.
٦  طوى كشحه عنها: أي أعرض عنها.
٧  الدست: الحيلة والخديعة، ويطلق على ما يكون فيه الغلب في الشطرنج.
٨  شف الثوب: لم يحجب ما تحته.
٩  الطرف: الكريم من الخيل.
١٠  الخلف: هو أن تعد عدة ولا تنجزها.
١١  أراد بالصدر الجديد: حسين حلمي باشا. العطف: الجانب، وثني العطف: كناية عن الإعراض والجفاء.
١٢  محولة: مجدبة لا مرعى فيها ولا كلأ. الديم: جمع ديمة، وهي مطر يدوم في سكون، بلا رعد ولا برق. الوطف: جمع وطفاء، وهي السحابة المسترخية لكثرة مائها.
١٣  الدجيل: شعبة من نهر دجلة.
١٤  مرنقًا: مكدرًا غير صافٍ.
١٥  الحلة: قرية في طف دجيل بغداد. الطف: أرض من ضاحية الكوفة وفيها قتل الحسين بن علي عليه السلام.
١٦  العرانين: جمع عرنين، وهو الأنف.
١٧  يشير بهذا البيت إلى قوم تركوا النصوص الشرعية القاضية بالسعي والاعتماد على النفس، ولجئوا في طلب الخير والنصر إلى الأموات أو الدجالين الذين يحملون الدبابيس، ويضربون الدفوف والمزاهر؛ ادعاء أنهم من أهل البيت وخيرة رجاله، وما هم إلا أهل لهو وبطالة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤